الجلسات العلمية في ليالي شهر رمضان (16)




 

موقع الإمام الشيرازي

تناول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في نقاشاته العلمية لمجلس هذه الليلة (مساء يوم 16 من شهر رمضان المبارك 1434 للهجرة) مسألة «الوطن والإعراض عنه». فكان مما سأله أحد الفضلاء في هذا الصدد أنه قال:

في الإعراض عن الوطن وعدم الإعراض عنه، هل يستطيع الولد أن يتبع أباه؟

أجاب دام ظله: كلا. علماً بأنه لا توجد كلمة إعراض في الأدلة كي يمكننا أن نتباحث حولها، بل نحن والاستصحاب، يعني: (متيقّن سابق وشكّ لاحق)، والفقهاء الذين ذكروا هذه المسألة كصاحب الرسائل والكفاية، وفي الفقهية كالجواهر وغيرها كان مبناهم على الاستصحاب. ويلزم أن يكون في هذا الاستصحاب وحدة عرفية. مثلاً الطفل الذي ترك مسقط رأسه ومدينته وهو في الثانية أو الثالثة من عمره، ورجع إليها بعد عشرين سنة، فلا يقال له حينها أنه يسكن فيها. بلى إن تغيّرت الأمور بالمستقبل بحيث رجع إلى مدينته ويسكن فيها، فهل يمكن الاستصحاب؟ لا ندري. وماهو الدليل إن قلنا باستصحاب الأبّ؟ فلا إعراض الأب إعراض الابن، ولا استصحابه استصحاب ابنه. إلاّ إذا كان الابن مستقلاًّ فهنا يجري الاستصحاب، إن كان له في مدينته التي تركها مكان للسكن وكان مميّزاً ولم يعرض عن هذا المسكن واستصحب المسكنية، فهذا يمكن ولكن ليس له تبعية الدليل.

وسأل السائل نفسه: يمكن أن نقبل بما مرّ ذكره حول الإبن ولكن ماذا بالنسبة للزوجة؟

قال سماحته: الكلام نفسه نقوله هنا أيضاً. أي: نعم إذا بَنَت الزوجة على أن تتبع زوجها. ولكن إذا لم تبني أمرها على ذلك، يعني على سبيل الفرض أعرض الزوج ولم تعرض الزوجة كأنها صممت على أن تتوافق مع زوجها كي يرجعوا إلى مدينتهم السابقة أو تُطلّقه وترجع.

إذن: لا دليل على ان الزوجة تتبع زوجها أو الإبن يتبع أباه، وهو بذاته موضوع مستقلّ ويحتاج تبعية دليل آخر، وهذا لا وجود له. إذن بالنسبة للزوجة والأبناء يلزم أن يجري الاستصحاب مستقلاًّ.

وسأل آخر حول المسألة السابقة نفسها بقوله: في حال الجهل بالمسألة، إذا انتقل الابن الذي يبلغ من العمر (13 أو 14 سنة) مع أبيه من مدينة إلى أخرى ولم يكن للابن قصد الإعراض، فإذا عمل لمدّة ما مثل عمل المسافر، مثلاً ذهب إلى تلك المدينة ليومين أو ثلاث وعمل بحكم المسافر، هل يبقى هذا عدم الإعراض على ما هو عليه؟

أجاب سماحته: بلى إن لم يك قد أعرض، يعني: صمّم على العيش المجدّد فيها فهنا يكون مسكنه فعليه أن يصلّي بالتمام ويصوم، لأنه كان يسكن في هذه المدينة مسبقاً، والآن مصمّم على أن يرجع إليها في يوم ما ويبقى فيها ويعيش فيها. هذا مثله كمثل الشخص الذي يبقى عشرة أيام في مكان ولا يدري بأنه ببنائه على البقاء عشرة أيام أن يصلّي تماماً أو يقصر، ففي هذه الحالة عليه أن يقضي صلاته، ويجري الاستصحاب نفسه.

خلاصة: الاستصحاب حكم شرعي ولا يلزم الالتفات إلى هذا الحكم الشرعي، بلى قالوا بأن الموضوع ـ وليس الحكم ـ يجب أن تكون له فعلية، ولذا العلم بالمسألة أو جهلها لا ينفع في تغيير الحكم بل بعكسه لجهة ان له دليل خاص، فلا إشكال في ذلك، يعني إذا صلّى الإنسان تماماً بدل القصر فلا قضاء هنا، أي كان يجهل المسألة، أو ظنّ أنه عليه أن يصوم بدل الإفطار، ففي هذه الحالة يصحّ صومه.

وسأل أحد الفضلاء: إذا سمع المقلِّد ان مرجعه يقول بالصلاة تماماً في النجف الأشرف تبعاً للكوفة فهل هذا من باب أخبار من بلغ؟

قال سماحته: كلا، ليس من أخبار من بلغ، بل من هذا الباب وهو: إذا كان الإنسان جاهلاً ـ سواء كان جاهلاً ملتفتاً وعمل بمقتضى الأدلة وصار له كشفاً بخلاف ذلك، أو جاهلاً غير ملتفت، سواء كان جهلاً بسيطاً أو مركّباً ـ وصلّى تماماً بدل القصر وكان سبب الجهل أنه كان يظنّ ان مرجع تقليده هكذا يقول أو انه قد تغيّر رأي مرجعه وتغيّرت فتواه، فعندما يصلّي تماماً بدل القصر هناك دليل يقول بقبول ذلك ولا قضاء فيه، ولكن لا دليل لعكسه.

وسأل آخر: هل يرجع موضوع الوطن إلى الشرع أم إلى العرف؟

أجاب سماحته: يرجع موضوع الوطن إلى العرف، وكذلك موضوع المسافر، يعني: جعل الفقهاء العرف هو الملاك في الوطن والمسافر. وقد فصّل في ذلك المرحوم المحقّق الحاج أغا رضا الهمداني في كتاب الصلاة، رغم ان الفقهاء قبله كانوا قد تطرّقوا إلى ذلك، ولكنه فصّل أكثر وقال: لجهة الصلاة تماماً والصوم لا نحتاج إلى صدق الوطن بل نحتاج إلى صدق عدم كونه مسافراً.

بالنتيجة قال رحمه الله: موضوع القصر: هو المسافر. وإذا لم يصدق عليه عرفاً بأنه مسافر فلا قصر عليه، ومتى ما لم يصدق عليه انه مسافر فالموضوع هو الصلاة تماماً، سواء كان في وطنه الأصلي الذي ولد فيه وعاش أو في الوطن الاتخاذي كما عبّر الفقهاء، فالمشهور. طبعاً لا يوجد إجماع فيه لأنه محلّ نقاش ـ أنه يعتبره وطناً.

إذن نحن لا نباحث في كلمة وطن بل نباحث حول مدار عدم صدق كون هذا الشخص مسافراً، ويعني ان شخص يذهب من مكان إلى آخر ويبقى فيه سنين، فلا يعتبره العرف مسافراً. ولذا ترجع المسألة إلى العرف بأنه هل يعتبر ذلك المكان للشخص مسكناً أم لا؟ ولذا فالذي يذهب إلى زيارة المشاهد المشرّفة مرّة بالشهر ويرجع فيكون في المشاهد المشرّفة مسافراً ولا يقال لهذا المكان بأنه سكن للشخص الزائر.

بلى ما جاء في الآيات والروايات هي كلمة (استوطن) وليس الوطن، ويبدو ان ما جاء في قول المرحوم الهمداني الذي رضي به من جاء من بعده من الفقهاء أيضاً هو أنه: لا يوجد عندنا موضوعين، أي: السفر والوطن، بل عندنا عنوان واحد وهو السفر، والموضوع الآخر هو سلب العنوان الأول. وعليه إذا عرفاً ـ أو شرعاً بدليل الحكومة ـ بعد قطع مسافة أربعة فراسخ صار الشخص مسافراً فيصلّي قصراً ويفطر. مثلاً إذا بقى في مكان عشرة أو تسعة أيام يقول العرف عنه بأنه مسافر، ولكن الشرع يقول إذا بقى عشرة أيام فحكمه ليس حكم المسافر. فمتى ما كان (سفر) عرفاً ولم يقل الشارع بدليل حاكمي أنه: (هذا ليس بمسافر) فهنا يكون القصر. وبعكس ذلك مهما كان يكون التمام.

وسأل أحد الفضلاء: في الروايات الموجودة بهذا الخصوص هل يمكننا أن نستنتج منها عنوانين، أي: السفر والوطن؟

أجاب سماحته: هنا يختلف الاستنتاج من الروايات. مثلاً إذا قال: (أكرم العلماء إلاّ فسّاقهم) فهذا لا يعطي العنوان إلى أكرم العلماء أي ليس معناه أنه (أكرم العلماء العدول) إلى أن يتم إحراز العدالة.

بلى أحياناً يستفاد من الأدلة أنه يعطي عنواناً وإلاً بما هو فإنّه كلا لا يعطي عنواناً. فالعالم العادل عنوان، والعالم الفاسق عنوان ثاني, وعندنا عنوان ثالث وهو: (العالم الذي لا نعلم انه عادل أو فاسق).

وسأل آخر: ما هي مصاديق قطع الرحم ومصاديق صلة الرحم, وإلى كم جدّ يصدق أنه من الرحم؟

قال سماحته: هذه المسألة هي محلّ ابتلاء كثيراً. وقد بحث الفقهاء هذا الموضوع في الكتب الفقهية، كما تعرّض له صاحب العروة في بعض الأماكن.

إنّ المتيقّن والمسلّم به والمجمع عليه أن قطع الرحم حرام. ولكن بالنسبة إلى أنه ما هي مصاديق قطع الرحم وصلة الرحم، فهنا مسألة أخرى.

إن رحم الإنسان مع أبناء عمومته وأبناء خواله وحتى أحفادهم وإلى عشرة بطون بعدهم هم من رحمه، ولكن مثلاً الشخص السيد نسبة إلى السيدة المعصومة سلام الله عليها هل هو رحم أم لا؟ يقال إذا صارت الشخصية كبيرة وذهب هذا الشخص السيد إلى حرمها وسأل قضاء حاجته من باب الرحم، فهذا معقول. بلى أحياناً يشكّ الإنسان.

خلاصة: قطع الرحم مسلّماً حرام. ولكن حول صلة الرحم لم يتعرّض لها جماعة من الفقهاء بأنها هل هي واجب أم لا؟ والأوامر المتعدّدة ذات الأسانيد المعتبرة التي جاءت في صلة الرحم حملوها كلّها على الاستحباب وقالوا: الصلة في مقابل قطع الرحم، يعني القطع حرام وليس أن الصلة واجب. ولكن ما المانع من أن نقول بحرمة قطع الرحم، وبوجوب صلة الرحم، وهذا لا يستلزم اللغوية ـ كما صرّح بعض الفقهاء ـ.

أظن أن الشهيد الثاني تعرّض للمسألة بالتفصيل في القواعد والفوائد. ويبدو أن الصلة واجبة بأقلّ مراتبها، وأقلّ مراتبها هي مسألة عرفية. فأحياناً الشارع المقدّس يعين الموضوع ويقول مثلاً: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) وغَسل لا يطلق عرفاً على المسح باليد المبللة ولكن تقول الرواية أنه يكفي حتى إن كان بمقدار فرك الدهن. يعني عرفاً ليس غسل ولكن بدليل الحكومة نقول غسل. فهنا تدخّل الشارع في الموضوع. ولكن في باب صلة الرحم وقطعه لم تأتي روايات معتبرة في توسّعه وتضييقه الشرعي، ولذا اُرجعت إلى العرف.

إذاً بالاستفادة من ظاهر الأدلّة الواردة في صلة الرحم نقول أن صلة الرحم واجب. وقد حمل جماعة من الفقهاء هذه الأدلة على الاستحباب وقالوا بان قطع الرحم فقط حرام، ولكنهم عدّوا صلة الرحم بأنه مستحبّ واعتبروه من باب الأخلاق، ولكن بأي دليل نحمله على الأخلاق؟!

بالنتيجة: المصاديق مختلفة، وبعض هذه المصاديق تكون مورد شكّ بأنه هل حصل القطع أم لا؟ أعرف بعض الأشخاص لا يتلاقون في بيوتهم فيما بينهم ولا يتزاورون لعشرات السنين ولكنهم في الشارع وغيرها عندما يلتقي بعضهم ببعض تراهم يتلاقون بحرارة ويتصرّفون تصرّفاً يوحي للناظر إليهم بأنه لا يوجد شيء بينهم أصلاً، وقال أحدهم: ليس بيننا زعل، بل الزعل الذي عندنا هو زعل مع باب وجدران بيوتنا! وبالنتيجة الشخص نفسه له خصوصية، مع انه هناك روايات مغلّظة وشديدة حولها، ولكن لم يتطرّقوا إليها كثيراً.

وسأل أحد الفضلاء: هل أداء أربع ركعات الصلاة، محقّق للإقامة؟

أجاب سماحته: بلى، وذلك لدليل الحكومة. لأن البقاء عشرة أيام هو تعبّد شرعي وليس عرفي. فالشخص الذي يبقى عشرة أيام في مشهد فهو عرفاً مسافر، ولكن الشارع يقول ليس بمسافر وعليه أن يصلّي تماماً. وكذلك يقول مع قصده البقاء عشرة أيام إذا صلّى صلاة أربع ركعات كالظهر مثلاً وبعدها عدل، فعليه أن يصلّي العصر والصلوات ذات الأربع ركعات، أربع ركعات طالما بقي هناك. يعني ان الشارع يقول ان قصد الإقامة يحصل له حكم الوطن، وإذا صلّى صلاة أربع ركعات يثبت حكم الوطن حتى إن عدل عن ذلك.

وسأل آخر: شخص يصوم في مدينة ما ثم يسافر إلى مدينة أخرى بدأ فيها شهر رمضان بيوم واحد قبل تلك المدينة، ويكون بالواقع قد صام 28 يوماً، أي يوم أقلّ، فهنا يقول بعض الفقهاء عليه أن يقضي ذلك اليوم. فما هو الدليل؟

قال سماحته: الدليل هو ان الله تبارك وتعالى قد أوجب على المكلّفين أن يصوموا شهراً واحداً في السنة، وأوجب الصوم على الشخص الذي ليس مريضاً أو مسافراً في شهر رمضان، وإذا كان في شهر رمضان مريضاً أو مسافراً فعليه أن يقضي الشهر. هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يوجد في الأشهر القمرية شهر أقلّ من 29 يوماً أو أكثر من ثلاثين يوماً، إذن الشخص المذكور الذي صام 28 يوماً يجب عليه أن يقضي يوماً واحداً كي يصدق عليه صيام شهر واحد. إضافة إلى هذا: ان صاحب الوسائل عنون باباً في هذا المعنى باسم: (ان شهر رمضان إذا كان بحسب الرؤية ثمانية وعشرين يوماً وجب قضاء يوم منه) ونقل فيه رواية أن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه صام شهر رمضان واحد في الكوفة 28 يوماً فقط وتم رؤية هلال شهر شوال، حينها أمر الإمام صلوات الله عليه المنادي أن ينادي بالناس ويعلن لهم بأن يقضوا يوماً واحداً لأن الشهر 29 يوماً.

تعريب: علاء كاظم

 

 


www.s-alshirazi.com