السلام المفقود .. تكريس التسلط عبر استدامة الواقع المأزوم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

8/ جمادى الأولى/ 1448

 

 

تعيش المنطقة منذ عقود تحت وطأة واقع مأزوم، تديره سياسات متشنجة ومغامرات مسلحة غير محسوبة العواقب، أو غير مبالية بالخسائر المحتملة؛ وقد وقعت – خلال هذه العقود – خسائر جسيمة وكارثية. وفي غمرة هذه الصراعات المستمرة، تبرز معضلة فكرية وسياسية خطيرة تتمثل في إعادة تعريف "النجاح والانتصار" خارج سياقه الطبيعي؛ إذ لم يعد النجاح يقاس بمدى ازدهار الأوطان أو رفاهية الشعوب، بل بعدد الجبهات المشتعلة، وحجم النفوذ العابر للحدود، وقدرة القوى المهيمنة على البقاء والاستمرارية، حتى وإنْ كان ذلك فوق القانون وإرادة الشعوب، وفوق معاناة الشعوب وركام المدن وأجساد الضحايا. ومن هنا، يصبح واضحاً أن هذا المأزق المستمر ليس مجرد نتيجة عابرة للحروب، بل هو استراتيجية ممنهجة يتعمدها المتسلطون؛ إذ يغدو تكريس التسلط رهيناً باستدامة هذا الواقع المأزوم وترسيخه. وقد أنتج هذا الواقع بمرور الوقت ثقافة مشوهة، تبرر الهزائم التنموية وتعتبر الصمود الأجوف انتصاراً، مما رسخ وعياً سلبياً يقبل بالاستبداد والفشل والفساد كقيمة بديلة عن الازدهار. وكما يرى المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي أن «أول ما يوجب التخلف هو الفكر المتخلف» ( لنبدأ من جديد: ص83)؛ وهو الفكر الذي يستبدل أولويات السلام والاستقرار والتنمية والبناء والرفاه بأوهام السطوة والتوسع والنفوذ في ما بعد الحدود والتمدد المسلح.

وهكذا، فإن تقديم الخيارات العسكرية والمليشياوية على حساب بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية يمثل جوهر الأزمة الراهنة .. هذه "العسكرتارية" المفرطة لا تنتج استقراراً، بل تصنع بيئة طاردة للتنمية. فعندما تصبح الأولوية القصوى هي إشعال الصراعات وتمويل الجبهات وتوسيع رقعة السيطرة الإقليمية، تتبدد موارد الشعوب وثروات الأوطان في معارك لا طائل منها، ويتحول المواطن من غاية التنمية وهدفها إلى مجرد وقود لسياسات التمدد والنفوذ. وفي هذا السياق، فإن أخطر الأدوات التي توظفها هذه النزعة التوسعية المخادعة هي استغلال العاطفة الدينية الفطرية وحب الناس للرموز الدينية المقدسة. ومن خلال تلك الآلية المخادعة، يتم تحوير التدين النقي وتوظيفه كوقود أيديولوجي لتجنيد الشعوب وتحريكها في تنفيذ مخططات توسعية لفرض النفوذ في دول أخرى. هذا التوظيف النفعي المحتال للدين لا يقتصر ضرره على السياسة فحسب، بل يمثل تشويهاً عميقاً للقيم الروحية والأخلاقية، وتحويلاً للرسالة الدينية السامية من قيم تدعو الى الإيمان والخير والعدل والفضيلة والسلام والبناء والرفاه، إلى وسيلة للهيمنة والعدوان.

هذه السياسات التي تتناقض مع قيم السلم والسلام التي دعا إليها الإسلام (وتتناقض أيضاً مع القانون الدولي) نتيجتها الحتمية هي التداعي الشامل للمجتمعات، فالانهيار لا يبدأ من خطوط المواجهة، بل ينخر أولاً في جسد الحياة اليومية للمواطنين؛ حيث يتعمد هذا النهج تفتيت النسيج الاجتماعي وتقسيم المجتمعات وتفريق الجماعات بناء على ولاءات ضيقة وفئوية تصب في مصلحة المشاريع العابرة للحدود، وهي مشاريع لا تنفع الشعوب بل تجعل منها مجرد وقود لها. وبدلاً من أن يكون التنوع الثقافي والاجتماعي مصدر إثراء، يُحوَّل إلى خطوط تمايز وصراع داخلي ينخر في جسد الهوية الوطنية الجامعة، ويترك الأوطان ممزقة وضعيفة إزاء التحديات الداخلية وأمام الأطماع الخارجية.

ويقودنا هذا التدمير البنيوي إلى رصد الوجه الأشد قتامة للعسكرتارية والمليشياوية، وهو الانهيار الاقتصادي الممنهج وتجريف مقدرات الشعوب؛ حيث تشهد البلاد انحداراً سحيقاً في الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبنية تحتية، يرافقه انهيار مادي يدفع بالملايين نحو خط الفقر. ففي الوقت الذي تتباهى فيه هذه القوى بجبهاتها المشتعلة، فإنها تعيد الأوطان عقوداً إلى الوراء عبر نسف أسس "الثروة الحقيقية" وتحويل جغرافيتها إلى بؤر للاقتصادات السوداء الموازية. أيضاً، فإن مشاريع العسكرة وشرعنة السلاح المنفلت خارج إطار الدولة لا تكتفي بتبديد الأموال والريع في تمويل مشاريع ومغامرات خارجية (غير عراقية بل تجلب الضرر للعراق)، بل تتعدى ذلك إلى التسلط على الحكومات، ونهب المال العام، وتدمير المؤسسات الشرعية، والاتكاء على أنشطة إجرامية وعابرة للحدود كتهريب وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر وغسيل الاموال لتمويل ديمومتها.

وهذا السلوك ليس معزولاً عن بنية هذه الجماعات؛ فالأنظمة والحركات الجائرة، كما يصفها الإمام الشيرازي (رحمه الله)، «تبني أمرها على اللاواقعية وسوء الأخلاق والانحراف» (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص90)؛ إذ تنفصل عن واقع شعوبها لتقتات على الجريمة المنظمة وتدمير الحافز الإنتاجي للمجتمع. وكما يحلل المفكر الاقتصادي توماس سويل، فإن الثروة الحقيقية هي "معرفة متراكمة" وثقافة اقتصادية تحترم الوقت والعمل والمسؤولية؛ أما ثقافة المليشيات وشراء الولاءات السريعة فتستبدل الإنتاج بالارتجال والفساد وتدمر الحافز الإبداعي. فعندما يرى المواطن أن "الحيلة والمحسوبية والولاء الأعمى للسلاح" هي المعايير الوحيدة للمكافأة، تسود ثقافة الانتهازية، ويتحول المجتمع من نموذج مستقر يراكم المعرفة والابتكار والتجارة (كحال اليابان وسويسرا اللتين لا تملكان موارد طبيعية وتتربعان على عرش ثروة العالم بفضل منظومتهما العقلية والإنتاجية)، إلى مجتمع ريعي أو استهلاكي بائس أشبه بتجربة إسبانيا والبرتغال قديماً حين غرقتا في ذهب العالم الجديد دون بناء اقتصاد حقيقي، فأفسدتهما الثروة الكاذبة بدل أن تنهض بهما. وهكذا، فإن توجيه المقدرات نحو مخططات خارجية (غير العراقية ومرفوضة إقليمياً ودولياً) يعطل دورات التعلم، ويدفع بالكفاءات والعقول إلى الهجرة، مما يعني حرفياً هدم "رأس المال الثقافي والإنتاجي" وتكريس فقر بنيوي مستدام يبدأ من نقطة الصفر مع كل جيل، حيث يحل الإحباط واليأس مكان الطموح، وتتفكك الروابط المجتمعية تحت ضغط الحاجة وغياب الأفق السياسي.

ومن هنا، يتكشف لنا المحور الأعمق خطورة في بقاء نزعة العسكرة والمليشيوية والتي تتمثل في الواقع من خلال أحزاب وفصائل وحركات؛ وهو صناعة التخلف وتكريس حالة اللاوعي والدجل الاجتماعي لضمان استمرار السيطرة وتمرير مشاريع الاستبداد الجديدة تحت لافتات مقدسة. وكما يرى الإمام الشيرازي الراحل فإن «السر في أن الأحزاب والحركات -إسلامية كانت أو غير إسلامية- التي أخذت بزمام الأمور والنفوذ في عدة بلدان لم تتمكن من تأمين الحياة الكريمة للناس، يكمن في أنها أعادت إنتاج الديكتاتورية بوجه آخر، ومن شأن الديكتاتور -أيّاً كان لونه وشعاره- التضييق على الناس ومصادرة حرياتهم» (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص292).

إن قوى العسكرة تدرك - بوعي أو بغريزة البقاء - أن يقظة المجتمعات ونهضتها ترتبطان بوعيها الثقافي والقيمي؛ لذا، فهي تتعمد تغذية الأنماط الفكرية الأكثر ركوداً وتواكلية لضمان استمرار سطوتها وخضوع المجتمعات. وإذا استعرنا أطروحات عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر، نجد أن التخلف والازدهار حالتان ثقافيتان بالدرجة الأولى؛ حيث أثبت وجود علاقة طردية بين القيم العملية الحاضة على الإنتاج (مثل الانضباط، والادخار، والعقلانية، والمسؤولية الفردية المباشرة) وبين النهوض الاقتصادي. وعلى العكس من ذلك، فإن المشاريع المليشياوية تعيد إنتاج نموذج "العلاقة الأبوية والكهنوتية الخانقة"، حيث يُحرَم الفرد من حريته وعلاقته المباشرة بالوعي، ويُجبَر على التبعية لوسطاء يستغلون مشاعره لتمرير الوهم. وإن هذا النهج يجعل الإنسان مستلب الإرادة، واقعاً تحت تأثير الخرافة والشعارات "الدينية" المسيسة التي تقرر مصيره، وتدجنه داخل ثقافة الطاعة العمياء والخضوع المفرط للتقاليد الحربية، مما يجعل التغيير عسيراً.

ويمتد هذا التجريف الثقافي ليضرب المنظومة التربوية في مقتل؛ فحينما أكد عالم النفس ديفيد ماكليلاند أن التنمية تولد أولاً داخل النفس البشرية عبر غرس "الحاجة إلى الإنجاز" لدى الأطفال في سنواتهم الأولى - من خلال تعليمهم الاستقلال، والاعتماد على النفس، ووضع معايير نجاح عالية بعيداً عن التسلط الخانق أو الدلال المفسد - نجد أن البيئة العسكرتارية والمليشوية تفعل العكس تماماً؛ حيث إنها تحطم شخصية الطفل عبر شحن وعيه بقصص الموت والتمجيد الأعمى للقوة والسلاح بدلاً من مبادئ الحياة والعمل والاجتهاد والمبادرة والإنتاج .. هذا المسخ المبكر للهوية الثقافية للجيل الناشئ يقتل دافع الإنجاز الفردي، ويستبدل بذور التنمية ببذور الكراهية والارتجال، مما يضمن بقاء المجتمع في قاع التخلف والتبعية.

وفي مواجهة هذا التغريب والتشويه القيمي والفكري، يبرز الدور المفصلي للنخب الثقافية والفكرية. فمن المفترض أن المثقف ليس مجرد مراقب للأحداث، بل هو خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع؛ وهنا أيضاً ينبغي أن يبرز دور رجال الدين (العلماء الأتقياء النجباء) لما للدين ورجالاته من قيمة معرفية ومعنوية في المجتمعات المسلمة. بالتالي، تقع على عاتق النخب الثقافية والدينية اليوم مسؤولية تفكيك هذه "الأفكار المشوَّهة" وهذه "الانتصارات الموهومة" وهذه "المشاريع المخادعة"، وكشف زيف الشعارات التي تبرر هدر دماء الشباب وتضييع مقدرات الشعوب. وعلى هذا الأساس، فإن صمت النخب أو تساوقها مع لغة السلاح يشكل غطاء لاستمرار النزيف والتشويه والتضييع، بينما تكمن شجاعتها الحقيقية في نشر مبادئ الإسلام النقي الذي بينه آل محمد (عليهم الصلاة والسلام)، واسترداد قيم التنوير، والتمسك بالهوية الوطنية الحاضنة للجميع؛ وكل ذلك من خلال إعادة الاعتبار للعقل من أجل البحث عن الحقيقة; حقيقة الدين وحقيقة ما يحدث.

فإن الحقيقة أسّ الوعي، وطريق النجاح، وأساس الاستقرار والتقدم، وبدونها يصبح الإنسان فريسة للوهم ووقوداً لغيره، ويتحول العالم إلى مكان مليء بالدجل والخداع؛ حيث يسيطر الاستقراء الخاطئ الناتج عن الجهل أو عدم وضوح الصورة الكاملة، أو الناتج عن الميول والانفعالات والانتماءات الشخصية. على سبيل المثال، في السياسة أو الإعلام، غالباً ما يتم تفسير الأحداث بناءً على انتماء حزبي أو أيديولوجي، مما يؤدي إلى تشويه الواقع وتعزيز الاستقطاب. وهذا التشويه لا يضر بالفرد فقط، الذي قد يبني حياته على أكاذيب، بل يهدد المجتمع بأكمله من خلال انتشار الشائعات والفتن، ويضعف الدولة عبر سياسات مبنية على معلومات خاطئة.

وفي التراث الإسلامي النقي والشامخ، يبيّن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أهمية الحقيقة بقوله: «لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال» (غرر الحكم: 10189). هذه الحكمة العَلَوية تدعو إلى البحث الواعي والنقي عن الحقيقة من خلال التركيز على جوهر الكلام بدلاً من الشخص القائل، مما يحمي الإنسان من التحيزات الناتجة عن الانفعالات أو العواطف أو الميول والانتماءات. كما يقول (عليه السلام): «مَنْ لا عقل له لا دين له» (بحار الأنوار: ج1 – ص94). وهنا، يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن فقدان العقل يؤدي إلى فقدان الدين نفسه، الذي يعتمد على فهم الحقيقة، وصولاً إلى فقدان قيم الخير والسلام ومكارم الأخلاق والحياة.

وهكذا؛ فإن المخرج من هذه الحلقة المفرغة من الفوضى، والتبعية، والتزييف، يكمن في استعادة مفهوم الدولة الحقيقية؛ دولة القانون والمؤسسات والمواطنة الجامعة. فإن الدولة في المفهوم الإسلامي والسياسي الرشيد هي مظلة رعاية ورحمة، تحرص على مصالح أبنائها بشفقة الأب، وتحمي كرامتهم بسيادة القانون. ومن الضروري، كما يوصي الإمام الشيرازي (اعلى الله درجاته)، «أن تضع الدولة سياستها دائماً موضع التساول لكشف الخطأ المحتمل وقوعه في المستقبل» (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص295)؛ فإذا سارت الدولة على سياسة بنتها القوى المهيمنة بقوة السلاح، دون الملاحظة الدائمة، والمراقبة الكافية، فإن الدولة تكون معرضة للضياع، والأمة على مشارف الانهيار. وعلى هذا النحو، فإن الأنظمة الديكتاتورية وقوى العسكرة والمليشوية تدرك أن نهاية "الواقع المأزوم" تعني نهايتها الحتمية؛ لذا فهي تحارب الاستقرار وتتعمد استدامة الأزمات لشرعنة وجودها وإبقاء تسلطها فوق ركام الحاضر والمستقبل. وغالباً ما تتجاهل هذه القوى الرأي العام، وتقابله بالعنف والقمع لتأبيد هذا الوضع، لكن هذا التغول القائم على الدجل والترهيب لا يدوم زمناً طويلاً؛ إذ تتمكن الدولة أن تقاوم مدة حسب قوة المعارضة العامة أو ضعفها.

إن تسويق "الانتصارات الموهومة" لم يعد ينطلي على مجتمعات أنهكتها الحروب وصمّت آذانها شعارات المقاومة والتمدد؛ فإن الانتصار الحقيقي والوحيد لأي قيادة أو قوى سياسية ليس بعدد بنادقها وجبهاتها، بل هو قدرتها على حماية كرامة الإنسان، وتوفير العيش الكريم، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق المفهوم الشمولي للسلم والسلام الذي يقتضي الأمن والعافية، والازدهار والتقدم، وما دون ذلك ليس سوى استنزاف عبثي ومغامرات تدفع ثمنها أجيال الحاضر والمستقبل من عمرها واستقرارها. وفي النهاية، لن يمنح هذا التسلط قادته صك الاستمرار للأبد؛ فحين يستعيد الشعب وعيه، وتفكك النخب زيف المآزق المصطنعة، ستسقط عروش الدجل وأقنعة النفاق حتماً، وتتوقف آلة استدامة الحرب والخراب، لتأخذ الشعوب مطالبها الحية في بناء الحياة ورفاه المواطن وازدهار الوطن، بدلاً من إشاعة الخوف وإراقة الدماء ونشر البؤس وصناعة الموت

---------------------------

مقالات ذات صلة

* السلام المفقود .. لغة السلاح تُفاقِمُ الواقع المأزوم

* السلام المفقود .. تأصيل قيمي في مواجهة واقع مأزوم

* السلام المفقود .. بين نصوص الرحمة والواقع المأزوم

* السلام المفقود .. بين جوهر الشريعة والواقع المأزوم

* السلام المفقود .. تراث مشرق وواقع مأزوم

* السلام المفقود .. لا انتصار في واقع مأزوم