
|
بين يدي المرجع: الليلة العاشرة |
|
|
|
|
|
|
|
|
في جلسة هذه الليلة كان موضوع (الجرح والتعديل) مستهلّ المبحث العلمي بين الفضلاء وسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله. فقد سأل أحد الفضلاء وقال: إحدى المرجّحات المذكورة في باب الجرح والتعديل هي المخالفة مع العامّة, فإذا لم يكن للعامّة رأي في مورد ما, فما حكمه؟ أجاب سماحته: علينا أولاً أن نصحّح مطلباً فنّياً وقد أشرنا إليه في كتاب (بيان الأصول) في المجلّد الأخير منه, وقلنا بأن العنوان اللائق لهذا البحث هو عنوان: التعارض والتزاحم, وليس العنوان المعروف والمشهور, أي (الجرح والتعديل) لأن الأخيرين هما فرعا التكافؤ والتعارض, وحتى لو أردنا أن نتمسّك بالعنوان المعروف والمشهور فعلينا أن نصحّحه ونقول: التعادل والجرح, كي يحرز الانسجام بين صدر وذيل العنوان. وقال سماحته: أما بالنسبة إلى المطلب العلمي للمسألة, فنقول: في الأماكن التي يسكت فيها العامّة لا يرجّح المخالفة معهم, مثل تعارض روايتين رواتهما عادلين, أو راوي إحداهما غير عادل, أو كون كلاهما ثقة أو راوي إحداهما ثقة, فهنا لا يتحقّق الموضوع لترجيح الثقة أو الأعدل. وبالنسبة لمبحث الروايات المتعارضة هل يجب العمل بالمرجّحات أو تسقط مطلقاً ويتم الرجوع إلى الأصول العملية, فالأغلب عدّ هذه المرجّحات بأنها مستحبّة, وحملوها على (لا اقتضائيات). ففي الفقه نجد العشرات من هذه الموارد, وهي: تعارض روايتين, راوي إحداهما أوثق أو أعدل ولكن (الفقهاء) لم يشيروا إليه أصلاً ولم يرجّحوه, بدءاً من الشيخ الطوسي وإلى يومنا هذا. فمبنى معظم الفقهاء هو ان المرجّحات استحبابية بسبب روايات اخرى. نعم إذا كان هناك تباين كلّي في الرواية مع القرآن, فلا نأخذ بها. وإذا كان هناك روايتان, كلاهما تامّي السند وتامّي الدلالة, وإحداهما موافقة للعامة والاخرى مخالفة, فالأولية تكون للأخيرة, أي المخالفة, لأن الموافقة للعامّة فيها مشكلة في جهة الصدور. وهناك بحث مفصل للشيخ الأنصاري في الرسائل حول المرجّحات, وهو بنفسه لا يقبل بكون اقتضائية المرجّحات. وقد بحث هذه المسألة بشكل أكثر تفصيلاً تلميذ الأنصاري, أيّ الشيخ محمد حسن المامقاني في كتابه (بشرى الوصول إلى أسرار علم الأُصول), وقبله السيد محمد المجاهد في كتابه (مفاتيح الأصول) حيث بحث المسألة بحثاً مبسّطاً. ثم اضاف المرجع الشيرازي: بالنتيجة إننا بلا شك نتعبّد بالقرآن وبما صدر عن المعصومين صلوات الله عليهم الذين هم عدل القرآن بنص الحديث المتواتر والقطعي الصدور, أي (حديث الثقلين), ويعني ان قول المعصومين صلوات الله عليهم هو كقول القرآن. فالقرآن الكريم يقول: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ», وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي». ولذا فمن باب الحجّيّة, فإن آيات القرآن الكريم وقول المعصومين صلوات الله عليهم هو قول واحد. وعقّب سماحته بقوله: ولكن حتى آيات القرآن أحياناً يحصل فيها تعارض ظهوري, ففي هذه الحالة لايكون الظهور حجّة. مثلاً قوله تعالى: «وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ» فكما هو معلوم ان اصطادوا صيغة أمر, وصيغة الأمر لها ظهور في الوجوب, ولكن هنا لا يقال بأن (اصطادوا) ظاهر في الوجوب, لأنه مسبوق بالحظر, ولذلك فليس له ظهور عرفي في الوجوب. بلى ظاهر في الإباحة, لأن القاعدة هي لو أن تلك المسألة (اصطادوا) كان لها حكم خاص قبل الحظر والحرمة, فكانت سترجع إلى الحكم السابق بعد رفع الحظر والحرمة عنها, وإذا لم يكن لها حكم خاص كالمورد المذكور, فسيقال هل الأصل في الأشياء هو الحظر أم الإباحة؟ حيث قال أكثر السادة الفقهاء بأنه: إباحة. ثم أضاف سماحته: بالنسبة لما يقال بأن صيغة الأمر المسبوقة بالحظر أو يظن بأنها في مقام الحظر, ليس لها ظهور في الوجوب, أليس هذا الظهور حكم عقلي؟ بلى حكم عقلي, ومعناه أنه: يستفاد العقلاء من صيغة الأمر الوجوب إذا لم يكن هناك قرينة مخالفة للظهور, والمسبوق بالحظر أو في التي يظن انها في مقام الحظر هو قرينة بخلاف هذا الظهور, ولذا لا يستفيد العقلاء في هذا المورد من صيغة الأمر الوجوب. كما ان الآية الكريمة تقول: «حُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا», ويعني ان حرمة الصيد محدودة بمدّة خاصّة وهو حين الإحرام. وحتى مع فرض عدم وجود «وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ» لكان ما نفهمه هو المطلب نفسه, وهذا تأكيد. وهنا سأل أحد الفضلاء بقوله: هل يصدق (المساكين) على الفقراء, وهل المسكين هو الفقير نفسه, والفقير هو المسكين؟ أجاب سماحته: إنّ المستفاد من اللغة وكذلك من الأدلّة الشرعية هو: «المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا» مثل ظرف الجار والمجرور. ولذا إذا ذكر أحدهما فسيشمل الآخر أيضاً, ولكن إذا ذكرا كلاهما معاً فسيكون هناك فرق بينهما. فالفقير هو الشخص الذي لا يملك (بالفعل وليس بالقوّة) قوة سنته في المسكن والمأكل والملبس, في حين ان المسكين هو أسوء حالاً من الفقير. فالمسكين شخص أسكنه الفقر, أي مرتبته أشدّ من الفقر. بعدها سأل آخر قائلاً: إذا قال الرجل لزوجته: اريد السفر إلى المكان الفلاني فتعالي معي. فهل يجب على المرأة أن تطيعه؟ قال سماحته: طبقاً لما يستنبط من الأدلّة ان طاعة الزوجة زوجها تجب في موردين, هما: الأول: للخروج من البيت. والثاني: التمكين. وفي غير هذين الموردين لا يوجد دليل على وجوب طاعة الزوجة زوجها. لأن الأصل الأولي هو ان: كل شخص حر ومستقلّ. نعم بالنسبة للزوجة ولدليل خاص, تم استثناء الموردين الآنفي الذكر. ولكن في غير الموردين المذكورين حتى إذا شكّكنا فيجري أصل عدم الوجوب. بلى إذا فرضنا ان الزوج يحتاج لزوجته في السفر من باب انها عليها أن تمكّن نفسها له, فهنا عليها أن تطيع. وأضاف سماحته: إنّ الرواية التي تقول بوجوب إطاعة الزوجة زوجها, ولها إطلاق, أجمع الفقهاء وحتى صاحب العروة أنه من الضروريات: أن الإطلاق ليس هو المراد, لجهة أنه هناك ادلة اخرى حدّدت وجوب طاعة الزوجة زوجها بالموردين المذكورين. وأردف سماحته: في رواية صحيحة السند: أَنَّ امْرَأَةً أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ (أي إلى النبي صلى الله عليه وآله) فَسَأَلَتْهُ فَقَالَتْ: يَارَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي, وَإِنَّ أَبِي فِي السِّيَاقِ, وَقَدْ أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ, فَهَلْ لِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهَا اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ. فَفَعَلَتْ وَمَاتَ أَبُوهَا, فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: أَمَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لأبِيكِ بِطَاعَتِكِ لِزَوْجِكِ. وأوضح سماحته بقوله: هذه الرواية حملت على الروايات الأخلاقية, وليست حكماً إلزامياً, لأنها تتعارض مع العشرات من الروايات الاخرى ومع آيات القرآن الكريم. ولذا علينا أن نعدّها بأنها أخلاقية وغير إلزامية, أو نقول تأويلاً: هي قضية خارجية وليست حقيقية. لأنه لا يجوز طاعة الزوج في الموارد التي يعدّها العرف انها قطيعة رحم أو عقوق الوالدين, لأن الشارع المقدّس حرّم عقوق الوالدين وحرّم قطع الرحم و«شرط الله قبل شرطكم». وعليه فإن طاعة الزوجة زوجها في المورد التي تم ذكره غير واجب بل غير جائز. وقال سماحته أيضاً: الخلاصة: إنّ مقتضى جمع الأدلّة وفتاوا الفقهاء هو في: إن ما يجب على الزوج تجاه زوجته هو ثلاثة أمور: المأكل, والملبس, والمسكن. وهناك رابع اختلفوا في مقداره وحدوده, وهو المواقعة, وتتلخّص في المعاشرة بالمعروف. فهذه واجبات الزوج بالنسبة لزوجته. وأما واجبات الزوجة بالنسبة لزوجها فهي في أمرين, هما: التمكين, وأخذ الإذن للخروج من البيت. وكلاهما مقيّدان بثلاثة قيود, هي: الأول: عدم وجود الحرج. الثاني: عدم وجود الضرر. الثالث: عدم منافاته مع واجب. في هذا الصدد سأل أحد الفضلاء وقال: إذن فما معنى الآية الكريمة التالية: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء»؟ أجاب سماحته بقوله: جاء في تفسير هذه الآية أن (قوّامون) هي جمع (قوّام) الذي يعني المدير والقائم بالشؤون. وما يؤكّد هذا المعنى انه في العراق بالسابق, ولعله حالياً أيضاً, يطلق على الخدّام في المشاهد المشرّفة بـ(قيّم). كما قال صاحب الجواهر: قوّامون بمعنى خدّام, لأن الزوج بالنسبة إلى الزوجة له مسؤولية خاصّة, ولذا عبّر عنه بالقوّام. بخلاف الزوجة التي ليس لها مسؤولية خاصّة, بما هي زوجة, بالنسبة إلى زوجها, بل لها مسؤولية عامّة بالنسبة إلى زوجها, كما لها بالنسبة إلى الآخرين من باب (كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته). أما مسؤولية الزوج بالنسبة إلى زوجته بالخصوص بما هو زوج, فيبيّنها قوله تعالى: «قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا», وفي آية اخرى قال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». فمع ان المعاشرة بالمعروف هي من مسؤولية المرأة ولكن الآية الكريمة تخاطب الرجل, لأنه هو المسؤول والمدير. وسأل أحد الفضلاء حول طاعة الوالدين, وقال: ما هي حدود وجوب إطاعة الوالدين؟ أجاب سماحته قائلاً: هذا الأمر له بحث مفصّل. وقد بحثه الشهيد الأول في (القواعد والفوائد), وكذلك تعرّض له الفقهاء في مناسبات عديدة في أماكن متعدّدة من الفقه, ككتاب الحجّ وكتاب الصوم. والروايات في هذا الباب مختلفة. فمما قاله جماعة, كما يبدو أيضاً: إنّ إيذاء الوالدين حرام, كما ان إيذاء غير الوالدين حرام أيضاً, ولكن بالنسبة للوالدين فالحرمة أشدّ, لأنه سيكون عقوقاً وقطعاً للرحم. بلى تأذّي الوالدين من غير إيذاء ليس حراماً. وأضاف سماحته: تتلخّص المسألة في الحالات الثلاث التالي: الأولى: إذا قام الابن بعمل, بالنسبة إلى والديه, هو بنظر العرف إيذاء, ويفعله الابن بقصد إيذاء والديه, فهذا العمل حرام بلا إشكال. الثانية: أن يقوم الابن بعمل في نفسه يعدّه العرف إيذاء, ولكن لا يقصد الابن به الإيذاء, وهذا أيضاً حرام حسب المستنبط من الأدلّة. الثالثة: أن لا يكون العمل مما هو في نفسه إيذاء أو ممن لا يعدّه العرف إيذاء, ولا يقصد الابن منه الإيذاء أيضاً, فهذا العمل يبدو غير حرام, طبقاً لما يستنبط من الأدلة, كما قال به جماعة من الفقهاء. ثم ضرب سماحته مثالاً على الحالة الثالثة, وقال: مثلاً إذا كان للولد زوجة سيّئة مع امّه, والأخيرة تقول له: طلّق زوجتك, وإلاّ سأتوجّع وأتألم وسأتمرّض. فإذا لم يطلّق الولد, فلا يكون الطلاق واجب عليه, لجهة ان العرف لا يعدّ عمل الولد بأنه إيذاء للاُمّ, وفي حال كونه انه لم يقصد الولد الإيذاء من عدم الطلاق, بل وانه يعامل امّه تعاملاً حسناً ويسعى في نيل رضاها. أما آخر ما سئل من سماحة المرجع الشيرازي دام ظله, فكان السؤال التالي: ما هو حكم الخلوة مع الأجنبية, وأين يصدق؟ أجاب دام ظله, بقوله: هذه المسألة محل خلاف, فقد قال بعض: هذا مكروه, ولكن المشهور والمنصور كما يبدو انه حرام. أما أين يصدق الخلوة مع الأجنبية فهي مسألة عرفية. ففي أين مكان يصدّقه العرف فسيترتب عليه الحكم. فمثلاً: إذا كان الرجل مع الأجنبية في المصعد ولو لدقيقة واحدة, فعرفاً يصدق عليهما الخلوة, وأما إذا كانا لوحدهما في سيّارة تسير في شارع مزدحم بالمارّة, فلا يصدق عليهما الخلوة. ومثال آخر: إذا كانا في غرفة وكان معهما طفل صغير لا يدرك جيّداً أو نائماً, فهنا يصدق عليهما الخلوة أيضاً. خلاصة القول: الحرمة تابعة للصدق العرفي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
s-alshirazi.com |
|