كيف يحكم!!

في الأحداث التي تشهدها العديد من دول المنطقة أخذت حركة الأحداث تسير وفق معادلة الانتصار التي كتبها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) التي طرفها الأول: "مَن جار أهلكه جوره". وطرفها الثاني: "ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفواً". فقد اندفع أحرار الشعوب الى الشارع للمطالبة بحقوقهم المشروعة في تظاهرات سلمية تتعالى بنبل عن جور السلطة وبطشها. يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "إن الحكومة المستبدة هي حكومة زائلة، وإن استعانة الحكومات بالسلاح لقمع الناس العزل ينبئ عن ضعف تلك الحكومات".
ويبدو – واضحاً - أن الأنظمة المستبدة أخذت تأكل نفسها بنفسها، فإن النظام الحاكم كلما توحش في قمعه زاد إصرار الشعب على مواجهة استبداده، وكلما تنازل عن جبروته وحقق مطلباً من مطالب شعبه كشف عن المزيد من قبحه، واندفع الشعب الى المطالبة بما هو أكثر، وإن التحول الأكثر أهمية في وعي الشعوب – اليوم - يكمن في أن اهتمامها أصبح بـ(كيف يحكم) بعد أن كان بـ(مَنْ يحكم)! وهو نزوع إنساني يتجاوز دوائر الانتماءات الضيقة الى منظومة النظام العادل والحكم الرشيد، وهي منظومة أكثر انفتاحاً على القيم الإنسانية بتلوناتها الدينية والفكرية والعرقية.
في هذه الظروف الصعبة ليس للأنظمة الحاكمة إلا الرجوع الى القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام الذي يدعو الى الرفق مع الأعداء، فكيف بالشعب خصوصاً وهم يتظاهرون سلمياً، فقد ذكر التاريخ أن جمعاً من الأعداء جاؤوا إلى المدينة لمحاربة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعد أن خسروا المعركة تم أسر بعضهم، وكان أحدهم جريحاً يتأوّه الليل كله، وعندما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) ليصلي بالمسلمين صلاة الصبح قال: "ما نمت الليل كله لأنين ذاك الأسير". أي أنه (صلى الله عليه وآله) كان متألماً على حال ذلك الأسير. يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "إن هذا التعامل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو التعبير الصادق عن حقوق الإنسان، وليس ما يدعيه حكام الدول الإسلامية، فلاحظوا كيف يتعامل الحكام مع شعوبهم فضلاً عن عدوهم، إنهم يقمعون شعوبهم حتى لأبسط مظاهرة".