بحوث فقهيّة


 

قاعدة التسامح

ضمن بحث قاعدة التسامح، قال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه):

قاعدة التسامح أشهر بل مشهور الفقهاء يقولون بحجيّتها قولاً وعملاً، سواءً بتعبير التسامح أو بفتوى الاستحباب طبق القاعدة. وفي المقابل لم يقبل بها بعض الفقهاء، وقالوا يترتّب الثواب ولكن استفادة الحكم بالاستحباب غير صحيحة.

 

دلالة أخبار من بلغ

وبيّن السادة الأعلام بحث: أنّ أخبار (من بلغ) والرواية الصحيحة موجودة أيضاً بينها، كصحيحة هشام بن مسالم، هل تصرّح بالثواب فقط أم أنّها تدلّ على الاستحباب أيضاً؟ والاستحباب كالوجوب حكم شرعي (إنّ الحكم إلاّ لله)(يوسف/40). فحينما قلنا مستحب أي إنّنا أسندناه إلى الشارع المقدّس، والآن هل قاعدة التسامح تثبت الحكم بالاستحباب وقد قال المشهور قديماً وحديثاً؟ أم أنّها تبين ترتب الثواب فقط؟

نعم من المسلّم والمفروغ عنه أن قاعدة التسامح لا يمكننا بواسطتها الحكم على شيء بالوجوب والحرمة، لأنّ هذين الحكمين من الأحكام الاقتضائية، وأمّا في باب العبادات كالصلاة والصيام، فإنّ المشهور أفتوا بالاستحباب طبقاً لقاعدة التسامح.

 

مستحبّات التشّهد

من باب المثال، ورد في العروة في بحث التشهّد:

(يستحبّ في التشهّد أمور) وبعض الفقهاء الذين يرفضون قاعدة التسامح قالوا في كلمة (يستحب) التي ذكرها صاحب العروة في حاشيتهم أنّ مستند الاستحباب في أكثر هذه الأمور غير ثابت، لذلك لا يؤدّى بنيّة الاستحباب بل بنيّة الرجاء.

لكن السؤال هنا، إذا كانت بعض الأعمال تؤدّى بنيّة الرجاء في الصلاة كيف تكون جائرة؟

على كلّ حال، من جملة الأمور المستحبّة في التشهّد هي: أن يقول بعد قوله: (وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله) أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. وجملة (أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة) لا هي قرآن، ولا هي ذكر، ولا هي دعاء، ومع ذلك كيف قالوا أنّ هذه الجملة تجوز في تشهد الصلاة؟!

بهذا الشأن هناك رواية سندها محلّ خلاف، أي أنّها تصحّحت بقاعدة التسامح. والرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهي أن تقولوا هكذا بعد الشهادة الثانية، والراوي اسمه عبد الملك بن عمرو الأحول وهو غير موثّق، وقد نقل روايتين اثنتين في مدحه هو، وهي لا تكون دليلاً على وثاقته، وطبعاً جعل بعضهم بقرائن عدّة معتمداً عليه.

في هذه المسألة، ومن بين 41 حاشية على العروة، وباستثناء بعض العلماء، فإنّ البقية مع وجود المباني المختلفة الفقهية والأصولية والرجالية الموجودة لديهم، قد قبلوا بالاستحباب الذي صرّح به صاحب العروة، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على قاعدة التسامح فقط، وحتّى أولئك الذين لا يعدّون الشهرة جابرة وكاسرة، فإنّهم هنا لم يكتبوا حاشية أبداً.

الخلاصة: إنّ قاعدة التسامح ثابتة وتامّة، وإن لم تكن قادرة على اثبات الاقتضائيات من الأحكام، وأمّا في الصلاة التي لا تجوز فيها غير الذكر والقرآن والدعاء، فإنّ الكلام الذي ليس هو ذكراً ولا دعاءً ولا قرآناً، يجوز فيها، وإذا لم تكن لدينا الرواية فلا يحقّ لنا أن نقول هذا الكلام في الصلاة لأنّه كلام آدمي.

 

خمس أرباح المكاسب

سأل أحد الفضلاء: طرح العامة شبهة، وبعض العوام الخاصة أيضاً يطرحونها في بعض الأحيان، بأنّ خمس أرباح المكاسب لم يكن موجوداً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، فمن أين تقولون بأنّه واجب؟

قال سماحته: لقد نقل المرحوم الأخ في إحدى كتبه 17 رواية حول وجوب خمس أرباح المكاسب، وبهذه الكمية من الروايات بل أقل من ذلك يحصل التواتر، وخصوصاً إذا أحرز بأنّ رواة هذه الروايات لم تكن لهم علاقة ببعضهم، ولم يتواطئوا على الكذب أيضاً.

إحدى الروايات التي في بالي التي ذُكرَت في كتاب (جامع أحاديث الشيعة) التي كتبت تحت إشراف ورعاية المرحوم السيّد البروجردي، وهي أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قد قال لبعض أصحابه، ومنهم أبو ذر وسلمان، وممّا قاله: (واخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس)(بحار الأنوار/العلامة المجلسي/ج٢٢/ص٣١٥). وإن لم يكن سند هذا الحديث صحيحاً ولكنّها معمول بها، ولذلك فهي معتمدة.

إذن... خمس أرباح المكاسب كانت موجوداً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولكنّه لم يكن معروفاً ومشهوراً، لأنّ تفصيل أغلب الأحكام لم يرد في القرآن الكريم، ولكن القرآن يقول: (ما آتاكم الرسول فخذوه)(الحشر/7)، وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (كتاب الله وعترتي)(أخرجه مسلم في صحيحه/2408، وأحمد في المسند/19265)، فإذاً إلى جانب القرآن الكريم فإنّ الرسول والعترة عليهم السلام كلامهم حجّة، فإذا وصل حكم من أحد هؤلاء الثلاثة فيكفي ذلك.

قال بعض الحاضرين من السادة العلماء: إنّ هناك روايات وردت عن الأئمة (عليهم السلام) أنّهم استشهدوا لخمس أرباح المكاسب بآية (وأعلموا أنّما غنمتم)(الأنفال/41).

قال سماحته: نعم، فقد وردت في الرواية أنّ الإمام (عليه السلام) قد قال في معنى الغنيمة: (هي والله الإفادة يوماً بيوم) (أصول الكافي للكليني 1/544).

*  جانب من الجلسات والمطارحات العلمية في بيت المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي(دام ظله)، بمدينة قم المقدّسة