بين يدي المرجع: الليلة الحادية عشرة




 

 

من المسائل التي تناولها المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, وبحثها مع الضيوف في مباحث هذه الليلة, كانت مسائل: الحرج، والضرر, وصعوبة الصيام على بعض العمّال كالذين يعملون في معامل حارّة، وما شابه ذلك. فسأل أحد الفضلاء:

هل (لا حرج) رخصة أم عزيمة؟

أجاب سماحته: هذه المسألة هي محلّ خلاف, وقد بحثها الفقهاء بشكل مفصّل, منهم صاحب العروة, حيث قال في كتاب الحجّ: إنّ (لا حرج ولا ضرر) رخصة وليس عزيمة. علماً أن (صاحب العروة) له قول مغاير لهذا الكلام الأخير قال في موضع ما.

وقال سماحته: إن ما يستفاد من ظاهر الآية الكريمة: «وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» هو نفي الإلزام وليس نفي الجعل والتشريع. لأن الآية الكريمة تقول: «مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ» و«على» هو للإلزام. ولذا فإن الآية الكريمة تقول: أنتم غير ملزمين بالشيء إذا كان فيه حرج. لأن الإلزام هو الذي يوجب الحرج وليس أصل الجعل والتشريع. نعم, إذا كانت الآية الكريمة تقول: (ما جعل لكم) لكان له ظهور في نفي الجعل. ولذا فإنّ المستفاد من الآية الكريمة هو أن (لا حرج) رخصة كما ان (لا ضرر) رخصة أيضاً.

وأضاف سماحته: وإذا شككنا بأن (لا حرج) رخصة أو عزيمة, فهذا الشكّ يرجع إلى الشكّ في التوسعة والضيق, ولذا فهو أقل وأكثر. لأن الآية الكريمة التي توجب الصيام وهي: «كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ» هو حكم أولي لوجوب الصوم. ومن جهة اخرى يقول دليل (لا حرج): الموضوع حرجي, ومرفوع, ولكن إذا شكّ بأن مدلول (لا حرج) هو لا تشريع أو لا إلزام, فالقدر المتيقن هو رفع الإلزام.

وسأل آخر: هناك عمّال لا يستطيعون ترك عملهم ولا يستطيعون الصيام, ومن جهة اخرى لا يمكنهم الاستمرار بالعمل بدون شرب الماء, فهم لا يطيقون تحمّل العطش, مثل: عمّال صهر الحديد, وعمذال صناعة الطابوق, والخبّاز وأمثالهم, فما هو حكمهم؟

قال سماحته: إننا في الخارج نسبة إلى ما نحن فيه, لدينا ثلاثة أقسام من الموضوع, هي:

الأول: المريض, أي الذي مرضه يتطلّب الماء, ويعطش دائماً, وهذا المريض تسمّيه الروايات الشريفة بذي العطاش, ولجهة الاختلاف في الروايات, اختلف الفقهاء أيضاً حول أنه: هل يجب الصوم على هذا المريض أم لا يجب؟ فإذا كان واجباً, فهل يشرب الماء بقدر الضرورة, أم يشرب بمقدار احتياجه؟ فتبعاً للاختلاف في الروايات اختلفت الفتاوى أيضاً. ولكن ما يبدو هو أنه يجب عليه الصيام, ويمكنه أن يشرب الماء بمقدار احتياجه. نعم, وعليه أن يدفع فدية كرخصة لشرب الماء, وفدية ثانية لقضاء الصوم, لأن القضاء مستحبّ (على الأحوط). وأما إذا قضاه فتسقط عنه الفدية الثانية.

الثاني: المريض الذي يحتاج بدنه إلى الماء, ولكنه لا يشعر بالعطش كالمصاب بالكلى. فلا يعدّ هذا المريض (موضوعاً) بذي العطاش, إلاّ إذا قيل ان: الإحساس بالعطش لا موضوعية له ولا خصوصية, ففي هذه الحالة سيكون حكم هذا الشخص كحكم (ذو العطاش). ولكن إذا قلنا ان: الإحساس بالعطش له خصوصية, أو شككنا بأنه هل له خصوصية أم لا؟ فإن مقتضى القاعدة هو انه له خصوصية. ولا يخفى أن هذا القسم (القسم الثاني من الأقسام الثلاثة) ليس له رواية خاصّة, ولكن يبدو انه من ناحية الحكم يلحق بالقسم الأول.

القسم الثالث: ليس مريضاً ولكن عمله بنحو يتطلّب أنه لا يمكنه أن يصوم بدون أن يشرب الماء. فهذا المورد له رواية خاصّة بأنه عليه أن يمسك ويشرب الماء بمقدار الضرورة, ولكنه صومه باطل بناء على الأحوط وجوباً, وعليه القضاء, أي: على الأحوط يجب عليه أن يقضي صيامه في فصل الشتاء للسنة نفسها, ولا يلزم دفع الفدية, لأنه لا دليل عندنا على الفدية.

ثم عقّب سماحته بقوله: أما جواب سؤالكم فهو: من القسم الثالث وله حكم هذا القسم.

بعدها سأل أحد الفضلاء سؤالاً آخر, وقال: ما حكم الحشرات التي تتواجد في التمن (الرز) وفي الخضروات (الخضار) وفي الفاكهة؟ وهل يجوز أكلها؟

قال الله تعالى: «يحِلُّ لَهُمُ الطَّيبَاتِ وَيحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَآئِثَ», وهذا معناه ان: الحرمة تجري على الخبائث, فما هي الخبائث؟ فقيل: كل ما استخبثه الناس واستنفره الطباع فهو خبيث، ويعني أن ما كان (أو كل شيء) خبيث في ارتكاز المتشرّعين والمتديّنين وينفر منه الطبع السليم, فهو يدخل في موضوع الخبائث. وخلاصة: على الظاهر لا إشكال ولا خلاف في كبرى الارتكاز, بل هو في صغرى الارتكاز, فمتى ما تحقّقت صغرى الارتكاز فسيكون هناك حجّة. لأن ارتكاز المتشرّعة كاشف. كما ان بعض الخبائث مذكورة في الآيات والروايات, والآية كاشفة وكذلك الرواية. وبعض الخبائث لم تذكر ولكنها في ارتكاز المتشرّعة خبيثة, ولذا فإنّ ارتكاز المتشرّعة كاشف.

ثم سأل آخر, وقال: ما هو وجه حجّيّة ارتكاز المتشرّعة؟

قال دام ظله: إن وجه حجّيّة ارتكاز المتشرّعة هو انه: له الكاشفية والطريقة العقلائية في مقام التنجيز والاعذار. كما ان لظهور الآيات والروايات كاشفية عقلائية. أي: إنّ الكاشفية العقلائية الموجودة في الظهور, هي (نفسها) موجودة في الارتكاز أيضاً. وبالنتيجة: نحن علينا أن نأخذ الحكم من الشارع المقدّس طبقاً لقوله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ», ولكن قد يكون الكاشف والطريق إلى الحكم الشرعي ظاهر الآية, وقد يكون ظهور الرواية, إذا لم يكن له معارض, لا معرَض عنها, وأن يكون وجه صدوره بجد, وكذلك بالشروط المبحوثة في الموضوع. وقد يكون الإجماع, أي: اتفاق كل الفقهاء, وأحياناً ارتكاز المتشرّعة أيضاً.

 


s-alshirazi.com