القسم الثالث
لسماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي
أثبت مؤلف الكتاب في فصول كتابه مجموعة من التداعيات الخطيرة التي أفرزتها
وتفرزها النظريات النسبية, وآثارها في الواقع المجتمعي والإنساني, فضلاً عن
تأثيرها في اتجاهات أنسنة العلم والمعرفة, والأخلاقيات المهنية في البحث
العلمي, وأيضاً في السياسة والاقتصاد, وهي بمجموعها تشكل (العامل الأول),
لضرورات الجهد العلمي والبحثي الذي يضطلع به المؤلف لنقد النسبية وتبيان
تداعياتها وانعكاساتها الخطيرة بصفته مفكراً عقلانياً, وداعية للقيم المجتمعية
الفاضلة. أما (العامل الثاني), فهو في تحول نمط النسبية في التفكير إلى قلق
حقيقي عندما أصبح له امتدادات فكرية في الوسط الإسلامي، العلمي والمعرفي, من
النخبة المثقفة التي تأثرت بهذا الفكر ومتبنياته ومدركاته من كتاب وأدباء
ومفكرين, وهم يحاولون تسويقه بوسائل عديدة الى الوسط المجتمعي الإسلامي من خلال
مزج الممكن فيها مع الممتنع, وهو ما يشكل تهديداً معرفياً للعقل العربي
الإسلامي ومتبنياته العقدية وثوابته الإيمانية, ما ينذر بأزمة في الفكر
الإسلامي. ولقد تنبّه السيد المؤلف لهذا الاختراق الفكري، في الوقت الذي يغفل
أو يتغافل عنه غيره, لاعتقاده بضرورة المواجهة الفكرية والعقلية في محاكاة
الفلسفة النسبية بأدوات علمية ومنهجية, وعبر الاستدلال بالحجج لنقضها وتكذيبها
لجهة الجوانب "الممتنعة" فيها من خلال الأدلة النقلية الشرعية والعقلية.
تسريب
التشكيك
في مقدمة الكتاب تم وضع اليد على النشاط اللين الذي يضطلع به
دعاة التجدد والتغريب الفكري من خلال تسويق الاتجاهات الفكرية التي تلقى قبولاً
واسعاً في أوساط المثقفين المعاصرين، والداعين الى الحداثة في قراءاتهم الحفرية
"الإركيولوجية" للنص النقلي الديني بما يتلاءم وتطلعاتهم ونزوعهم الى التفسير
والتأويل, وفق هيرومينيطيقا انتقائية تبدو على انسجام مع الحاجات المجتمعية
المشروعة في مجالات رفض التعصب, وإحياء نهج التسامح, وثقافة اللاعنف. غير أن
مباحث الكتاب في مبانيها واستنتاجاتها ترى أن هذه الدعوات وفق المسميات
المذكورة والعناوين اللينة فيها "تمر تحتها النزعة التشكيكية التي لا تبقي
للدين معنى ولا رسماً مما خلق نوعاً من الاستفزاز للمؤسسة الدينية, وبخاصة
الحوزة العلمية، ما جعلها ملزمة بالوقوف أمام هذا الطرح بوصفها المؤسسة
المسؤولة والجهة المقصودة لرفع ما التبس, وتوضيح ما أشكل". وقد بينت المقدمة في
مبانيها أن القليل قد انتبه إلى هذا الخطر, وتعرض له بالنقد والتوضيح. وقد تمكن
سماحته, من إيصال الحقائق بأسلوب سهل لا يفتقد الدقة والعمق، وقد حاصر فكرة
النسبية بكل دلالاتها ومعانيها المفترضة, ولم يمنعه نقده الشديد لفكرة النسبية
من أن يكون منصفاً في تبيين المعاني والمباني المعقولة والمقبولة فيها التي
صنّفها الكتاب بين الممكن من متبنيات النسبية أو المساحات الإيجابية فيها.
تأسيس
موسوعي
بالرغم من أن عنوان الكتاب يدل على البحث في موضوع فكري وفلسفي
ومنهجي أكاديمي بامتياز, لكن المؤلف قد سلك فيه أيضاً, مسلكاً ينسجم مع قواعد
البحث والتأليف الفقهي في شكله وموضوعاته, كونه يقارب في الكثير من مبانيه
لقواعد التحقيق الفقهي الاستدلالي, والتحقيق الفقهي الأصولي, وعليه فهو يعد
امتداد لموسوعة المؤلف التي تتشكل بهدوء في نطاق البحث الفقهي, وفي الجوانب غير
التقليدية، لجهة أنها تتعدى أبواب فقه العبادات وفقه المعاملات التي تتحدد بها
الرسائل العملية، الى ما يمكن تصنيفه في فقه الجوانب الفكرية والعقدية, وما
يتشكل منها في السلوك الإنساني الفردي والجمعي ومتبنياتهما ومدركاتهما
الإسلامية. وقد كانت كتابات الفقيه المؤلف في موضوعات فقه التعاون في جوانبه
العقدية والشرعية والسلوكية وفق آية "البر والتقوى", ومن ثم موضوعة الحكمة
وعلاقتها بالسلوك الإنساني في جوانبها الإيمانية والعقدية وفق آية "يؤتي
الحكمة", وكذلك البحث في فقه الإلزام والإمضاء, وفي آية "لكم دينكم" في نشر
ثقافة التسامح, وقبول الآخر واحترام الاختلاف, وقبلها كان قد أسس للجوانب
القانونية والتأصيلية لمبادئ "شورى الفقهاء", تأسيساً على التراث الفكري للمجدد
الثاني الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره الشريف). وشرعت كتابات السيد المؤلف
الفكرية والفقهية في جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم, وبين الدولة والشعب
وفق آية "الأمانة", وبعد ذلك فهو يناقش في هذا الجزء من سلسلة الموسوعة الفكر
النسبي في كونياته وعوالمه العينية والذهنية والتعبيرية وفق آية "الصراط
المستقيم" الى جانب بحوث ودراسات فكرية وفقهية أخرى, وفي جميعها وحدة المنهج
بحيث تتأسس مبانيها على البصائر المعتمدة على النص القرآني الشريف.