بين يدي المرجع: الليلة التاسعة




 

 

في جلسة هذه الليلة وبعد أن استقرّ المجلس بالحضور, سأل أحد الفضلاء من المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, قائلاً: هل الأحكام الشرعية مسبوقة بالعدم؟

أجاب سماحته: نعم, لأن الحكم الشرعي جعله الشارع المقدّس, وهو جعل جديد, كما في الحديث الشريف: (كان الله ولم يكن معه شيء). ويعني أن كل شيء مسبوق بالعدم إلاّ الله تعالى. ولذا فهو ليس بتكويني ولا تشريعي, فالأصل هو العدم كما مذكور في العقليات, وفي الأحكام أيضاً تجري العرفيات, وهو أصل برأسه. بلى لم يكن هناك إهمال, لأن الله تعالى من الأزل هو القادر وهو الحكيم, ولكن بالنسبة للحكم الشرعي فهو جعل جديد.

وأضاف سماحته قائلاً: إنّ الآية الكريمة التالية: «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا» ليس فيها دلالة على ان الماء المطلق له المطهّرية من أوّله. فهل ان الماء المطلق كان له حكم في السابق أم لا, فهذا ما لا نعرفه, لأنه لا يوجد يقين سابق كي يتم الاستصحاب. وأدلة الاستصحاب ليست ذات توسيع كبير كي تشمل مثل هذه المسائل. نعم استصحاب الشرائع السابقة صحيح, ولكن يختلف مع ما نحن فيه. لأنه بالنسبة للشرائع الماضية نعرف ان كل شريعة كانت لها أحكامها الخاصة بها, وبمجيء شريعة اخرى بعدها كانت بعض أحكام الشريعة السابقة تتغير وبعضها كانت تبقى. فهنا إذا شككنا بالنسبة إلى حكم من أحكام الشريعة السابقة بأنه هل غيّره نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله أم لا؟ فسيشمله أدّلة الاستصحاب, وهو أمر عرفي أيضاً.

وسأل آخر: إذا كان لطريق, كاشفية عقلائية, فهل تكون حجّيّته مقيّدة بمبنى وعمل العقلاء؟

قال سماحته: كلا, لأن هذا بخلاف الإطلاق, في حين ان الشارع المقدّس ذكر لفظ له إطلاق. فما الإشكال في أن تكون إطلاقات الشارع والإمارات التي جعلها الشارع حجّة, ما الإشكال أن يكون لها كاشفية نسبية عند العقلاء؟

أما إذا أردنا أن نقيّدها بالحدود العقلائية ومبنى وعمل العقلاء, فسيكون بخلاف الإطلاق. فالشيء الذي كان في السابق ثم أطلقه الشارع المقدّس, إذا أردنا حمل هذا المطلق على الشيء السابق, وقلنا بأن مراد الشارع هو خصوصه, فهذا سيكون بخلاف الإطلاق.

ثم أضاف سماحته قائلاً: إن الشارع المقدّس جعل إمارة, فإذا أخذوا من هذا التّعبير معنى الإمضاء فهو ليس لجهة الاختراعية. فإذا كان الإطلاق عند العقلاء منجّز ومعذّر فهو حجّة, ويؤيّد ذلك هو إذا أردنا تقييد كل هذه الإمارات بعمل ومبنى العقلاء, فسيرد إشكال على كل الإمارات. مثل خبر الواحد, إذا أردنا أن نقيّده بعمل ومبنى العقلاء فسيتبدّل الفقه, لأن العقلاء وبخلاف خبر الثقة إذا حصل عندهم ظن حول الخبر فلا يعملون به.

ثم سأل أحد الفضلاء وقال: في معاملات البيع المتعارفة حالياً, أن المشتري, بعض الأحيان, يشتري شيئاً ويقول للبائع سأدفع لك مبلغه لاحقاً, ولكن لا يعيّن وقت الدفع, فهل هذه المعاملة صحيحة, وهل يحتسب هذا النوع من البيع بيع نقد أم دَين؟

قال سماحته: هذه المعاملة صحيحة, والبيع هو بيع نقد وليس بيع بالدَين, لأن النقد والدين اصطلاحين شرعيين.

ثم عقّب سماحته وقال: هناك أربعة أنواع من البيع, هي:

الأول: بيع النقد, وهو أن لا يعيّن أجل ولا مدّة للثمن.

الثاني: بيع الدين, وهو أن يتم تعيين أجل للثمن.

الثالث: بيع السلف, وهو عكس بيع الدين, يعني أن يتم تعيين أجل للمبيع وللمثمن.

الرابع: الكالي بالكالي (الدين يالدين), وهو عدم تبادل أي شيء حين المعاملة, لا المبيع ولا الثمن, وعدم تعيين الأجل لأي منهما, وهو بيع باطل.

إذن فالشخص الذي يشتري شيئاً ولا يدفع ثمنه ويقول: سأدفعه لاحقاً, ولكن لا يعيّن له أجل, فهذا في الاصطلاح الشرعي بيع النقد, حتى إن دفع ثمنه بعد 20 سنة.

وأردف سماحته: نعم هذه المعاملة نقدية رغم أن المتعاملين قصدوا النسيئة, لكونهم يتصوّرون ان هذا نسيئة, ولكن المعاملة المذكورة ولأنه لم يعيّن فيها أجل, فهي نسيئة, وهي معاملة صحيحة ونقول بعدم وجود إشكال فيها, لجهة أن الشارع لم يقل: هذا باطل, بل قال: النسيئة ليست شرعية, لأنه في النسيئة يجب تعيين الأجل والمدّة. ولكن يشمل هذه المعاملة عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود). فالبحث المطروح هو: هل العقود العقلائية التي لم ترد في الشرع ولكنها في الوقت نفسه مصداق للمعاملات الباطلة كالربا والكالي بالكالي, فهل الأصل فيها: الصحّة أم البطلان؟ فقد صرّح صاحب العروة وصاحب الجواهر بأن الاصل هو الصحّة, سواء كان ذلك في البيع أو الإجارة أو المضاربة أو الحوالة أو العقود الأخرى. وطبعاً هذا محل خلاف ونقاش, ولكنه قول حسن, لأن العقود في (أوفوا بالعقود) هي العقود العقلائية ولم ينهى عنها الشرع, وليست العقود التي كانت في الشريعة السابقة.

وأضاف سماحته بقوله: نعم بالنسبة للبحث في هذه المسألة: إذا قصد المتعاملَين النسيئة الشرعية بالخصوص ولا غيرها, فهي باطلة بلا شك ولا يوجد فيها وجه تصحيح, لأن العقود تابعة للقصود. وأما إذا قصدا الأخذ والعطاء, والتملّك والتمليك, وظنّا ان هذه المعاملة نسيئة, فهذا خطأ في التطبيق, وكونها انها ليست نسيئة شرعية لا تتنافى مع كونها معاملة جديدة ويشملها: (أوفوا بالعقود) وتكون في إطاره.

بعدها سأل أحد الفضلاء سؤالاً آخراً بقوله: في مسألة غسل الثوب المتنجّس بالبول يقول الدليل: يجب غسله مرتين بالماء القليل, ولكن في الموارد التي ليس فيها دليل الخصوص على وجوب غسله مرتين, هل يكفي غسله مرّه واحدة بالماء القليل؟

أجاب سماحته قائلاً: بلى, لأن إطلاق (الماء طهور) يقتضي بعد زوال النجاسة بغسله مرّة واحدة فقط, لأن عدم ذكر عدد المرّات في الدليل يقتضي أن يكفي غسله مرّة واحدة. وبالنسبة للزوم غسله أكثر من مرّة فهذا يحتاج إلى دليل, وبعدم وجود دليل على تعدد الغسلات, فإطلاق المقتضي هو الاكتفاء بغسله مرّة واحدة.

وأردف سماحته: وهذا الإطلاق موجود في باب صلاة الجماعة واستند عليه صاحب الجواهر وقال: تشمل هذه الإطلاقات كل موارد الجماعة. وعلى أساس هذا القول أفتى: إذا كان الإمام والمأموم مجتهدان وتختلف وجهة نظرهما في مسائل الصلاة المختلفة, يمكنهما أن يقتدي أحدهما بالآخر, وصلاتهما صحيحة.

كما قال صاحب الجواهر حول الجماعة والقبلة: إذا كان بوجهة نظر أحدهما أن اتجاه القبلة لزاوية أو لجهة خاصّة, وبوجهة نظر الآخر انه اتجاه القبلة يختلف قليلاً عن الاتجاه الذي يقول به الأول, فيمكنهما أن يقتدي أحدهما بالآخر, وأن يصلّي كل واحد منهما بالاتجاه الذي يطمئن بأنه هو جهة القبلة.

هنا أشكل أحد العلماء الحضور على البحث السابق حول (الماء طهور) وقال: إطلاق (الماء طهور) هو في مقام بيان أصل مطهّريّة الماء وليس في مقام بيان كيفية التطهير, وأنه يكفي غسله مرّة واحدة أو عدّة مرّات. ولذا لا يمكن أن نتمسّك بإطلاقه ونقول أنه تكفي مرّة واحدة.

فقال سماحة المرجع الشيرازي في الجواب: نعم هذا المطلب قد تعرّض له السادة الفقهاء في الأصول, وقالوا: في حجّيّة الإطلاق علينا أن نعرف ان المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة كي نتمكن بالتمسّك بالإطلاق. ولكن هذا ليس تامّاً, كما أن السادة الفقهاء لم يلتزموا في الفقه عملاً في الكثير من موارد وجود الإطلاقات. لأن يكفي كون اللفظ مطلق وله قابلية الشمول وعدم وجود قرينة على التقييد, ولا يلزم إحراز أن المتكلّم هو في مقام البيان من هذه الجهة. بلى يجب أن لا يكون إحراز العدم. أي يكفي أنه لم يكن محرزاً بأن المتكلّم ليس في مقام البيان من هذه الجهة, ولا يلزم بعدها إحراز أنه كان في مقام البيان من هذه الجهة. وقد بحثنا هذا المطلب في كتاب: (الأصول) وفي الفقه بنينا مبنانا عليه, كما أن الكثير من الفقهاء بنوا عليه عملاً في الفقه, مع انهم في الأصول لم يقولوا بذلك.

ثم وفي سياق البحث سأل أحد الفضلاء, وقال: في أدلّة أحكام المياه, هل ذكروا خصوصية لـ(الجاري)؟

قال المرجع الشيرازي: بلى, ويالها له من خصوصية. فلذا إذا كان الماء راكداً ولا جريان له, ولكن يأخذون منه, عبر المحرّك, مقداراً ويجرونه في المزارع مثلاً وأمثالها, فهذا وحسب الاصطلاح ليس ماء جاري, مع انه بلحاظ اللغة هو جاري, لأنه ـ اصطلاحاً ـ الماء الجاري هو الماء الذي له نبع طبيعي, وليس الذي له نبع غير طبيعي, لأنه في الأدلّة يقال للماء (الجاري) في قبال الماء (الراكد), فلذا ظاهره ان له نبع طبيعي.

وهنا أشكل أحد الفضلاء, وسأل بقوله: إذن لماذا قالوا بأن: ماء الحمام كالجاري؟

أجاب سماحته دام ظله: يعني إنهم ارادوا القول: له حكم الجاري, وليس انه موضوعياً ماء جاري.

 

 


s-alshirazi.com