
|
السيد المرجع: العلماء أولى من غيرهم بالاقتداء برسول الله |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمــام الشيرازي 19/ربيع الأول/1432
عشيّة حلول ذكرى مولد سيد الكائنات، حبيب إله العالمين، مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكرى مولد ناشر علوم الإسلام مولانا الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليه)، تطرّق المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) إلى هاتين الذكريين العظيمتين، خلال درسه خارج الفقه، في مسجد الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه) بمدينة قم المقدسة، صباح يوم الأحد الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول 1432 للهجرة، وألقى كلمة قيّمة، قال فيها: يصادف يوم غد مولد أشرف الأنبياء وأشرف الأولين والآخرين نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، وكذلك يصادف مولد مولانا الإمام الصادق (صلوات الله عليه). أبارك لكم أنتم أيها الأفاضل هاتين الذكريين العظيمتين والمباركتين، واُبارك أيضاً لجميع المؤمنين والمؤمنات في العالم كلّه. إن التعبير بالمصادف أو الموافق هو تعبيرنا العرفي نحن، حيث إننا نجهل الحكمة والسرّ من تقارن ذكرى مولد رسول الله ومولد الإمام الصادق (صلوات الله عليهما وآلهما) في يوم واحد. فالله (تعالى) المحيط علماً بكل شيء أراد وشاء منذ الأزل أن يكون يوم 17 ربيع الأول في عام الفيل يوم مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن يكون في اليوم نفسه وبعد 134 سنة مولد الإمام الصادق (صلوات الله عليه). ولعل أحد أسباب ذلك هو أن ما وصلنا من الإسلام من الأخلاق والعقائد والأحكام وباقي الأمور بواسطة الإمام الصادق (صلوات الله عليه) هو أكثر من باقي المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين). فالإمام الصادق (صلوات الله عليه) اُتيحت له الفرص لنشر الإسلام وأحكامه أكثر من باقي المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. بعدها أشار المرجع الشيرازي إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أفضل أسوة للعالمين وبالأخصّ لأهل العلم والفضلاء والمثقّفين وقال: يقول القرآن الكريم: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(1). وهذا معناه أن تعلّموا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) واجعلوه قدوة لكم وأسوة. وهذا الأمر ضروري لنا نحن أهل العلم أكثر من غيرنا، حيث إن دائرة استيعابنا ودركنا وفهمنا وعلمنا أكثر من سائر الناس، ولأن مسؤوليتنا أكبر من غيرنا، ولأن الناس يتعلّمون منّا. فعلينا أن نصمّم ونعزم على التأسّي برسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل شيء. علينا أن نتعلّم اسلوب وطريقة تعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفته كابن وأب وزوج، وكيف كان يتعامل (صلى الله عليه وآله) مع أرحامه الذين أحسنوا إليه ومع أرحامه الذين أساءوا إليه وكانوا يستهزئون به ويؤذونه كأبي لهب مثلاً ومن شابهه. فإنني لم أجد في كتب التاريخ والروايات الشريفة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد تكلّم بالسوء عليهم، فضلاً عن التعامل معهم بالسوء. نعم إن القرآن الكريم قد ذمّ أبي لهب وتوعّدوه بالعذاب، أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه لم يردّ عليه ولا على غيره، ولم يتعامل معهم بالسوء أبداً حتى بكلمة واحدة. لذا علينا أن نتعلّم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونجعله قدوة لنا ونتأسّى به (صلى الله عليه وآله)، ثم نعمل على نشر ذلك بين الناس وندعوهم إلى التعلّم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو القدوة الأفضل والأحسن للبشرية جمعاء. ثم ذكر سماحة نماذج من تعامل وسيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وقال: روى أنس بن مالك الذي كان خادماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لعدّة سنوات، وقال: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) شربة يفطر عليها، وشربة للسحر، وربما كانت واحدة وربما كانت لبناً وربما كانت الشربة خبزاً يماث. فهيأتها له (صلى الله عليه وآله) ذات ليلة فاحتبس النبي (صلى الله عليه وآله) فظننت أن بعض أصحابه دعاه، فشربتها حين احتبس، فجاء (صلى الله عليه وآله) بعد العشاء بساعة، فسألت بعض من كان معه هل كان النبي (صلى الله عليه وآله) أفطر في مكان أو دعاه أحد؟ فقال: لا. فبت بليلة لا يعلمها إلاّ الله من غمّ أن يطلبها منّي النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يجدها فيبيت جائعاً، فأصبح (صلى الله عليه وآله) صائماً وما سألني عنها ولا ذكرها حتى الساعة . فهل نتعامل نحن مثل هذا التعامل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيوتنا مع الوالدين أو مع الزوجة أو مع غيرهم؟ وقال سماحته: وذكرت الروايات الشريفة عن الإمام الصادق (صلوات الله عليه) أنه قال: «مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خُبْزَ بُرٍّ قَطُّ، وَلا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ قَطُّ»(2). وهذا يعني أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يذق الخبز المصنوع من الحنطة أبداً، بل ولم يشبع من الخبز المصنوع من الشعير أبداً. علماً بأن خبز الحنطة هو ألين وألذ وأفضل وأسهل هضماً من خبز الشعير الذي لا يستسغيه أكثر الناس. وهكذا كان الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أيضاً. فالنبي والإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) لم يشبعا قطّ في حياتهما لا من خبز الشعير ولا من أيّ طعام آخر. فهل بمقدورنا نحن أن نعمل مثل عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؟ وإذا لم نقدر على ذلك فعلينا أن نحاول ذلك أو أن نسير على نهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أقل التقادير. إذن يجدر بنا أن لا نصب جلّ اهتمامنا على أن نأكل أطيب الطعام وأفخره وألذّه، حتى لا نكون يوم القيامة خجلين أمام الله (تعالى). وأضاف سماحته: وذكرت الروايات الشريفة أيضاً أنه: «ما ذمّ رسول الله صلى الله عليه وآله طعاماً قطّ»(3). إذن ألا يجدر بنا أن نكون كرسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ أو نكون كالعلماء من السلف الصالح الذين اقتدوا بالنبي وساروا على نهجه ونهج الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما). لقد ذكروا في أحوال أحد المراجع الأعلام من السلف الصالح (رضوان الله تعالى عليهم) أن أولاده قالوا بعد وفاته: لقد عشنا مع أبينا سنين عديدة ولم نعرف أنه أيّ طعام كان يحبّ وأيّ منه كان يذمّه. إن ذلك المرجع كان مثلنا من أهل العلم، فلنصمّم إذن على الزهد في المعيشة بأن نكون مصداق الحديث الشريف: «الزهد أن لا يملكك شيء». وأشار المرجع الشيرازي إلى نموذج آخر من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفته كقائد وزعيم، وقال: جاء في التاريخ أنه بعد أن خسرت قريش الحرب في معركة بدر، تّم أسر بعضهم، وكان أحدهم جريحاً وكان يئنّ ويتأوّه الليل كلّه، وعندما حان وقت صلاة الصبح، جاء النبي (صلى الله عليه وآله) ليصلي بالمسلمين فقال: ما نمت الليل كله لأنين ذاك الأسير!! أي أنه (صلى الله عليه وآله) كان متألماً على ما يعانيه ذلك الأسير من الألم وهو من عدوّه. فهل تجدون مثل هذه الرأفة ومثل هذه الرحمة ومثل هذه الأخلاق العظيمة تجاه العدوّ عند غير رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟. وأكّد (دام ظله): علينا أن نكون مصداق الحديث الشريف المروي عن الإمام الرضا حيث قال (صلوات الله عليه): «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس»(5). فيجدر بنا أولاً نحن أهل العلم، وثانياً يجدر بالمؤمنين كافّة أن يراجعوا سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويطالعوها بتأمّل وبدقّة وتدبّر، ويصمّموا على العمل بها وبالتأسّي بأخلاق وتعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن يسعوا جاهدين إلى نشر وبيان سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتعامله مع القريب والغريب، ومع الصديق والعدوّ، وأن يدعوهم إلى العمل والتأسّي بها، حتى يعلم الناس ويعرفوا إنموذج الإنسان الكامل ويقتدوا به. وختم المرجع الشيرازي كلمته بقوله: إن مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الأسوة والقدوة الأحسن والأفضل للعالمين، وإن الاقتداء والتأسّي به يوجب نيل رضوان الله (تعالى). 1) سورة الأحزاب: الآية 21. 2) بحار الأنوار: ج16/ في صفة أخلاقه صلى الله عليه وآله في مشربه و.../ ص247. 3) وسائل الشيعة: ج24/ باب 2 كراهة الشبع والأكل على الشبع/ ص244/ ح30449. 4) مكارم الأخلاق: الفصل الثالث في صفة أخلاقه صلى الله عليه وآله في مطعمه/ ص30. 5) عيون أخبار الرضا: ج1/ باب 28 فيما جاء عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام/ ص307/ ح69. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المصدر: مؤسسة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الثقافية |
|