بين يدي المرجع: الليلة السابعة




 

 

في جلسة هذه الليلة دار البحث بين المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله وبين العلماء والفضلاء حول عدة مسائل, كان منها:

سأل أحد الفضلاء: شخص, وحين أذان المغرب, شكّ هل أنه صلّى الظهر والعصر أو لم يصلّيهما, فما هو حكمه؟

أجاب سماحته: يشمله دليل (الوقت حائل) أو (كلما شككت فيه مما قد مضي). لأن (المضي) في الحديث الشريف أعم من نفس ذاك (المضي) أو محل (المضي). فإذا لم يكن عندنا إلاّ قاعدة التجاوز فسيكون لعبارة (المضي) إطلاق.

بعبارة أخرى: مرّة يشكّ في أصل الصلاة بعد مضي وقتها, ومرّة يشكّ في جزء من أجزاء الصلاة بعد أن يتجاوز محلّها. فما موصوله في (مما قد مضي) يشمل الاثنين.

وقال سماحته: إنّ المسألة التي لم يقبل بها أغلب الفقهاء, وبعضهم ولعدم تنقيح المسألة أفتى بفتوتين حولها مثل صاحب العروة, هي: هل ان المحل في (مما قد مضي) يجب أن يكون محلاًّ شرعياً, يعني المحلّ الذي عيّنه ووضعه الشارع, أم يشمل محل المبنى أيضاً؟ كشخص بنى أنه كلما يدخل الحمام يغسل ما في الذمّة من باب الاحتياط. فإذا شكّ هل اغتسل أو لا, وعلم أن في ذمّته غسل, فهل يصدق عليه (كلما شككت فيه مما قد مضي)؟ لأن هذا مضي محله أيضاً, ولكن هل هو محل المبنى؟

وأضاف سماحته: على الظاهر المستفاد من (مما قد مضي) في مقام الظهور هو: المقصود من المرور من المحل الشرعي هو المبتنى على مبنى الشخص نفسه, وليس ما وضعه ورتّبه الشارع. أي: لجهة أنه بنى على أن يعمل طبقاً لما وضعه الشارع, ففي هذه الحالة إذا شكّ بعد المحل, فلا يعتني بشكّه.

لذا, إذا لم يبني الشخص أصلاً أن يعمل طبقاً ووفقاً لما وضعه الشارع, ثم اعترضه شكّ بعد المحل, ففي هذه الحالة لا تجري عليه قاعدة التجاوز. وفي النتيجة: الموجود هو إطلاق هذه الرواية (مما قد مضي). نعم سنقبل متى ما لم يكن له ظهور عرفي, وكذلك نقبل إذا كان هناك إجماع أو ارتكاز مخالفاً.

ثم عقّب سماحته بقوله: إنّ صاحب العروة أفتى بفتوتين في مسألتين متتاليتين (الاستنجاء والاستبراء), حيث قال في الأولى: تجري قاعدة التجاوز في المحل البنائي والتعوّدي (أي المحل الذي بنى أو تعوّد فيه على أن يعمل العمل الفلاني في كذا ساعة). ولكن قال في الثانية: لا تجري. وأما الميرزا عبد الهادي الشيرازي فقد قال: تجري القاعدة. لأنه ما الفرق بين الموردين؟

بالنتيجة: إنّ (مما قد مضي) الذي يعني مضي محلّه كما قال الشيخ ومن أتى بعده, خلفاً عن سلف, بإطلاقه يشمل محل المبنى ومحل التعوّدي إلاّ ما خرج بدليل أقوى. بل كأنه لا يلزم حتى التعوّد, لأنه حتى في التعوّد لا يعتني بشكّه لأجل المبنى الذي بناه في أن يعمل ذاك العمل. ولذا بما أنه كان قد بنى, فيكفي مبناه في جريان قاعدة التجاوز. طبعاً لا يخفى أن نذكر لحضراتكم, بأننا الآن في مقام البحث العلمي وليس في مقام الفتيا.

ثم ذكر سماحته مثالاً على المسألة التي مرّت وقال:

مثلاً شخص لم يك معتاداً على الذهاب إلى الدرس وهو متوضّئاً، ولكن بنى أمره على أن يتوضّأ لأنه قرأ رواية الطهور. وبعدها شكّ أنه توضّأ أم لم يتوضّأ؟ فهنا إن قال الفقهاء: في مثل هذه الموارد تجري قاعدة التجاوز أيضاً، فهذا قول حسن.

وفي سياق هذه المسألة أضاف سماحته بقوله: هنا مطلب آخر، وهو: ان كاشف الغطاء وابنه الشيخ حسن صاحب كتاب أنوار الفقاهة قالا: إنّ قاعدة التجاوز إمارة وليست أصلاً، ولذا عدّوا لوازمها بأنها حجّة، واستندوا إلى قول الإمام صلوات الله عليه: بلى قد ركعت، وبلى قد سجدت. وهذا التعبير له ظهور في انه يعني: أن يفرض السائل أنه قد ركع (بلى قد ركعت). أي: أنت (أيها السائل) راكع تعبّداً. ولذا إذا صارت إمارة فإن لوازمها وملزوماتها ستكون حجّة، كما أفتى المرحوم كاشف الغطاء بأنه: إذا شكّ بعد صلاة الظهر بأنه قد توضّأ أو لم يتوضّأ، فلا يلزم عليه أن يتوضّأ لصلاة العصر. وهذا قول حسن، لأن قاعدة التجاوز لها كاشفية عقلائية.

وأردف سماحته: إنّ قول: بلى قد ركعت، وبلى قد سجدت، قالوا بأنه يختلف مع القول الوارد في روايات الأصول العملية. فقد قالوا في الأصل العملي: يبني على ما كان، ويعمل وفقاً له، ولا يعتني بشكّه. وأما بالنسبة إلى (بلى قد ركعت) فهو بيان أمر تعبّديّ، ولذا فإن اللسان هنا هو لسان إمارة.

بعد الانتهاء مما مرّ ذكره من البحث السابق، سأل أحد الفضلاء من سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، بقوله: إذا كان الزوج مغمى عليه أو مجنوناً فهل تحتاج الزوجة إلى إذن للخروج من البيت، أو تحتاج إلى الإذن من الحاكم الشرعي؟

أجاب سماحته بقوله: إنّ الزوجة تحتاج إلى إذن الزوج للخروج من البيت، وهذا يصدق في حال وجود الموضوع، أي وجود الزوج، وأن يكون عاقلاً وليس مغمى عليه. وأما بعدم وجود ذلك فلا موضوع للإذن، لأنه هنا سيكون من قبيل الملكة وعدم الملكة، وهنا لا يوجد ملكة، لأن الموضوع وهو: إذن الزوج العاقل واليقظ، ولكن الزوج حالياً يفتقد لذلك. ولا حاجة لإذن الحاكم الشرعي، لأن الحاكم الشرعي هو وليّ الممتنع، وهنا لا وجود للامتناع.

كما أن في زواج البنت البكر، يلزم إذن الأبّ والجدّ بناء على القول به. فعدم وجود الأبّ والجدّ يعني لا وجود للموضوع، ولا يلزم إذن الحاكم الشرعي.

وأضاف سماحته: هناك ستة أقوال في هذه المسألة، ويبدو ان الأوجه في المسألة هي الإذن بناء على الاحتياط الواجب لجهة لوازمه.

وسأل أحد من الفضلاء أيضاً: إذا قال أحد بالاستصحاب: هذا الثوب طاهر، فهل له اعتبار لغيره؟

قال سماحة المرجع الشيرازي في الجواب على ذلك: إنّ استصحاب القائل متضمّناً لشهادته بطهارة الثوب، وبأنه كان طاهراً بالأساس، ولذا فقوله حجّة لغيره. وهذا يكون بناء على أن يكون قول الثقة في الموضوعات معتبراً، كما يبدو. وكما قال جمع من الفقهاء أنه: بعد شكّه إذا حصل شكّ لغيره، فإن أركان الاستصحاب تكون تامّة لغيره، فيمكن للأخير أن يستصحب الطهارة، ويكون حكم الثوب له هو حكم الطهارة.

 

 


s-alshirazi.com