بين يدي المرجع: الليلة الرابعة والعشرون




 

 

في مجلس هذه الليلة تم مناقشة العديد من المسائل ومختلفها, من قبل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله, والعلماء والفضلاء الحضور.

فسأل أحد الفضلاء: الأشخاص المصابون بضيق التنفّس ويستعملون البخّاخ الذي توجد فيه نسبة قليلة من الماء, هل هذا يبطل صومهم؟

أجاب سماحته: إن الملاك هو أمران: الأول: الأكل والشرب. والثاني: دخل الغبار أنفه وحلقه كما في الرواية. والبخّاخ ليس من هذين الأمرين, وعند استعماله فإنه يدخل في الرئة وليس المعدة, والأمر المقطوع والمسلّم به بإن المبطل للصوم هو كل ما دخل المعدة.

وسأل أحدهم أيضاً: إذا تيقّن شخص بإن صديقه فلان لا يخمّس, ودعاه هذا الصديق لوليمة في بيته, فهل يجوز له أن يذهب إلى بيته ويأكل من طعامه؟

قال سماحته: يلزم في هذه المسألة يقينين: الأول: اليقين بأن ذلك الشخص لا يخمّس. الثاني: اليقين بأن الطعام المقدّم للتناول قد تعلّق به الخمس. فإذا تيقّن بأن الخمس متعلّق بهذا الطعام, ففي هذه الحالة عليه أن يستأذن الحاكم الشرعي في كيفية التصرف بالطعام, وبعدها عليه أن يدفع خمسه. وأما إذا لم يتيقّن بأن صديقه لا يخمّس أو يتيقّن بأن الطعام المقدّم له لم يتعلّق به الخمس, لأنه قد يكون نسيئة أو اشتراه صاحبه من مال كان قد استدانه, ولا خمس على القرض والدَين, ففي هذه الحالة يجوز, لأنه: «كل ما فيه حلال وحرام فهو لك حلال».

هنا أشكل أحد الحاضرين, وقال: الشبهة هنا هي شبهة محصورة, وعلم إجمالي, وبالنتيجة أن الخمس متعلّق ببعض تلك الأمور من ذاك الصديق. إذن يجب احتنابه؟

قال سماحته في الجواب على هذا الإشكال: العلم الإجمالي حاصل من الشبهة المحصورة, ويكون منجّز إذا كانت أطرافه كلّها محلّ ابتلاء, وليس بعض أطرافه. وما نحن فيه هو أن كل أطراف الشبهة ليس محلّّّ ابتلاء.

ثم سأل آخر: إذا نهى الطبيب المرأة الحامل عن الصيام, فما هو حكم المسألة؟

قال سماحته: هذه المسألة مذكورة في العروة بأن الملاك: هو في الضرر واحتمال الضرر. فهل الضرر يكون بتشخيص الطبيب أو تشخيص الشخص المريض نفسه؟ فيقول صاحب العروة: تشخيص المريض نفسه هو الملاك. وهو كما يبدو. فإذا شخّص المريض بأن الصوم لا يضرّه, والطبيب نهاه عن الصوم, فعليه أن يصوم. وبالعكس إذا شخّص المريض بأن الصوم فيه ضرر عليه, ويقول له الطبيب بأنه يجوز لك الصيام ولا ضرر فيه, فتشخيص المريض هنا حجّة أيضاً.

بلى, إذا لم يتمكّن المريض من تشخيص: أن الصوم فيه ضرر عليه أو لا, فهنا عليه أن يعمل بقول الطبيب. هذا إذا كان الطبيب ثقة ويمكن الاعتماد على قوله والاطمئنان به.

وهنا سأل أحد العلماء الحضور, وقال: إذا وهب الأب بستاناً لابنه, فهل يستطيع الأب أن يستردّ البستان من ابنه بعد أن وهبه له؟

قال سماحته: إذا وهب البستان ولم يقبضه الولد ـ وقبض كل شيء بحسبه ـ فلا إشكال في استرداده, لأن الهبة للأرحام إذا صار فيها القبض فتكون لازمة وغير جائز استردادها.

بعد ذلك سأل أحد الفضلاء, بقوله: إذن: ما معنى الرواية التي تقول بأنه: إذا قال لك والداك أن اخرج من أموالك, بل ومن زوجتك وأولادك, فاخرج؟

قال سماحته في الجواب: أمثال هذه الرواية, أو رواية «أنت ومالك لأبيك» التي سئل عنها الإمام الصادق صلوات الله عليه وقال: هذه الرواية من الروايات الأخلاقية, إما أن نقول كانت قضية خارجية, وليست حكماً كليّاً وليست قضية حقيقة. وقد عمل الفقهاء بقول الإمام الصادق صلوات الله عليه. أو انهم حملوها على انها قضية خارجية, ولم يفتوا استناداً على هذه الروايات. لأنه إذا عملوا بهذه الروايات وأفتوا على ضوئها, عندها ستوضع جانباً (أو تهمل) العشرات من الروايات المعتبرة الأخرى, وهذا أمر غير صحيح.

ثم سأل آخر: هل المبنى, في المسافة الشرعية, على الدقّة أم المسامحة العرفية؟

أجاب سماحته: بنى الفقهاء على الدقّة, كما أنه في مباحث اخرى كمبحث الكُرّ, بنوا على الدقّة ولم يقولوا باعتبار المسامحة العرفية. وهذا المطلب أشار إليه الشيخ ومن كان قبله ومن أتى بعده أيضاً, وقالوا: العرف مرجع في المفاهيم وليس في المصاديق.

وهنا سأل أحد الحضور عن مسألة بخصوص الصيام والمسافة الشرعية, وقال: هل يجب على المسافر الذي يفطر في شهر رمضان ولا يصوم, أن يقصد المسافة الشرعية؟

أجاب سماحته: نعم, أن يخرج ويبتعد بمقدار المسافة الشرعية وأن يكون عنده قبل ذلك قصد المسافة الشرعية. وأما إذا لم يكن عنده قصد الذهاب بمقدار المسافة الشرعية ولكن اتفق أن استمر في مسيره إلى أن وصل إلى مقدار المسافة الشرعية, ففي هذه الحالة لا يعدّ مسافراً, فعليه أن يصلّي تماماً ويصوم.

وسأل آخر: إذا كان الشخص في حالة تلاوة إحدى آيات السجدة الواجبة وسمع في تلك اللحظة صوت قارئ آخر يتلو آية سجدة واجبة, فهل عليه أن يسجد مرّتين؟

قال سماحته: هذه المسألة تناولها صاحب العروة, فقال عنها, وقال الفقهاء المعلّقين على العروة أيضاً, قالوا: يجب عليه أن يأتي بسجدتين. ولكن يبدو أنه يحدث تداخل, ويكفي سجدة واحدة. بلى إذا حصل شكّ فالأصل عدم التداخل.

وبعدها سأل أحد الفضلاء, بقوله: نسبوا إلى الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بأنه كان يصلّي في كل ليلة ألف ركعة, فكيف كان الإمام يصلّي ذلك, وهل هو أمر ممكن؟

أجاب سماحته: إذا لحظنا بعض الأمور معاً, فسيرتفع التعجّب والاستغراب, وهي: 1. بعض الناس تجري ألسنتهم وتنطق بسرعة, وكان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقرأ سريعاً ولكن بشكل صحيح وفصيح. 2. كان الإمام صلوات الله عليه قليل الأكل, وقلّة الأكل تسبّب راحة وهدوء الأعصاب والفكر, والإكثار من الأكل تسبب الثقل وتمنع الإنسان من العبادة براحة. 3. يمكن في الصلوات المستحبّة الاكتفاء بالحمد وأقلّ الأذكار, ولعل الإمام صلوات الله عليه كان يقوم بذلك.

وأضاف سماحته: بالنتيجة هذا الموضوع ممكن وليس بمحال. وحتى كلّ واحد منّا قد يمكنه أن يقوم بذلك, كما ذكروا بأن البعض كانوا ملتزمين بذلك وكانوا يعملون به. علماً بأنه بالنسبة لنا فالأهم هو الانتباه لكيفية الصلاة وليس لعدد ركعاتها, لأن المعصومين صلوات الله عليهم كانوا ملتفتين وعلى انتباه في صلواتهم. ولكن نحن إذا أردنا أن نصلّي ألف ركعة, فقد ينشغل كل فكرنا في أنه متى تنتهي هذه الركعات. ولذا فمن الممكن أن لا يكون عندنا التفات وانتباه في هذه الصلاة. في حين تقول الروايات بأن الصلاة تُقبل بمقدار انتباه المصلّي فيها. وبالنتيجة قد يحدث التزاحم في المستحبّات, فعلى الإنسان أن يعرف أيّهما الأهم.

ثم سأل أحد الحاضرين, وقال: أيّهما الأفضل في ليلة القدر: الانشغال بالعبادة والدعاء والذكر, أم الانشغال بالمباحثة العلمية؟

قال سماحته: إنّ الصلاة, والدعاء, والذكر, وقراءة القرآن, والزيارات, هذه بما هي, كونها مقدّمة لتزكية النفس والحصول على التقوى, هي واجب عيني «بالوجوب العقلي», ولذا هي مقدّمة على المباحثة العلمية. ولكن بالنسبة للمقدار الأكثر من الواجب, فهنا نسأل هل هو أفضل أم المباحثة العلمية؟ ولا يخفى أن المباحثة العلمية ليست واجبة بل مستحبّة, فمقتضى الأدلّة المتواترة هو أن الأفضل هي المباحثة العلمية, كما قال بذلك بعض الأعاظم من الفقهاء.

وسأل أحد الفضلاء, بقوله: إذا أهدى الإنسان عمله العبادي, كالصلاة, والزيارة, والدعاء, وتلاوة القرآن, ونحو ذلك, إلى الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم, فهل يوجب رفع درجتهم صلوات الله عليهم, وهل ينفعهم ذلك أساساً؟

في الجواب على هذا السؤال, ذكر سماحته مثالاً, وقال: إذا كان عند زيد ـ مثلاً ـ حديقة فيها مليون وردة وزهرة, وبمختلف الأنواع. فإذا جاءه عمّار وأهدى إليه وردة, فمع أن هذه الوردة هي لا شيء تجاه المليون وردة الموجودة عند زيد, ولكنها بالنتيجة ستزيد من عدد الزهور والورود عنده, ويصبح عددها مليون وردة ووردة.

ثم أردف سماحته قائلاً: إنّ الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم هم أصحاب الحدائق والبساتين المملوءة وروداً وزهوراً, ولا يحتاجون إلى الورد, أي لا يحتاجون إلى أعمالنا العبادية والصالحة التي تكون كالوردة إذا حظيت بالقبول. ولكن ما الإشكال في أن نهدي إليهم ثواب أعمالنا العبادية والصالحة المقبولة, من باب تقديم الشكر لهم على هدايتم إيّانا نحو الأعمال الحسنة, وتكون رفعة درجة لهم من باب: «من سَنَّ سُنة حسنة», ومن باب: «الدالّ علي الخير كفاعله». ورفعة الدرجة هي مرحمة ومكرمة من الله تعالى, بل هي كالصلوات التي أمرنا الله تعالى بها, التي توجب من الله سبحانه وتعالى رفع الدرجات لهم صلوات الله عليهم أجمعين.

يذكر, أنه في ليالي أيام استشهاد مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه, وليالي القدر المباركة, لم تعقد الجلسات العلمية في بيت سماحة المرجع الشيرازي دام ظله لمدّة خمس ليالي. ولهذا قدّمنا بين أيديكم, أيها الكرام, مباحث ليالي ما بعد ذلك, وكانت جلسة الليلة الرابعة والعشرين هي أول الجلسات.


s-alshirazi.com