الإمامة والخلافة

س: عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه". السؤال: كيف يمكن أن تسلم أمور المسلمين دون الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! وهل يصح قول من يقول بأن الإمام في حالة عدم توليه ما خصه الله به هو أيضاً موجود أم القول بأن وجود الإمام والأمور كلها بيده هو (الأسلم)، وإن وجود الإمام والأمور ليست كلها بيده (أقل سلماً)؟
ج: لا شك أن وجود الإمام (عليه السلام) والأمور كلها بيده هو الأسلم، ولكن ذلك الأمر لم يكن ممكنناً في ذلك اليوم لعدم قبول عامة الناس به، ولو أن الإمام (عليه السلام) أصر في ذلك اليوم على أخذ حقه الذي خصّه الله به من الخلافة بالقهر والقوة، فهذا فيه، مضافاً الى إكراههم على ذلك وليس في الدين إكراه، ما أشار هو (عليه السلام) إليه بقوله: "أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم". (البحار ج43 ص171)، وهو إشارة الى ما كان قد عزم عليه القوم من أنهم لو تمكنوا من أن يحصلوا على الإمارة باسم الإسلام مشوا باسم الإسلام وإلا أنكروا كل شيء وتأمّروا على الناس، كما فعل ذلك معاوية وقال حين جاء الى الكوفة: "إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم". هذا وكان الناس جديدي عهد بالإسلام، وكانوا على أتم استعداد بأن يعلنوا عن ردتهم الى الجاهلية، كما جاء ذلك عن أهل مكة، فإنهم عندما وصلهم خبر ارتحال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) أعلنوا عن اجتماع طارئ، فاجتمع رؤساء مكة وزعماؤها وقال قائلهم: لقد وصلنا خبر ارتحال الرسول فلنعلن ارتدادنا عن الإسلام والرجوع الى الجاهلية، فقال بعضهم من الذين كانوا قد تأثروا بأخلاق الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وبحسن تعامله معهم: لقد كنا آخر من دخل في الدين، فلا نكون أول من خرج منه، فلننظر ماذا يجري في المدينة فإن بقوا على الإسلام بقينا وإلا رجعنا كما يرجعون. فلو كانت المدينة يصيبها الفوضى على أثر مطالبته (عليه السلام) بالخلافة، كان الارتداد الجماعي عن الإسلام قطعياً، هذا مضافاً الى وجود رؤوس الكفر الذين كانوا يتحينون الفرصة المناسبة للانقضاض على المسلمين والقضاء عليهم وعلى الإسلام قضاءً تاماً بشن حرب الإبادة عليهم، فلهذا وغيره ترك الإمام المطالبة بحقه. إذن فقد كان الإمام (عليه السلام) يرى نفسه بين خيارين: إما أن يأخذ بحقه وفيه خطر القضاء على الإسلام والمسلمين، وإما أن يسكت عن حقه ليبقى الإسلام ويبقى المسلمون ولو بالإسم، ويقوم هو (عليه السلام) بمواقفه العظيمة ومن وراء الحجب لحفظ الإسلام والإبقاء على المسلمين، فكان الثاني هو المطلوب.