بين يدي المرجع: الليلة الرمضانية الثانية عشرة




 

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

في مجلس هذه الليلة طرحت مواضيع مختلفة للنقاش، وأسئلة عديدة، فسأل أحد الحضور من سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: امرأة تزوّجت مع رجل مسيحي، وبعد فترة علمت أن زواجها غير جائز، فانفصلت عنه. فهل عليها عدّة؟

قال سماحته: نعم عليها عدّة.

وسأل آخر عن شخص مديون أعطى لدائنه صكاً كي يستلم به مبلغ الدَين، فإذا ضاع الصك من الدائن أو تُلف هل يجوز أو يحق للدائن أن يطلب صكاً آخر من المديون؟

أجاب سماحته: علينا أن نعرف كيف يتصرّف العقلاء في مثل هذه الحالات. فإن الموارد مختلفة، ففي بعض الحالات يمكن للدائن أن يطلب صكاً آخر من المديون، وفي حالات اُخر لا يمكنه ذلك كما لو عثر عليه شخص وتسلّم المبلغ وغصبه، لذلك لا يمكن أن نعطي حكماً مطلقاً في مثل هذه اﻷمور.

وسئل سماحته: شخص ضعيف البنية إن صام فإنه لا يستطيع أن يصلّي واقفاً لما يعتريه من الضعف بسبب الصوم. فهل يجوز له اﻹفطار كي يستطيع أن يصلّي من قيام؟

قال سماحته: الصوم مقدّم من باب التزاحم.

وعقّب سماحته قائلاً: قد طرح مثل هذه المسألة صاحب العروة وقال: شخص صائم كان يصلّي، فجأة جاءت بقة ودخلت في حلقه، وتوقّف إخراجها على إبطال الصلاة بالتكلّم بأخ، وجب قطع الصلاة بإخراجها ولو في ضيق وقت الصلاة، مع أنه لا شك في أن الصلاة أهم من الصوم ولكن من باب التزاحم وارتكاز المتشرعة فهنا يقدّم الصوم على الصلاة.

وطرح سماحته المسألة التالية للنقاش العلمي:

شخص يقول أن الطبيب قاله له: لا تصم اﻷيام الخمسة اﻷولى من شهر رمضان حتى تستطيع أن تصوم من بعد اليوم الخامس إلى نهاية الشهر. وأما إن صمت اﻷيام الخمسة اﻷولى فسوف لا تستطيع أن تصوم باقي أيام الشهر. فهكذا شخص ماذا عليه أن يفعل؟

قال سماحته: هذه المسألة شبيهة بالمسألة التالية وهي: مريض يقول له الطبيب إن صلّيت الركعة اﻷولى (في الصلاة الرباعية) من قيام فسوف لا تستطيع أن تصلّي الثلاث ركعات الباقيات من قيام، ولكن إن صلّيت الركعة اﻷولى من جلوس فتستطيع أن تصلّي الباقي من قيام. وهذا أيضاً ماذا عليه أن يفعل؟

وسأل أحد الضيوف: شخص يفطر متعمداً كل يوم من شهر رمضان، وفي يوم من أيام الشهر المبارك لم يجد ما يأكل، فهل عليه الكفّارة لذلك اليوم؟

قال سماحته: جاء في مضمون بعض الروايات الشريفة أنه إن كان إفطاره متعمّداً فعليه الكفّارة. فإذا قلنا بأن الإفطار متعمّداً يشمل كلا الحالتين: أي من أخلّ بنيّة الصوم متعمّداً، ومن أفطر متعمداً وجبت عليه الكفّارة أيضاً، وأما إذا لم نقل بذلك كما هو الظاهر وعليه المشهور، فإنه ليس عليه إلاّ القضاء فقط.

وسُئل سماحته عن رجل مهنته توزيع المشروبات الغازية، وهذا يتطلّب منه أن يخرج ويسافر بعيداً عن مدينته، ولديه ولد يريد أن يساعده في العمل، فيخرج الولد مع أبيه من المدينة بمسافة أربعين كيلومتراً تقريباً، فما حكم الولد بالنسبة للصيام؟

قال سماحته: إن يخرج الولد مع أبيه من المدينة مرّة أو مرّتين فلا يسمّى بكثير السفر، وإما إذا خرج كل يوم خلال مدة لا تقل عن شهر واحد، وكذلك واصل خروجه في شهر رمضان ففي هذه الحالة يسمى (مَن عمله في السفر) وعليه أن يصوم.

وأضاف سماحته: علماً بأن بعض المراجع المعاصرين كان يقول: إذا استمر بالخروج من المدينة لمدة خمسة أسابيع عند ذلك يطلق عليه أن عمله في السفر. ولكني أرى أن هذه الخمسة أسابيع لا خصوصية لها. وبرأيي أن الخروج يومياً أو في كا اسبوع مرة بحيث لم يفصل بين سفرة وأخرى عشرة أيام ولمدة شهر على الأقل، فإن له الحكم نفسه أي يعتبر عمله في السفر.

وقال أحد الفضلاء لسماحة السيد المرجع: سماحتكم تقولون بأنه إذا اغتسل المجنب تحت الدوش فإنه يجزئ عن الغسل.

سؤالي: ماذا يعتبر هذا الغسل، ترتيبياً أم ارتماسياً؟

قال سماحته: الغسل تحت مثل الدوش لا يعتبر ترتيبياً ولا ارتماسياً بل هو قسم ثالث من أقسام الغسل.

وأضاف سماحته: هنالك ثلاث روايات حول الغسل تحت المطر. وقد أفتى الشيخ الطوسي والعلاّمة الحلّي استناداً إلى تلك الروايات بوجود قسم ثالث للغسل. وقد أضاف العلاّمة (رحمه الله) مضافاً إلى ما ذكرته الروايات «الميزاب» أيضاً، أي: الغسل تحت الميزاب، ولعله يشمل الشلاّل أيضاً ونحوه.

وأردف سماحته: إن الروايات الشريفة لم تبيّن نوع الغسل تحت المطر، لذلك فباقتضاء اﻹطلاق المكاني لا يلزم على المجتهد أن يقول بمراعاة الترتيب في هذا النوع من الغسل. وقد أشكل العلماء على رواية من تلك الروايات الثلاث وهي: ما روي عن علي بن جعفر أنه سأل اﻹمام الكاظم صلوات الله عليه عن الرجل الجنب هل يجزيه عن غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يُغسل رأسه وجسده وهو يقدر على ماسوى ذلك؟ فقال: إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك(1). فقال هؤلاء العلماء في إشكالهم على هذه الرواية لعل علي بن جعفر كان يظن أنه لا يمكن الغسل بماء المطر.

قال سماحته: إن جوابي على هذا اﻹشكال هو: إن علي بن جعفر شخص جليل القدر فلا يمكن القول، بل من غير اللائق أن نقول بأنه كان لا يعلم بحكم الغسل تحت المطر.

وقال سماحته: لقد قال المرحوم النراقي في (المستند) والمحقّق الأردبيلي والكثير من الفقهاء العظام بأن الغسل في ماء المطر هو قسم ثالث من أقسام الغسل.

أما الفقهاء من صاحب الجواهر والذين من بعده ومنهم صاحب العروة فقد قالوا بوجود قسمين من الغسل فقط، أي: ترتيبي وارتماسي، وعلى الظاهر: أنه لا وجود لقسم ثالث من الغسل عندهم.

ثم استخلص سماحته القول في ذلك وقال: إذن فلا يحتاج الغسل تحت الدوش إلى ترتيب.


[1] وسائل الشيعة/ ج2/ باب كيفية غسل الجنابة ترتيباً و.../ ص 231/ ح10.