
|
بين يدي المرجع: الليلة الخامسة عشرة |
|
|
|
|
|
|
|
|
في بداية جلسة هذه الليلة, بارك المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, الذكرى المباركة والعظيمة, ذكرى مولد السبط الأكبر للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله, مولانا الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه, ودعا الله تبارك وتعالى أن يتقبّل من الجميع الأعمال والطاعات والصيام, وأن يمنّ على المؤمنين والمؤمنات كافّة, بالأمن والسلام والعزّة والخلاص من المشاكل والمظالم, بالأخصّ في العراق والبحرين والمنطقة الشرقية وسوريا واليمن, وفي كل مكان. ثم طرح أحد الحضور المشاركين السؤال التالي, وقال: شخص يتحسّس تجاه طعام ما بحيث إذا تناوله فإنه يتقيّأ بعد فترة لا إرادياً, فتناوله في الليل في شهر رمضان, فتقيّأ بالنهار, فما حكم صومه؟ أجاب سماحته: في مثل هذه المسائل هناك قاعدة عقلية تقول: ما بالاختيار لا ينافي الاختيار. ويعني أنه إذا عمل الشخص, باختياره وإرادته, عملاً تكون نتيجته أمر لا إرادي, فعقلاً يكون الشخص (الفاعل) بالنسبة للأمر غير الاختياري, مختاراً. ومثله كمثل من يلقي بنفسه من مرتفع فيموت. فيقال: لقد انتحر. أو أنه حينما ألقى بنفسه كان ارتطامه بالأرض لا إرادياً, ولكن عقلاً يكون متعمّداً. وأما بالنسبة للشخص المفروض في السؤال فإنه يجب أن نعرف: هل يصدق عليه عرفاً بأنه (تقيّأ عمداً)؟ فالدليل القائل بأنه: إذا تقيّأ يبطل صومه, هل يقصد (وهل المراد) منه إذا تقيّأ عن عمد في النهار, أم انه يشمل التسبيب في الليل أيضاً؟ ثم قال سماحته: صرّح بعض الفقهاء بقولهم: له انصراف من المورد التسبيبي في الليل. وقال بعض: ليس له انصراف. وبعضهم ـ كصاحب العروة ـ شكّوا به, ولذا قالوا أنه: يقضي على الأحوط وجوباً. ففي كتاب الصوم في العروة: فصل فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات، العاشر: المسألة (71). هكذا قال صاحب العروة: «إذا أكل في الليل ما يعلم أنّه يوجب القيء في النهار من غير اختيار، فالأحوط القضاء». فسأل أحد الفضلاء: إذا كان الشخص يعلم بأن هذا الطعام سيسبب له التقيّؤ عن عمد, ويعلم بأن التقيّؤ من المفطرات, فهل يمكن أن يقصد القربة وكذلك النيّة, مع انه متيقّن بأنه سيعمل مفطراً؟ أجاب سماحته: على الظاهر لا يوجد إشكال من هذه الناحية. لأن هذا الشخص يشكّ بأن هذا التقيّؤ هل هو مفطر أم لا, لجهة أنه غير متيقّن, ونيّته وقصد قربته متمشّيان عنه. فعندما يشكّ الفقهاء, كصاحب العروة, بأنه هل هذا العمل مفطر أم لا, إذن فما بالك بغير الفقيه. ولذا فلا يقال بأن قصد النيّة وقصد القربة ليس له إمكان عقلي. كمثل المحرم الذي قصد أن يعمل بعض محرّمات الإحرام, فهل لا يتمكن من أن ينوي؟ وأضاف سماحته: بلى, وعلى فرض انه لا يمكنه قصد القربة, فصومه باطل بلا شكّ, لأن العبادة متقوّمة بالنيّة وقصد القربة. ثم سأل آخر, بقوله: إذا أقرض عمّار زيداً مائة ألف دينار, وقال له: عليك أن ترجع لي هذا المبلغ في نهاية الشهر حتى لا آخذ منك عليه زيادة, وإذا لم ترجعه لي نهاية الشهر فسآخذ عشرة آلاف دينار زيادة عن كل يوم تتأخّر فيه, فهل هذا رباً؟ أجاب سماحته: مثل هذا السؤال كمثل أن يشترط الإنسان الشرط نفسه في الإستيجار, حيث يقول للمستأجر: يمكنك استيجار هذا البيت لمدّة سنة قبال كذا مبلغ, فإذا أخليت البيت في رأس السنة فبها, وإذا لم تخليه في رأس السنة, فسآخذ منك كذا مبلغ عن كل يوم تبقى فيه بالبيت. فهل يوجد إشكال في هذا الأمر؟ ثم قال سماحته: على الظاهر, كلا. لأنه يشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم», لجهة كونه شرط جائز، فلذا لا يدخل في «إلاّ شرطاً أحلّ حراماً». وقال سماحته: أما بالنسبة للقرض, فنقول: هل هناك إشكال على مثل الشرط الذي يشرطه المقرض أو الدائن؟ علماً بأن الملاك الشرعي في تحقّق الربا هو: «كل قرضٍ جرّ نفعاً». يعني: إذا استوجب القرض نفعاً, طبعاً بسبب الشرط, لا أن يحصل النفع بعناوين اخرى. مثل أن يعطي المقترض نفسه زيادة على المبلغ, ففي هذه الحالة لا يوجد إشكال, بل يكون مستحبّ. إذن فـ(جرّ نفعاً) يعني: جرّ بالاشتراط. وفي هذه المسألة نرى أن القرض نفسه لم يوجب المنفعة. لأن ذلك القرض هو عقد جرى بين الطرفين لمدّة شهر واحد, وبعد انتهاء الشهر انتهى عقد القرض. فيشترط المقرض بعد انتهاء مدّة القرض بأنه إذا تأخّر المقترض عن التسديد فعليه أن يدفع كذا مبلغ. إذن فالنفع أو الفائدة ليست من ناحية القرض, لأن المقرض يقول: إذا أرجعت لي المبلغ في الموعد المحدّد فلا آخذ منك زيادة عليه. إذن فالنفع ليس من جهة القرض, بل من الشرط, والشرط تابع لتسديد المبلغ المقترَض. فالموضوع إذن تغيّر ولا يصدق عليه عنوان الربا. إذاً ما الإشكال في أن يكون هذا الأمر من الحيل الشرعية كباقي الحيل. مثل أن يتعامل بالربا في معاملتين: واحدة عقد النسيئة, والأخرى التسليف. مع ان نتيجتهما هو الربا, ولكن قال الفقهاء: لا إشكال في ذلك. فعلينا أن نعرف كم هي حدود الدليل. وأما بكون ان نتيجته هي الربا لا يوجب أن يكون حراماً أو رباً. وأردف سماحته: لذا إذا كان السؤال المطروح للبحث هو: إذا قال المقرض للمقترض: إذا أرجعت لي المبلغ في الموعد المحدّد فلا آخذ منك زيادة عليه. وإذا تأخّرت في تسديد المبلغ فسآخذ منك كذا مبلغ, وعلى الفرض كان ميسوراً على المقترض أن يسدّد المبلغ في الموعد المحدّد, وليس معسوراً, كي يشمله «فنظرة إلى ميسرة», فما الإشكال في مثل هذا الشرط؟ ولا يخفى عليكم أيها السادة الكرام بأننا نقول هذا ونحن في مجال البحث العلمي, وليس في مجال الفتيا. ثم سأل أحد الفضلاء, بقوله: إذا تم وضع الأموات في سرداب ولم يوارا عليهم التراب, وعندما يؤتى بميت آخر يفتحون باب السرداب ويضعونه بجنب الأموات الذين كانوا من قبل. فهل يجوز ذلك, وهل يصدق عليه الدفن؟ أجاب سماحته: إن ما يجب القيام به بالنسبة للميّت هو مواراته, لجهتين: الأولى: موارات جسمه من السباع. والثانية: موارات رائحة جسده من الانتشار, لكي لا يتحقّق موضوع انتهاك الحرمة. فإذا كان السرداب مظلماً بحيث لا يمكن مشاهدة الأموات, ولا تصدر منهم رائحة, فعلى الظاهر لا إشكال في الأمر. وبالنتيجة أن لا يكون وجود لموضوع انتهاك الحرمة. بلى إذا صار انتهاك للحرمة فلا يجوز, ولا خصوصية للموارات في الأرض, وموارات التراب. وعقّب سماحته قائلاً: كان في السابق تحت المرقد الطاهر لمولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه, يوجد سرداب وكانوا يدفنون فيه الأموات. وكان من عجائب هذا السرداب أنه لا يشمّ منه أية رائحة كريهة. بعد ذلك سأل أحد من الفضلاء, وقال: شخص اشترى قطعة أرض وشرع ببنائها كبيت له شيئاً فشيئاً, ولنفرض ان بناء هذه الأرض يستغرق عدّة سنوات, فهل يجب عليه أن يدفع خمس الأموال التي صرفها في المدّة المستغرقة لبناء الأرض؟ أجاب سماحته بقوله: حسب القاعدة: عليه أن يدفع الخمس, لأنه يقول الدليل: الخمس بعد المؤونة, والمؤونة مع ما لدينا من روايات السنة (العام) تعني: مؤونة هذه السنة. وعلى فرض أن الأموال التي صرفها في كل سنة هي ليست مؤونة تلك السنة, فقاعدته أن عليه الخمس. بلى عندما يكتمل البناء وسكن فيه, يعدّ مؤونة. ولذا فمقدار الأموال التي يصرفها في السنة الأخيرة, مع سكنه بالبيت في السنة الأخيرة أيضاً, تكون مؤونة ولا خمس عليها. وقال سماحته أيضاً: هذه المسألة نفسها طرحها صاحب الجواهر, وقال: عليه أن يدفع الخمس. بعدها سأل آخر وقال: إذا اتهم شخص شخصاً آخر, فهل التهمة كالغيبة, وأن عليه أن يطلب من المتَهَم إبراء الذمّة؟ قال سماحته: بالنسبة للغيبة هناك دليل خاص على أن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. ولذا قال جماعة من الفقهاء: على المستغيب أن يرضي المستغاب. ولكن هناك روايات اخرى, مثل: «كفّارة الغيبة الاستغفار» حيث على الظاهر معتبرة سنداً, وظاهرها أنه يكفي الاستغفار, لأن لها ظهور في الحصر, لكون المسند وهو (كفّارة الغيبة) مقدّم على المسند إليه وهو (الاستغفار). ولذا قال جماعة من الفقهاء: لا يلزم في الغيبة أن ترضي الطرف المقابل. وهو كما يبدو, حيث هناك ترجيح لرواية «كفّارة الغيبة الاستغفار». فبالنسبة للغيبة مع ان الروايات تقول: يجب إرضاء المستغاب, ولكن لم يقولوا بأنه: في التهمة كذلك لا يوجد عندنا دليل خاص, لذا وبطريق أولى لا يجب إرضاؤه. وخلاصة: نحن أتباع الدليل. بلى إذا افترضنا أنه إثر التهمة أو الغيبة سيراق ماء وجه الشخص المتهم أو المستغاب وغيرها, فمن هذه الجهة سيكون من الواجب استرضاء الشخص وإعادة احترام شخصيته أمام الآخرين الذين استغيب عندهم أو اتهم. وسأل آخر بهذا الصدد وقال: ما هو تعريف الغيبة؟ قال المرجع الشيرازي دام ظله: هناك تعاريف مختلفة, وهي محلّ خلاف. فقال بعض: الغيبة تعني: «ذكرك أخاك بما يكره» ولكنه ليس من المشهور. وقال المشهور: «أن تقول في أخيك ما هو فيه ممّا لا يعلمه الناس» وفيه رواية. وقد أضاف عليه السادة الفقهاء بقولهم: ممّا يسيئه، وليس قول: فلان يصلّي صلاة الليل. فهذا ليس غيبة أساساً.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
s-alshirazi.com |
|