
|
من التراث الفاطمي .. مواجهة الظلم وتأهيل المجتمع للقيام بمسؤوليته |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 12/ جمادى الأولى/ 1448
تمر في هذه الأيام ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، التي رحلت الى الرفيق الأعلى، في الثالث عشر من جمادى الأولى عام 11 للهجرة، وفقاً للرواية الثانية (خمسة وسبعين يوماً). هذه الذكرى الأليمة تُعَد عند الشيعة وقفة عِبرة وعَبرة، ومحطة للتأمل في سيرة سيدة نساء العالمين وسبل تجسيدها على مستوى فكر وسلوك وواقع المرأة المسلمة، بل مستوى فكر وسلوك وواقع أمة الإسلام بنسائها ورجالها. نشأت السيدة البتول فاطمة الزهراء (عليها السلام) في بيت الوحي والنبوة، وقد سمع المسلمون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني، ومن سرّها فقد سرّني» (بحار الأنوار: ج43 - ص39). وقوله (صلى الله عليه وآله): «إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله فَطَمَ من أحبّها من النار» (علل الشرائع: ج1 - ص178). وغيرها من الأحاديث التي لم يأت مثلها في غير السيدة فاطمة الزهراء قط، وقد نقل تلك الأحاديث أهم وأشهر مصادر الحديث عند السنة والشيعة. عندما توفيت أمها؛ أم المؤمنين، والراضية المرضية، والصدّيقة الطاهرة السيدة خديجة (عليها السلام)، كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ترعى أباها وعمرها ست سنين، فكانت تسعى لملء الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها. وأيضاً، في تلك السن الصغيرة، شاركت السيدة الزهراء أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكة، وكانت تضمّد جراحه، وتبعد ما يلقيه سفهاء قريش، حتى سمّاها (صلى الله عليه وآله) بـ«أمَّ أبيها»، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إن فاطمة تكنى بأم أبيها» (الأصفهاني. مقاتل الطالبيين، ص 2). وقد شاركت السيدة الزهراء (عليها السلام) معاناة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مكة، وآلام الهجرة، ومجريات الغزوات وتداعيات المؤامرات، وكانت ترقب إنتشار الإسلام ورسوخه. وعقب رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، تعرضت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لظروف صعبة وبالغة الشدة، كان أبرزها المساس بحقوقها المعنوية والشرعية. وكانت (عليها السلام) تشارك زوجها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مهمة الحفاظ على الإسلام، فوقفت بوجه الاستبداد والانحراف، وكشفت عن أن موقف القوم، ما هو إلا استكمال الانقلاب والتراجع إلى الجاهلية، فكان موقفها ووقوفها بداية الجهاد والاستشهاد الذي استمر مع أبنائها وذريتها، على طريق الحفاظ على الإسلام من التشويه. وهنا يجدر الالتفات الى أن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ في خطبتها التاريخية في المسجد، وقفت لتقول كلمة الحق في وجه الانحراف، مستشهدة بالقرآن الكريم ومذكّرة بمبادئ الإسلام الأصيل. بالتالي، فقد اعتمدت السيدة الزهراء (عليها السلام) في حجتها على أسس شرعية ومنطقية، مما جعل خطبتها نموذجاً للاحتجاج السلمي المبني على المعرفة والدليل والسلم والسلام. في تلك الخطبة الخالدة، استعرضت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مكانة أبيها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وفضله في تبليغ الرسالة، ثم تطرقت إلى مسألة الميراث قائلة: «أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟» (بحار الأنوار: ج 43 - ص 148). وفي هذه المسألة تحديداً، تحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، في رسالة بعثها إلى عثمان بن حنيف، يقول فيها: «كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله ... » (نهج البلاغة). في السياق، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): «أشارت مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، في المجال السياسي، إلى نقطة جوهرية في الحكم، وذلك في خطبتها الشريفة، وضمن بيانها لفلسفة الأحكام، حيث قالت: "وطاعتنا نظاماً للملة". فإذا أراد الناس الفوز في الآخرة، السعادة الدنيوية أيضاً، فعليهم بطاعة أهل البيت (عليهم السلام)». بالتالي، حوّلت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) مأساتها إلى ثورة دفاعاً عن الإسلام ضد الانحراف وانتصاراً للحق على التزييف، وبذلك، أكدت (عليها السلام) أن صوت الحق لا ينبغي أن يُخمد، وأن كلمة العدالة أقوى من كل سيوف الجور. وهكذا، فإن ذكرى رحيل سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام)، تقدم لنا عدة دروس يجدر بنا التأمل فيها وتجسيدها في حياتنا، ومن أهم الدروس: - أهمية التمسك بالحقوق الشرعية، - قيمة الحوار المبني على الأدلة والحجة والمنطق في الدفاع عن مبادئها، - دور المرأة الفاعل في الشؤون العامة، - ضرورة الصمود في وجه الانحراف، - التضحية من أجل المبادئ. وعلى هذا النحو، بمواجهتها الحاسمة للظلم ومقارعتها للظالمين، أعلنت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بياناً تاريخياً للأمة، محذرة من أن مسارات الانحراف الجماعي تشابه في صيرورتها انحراف الفرد؛ إذ تبدأ دائماً بخطوة، ما تلبث أن تتلاحق خطواتها وتتسارع وتيرتها، لتشبه الفتن التي ما إن تلوح في الأفق حتى تتناسل ويعضد بعضها بعضاً. وهذا التتابع الحتمي ينطبق تماماً على نزعة التخاذل؛ فإن التقاعس عن نصرة المظلوم وإحقاق الحق في البداية، يتحول تدريجياً إلى بنية مجتمعية مأزومة تشرعن الاستبداد وتستمرئه، وتبرر فساد السلطة وتتعايش معه بل وينتفع منه. وفي هذا السياق، فإن هذه الرؤية الفاطمية حول مواجهة الظلم وتأهيل الفرد والمجتمع للقيام بمسؤولياته تجاه الدين والقيم والوطن والمجتمع تفكك ظاهرة التخاذل بوصفها ليست مجرد موقف سلبي عابر، بل صيرورة وجودية تبدأ بهزيمة نفسية داخلية قبل أن تتحول إلى سلوك جماعي. إن هذا النكوص يمثل ارتداداً عن الوعي الأخلاقي والمسؤولية الإنسانية، حيث يتنازل الفرد ـ مدفوعاً بـ"وهم الأمان المؤقت" ـ عن حريته وإرادته لصالح سلطة الاستبداد. ومن الناحية الفكرية، يتغذى التخاذل على ما يُعرَف بـ"سيكولوجية القطيع" والانهزامية التي تُشرعِن الصمت وتُسوِغ القبول بالأمر الواقع كآلية دفاعية زائفة، ممّا يؤدي إلى تفكيك عُرى التضامن الاجتماعي، وتحويل المجتمع من فاعلٍ يصنع التاريخ إلى مفعولٍ به يستمرئ الخنوع؛ وهو ما حذرت منه السيدة الزهراء (عليها السلام) باعتباره بداية التحلل القيمي للأمة وموت حركيتها الرسالية. وانطلاقاً من شذا هذه المواقف الفاطمية الرائدة، تبرز الأهمية الاستراتيجية لتأهيل المجتمع ـ أفراداً وحواضن جماعية ـ وتنمية وعيه وقدراته لمجابهة الجور. فالجماهير غالباً ما تركن إلى النكوص والتخاذل عن نصرة الحق مدفوعة بالخوف، والانهزامية النفسية، وضبابية الرؤية، فضلاً عن ضعف الثقة بالذات وتضاؤل الإيمان بالإمكانات الذاتية؛ أو بدافع النفعية، الأمر الذي يستدعي بناء منظومة قيمية ومعرفية صلبة، تعيد للإنسان وعيه بمسؤوليته الرسالية وقدرته على صناعة التغيير. واليوم، يتجلى هذا التحذير الفاطمي بأشد صور الفداحة في بلداننا المأزومة؛ حيث تمارس أبشع سلوكيات الاستبداد، والانهزام النفسي، وتفكيك كرامة الإنسان، تحت خطابات وشعارات تزعم الانتماء إلى تلك القيم العَلَوية والفاطمية الطاهرة ذاتها. بالتالي، فإن هذا الانفصام القيمي والأخلاقي بين ادعاء التدين وممارسة الظلم أو تبريره أو التقاعس عن فضحه ومواجهته، يحيل المجتمعات من حواضن للتغيير إلى كيانات مستكينة تدفع ثمناً باهضاً جرّاء صمتها، لتظل تلك الصرخة الفاطمية التاريخية ضد الجور قائمة كمرآة تكشف حقيقة كل سلطة (ومجتمع) تتلفع برداء الحق لتشرعن باطلها. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|