في ذكرى مولد خاتم النبيين وسيد المرسلين
(صلى الله عليه وآله)

أفضل منهج!

 

* مكث نبي الإسلام محمد بن عبدالله (ص) في مكة المكرمة مدة ثلاث عشرة سنة تقريباً بعد البعثة المباركة، ثم هاجر بعدها إلى المدينة المنورة، إلى أن استشهد (ص)  مسموماً (في يوم الثامن والعشرين من صفر). وخلال هذه السنين الثلاث عشرة التي قضاها النبي الأكرم (ص) في مكة - بعد بعثته الشريفة - أحصى المؤرخون عدد الذين دخلوا في الإسلام، فكانوا زهاء مائتي شخص. أما في المدينة المنورة فقد طبق النبي الأكرم (ص) الإسلام عملياً، وتوافد الناس إلى الإسلام حتى قال الله (تعالى) في القرآن الكريم: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً). فخلال هذه المدة القصيرة التي أمضاها رسول الله (ص) في المدينة، دخل مئات الألوف من الناس في الإسلام، وحصل كل ذلك خلال السنتين أو الثلاث الأخيرة من العمر المبارك للنبي (ص)، فكيف تحقق مثل هذا الأمر؟

* إن النبي الأكرم (ص) هو أكبر شخصية وأفضل شخصية خلقها الله (تعالى)، حتى إن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عندما سئل (أنت أفضل أم محمدٌ) قال: "أنا عبدٌ من عبيد محمد". وإن السنة أو النظام والأحكام والقوانين التي قررها نبي الإسلام (ص) للمسلمين، مثلها مثل النبي (ص) نفسه، فهي أفضل القوانين والأحكام وأكملها، ويجب أن تكون كذلك، أي يجب أن يكون هناك تناسب وسنخية بين الأصل والفرع، وهذا أمر حاصل. بيد أنه طيلة حضور نبي الإسلام (ص) في مكة، بعد البعثة الشريفة، لم تخرج برامجه وتعاليمه وسياساته إلى العلن، فأقواله لم تطبق عملياً، وأرضية التطبيق لم تكن مهيأة بعد، ولم تتوافر بيده (ص) أية خيارات، حتى يُعلم كيف سيتعامل مع الناس؟ كيف سيتعامل مع أنصاره؟ وأعدائه؟ كيف سيتصرف بالأموال؟ كيف سيتصرف في الحرب؟ وبعدها؟ ما هو النظام أو البرنامج الذي سيعلنه للناس؟ ما هو البرنامج الملتزم به هو نفسه (ص) عملياً؟ ولكن اتضح جميع ذلك في المدينة، وهو المنهج نفسه الذي طبقه الإمام أمير المؤمنين (ع)، على مدى خمس سنوات أيام حكومته بعد خمس وعشرين سنة مضت على شهادة رسول الله (ص). الأمر الذي يوجب على جميع المسلمين والأحرار في العالم قراءة سيرة نبي الإسلام (ص)، ليتأملوا المئات من النماذج، التي لو جُمعت وضُمّت بعضها إلى بعض، فإن أي شخص غير مسلم، حتى لو كان متعصباً - ما لم يكن معانداً- سيتأثر بها، ويعتنق الإسلام، فإذا ما طُبّق، اليوم أو أي يوم آخر، منهج النبي الأكرم (ص) والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، في بيوتنا، ومحالِّ عملنا، وفي شركاتنا وبلداننا، لتحقّق ما تحقق في العالم قبل ألفٍ وأربعمائة عام، وهو تأويل قول الله عز وجل: (ورأَيتَ الناسَ يدخلون في دين اللّه أَفْوَاجاً)، وسترون أن ملايين الناس ستدخل في الإسلام.

* في تاريخ نبي الإسلام (ص) لم يكن دخول الناس في دين الله أفواجاً معجزة وغير طبيعي، بل كان نتيجة طبيعية لنهج النبي الأكرم (ص) وطريقته واسلوبه. فمن هم أولئك الناس الذين دخلوا في دين الإسلام، أفواجاً وجماعات، على عهد النبي الأكرم (ص)؟ لقد كان عدد كبير منهم من عبدة الأصنام، كما أن عدداً من هؤلاء كانوا نصارى، لم يأتوا أفراداً وآحاداً، بل كانوا يأتون جماعات ويعتنقون الدين الإسلامي، ومنهم اليهود أيضاً، لا سيما أولئك الذين كانوا داخل المدينة المنورة وفي ضواحيها، هؤلاء كأولئك دخلوا في الإسلام أفواجاً وجماعات، فكيف اعتنقوا الإسلام دفعة واحدة، حيث قال الله (عز وجل) عنهم: (ورأَيْتَ الناسَ يدخُلُونَ في دين اللّهِ أَفْوَاجاً)؟! ماذا رأوا؟ وماذا سمعوا؟ وبماذا صدقوا واعتقدوا؟ فإذا ما وُجِدَت اليوم مثل تلك المشاهدات، وتلك المسموعات، ومثل تلك المعتقدات، في أية نقطة من العالم - سواء في الغرب أو في الشرق - لانقاد الناس إلى الإسلام بشوق ورغبة، ولأصبحوا مسلمين، وفي الوقت نفسه لتعزز عزم المسلمين، ورسخ اعتقادهم، وسعوا حثيثاً في هداية الآخرين. ولو طبّقتم المنهاج الذي كان في صدر الإسلام داخل أسركم، فإن جيرانكم وأقاربكم والذين لديكم معهم روابط أسرية، سيحصل لديهم الاعتقاد بالتدريج، لو كانوا كفاراً، فسيصبحون مسلمين، ولو كانوا غير محبين لأهل البيت (ع)، فسيصبحون من محبيهم (ع)، ولو كانوا غير متدينين، فسيصبحون متدينين، ذلك لأن مناهج الإسلام وأحكامه وقوانينه عظيمة ورائعة.

* المتيقّن على نحو الإجمال أنه يتعيّن في الإسلام على إمام المسلمين، تأمين نفقة الأسر الفقيرة إلى حدٍّ كاف وأداء ديونها، يقول الإمام جعفر الصادق (ع): "فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك". فنبي الإسلام (ص) قدّم هذه الهدية إلى العالم، وفيها سعادة البشرية.. وهذا ما سيحصل ثانية حين يظهر صاحب العصر والزمان ولي الله الأعظم الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويتحقق الوعد الإلهي (ليُظهِرَهُ على الدين كُله). وبديهي أنه ليس مراد الإمام الصادق (ع) من (إمام المسلمين) الإمام المعصوم، ذلك لأن الإمام المعصوم لا يرتكب ذنباً، بل المقصود من الإمام في هذا الحديث الشريف هو من بيده مقاليد الحكومة، ويملك مثل هذه الإمكانات.

* كيف غيّر رسول الله (ص) أولئك الناس، وصيّرهم مسلمين، حتى تحقق قول الله تعالى: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)؟ ولماذا لم يتحقق مثل هذا الأمر (دخول الناس أفواجاً في الإسلام) خلال الثلاث عشرة سنة التي أمضاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة المكرمة بعد البعثة الشريفة، وحصل أثناء السنوات التسع وبضعة أشهر التي عاشها (ص) في المدينة المنورة، حيث أقبل الناس أفواجاً وجماعات على الإسلام؟ لقد استطاع النبي الأكرم (ص) أن يعمل، لأن الأرضية كانت مهيّأة له. فإذا ما تهيّأت الأرضية نفسها للجميع، في أية منطقة من العالم، بما فيها بلاد الكفر، وأعلن هذا الأمر، وطُبّق على أرض الواقع، لتحوّل سكان تلك البلاد إلى الإسلام. لقد كان رسول الله (ص) أفضل إنسان، وصاحب خير منهج، فمن ذا الذي لا يحب أن يتبع المنهاج الأفضل، أو ينتسب إلى النظام الأمثل؟! إن العزة والكرامة الإنسانية، والضمان الاجتماعي الذي طبقه نبي الإسلام (ص) والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عملياً لا يوجد نظير له في مكان من العالم، كما لا وجود لأي قانون يضاهي القوانين الراقية في الإسلام. إن أبا ذر الغفاري كان شابّاً مشركاً، فما الذي جعله يعتنق الإسلام؟ ماذا رأى حتى أصبح مسلماً، وإنساناً مثالياً؟ وكم هي كثيرة آثاره التي بقيت خالدة، حيث إن هناك المئات من علماء الشيعة الكبار، هم ثمرة جهد أبي ذر (رضي الله عنه)؟ هؤلاء رأوا وصدَّقوا، وإن رسول الله (ص) نفسه، حينما كان في المدينة المنورة، بل حينما كان في مكة المكرمة أيضاً ولم يكن وقتها مبسوط اليد، أعلن: "فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدنيا وملوكاً في الآخرة". ومعنى ذلك أنه تعالوا ادخلوا في الإسلام، لتجدوا سعادة الدنيا والآخرة، أي تصبح الدنيا جنة لكم، وفي الآخرة يكون مصيركم إلى الجنة أيضاً. كما إن إسلام أمير المؤمنين (ع)، يعني الإسلام الصحيح، أي إسلام القول والعمل، وليس إسلام الاسم فقط، كما عبّر رسول الله (ص) عن إسلام أقوام: "يأتي على أمتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه".

* أبارك للمسلمين ذكرى مناسبتين عظيمتين ولادة سيد الكائنات وخاتم الرسل محمد المصطفى (ص) وحفيده الإمام جعفر الصادق (ع)، المناسبتان اللتان ليس من المصادفة أن تقترنا في يوم واحد ـ هو السابع عشر من ربيع الأول ـ حيث الجد (ص) مؤسس الإسلام، والحفيد (ع) ناشر الإسلام، وأنتهز هذه الفرصة المباركة للتذكير بأن من مسؤولية المسلمين عموماً والعلماء والمفكرين والمثقفين خصوصاً أن يقوموا بالتحقيق في تراثنا الفكري والثقافي لإخراج الصورة الحقيقية للإسلام ونبيه (ص) كما هي في القرآن الكريم، والصحيح حقاً من روايات النبي (ص) وأهل البيت (ع).