الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (3)




 

موقع الإمام الشيرازي

كان من المواضيع التي تم تناولها وبحثها في الجلسة العلمية لهذه الليلة (مساء اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك 1434 للهجرة) هي: البكاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه والتسليم عليه في الصلاة, وذكر السيّدة الزهراء صلوات الله عليها في الأذان والإقامة, وحول ذكر الشهادة الثالثة في التشهّد بالصلاة, ومصداق البيتوتة عند الإمام الحسين صلوات الله عليه, وعن أخذ الأجرة في أداء العبادات, حيث سأل أحد الفضلاء عن الأخير بقوله:

هل أخذ الأجرة في الواجبات العينية جائز, وما هو الدليل إن لم يكن جائزاً؟

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: في صحّة الواجبات العبادية يجب أن يتحقّق مطلبين, هما: الأول: قصد القربة. والثاني: الإجارة العقلائية. فإذا أخذ شخص مالاً ليصلّي صلاته لنفسه فهذه ليست إجارة عقلائية, لأن الإجارة عقد, وهي بين طرفين صاحبي منفعة, ولكن هنا غير متحقّقة, ولذا يوجد فيه إشكال.

أما إذا أخذ مالاً ليصلّي صلاة لميّت فهذه إجارة عقلائية, وكذلك مثل لو أعطى الأب لولده مالاً ليصلّي أي لكي يتربّى ولده ويواظب على الصلاة. ولكن الإشكال الرئيسي هنا هو ان أخذ الأجرة لا يمكن جمعه مع قصد القربة, وجوابه هو إذا كان أخذ الأجرة داعياً إلى القيام بالعمل العبادي العيني الكذائي, فحينها لا منافاة له مع قصد القربة. فإذا أخذ الأجرة على عمل عبادي عيني كالصلاة على نحو الداعي ويؤدّيه مع قصد القربة فلا إشكال فيه, كما قال الكلام نفسه السادة الفقهاء في أخذ الأجرة قبال أداء الواجب الكفائي كغسل الميت, وتكفينه, ودفنه. إذاً هذه الحالة التي قالوا بها للواجب الكفائي يمكن الإتيان بها في الواجب العيني. إضافة إلى أن من وجوه التصحيح هو ان الأجرة واجبة على مقدّمات العمل.

خلاصة القول: إذا كانت الأجرة واجبة عليه, سواء كان للواجب العيني أو الكفائي, إذا تم تصوّرها على نحو الداعي بحيث لا يكون له منافاة مع قصد القربة وتكون إجارة عقلائية فلا إشكال فيها. فما هو مسلّم ومتسالم عليه هو أن من شروط تحقّق العبادة هو قصد القربة وخلوص النيّة. كما يجب أن تستند العبادة على أمر الله تعالى. ولذا حتى إن كانت برجاء المطلوبية, ويحتمل أن يكون كذلك, فهذا يكفي, ولا يحتاج إلى أكثر منه.

بلى ان المسألة التي هي اليوم محلّ ابتلاء ومتعارفة هي إجارة الذهب, حيث يؤجرون الذهب ويأخذون قبال تأجيره مبلغاً شهرياً, ولكن المستأجر للذهب لا يتصرّف لا في الذهب ولا في منافعه بحيث عليه أن يبقي على الذهب كما هو. مع ان شرط الصحّة في الإجارة هو بقاء العين والانتفاع من منافعه. ولذا فإن إشكال تأجير الذهب هو أنه بالحقيقة ليس إجارة وليس صحيحاً, إلا ّ إذا صحّحناه من باب آخر.

وسأل أحد الفضلاء: ما هو رأي سماحتكم بشكل عام حول ترجيح المرجّحات المذكورة في الروايات, مثل الأحدثية, أو التساقط عند تعارض الروايات المطروحة في باب التعديل والترجيح؟

أجاب سماحته: إنّ الروايات العلاجية مثل الأحدثية نسبة إلى تعارض الروايات ومسألة التساقط, هي معرض عنها, وبناء على المشهور والمنصور, الإعراض موهن. ولذا فهو ساقط من الاعتبار. ولا ترى الفقهاء, حتى واحد بالألف منهم, بأنه يقول بالترجيح بالأحدثية, من زمن الشيخ المفيد وإلى يومنا هذا.

هنا سأل أحد الفضلاء عن جواز البكاء على الإمام الحسين عليه السلام بالصلاة, فقال: هل يجوز البكاء على الإمام الحسين عليه السلام في الصلاة؟

قال سماحته بهذا الخصوص: هذه المسألة هي محلّ خلاف. فعندنا إطلاقات بأن البكاء مبطل للصلاة إلاّ إذا كان البكاء للخوف من الله تعالى. ولعل هذا هو المشهور, ولكن الموجود هو ان إطلاقات الأدلة لا تشمل البكاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه ومنصرفة عنه. وبعبارة أخرى ان أدلّة البطلان هي من باب ضيّق فم الركيّة ولا تشمل البكاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه, ولذا يبدو أنه لا إشكال فيه.

وعقّب السائل نفسه بسؤال آخر مفاده هو: بعض الناس يسلّم على الإمام الحسين عليه السلام قبل تكبيرة الإحرام في الصلاة, وقد أشكل بعض على هذا, فما هو رأي سماحتكم؟

أجاب سماحته, قائلاً: لا إشكال في ذلك إن كان قبل تكبيرة الإحرام, فقد نقلوا عن المرحوم السيد عبد الهادي الشيرازي أنه قدّس سرّه كان قبل تكبيرة الإحرام يقول: السلام عليك ياأبا عبد الله, ثم يكبّر, وعندما سألوا منه عن ذلك قال في الجواب: لولا الإمام الحسين صلوات الله عليه ما كنّا نصلّي وما كنّا مسلمين.

نعم هذا الأمر يجب أن لا يكون في الصلاة, لأنه طبقاً للأدلة المعتبرة لا يجوز ولا يصحّ خطاب غير الله تعالى في الصلاة. فعندنا أدلة معتبرة تصرّح بأنّ: «الصلاة إنّما هي قرآن وذكرٌ ودعاء», والذكر يعني: ذكر الله تعالى كالتهليل, والتكبير, والتسبيح. و(إنّما) تفيد الحصر بمعنى أنه لا يجوز قول غير تلك الثلاثة, أي التهليل والتكبير والتسبيح.

كما يجب أن نعلم بأنه هناك دليل خاص وروايات معتبرة السند ومعمول بها بالنسبة إلى ردّ السلام في الصلاة, كما بالنسبة إلى (السلام عليك أيها النبيّ) حيث له دليل خاص. علماً بأن المرحوم صاحب العروة استثنى مورداً في العروة من عدم مخاطبة غير الله تعالى في الصلاة وهو تسميت العاطس, حيث قال: إنّ قول (يرحمك الله) هو دعاء. ولكن أشكل بعض الفقهاء في تعليقاتهم على العروة, ويبدو ان إشكالهم وارد.

وسأل آخر: هل يجوز ذكر السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في الأذان والإقامة؟

قال سماحته: هذا المطلب له بحث علمي وهو: ان المرحوم الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي نقلا روايات في جزئيات الشهادة الثالثة التي تشمل بقية أهل البيت صلوات الله عليهم في الأذان والإقامة, وبعد نقلهم لهذه الروايات رموا رواة تلك الروايات بالغلو. فهذين الأجلّين (الصدوق والطوسي) نقلا نقلاً حسيّاً ونقلاً ظنيّاً. فنقلهم الحسّي هو نقل روايات جزئيات الشهادة الثالثة التي تشمل بقية أهل البيت صلوات الله عليهم أيضاً وهذه حجّة ومقبولة. وأما نقلهم الظنّي فمبتنى على ان روّاة هذه الروايات من المغالين, فهو ليس بحجّة إلاّ على مقلّديهما وفي زمانهما فقط. وأما لبقيّة المجتهدين ولمقلّديهم في هذا الزمان, فهو ليس بحجّة أبداً, لأنه تقليد ابتدائي ولا يجوز التقليد الابتدائي من الميّت. ولذا يبدو أن القول بالشهادة الثالثة التي تشمل السيّدة الزهراء وأبنائها المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين في الأذان والإقامة, لا إشكال فيه بنحو الجزئية.

ثم سأل السائل نفسه, بقوله: ما هو رأي سماحتكم حول ذكر الشهادة الثالثة في التشهّد؟

قال سماحة المرجع الشيرازي: نقل الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في المصباح تشهّداً تضمّن بعد الشهادتين العبارة التالية: «وأنّ عليّاً نعم الوليّ», وبعد: السلام عليك أيّها النبيّ جاء قول: (السلام على الأئمة الهادين المهديّين)، فقول هذه العبارة لا إشكال فيه بناء على قاعدة التسامح في أدلة السنن.

وسأل أحد الفضلاء: هل ان الصلاة فرادى عند الضريح الطاهر لمولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه أو عند مقام الرأس الشريف أفضل, أم الصلاة جماعة في الصحن الشريف؟

أجاب دام ظله, بقوله: عندنا رواية بأن (الصلاة عند الحسين صلوات الله عليه مقبولة). فهل ان معنى (عند الحسين) هو خاص بأطراف الضريح الطاهر, كما كان يذهب إلى هذا الرأي المرحوم والدي قدّس سرّه, أم انه موسّع. فيبدو ان (عند الحسين) موسّع ويشمل كربلاء كلّها وليس الحرم الحسيني فقط. ولذا ذكر في رواية أخرى أنه: «من بات عند الحسين ليلة عاشوراء», فإنّ (عند الحسين) يعني البيتوتة في كل مكان من مدينة كربلاء وليس عند الضريح أو في الصحن الشريفين فقط, فالبيتوتة في أيّ مكان من مدينة كربلاء يصدق عليه أنه (بات عند الحسين) صلوات الله عليه.

 

 

 


www.s-alshirazi.com‏