بين يدي المرجع: الليلة الأولى




 

 

في ليالي شهر رمضان المبارك يتوافد العلماء والفضلاء وطلاّب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات وعامّة المؤمنين على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدّسة.

خلال لقائهم بسماحة المرجع الشيرازي, يدور حديث العلماء والفضلاء وباقي الضيوف حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضّل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

الليلة الأولى

في بداية جلسة هذه الليلة وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وعلى مولانا النبي الأكرم وآله الأطهار الأخيار صلوات الله عليهم أجمعين, قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: نشكر الله سبحانه وتعالى أن منّ علينا بأن نشهد شهر رمضان آخر، فالعديد من المؤمنين كانوا قد شهدوا شهر رمضان السنة الفائتة، لكنهم في هذه السنة قد رحلوا عن الدنيا ولم يدركوا رمضاننا هذا.

ثم استعدّ سماحته للإجابة على أسئلة الفضلاء والحضور ومناقشتها معهم، فكان مستهلّ البحث العلمي في الجلسة الأولى من شهر رمضان المبارك حول العقيقة, حيث سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قائلاً:

هل يمكن ذبح عقيقة واحدة عن شخصين, وهل في هذه الحالة تحتسب عقيقة؟

أجاب سماحته: على الظاهر هناك توسّع في باب المستحبّات المالية. وبالنسبة للأضحية هناك رواية تقول بأنه يمكن تقديم اُضحية واحدة عن 77 شخصاً. وبلا شك هذا بالنسبة لغير المتمكن مالياً. نعم قد يكون هذا الأمر غير مخصّص بالأضحية أي يشمل العقيقة أيضاً بالنسبة لغير المتمكن مالياً, وليس للمتمكن الذي يقدر على ذبح العقيقة عن كل شخص, لأن ذبح عقيقة واحدة عن عدّة أشخاص مخالف للأصل, حتى مع احتمال وجود إمكانه, ولا يوجد دليل عليه. والنصوص الموجودة بيّنت إمكان ذلك لغير المتمكّن مالياً أو للذي لا يقدر على ذلك لوحده. نعم يمكن أن تحسب صدقة عامة, ولكن لا تحسب صدقة خاصة وهي العقيقة.

وسأل آخر من الفضلاء: شخص كان مريضاً ولم يستطع الصيام لسنين عديدة. أما الآن فقد شفي من مرضه, ويظن, وليس يشك, أنه يستطيع الصيام, وان الصوم لا يضرّ بصحته. في هذه الحالة هل يجب عليه الفحص ومراجعة الطبيب, أم لا يجب عليه الفحص, والاستصحاب مضرّ أيضاً بجهة كونه من الموضوعات, ومن المشهور أن الموضوعات تناولها الشيخ الأنصاري ومن أتى بعده.

أجاب سماحته: لا يجب الفحص. ومن جهة قيل في الاستصحاب: الاستصحاب جار حتى مع الوهم, أي حتى مع وجود الظن بتغيّر الحالة السابقة. وهنا إذا لم يلزم الفحص, نسأل لماذا وبأي دليل؟ وإذا كان لا يلزم الفحص فهل يجرأ أحد أن يقول بأنه: لا يجب الفحص, ولا يصوم. اعتماداً على استصحاب الضرر؟ وهل يقول الفقيه بمثل هذا؟

وأضاف سماحته: هذه من موارد النقض على ما قيل بأنه لا يجب الفحص في الموضوعات. لذا فمن المشكل القول بعدم وجوب الفحص, بل يجب أن نقول هكذا: يجب الفحص في الموضوعات إلاّ ما خرج.

نعم في باب الأحكام الشرعية عندنا إجماع على وجوب الفحص, ولا تجري الأدلة الترخيصية بلا فحص, أما في باب الموضوعات مع أنه لا يوجد الاجماع, ولكن عندنا أدلة اخرى تدلّ على وجوب الفحص, ومنها سيرة العقلاء, فكما يتم الفحص في الاحكام عند حصول الشكّ, فهكذا يعمل في الموضوعات أيضاً, ولا فرق في ذلك.

وعقّب السائل: إذا كان لا يجب الفحص بالنسبة للموضوعات, لأشارت إليه الروايات الشريفة. ولذا وطبقاً لقاعدة (لو كان لبان), يستفاد أنه لا يجب الفحص في الموضوعات.

هنا أوضح سماحته بقوله: تجري هذه القاعدة في حال كونه مما يغفل عنه عامّة الناس, وأما في مثل المورد المذكور فلا تجري القاعدة, لأن العقلاء يعلمون بالفحص في باب الموضوعات كما قلنا.

وسأل أحد الضيوف: في مثل هذه المسألة, هل يمكن أن نجري أصالة القدرة ونقول: أن هذا المريض المعافى يقدر حالياً على الصيام, فيجب عليه الصوم؟

أجاب سماحته: إن أصالة القدرة هي أصل عقلائي, ويجري في موضع يفتقد للأصل الشرعي. أي في الموضع الذي يخلو من اليقين السابق, أو لم يكن مورد لحاظ.

أما في حال وجود رأي للشارع بالنسبة للمسألة وأنه قد قرّر قانوناً لها, مثل: لا تنقض اليقين بالشك, فهنا لا مكان للشكّ في القدرة كي نجري أصالة القدرة.

وسأل آخر: شخص سلسل الريح ويحمّل نفسه ضغوطاً كبيرة أثناء الركوع والسجود كي يحافظ على وضوئه وطهارته بحيث إن أراد في الركوع مثلاً أن يكتفي بالذكر الواجب فسيحدث, ولكن إن اكتفى بقول سبحان الله مرّة واحدة فقط يمكنه أن يصلّي بطهارة. فما هو تكليفه؟

أجاب سماحته: هذه المسألة هي مسألة تزاحم. أي: إما أن يفقد الطهارة ويقوم عوضاً عن ذلك بذكر التسبيحة الكبرى في الركوع والسجود, أو أن يكتفي بذكر التسبيحة الصغرى مرّة واحدة ويصلّي بطهارة. وذلك لأن أدلّة شرطية الطهارة من الحدث في الصلاة لها قوّة, مثل: لا صلاة إلاّ بطهور, ويستفاد منها أن الطهارة من الحدث هي ركن, حتى قال بعضهم: لا يصلّي إذا كان فاقداً للطهور. إذن فالطهارة من الحدث بالنسبة إلى أغلب الأجزاء والشرائط في الصلاة هي الأهم. ولذا عليه أن يكتفي بذكر التسبيحة الصغرى أي: (سبحان الله) مرة واحدة, ويتم صلاته بطهارة.

وهنا انبرى أحد الفضلاء وقال: إن هذا المقدار من الطهارة في مسألة المبتلى بالسلس هو بدل وفي تزاحم مع: ما له بدل مقدّم على ما ليس له بدل. إذن عليه أن يذكر التسبيحة الكبرى وإن أدّى ذلك إلى فقدان الطهارة؟

قال سماحته: من غير المعلوم أن يكون هذا المقدار من الطهارة بدل, وحتى لو فرضنا بكونه بدل, فلا يوجد في هذا المقام دليل على شمول الإطلاق أو العموم لهذا المقدار من البدل.

وسأل أحد الفضلاء الكرام الوافدين من كربلاء المقدّسة, وقال: هل يمكن إعطاء كفّارة الصيام إلى الشخص الهاشمي (الذي ينتهي نسبه إلى مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله)؟

أجاب سماحته: على المبنى, وقد يكون هو المشهور, أنه لا يمكن إعطاء الزكاة, وزكاة الفطرة, المأخوذة من الشخص غير الهاشمي (أي العامي الذي لا ينتهي نسبه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله) إلى الهاشمي, وذلك لجهة وجود نهي خاص وكونه من المعمول به. وأما في باقي الصدقات, سواء الواجبة والمستحبّة, المأخوذة من غير الهاشمي, فيمكن إعطاؤها للهاشمي.


s-alshirazi.com