ليالي رمضانية (6): في ظل السيد المرجع




 

موقع الإمـــــــام الشيرازي

26/شهر رمضــان/1431

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بالسيد المرجع يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

وقد زار عدّة من الفضلاء النبلاء، والعلماء الأعلام سماحة السيد المرجع (دام ظله) في الليلة السادسة من شهر رمضان المبارك في بيته، وبعد ترحيب سماحته بهم دار البحث في الجلسة ـ كما في كل ليلة ـ حول بعض المسائل الشرعية، والفروع الفقهية المختلفة، ومنها:

الصلاة خلف المقام

سأل بعض سماحته عن حاج أو معتمر صلّى بعيداً عن مقام إبراهيم (عليه السلام) للزحام، وأثناء الصلاة خفّ الزحام بحيث يمكن الصلاة خلف المقام، فهل تبطل صلاته؟

فأجاب سماحته: لا بأس بذلك للروايات المستفيضة التي يظهر منها التسهيل في الحج، وإطلاقها يشمل مورد الزحام، علماً أنه لايشترط صدق الزحام على تمام المورد، بل بمجرّد اشتغاله بالصلاة ولو بمقدار التكبير والدخول في الصلاة، فإنه يستوجب شمول الإطلاق له.

فقال بعضهم: هل يصدق على من صلى ـ من غير زحام ـ خلف أقرب الموانع التي تحول دون رؤية المقام أنه صلّى خلف المقام؟

أجاب سماحته قائلاً: كلا، في هذا الفرض لا يصدق عليه أنه صلّى خلف المقام.

فقيل: وكيف لو صدق عليه عرفاً أنه صلّى خلف المقام؟

قال سماحته: لو صدق عرفاً ذلك فلا بأس لقوله (تعالى): «واتخذوا من مقام ابراهيم مصّلى»(1)، وإنما الكلام فيما إذا لم يصدق عرفاً أنه صلّى خلف المقام، نعم لو كان المانع من الصلاة خلف المقام هو الزحام فلا إشكال في جواز الصلاة في كل المسجد، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز ذلك حتى للمختار وفيه روايات دلالتها على ذلك محل تأمّل.

ثم أضاف سماحته قائلاً: إن التسهيل الموجود في روايات الحجّ هو ليس علّة تامة في مقام الحكم فذاك علة التشريع، إنما التسهيل هي علة شمول إطلاق الزحام على المورد المذكور.

فقال بعض: لو خفّ الزحام بعد الصلاة هل يشمله حديث لاتعاد؟

فقال سماحته: نعم.

مسائل في الطهارة

سأل بعض: هل يوجد وجه صحيح للحكم بالطهارة لمن يعطي ثوبه النجس ـ من أجل التطهير ـ لمن لا يثق به، مع إخبار الأخير بالتطهير؟

فقال سماحته: نعم وجهه: التوكيل، وقد ذكره جمع من الفقهاء.

فقيل له: ما الوجه في ذلك؟

فقال سماحته: وجهه: ان الوكيل مُؤتمن، وقد ذكره جماعة من الفقهاء.

فقال بعض: حتى لو كانت وثاقته غيرمحرزة؟

فأجاب سماحته: نعم، إنما البحث فيما لو لم تكن وثاقته محرزة، وإلاّ فلا حاجة إلى إيجاد وجه للاعتماد عليه وعلى إخبارة بالتطهير، أجل قد ذهب الكثير من الأعلام إلى ذلك، وأظن أنّ المسألة قد بحثت وهي موجودة في الكتب الاستدلالية، ولكنها على كل حال غير واضحة المعالم.

فقال بعضهم: يعني: انه ليس لديكم دليل على المسألة في المقام؟

فأجاب سماحته: نعم، اني لست مطمئناً إلى تمامية الأدلة، إذ ليس من المعلوم أنّ إطلاقات التوكيل بهذه الشمولية.

فقال بعض: ألا تجري أصالة الصحّة في المقام؟

فعلّق عليه بعضهم ـ قبل أن يجيب سماحته ـ قائلاً: الفرض أنه لم يُخبر بتطهيره ولم يقل: اني غسلته، ولذلك يبقى صاحب الثوب شاكاً في تطهيره.

فرّد سماحته على الأخير: الفرض أنه أخبره بالغَسل والطهارة، ولكن صاحب الثوب لم يثق به وبإخباره.

فقيل له: لو علمنا أنه قد غسل الثوب ولكن شككنا في أنه طهره أم لا؟ ألا يكون هنا مورد أصالة الصحة، بخلاف ما إذا شككنا في أصل غسل الثوب؟

أجاب سماحته قائلاً: المسألة محل خلاف، فقد ذهب عدّة من العلماء الأعلام إلى جريان أصالة الصحة حتى مع الشك في أصل العمل ناهيك عن الشك في الصحة، ومثّلوا له بالميت الذي يشك أنّهم غسلوه أو لا، ويؤيد ما ذهب إليه هؤلاء الأعلام قوله (عليه السلام): ضع أمر أخيك على أحسنه، حيث إن لفظ «أمر» في الرواية عام يشمل كل ما يشك فيه سواء كان في أصل العمل أم في صحته، وإنما الإشكال في سند الرواية.

فعلّق بعضهم قائلاً: الرواية تشير إلى أنه لابد أن يكون هناك أمر حتى نضعه على الأحسن.

فردّ سماحته قائلاً: كلا، فإن بعض الروايات ورد فيها: ضع فعل أخيك على أحسنه، ففي هذه إشارة إلى أنه لا بد من فعل حتى نضعه على الأحسن، بينما بالنسبة إلى الرواية الأولى فإن فيها لفظ «الأمر» ولا شك بأنّ لفظ الأمر له ظهور في الأعم من ذلك، وقد صرّح الملا عبد الله في حاشيته في علم المنطق قائلاً: بأنّ الأمر جنس الأجناس، نعم غاية ما هنالك: ان الرواية سنداً مخدوشة.

ثم أضاف سماحته قائلاً: عدّة من العلماء الأعلام اشترطوا في مورد أصالة الصحة: أن يكون هناك فعل ويشك في صحته وعدمها، كأن نعلم بالغَسل ولكن نشك في أنه طهّره أم لا، ولكل من هذين المشربين أنصار حتى عند الأعلام المعاصرين.

قاعدة سوق المسلمين

سأل بعض عن التمسّك بقاعدة سوق المسلمين لما نحن فيه وقال: ان مما اعتاد عليه الناس أنهم يشترون من سوق المسلمين ويحكمون بطهارته لقاعدة سوق المسلمين، فهل يمكننا الاستفادة من إطلاق روايات السوق في طهارة الثوب؟

فأجاب سماحته: لم يكن غَسل الثوب والإخبار عن تطهيره من أمور السوق، والموارد التي يشملها السوق هي المشكوكة الحرمة أو النجاسة وما شاكل، وما نحن فيه حيث نعلم بنجاسة الثوب، فإنه غير مشمول لها.

ثم نقل سماحته قصة عن والده المقدّس: الميرزا مهدي الشيرازي (رحمه الله) وقال: كان الوالد (رحمه الله) أيام شبابه يواصل دراسته الحوزوية في سامراء وذلك قبل قضية فلسطين، وكان اليهود آنذاك كثيرون في العراق وكان لهم سوق في المناطق التي يتواجدون فيها يُعرف باسمهم: (سوق اليهود).

يقول الوالد (رحمه الله): ان من السهل جداً أن تحرم الذبيحة على اليهود، وذلك لأنّ شرائطهم في حلية الذبيحة شرائط شديدة، أشدّ مما هي عند المسلمين، فمن شرائطهم مثلاً: أن يكون الذابح ذا مرتبة علمية فضلاً عن كونه يهودياً، لذا كانوا لمّا تحرم عليهم الذبائح في بعض الأحيان لفقد بعض الشرائط يبيعونها على قصابي العامة لأنهم يرون ذلك مباحاً، وكان الشيعة يشترون اللحم من قصابي العامّة مع وجود احتمال أن تكون الذبيحة من ذبائح اليهود، اعتماداً على القاعدة الإسلامية السمحة، والفقهية الحكيمة: قاعدة سوق المسلمين، التي تقول بحلّية وطهارة ما فيه، وكما كان يقول الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه الله): بأنه لا داعي للفحص والسؤال، لأنّ الشارع الإسلامي أراد التسهيل على المكلّفين.

فقال بعض: لقد جرت السيرة على عدم السؤال عن الميت المراد دفنه بأنه هل غسّل أم لا.

فأجاب سماحته: نعم، ولكن هل جرت السيرة على عدم السؤال حتى مع احتمالهم أنهم لم يغسّلوا الميت؟!

ثم أردف سماحته قائلاً: نقل لي أحد العلماء الأفاضل قصة طريفة قال فيها: ذهبنا في يوم من الأيام عندما كنا في مدينة كربلاء المقدسة إلى لزيارة الحر بن يزيد الرياحي أحد شهداء كربلاء، وإذا ببعض القرويين يأتون بجنازة يريدون طوافها في مرقد الحرّ الشهيد ثم دفنها، فشككنا في أنهم هل صلّوا على هذا الميت أم لا، ولذا سألناهم قائلين: هل صلّيتم عليه صلاة الميت؟

فقالوا: لا.

قلنا: لماذا؟

قالوا: لا يوجد عندنا أحد يصلّي عليه، قال: فصلّينا على الجنازة ودفناها.

ثم علّق سماحته قائلاً: إذن: ليس من المعلوم أنّ السيرة جارية على عدم السؤال حتى مع احتمال عدم التجهيز احتمالاً عقلائياً، ولذا لا يمكن التمسّك بها في مورد الشك.

ثم سأل أحد الفضلاء: هل هناك دليل من رواية ونحوها على أنّ الوكيل مؤتمن؟

أجاب سماحته قائلاً: نعم هناك رواية مرسلة، وأظن أنّ صاحب الجواهر (رحمه الله) يعتبر الوكيل مؤتمن مطلقاً، ولعله يدّعي قيام السيرة على ذلك.

فسأل بعضهم: أليس أنّ السيرة قائمة منذ القدم حتى يومنا هذا على الاعتماد على الخدم؟

فأجاب سماحته: نعم.

فقال السائل: حينما يعطي المولى خادمه الثوب ليطهره فهو يعتمد عليه وعلى كلامه؟

فقال سماحته: هل يعتمد عليه وعلى كلامه حتى مع العلم بأنه لم يطهّره؟!

ثم أضاف سماحته قائلاً: كلا، ليس كذلك بل المولى يقوم بتعليم الخادم على التطهير وهذا ما جرت عليه سير المتدينين، فإن المعتبر في المقام هي سيرة المتدينين، علماً أنّ بعضهم اشترط لحجية السيرة إحراز اتصال السيرة بزمن المعصومين (صلوات الله عليهم).

فقال بعض في استمرار هذا البحث: من الذي يراقب الخدم؟

فأجاب سماحته: لا حاجة للمراقبة، بل يكفي تعليمهم، وبعد التعليم مع العلم بغسل الثوب والشك في الكيفية، يجري المولى أصالة الصحة.

الإجهار بالإفطار

وهنا سأل أحد الفضلاء الحضور عن فرع جديد يخص البلاد التي يزورها الوافدون في كل وقت وفي شهر رمضان أيضاً قائلاً: يتوافد المسافرون في بلد الزيارات والعتبات المقدسة، والسياحات ونحوها على الأسواق في الأماكن العامة ويشترون منهم ويتجاهرون بالإفطار خلال شهر رمضان المبارك، وليس بإمكان الباعة أن يغلقوا محلاّتهم لاستلزام ذلك ضررهم البالغ مالياً، والسؤال هنا: ما هي وظيفة هؤلاء؟

فأجاب سماحته: من المسلّمات: أنه لا إشكال في معذورية المسافر في الإفطار، وكذا لا إشكال في أن من مرتكزات المتدينين حفظ حرمة هذا الشهر الفضيل، ولذا لابد من العمل بحيث يوفق بين الحقّين ويجمع بينهما، وإلاّ فإنّ حفظ حرمة الشهر من الشعائر ولابد من حفظها ما لم يستلزم ذلك ضرراً بالغاً، ولذا يجب العمل من أجل أن يكون إفطار المسافر في الخفاء وليس أمام الملأ العام. ومن لطيف ما يُذكر في مجال حفظ الظواهر الإسلامية في بلاد المسلمين وعدم التجاهر بالإفطار هو: إن في سوق الشورجة في بغداد كان بعض أهل المحلاّت من اليهود ـ وذلك قبل قضية فلسطين ـ ولكنهم كانوا يواظبون أشدّ المواظبة على عدم التجاهر بالإفطار مع انهم لم يكونوا مسلمين ولم يعتقدوا بصيامه. قال ناقل القصّة وكان قد ذهب إلى سوق الشورجة لشراء بعض الأمتعة والسلع: رأيت صبيّاً مميزاً لواحد من أصحاب محلاّت اليهود وهو يأكل شيئاً جهاراً في حين غفلة من أبيه، فلما التفت إليه أبوه نهره بشدّة وضربه ضرباً مبرحاً على تجاهره بالإفطار، فاعترض الصبي على أبيه وقال: إننا لسنا مسلمين ولا يجب علينا أن نصوم، فقال له أبوه، نعم ولكن يجب علينا أن نحفظ حرمة شهر رمضان وحرمة المسلمين. وهكذا كان الجميع يرى نفسه ملزماً بحفظ الظواهر الإسلامية في بلد المسلمين.

الصلاة من غير إذن صاحب العمل

ثم انتقل بعض الفضلاء الحضور إلى فرع فقهي آخر وسأل قائلاً: الموظف الذي يعمل في شركة أهلية - سواء كانت للمسلمين أو غيرهم - هل يجوز له الصلاة والوضوء من دون أن يستأذن صاحب الشركة؟

فأجاب سماحته: كلا، فإنه ما لم يحرز الرضا يجب عليه أن يستأذن لذلك، ففي الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «ياكميل انظر فيما تصلّي وعلى ما تصلّي، إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول»(2)، نعم الخبر غير معتبر سنداً إلاّ أنه معتمد دلالة.

فقال السائل: حتى لوكانت الشركة لكافر غير مسلم؟

فأجاب سماحته: نعم، حتى لو كانت لغير مسلم، وذلك لأن أملاك الكفّار وأموالهم محترمة، ولاشك في أنّ الكفار على أقسام، فغير الكافر الحربي أمواله محترمة.

ثم سأل أحدهم: ألا يكون فتح الشركة أبوابها في وجوه المراجعين دليلاً على الإذن ولو بالفحوى؟

فأجاب سماحته: لو أُحرز أذن صاحب الشركة ولو بالفحوى فلا بأس، إنما البحث فيما لو لم يحرز ذلك، خاصة مع ملاحظة عدم الفرق بين مال المسلم والكافر من حيث الاحترام، ومن المعلوم أنه عندما يكون المال محترماً فالتصرّف فيه من غير إذن صاحبه يُعدّ غصباً مبطلاً للوضوء والصلاة.

فقال بعضهم: إنما السؤال هو عن أنه هل يوجد في فرض المثال الذي طرحناه إذن الفحوى أم لا؟

أجاب سماحته: يختلف ذلك حسب اختلاف الموارد، فقد سألوني كراراً عن انه ماذا نعمل للصلاة مع ان صاحب العمل لايجيز لنا الصلاة في العمل؟ وهذا مما يدلّ على ان الموارد مختلفة، ولذلك فلابد من إحراز الإذن لذلك.

فقال أحد الفضلاء الحضور: لقد ادعى بعض عموم الإذن الفحوائي في البلاد الإسلامية لدى المسلمين؟

فأجاب سماحته: هذا الإدعاء لا عمومية له، كيف وقد ذكرت لكم بأنّ صاحب العمل يصرح بأنه لايجيز للموظفين الصلاة أثناء العمل؟ نعم لو كان ذلك بالنسبة للسجين فهو من مسائل التزاحم.

استرقاق الكفار

وهنا طرح بعض الفضلاء فرعاً فقهياً جديداً وقال متسائلاً: هل يجوز استرقاق الكفار في الوقت الراهن خصوصاً وأنّ أكثرهم من الكفّار الحربيين؟

فأجاب سماحته: كلا لا يجوز، فإن الإسلام وبحكمته العالية استطاع أن يقضي على ظاهرة الرق والاستعباد وفق برنامجه الدقيق والجميل، فلا يسمح بتجديده ثانية، مضافاً إلى أن الكفّار في الوقت الراهن والعصر الحاضر هم ـ على الأغلب ـ إمّا من المستأمنين أو من المعاهدين.

فقال السائل متعجّباً: هل الإسرائليون من المستأمنين أو المعاهدين؟

فأجاب سماحته: هل تعلم أنّ في إسرائيل الآلاف وفيهم الحاخامات يخالفون الحرب مع المسلمين؟

فقال السائل مستغرباً: فهل أنّ هؤلاء من المستأمنين؟

فقال سماحته: هؤلاء الذين يخالفون الحرب مع المسلمين ليسوا محاربين، ولكي يكون الإنسان محارباً فإنه لابد أن يصدق عليه ذلك بالفعل.

فقال السائل: أو ليس الكافر المحارب هو من لم تكن له ذمة عند المسلمين؟

فقال سماحته: الكفّار من حيث الاعتبار الإسلامي على خمسة أقسام:

1- الذمي: وهو الذي يعيش في ذمّة المسلمين وتحت حمايتهم وهو خاص بأهل الكتاب.

2- المحايد: وهو الذي اتخذ موقف الحياد من المسلمين ويخالف مقاتلتهم والتعرّض لهم بسوء، ويشمل غير أهل الكتاب أيضاً.

3- المعاهد: وهو الذي وقّع معاهدة مع المسلمين ويشمل الكفّار المشركين أيضاً.

4- المستأمن: وهو الذي أخذ الأمان من أحد المؤمنين ولا يلزم أن يكون من أهل الكتاب.

5- المحارب: وهو الذي في حالة حرب مع المسلمين، أي: بأن يكون محارباً بالفعل وليس بالقوّة.

ثم أضاف سماحته قائلاً: إن بعض قال: كل كافر ما لم يكن ذمياً فهو حربي، فيأتي السؤال هنا بأنه ماذا تقولون في المعاهد، هل تقولون أنه ذمي مع انهم لا يقولون بذلك؟

فقال السائل متداركاً: نعم المعاهد ليس ذمياً.

قال سماحته عندئذ: مع ان المعاهد هو قسم آخر من أقسام الكفّار وليس ذمياً، فإنه مع ذلك محترم المال، ممّا يدل على عدم تمامية القول بأنّ كل من لم يكن ذمياً فهو محارب.

وهنا سأل أحد الفضلاء قائلاً: لو لم يكن الشخص معاهداً ولا مستأمناً ومع ذلك كان بحيث إذا طلب منه الوفاء بشروط المعاهدة أو الاستيمان لا يقبل، ألاّ يُعدّ هذا محارباً؟

فتسائل سماحته قائلاً: لم يقبل بذلك وهو في بلد الإسلام أو في بلد الكفر؟

قال السائل: ما الفرق، وإذا كان هناك فرق بين الفرضين، فما هو حكم كل منهما؟

فقال سماحته: نعم هناك حسب الأدلة الشرعية فرق بين الفرضين، فإنه يختلف الحكم على كل فرض منهما: فلو كان في بلد الإسلام كان عليه أن يدخل في الذمة، ولو لم يدخل فإنه يصدق عليه أنه محارب، أمّا لو لم يكن في بلد الإسلام وكان مخالفاً لمحاربة المسلمين فلا يصدق عليه أنه كافر حربي.

فقال السائل: إذن من أي قسم من أقسام الكفّار هو؟

فقال سماحته: هذا قسم آخر غير داخل في الأقسام الخمسة المذكورة، وهو: انه كل غير مسلم يعيش في بلد إسلامي إذا كان بحيث لم تشمله شرائط الذمة، فإنه يُعدّ محارباً علماً بأن هذا القسم لا يتحقّق إلاّ مع تحقّق حكومة إسلامية عادلة تطبق كل أحكام الإسلام بكافّة حريّاته الإنسانية تطبيقاً وافياً ودقيقاً. ففي ظل بلد إسلامي كهذا، على الذمي أن يقبل شرائط الذمة حتى يدافع عنه وعما يرتبط به من أفراد وأموال ونحوهما، وهذا ما يطبّقه اليوم كل حكومات العالم من شرق وغرب، فإنها تفرض على كل من يعيش تحت حمايتها أن يلتزم بقوانينها.

إذن لابد من أن يكون الكافر محارباً بالفعل حتى يعامل معاملة المحارب، وإلاّ فلا.

عندها سأل بعض قائلاً: أليس أنّ الأصل هو: عدم حرمة الكافر دماً ومالاً إلاّ أن يكون ذمياً، أو محايداً، أو معاهداً أو مستأمناً؟

فأجاب سماحته: الأصل هو ما قاله الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»(3). نعم أصل عدم الحرمة إنما يكون إذا كان الكافر محارباً والمحارب يجب أن يكون محارباً بالفعل.

فقال بعض عند ذلك وكأنه يعترض على النتيجة: إذن لا يبقى حينئذ خصوصية للمسلم في حرمة دمه وعرضه وماله، لاشتراك غيره معه؟

أجاب سماحته قائلاً: إن الدليل الدال على عدم حرمة الدم والمال والعرض مضيّق من الأول بالكافر المحارب.

فقال بعض متسائلاً: فلنفرض ان إنساناً لم يكن مسلماً ولا معاهداً ولا مستأمناً ولا محايداً ولا ذمياً، بل كان مشكوكاً، فإن مثل هذا لا يشمله أصل الحرمة؟

فأجاب سماحته مستنكراً عدم الشمول هذا بقوله: ماهو دليل هذا الكلام؟

قال السائل مدافعاً عن كلامه: هو مفهوم الروايات التي جاء في منطوقها: مَن تشهّد بالشهادتين فقد حقن دمه وماله وعرضه.

فقال سماحته: إذن على هذا المفهوم يجب أن يكون الكفّار الذين كانوا في مكّة ولم يقاتلوا النبي (صلى الله عليه وآله) مهدوري الدم، مع أنه ليس كذلك، مما يعني: إنّ موضوع الدليل من البدء ضيّق.

فقال السائل: إذن لا تبقى خصوصية لدليل مَن تشهّد بالشهادتين؟

أجاب سماحته قائلاً: إن الأدلة كلها مثبتة، فمنها: ما يثبت حرمة الدم والمال والعرض بالشهادتين، ومنها: ما يثبته بالمعاهدة، ومنها: ما يثبته بالاستيمان، وهكذا، والمثبتات لا تقيد بعضها بعضاً.

فقال أحد الفضلاء: لو شككنا في أنّ هذا الكافر داخل تحت عنوان محقون الدم والمال والعرض أم لا، فهل الأصل الحرمة أم الهدر؟

أجاب سماحته: لا يوجد هنا دليل على الهدر.

فقال السائل: عدم الدليل هو الدليل؟

فقال سماحته: كلا، فإن عدم الدليل ليس دليلاً على الإطلاق، وإنما بشروط لم تكن موجودة فيما نحن فيه، ولذلك فإن الهدر يحتاج إلى دليل، وعمل المعصومين (صلوات الله عليهم) يمكن أن يكون هنا مؤيداً، لأنّ بني أمية وكذلك بني العباس كانوا قد عاهدوا الكفّار في الزمان المعاصر للأئمة المعصومين، ومع ذلك نرى الأئمة (صلوات الله عليهم) أقرّوا ذلك ولم يتعاملوا على خلافه.

يذكر، أن من الضيوف من الذين زاروا المرجع الشيرازي في هذه الليلة الأستاذ الجامعي الدكتور محمد علي فقيهي برفقة عدد من الأكاديميين.


1) سورة البقرة: الآية 125.

2) بحار الأنوار/ ج80/ تتمة باب1 أنه جعل للنبي ولأمته الأرض مسجداً/ ص284.

3) نهج البلاغة/ باب الكتب/ كتاب (53) كتبه (صلوات الله عليه) للأشتر النخعي/ ص426.


المصدر: www.s-alshirazi.com