إضاءات من محاضرة
لسماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)
* مكث نبي الإسلام محمد بن عبدالله (صلى
الله عليه وآله) في مكة المكرمة مدة ثلاث عشرة سنة تقريباً بعد البعثة
المباركة، ثم هاجر بعدها إلى المدينة المنورة، إلى أن استشهد (صلى الله عليه
وآله) مسموماً (في يوم الثامن والعشرين من صفر). وخلال هذه السنين الثلاث عشرة
التي قضاها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مكة - بعد بعثته الشريفة -
أحصى المؤرخون عدد الذين دخلوا في الإسلام، فكانوا زهاء مائتي شخص. أما في
المدينة المنورة فقد طبق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الإسلام عملياً،
وتوافد الناس إلى الإسلام حتى قال الله (تبارك وتعالى) في القرآن الكريم:
(ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً). فخلال هذه المدة القصيرة التي
أمضاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المدينة، دخل مئات الألوف من الناس
في الإسلام، وحصل كل ذلك خلال السنتين أو الثلاث الأخيرة من العمر المبارك
للنبي (صلى الله عليه وآله).
* إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)
هو أكبر شخصية وأفضل شخصية خلقها الله (تعالى)، حتى إن الإمام أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندما سئل (أنت أفضل أم محمدٌ) قال: "أنا عبدٌ
من عبيد محمد". وإن السنة أو النظام والأحكام والقوانين التي قررها نبي الإسلام
(صلى الله عليه وآله) للمسلمين، مثلها مثل النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه،
فهي أفضل القوانين والأحكام وأكملها، ويجب أن تكون كذلك، أي يجب أن يكون هناك
تناسب وسنخية بين الأصل والفرع، وهذا أمر حاصل. بيد أنه طيلة حضور نبي الإسلام
(صلى الله عليه وآله) في مكة، بعد البعثة الشريفة، لم تخرج برامجه وتعاليمه
وسياساته إلى العلن، فأقواله لم تطبق عملياً، وأرضية التطبيق لم تكن مهيأة بعد،
ولم تتوافر بيده (صلى الله عليه وآله) أية خيارات، حتى يُعلم كيف سيتعامل مع
الناس؟ كيف سيتعامل مع أنصاره؟ وأعدائه؟ كيف سيتصرف بالأموال؟ كيف سيتصرف في
الحرب؟ وبعدها؟ ما هو النظام أو البرنامج الذي سيعلنه للناس؟ ما هو البرنامج
الملتزم به هو نفسه (صلى الله عليه وآله) عملياً؟ ولكن اتضح جميع ذلك في
المدينة، وهو المنهج نفسه الذي طبقه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، على
مدى خمس سنوات أيام حكومته بعد خمس وعشرين سنة مضت على شهادة رسول الله (صلى
الله عليه وآله). الأمر الذي يوجب على جميع المسلمين والأحرار في العالم قراءة
سيرة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) ليتأملوا المئات من النماذج، التي لو
جُمعت وضُمّت بعضها إلى بعض، فإن أي شخص غير مسلم، حتى لو كان متعصباً - ما لم
يكن معانداً- سيتأثر بها، ويعتنق الإسلام، فإذا ما طُبّق، اليوم أو أي يوم آخر،
منهج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(عليه السلام)، في بيوتنا، ومحالِّ عملنا، وفي شركاتنا وبلداننا، لتحقّق ما
تحقق في العالم قبل ألفٍ وأربعمائة عام، وهو تأويل قول الله (عز وجل): "ورأَيتَ
الناسَ يدخلون في دين اللّه أَفْوَاجاً"، وسترون أن ملايين الناس ستدخل في
الإسلام.
* في تاريخ نبي الإسلام (صلى الله عليه
وآله) لم يكن دخول الناس في دين الله أفواجاً معجزة وغير طبيعي، بل كان نتيجة
طبيعية لنهج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وطريقته وأسلوبه. فمن هم أولئك
الناس الذين دخلوا في دين الإسلام، أفواجاً وجماعات على عهد النبي الأكرم (صلى
الله عليه وآله)؟ لقد كان عدد كبير منهم من عبدة الأصنام، كما أن عدداً من
هؤلاء كانوا نصارى، لم يأتوا أفراداً وآحاداً، بل كانوا يأتون جماعات ويعتنقون
الدين الإسلامي، ومنهم اليهود أيضاً، لاسيما أولئك الذين كانوا داخل المدينة
المنورة وفي ضواحيها، هؤلاء كأولئك دخلوا في الإسلام أفواجاً وجماعات، فكيف
اعتنقوا الإسلام دفعة واحدة، حيث قال الله (عز وجل) عنهم: "ورأَيْتَ الناسَ
يدخُلُونَ في دين اللّهِ أَفْوَاجاً". ماذا رأوا؟ وبماذا صدقوا واعتقدوا؟ فإذا
ما وُجِدَت اليوم مثل تلك المشاهدات، في أية نقطة من العالم لانقاد الناس إلى
الإسلام بشوق ورغبة، ولأصبحوا مسلمين، وفي الوقت نفسه لتعزز عزم المسلمين، ورسخ
اعتقادهم، وسعوا حثيثاً في هداية الآخرين. ولو طبّقتم المنهاج الذي كان في صدر
الإسلام داخل أسركم، فإن جيرانكم وأقاربكم، سيحصل لديهم الاعتقاد بالتدريج، لو
كانوا كفاراً، فسيصبحون مسلمين، ولو كانوا غير محبين لأهل البيت (عليهم
السلام)، فسيصبحون من محبيهم (عليهم السلام)، ولو كانوا غير متدينين، فسيصبحون
متدينين، ذلك لأن مناهج الإسلام وأحكامه وقوانينه عظيمة ورائعة.