بين يدي السيد المرجع: الليلة الرمضانية الثامنة




 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحة السيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

من المواضيع التي تم بحثها هذه الليلة كان موضوع الاحتياط، فقال سماحة السيد المرحع ظله بهذا الخصوص: في الموارد التي يحتاط الفقهاء في الحكم له أكثر من سبب، منها: احتمال وجود الخلاف في ذلك الحكم.

ثم واصل سماحته في هذه الليلة البحث في مسألة ذي العطاش وقال: من المنظار العرفي، هل اﻷحكام التي قرّرت لذي العطاش قرّرت لكثرة العطش أم لاحتياج ذلك الشخص إلى الماء؟ على سبيل المثال: المصابون بمرض الكلى لا يشعرون بالعطش لكنهم بحاجة إلى شرب الماء. فهل تنطبق أحكام ذي العطاش عليهم؟ وهل أن حكم ذي العطاش وضع له لإحساسه بالعطش أم لاحتياجه إلى الماء؟ ...هذه مسألة بحاجة إلى المزيد من البحث والتأمّل.

وقال سماحته: هنالك رواية شريفة عن الإمام الصادق (صلوات الله عليه) يقول فيها: "إنّي إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلاّ القوت وما أشرب كلّ الرّيّ" (1). وتبعاً لهذه الرواية قال الفقهاء بأنه يستحبّ للمريض والمسافر في شهر رمضان أن يأكل بمقدار الضرورة لا الشبع.

وهنالك رواية أخرى عن اﻹمام الصادق (صلوات الله عليه) أيضاً يقول فيها: "إن رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يارسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا. فقال: يارسول الله إنه عليّ يسير. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أمّتي ومسافريها بالإفطار في شهر رمضان، أيعجب أحدكم لو تصدّق بصدقة أن تُردّ عليه؟"(2). إذن واستناداً إلى ما ذكرته الرواية الشريفة بأن اﻹفطار في السفر هو تصدّق من قبل الله تعالى فهل يمكن الاستنتاج من ذلك أنه: كل ما أكل المفطر أكثر كان أفضل؟

وسأل أحد الحضور من سماحة السيد المرجع: شخص استقرض مالاً بالربا اضطراراً واُجبر على دفع الفائض، فما حكمه؟

قال سماحته: ﻷنه أخذه للضرورة فلا إشكال في ذلك. ففي الرواية الشريفة: «وليس شيء مما حرّم الله إلا وقد أحلّه لمن اضطر إليه» (3) نعم هو ربا وحرام للآخذ.

وسئل سماحته: من يدفع الربا للضرورة كالمذكور في السؤال السابق هل يجوز له أن يدفع الربا من سهم اﻹمام (سلام الله عليه)؟

أجاب سماحته: إن كان للضرورة ففي هذه الحالة لا يعدّ رباً، والذي لا يعدّ رباً هو جائز، ولا إشكال حينئذ في أن يؤخذ من سهم اﻹمام سلام الله عليه في دفع الجائز.

وحول الموضوع نفسه قال سماحته: جاءني شخص وقال لي: لدي بيت جيّد ومناسب، وحالتي المعيشية جيدة أيضاً، ولكن زوجتي كثيرة الشكوى والتذمّر وتطالبني ببيت أحسن من البيت الحالي، وقد أتعبتني وأعياني تذمّرها وتعبت أعصابي ونفسي، فنظراً لما اُعانيه هل يجوز لي الاستقراض بالفائض الربوي؟ قلت في جوابه: لا إشكال فيه إن لم يستطع تبديل بيته إلى الأحسن إلاّ بذلك.

ثم عقّب سماحته: هذا اﻹضطرار هو اضطرار شخصي. فبعض الرجال يمكنه أن يتحمّل شكوى زوجته ولا تنهار أعصابه وله القدرة على أن يصبر على شكواها، وبعض لا يطيق ذلك وتنهار أعصابه ويتذمّر، ولذلك قلت له أي للسائل لا إشكال في ذلك.

وقال سماحته: من اﻷمور التي كثيراً ما يبتلى بها الناس فدية الصوم، فقد سألني شخص: أنا أسكن في النرويج وعليّ أن أدفع الفدية، وسعر الفدية (ثلاثة أرباع كيلو الحنطة) في النرويج هو ثلاثة دولارات، وسعر الفدية في مدينة قم المقدسة دولار واحد، فقيمة الفدية في قم أرخص من النرويج، فهل يجوز لي أن آتي إلى قم، أو أوكّل أحداً وأدفع بالسعر الموجود في مدينة قم؟

قلت له: على اﻷحوط استحباباً عليك أن تدفع حسب اﻷسعار الموجودة في البلد الذي تسكن فيه حالياً حتى وإن أتيت إلى مدينة قم المقدسة، أو وكّلت من يؤدّي ذلك فيها. مع أنه يمكنك في هذا الفرض أن تدفع الفدية حسب اﻷسعار في مدينة قم ولكن ادفع الفدية حسب الأسعار في بلدك على اﻷحوط استحباباً.

وقال سماحته: سألني شخص أنه هنالك آية في القرآن الكريم تقول: «ونحشره يوم القيامة أعمى» (4). وهنالك آية أخرى تقول: «أقرأ كتابك» (5) قلت له: في يوم القيامة هنالك مواقف مختلفة ومتعددة كما صرّح القرآن الكريم والروايات الشريفة بذلك. ففي موقف يكون اﻹنسان - والعياذ بالله - أعمى، وفي موقف يكون بصيراً، وهكذا.

وختم سماحته مجلس هذه الليلة بقوله:

إن للشيخ المفيد (رضوان الله تعالى عليه) كتابا قيّما اسمه (الاختصاص). فمن كان منكم عنده هذا الكتاب فليجرّب ما سأقوله لكم، ومن ليس له هذا الكتاب فليشتره وليجرّب بعدها:

يوجد في آخر هذا الكتاب روايتان مفصّلتان. تتحدّث إحداها عن الجنة واﻷخرى عن جهنم والعياذ بالله. وحسب استنتاجي أن من يقرأ الرواية التي تتحدث حول جهنم بتأمّل وتمعّن فسوف لا يستطيع النوم ليلته ويبقى يقظاً إلى الصباح، وفي هذا الأمر نفع للإنسان حيث يزداد معنوية وهدى.

وأضاف سماحته: لقد حصلت على هذا الكتاب قبل أربعين سنة تقريباً فقرأته، وعندما وصلت إلى آخره وبالتحديد إلى تلك الروايتين قرّرت أن أقرأ أولاً الرواية التي تذكر جهنم. فقرأتها وحقاً لم أستطع النوم تلك الليلة.

وقال سماحته: مثل هذه اﻷمور هي مفيدة للإنسان ونافعة له. فيجدر باﻹنسان ما دام في الدنيا أن يستفيد من فرصة الحياة لمثل هذه اﻷمور، أي بأن يعرف أهوال يوم القيامة وجهنم قبل مماته فإنها خير وازع ورادع.

وأردف سماحته قائلاً: رحمة الله تعالى ورضوانه على العلماء من السلف الصالح، فقد تركوا لنا علوماً نافعة وجاهزة للاستفادة والانتفاع.


[1] من لا يحضره الفقيه/ ج2/ باب وجوب التقصير في الصوم في السفر/ ص143/ ح1986..

[2] فروع الكافي/ ج4/ باب كراهية الصوم في السفر/ ص127/ ح3.

[3] وسائل الشيعة/ ج4/ باب 12 جواز لبس الحرير للرجال في .../ ص373/ ح5428.

[4] سورة طه: الآية 124.

[5] سورة الأسراء: الآية 14.