أسس القانون الإسلامي

في فكر الإمام الشيرازي

يوسف أحمد

تبقى المشكلة الأكثر احتداماً في مدارات العقل الإنسان على خط شواغله المعرفية. منذ أن بدأ (كناظم تأسيسي) هو ضبط الاجتماع البشري في نسق يمنع تداخل الحقوق والواجبات واصطداماتها. هذا الضبط هو ما يُعبّر عنه لاحقاً باسم القانون. لذلك نجد النقطة الأبرز في تفاخر الأمم حضارياً في تراثها.. هو استدعائهم من التراث فخار القانون. الأمر الذي جعل مسلة حمورابي. ومقولات كونفوشيوس، وفلسفات بوذا ـ الأقوى في هذا المضمار ـ التفاخر الحضاري كما أن الرواد الأوائل للعقل خاضوا أبرز خطاهم.. في بعد القانون فمن جمهورية أفلاطون، إلى رسالة المعلم الثاني (الفارابي) في (المدينة الفاضلة) إلى الأمير عند ميكافيلي.. حتى كتابات القرن الثامن عشر التأسيسية في الغرب (كهوبنز، وجان جاك روسو، وفولتير) ولا زال الجدل المعرفي الأقصى في سلّم الثقافة هو جدل القانون أو مفاهيم ترتبط بصورة مباشرة أو غيرها معه. كما أن الصراع والسجال والتحدي والتهم المرفوعة بين الغرب والشرق الإسلامي، هي اتهام القانون الإسلامي في أبعاد الحرية، وقضية المرأة، وقنوات المجتمع المدني، والملكية والسلطة، وهذا السيل من التهم ابتداءً مع المستشرقين وتصاعداً، ولم ينتهِ إلى يوم الناس هذا. وبالمقابل تجد مؤلفات كثيرة من الشرق الإسلامي تفنّد ذلك على طول الصراعات الأيديولوجية لهذه القرن.

من المؤكد أن القانون الإسلامي في كل مجالات الحياة يستفاد من الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل كما أن العقل يغطي هذه المرتكزات في عمليات التحليل والاستنتاج في بعد التفسير (قراءة النص) والتقعيد (استلال القواعد الحاكمة).. ومناحي كثيرة في الفكر الإسلامي.. في إطار العقل والنقل.. وحتى النقل يتأطر بالعقل في توجيهه تحت ما يسمى بالأدلة الفوقية.

من هنا سنمر على معالجة هذا الوجه المعرفي ـ القانون ـ في دراسات الإمام الشيرازي (دام ظله)، ضمن منهجه سيما في هذا البعد بما ابتدأ به في الخوض من الجذور البشرية لولادة هذا المفهوم والحاجة إليه.

ولادة القانون في التاريخ

يرى الإمام الشيرازي في القانون أنه دائماً نشأ من احتياجات الإنسان الجسدية والروحية، وذلك من غير فرق بين ما قرره الله سبحانه وتعالى من القانون، أو ما قرره الزاعمون للإصلاح من البشر، فليس الخلاف في الكبرى وإنما في الصغرى والتطبيق.

فلا فرق بين الأديان السابقة ودين الإسلام وبين القوانين المستندة إلى مختلف الفلسفات في أنهم يريدون خير الإنسان ـ سواء كان الخير الواقعي أو المزعوم ـ والبحث والتنقيب الوسيلة الوحيدة لتمييز الصالح من غير الصالح..

ثم إن سماحته يفصل القول في أصول الاحتياجات الجسدية والروحية المستدعيتين لوضع القانون.. فيرى أن الجسدية منها عشرة وهي: المسكن، والمركب، والطعام من الماء والغذاء والدواء، والزوجة أو الزوج والأولاد، ووسائل الراحة، والجمال، والتجمّع.

لذا لا بد للقانون أن يوفّر تلكم الأشياء كما أن أصول الاحتياجات الروحية عشرة أيضاً وهي: الإيمان، العلم، الفضيلة، التقوى، التقدم، والأمن، الاستقلال، الحرية، المساواة، والعدالة.

فكما أن الروح والجسد متشابكان يؤثر أحدهما على الآخر فكذلك حاجاتهما يؤثر بعضها على الآخر. والإسلام في تشريعه أعطى كل شيء من تلكم الحاجات حقها من القانون الصحيح. لكن الإسلام يزيد عن باقي القوانين في أنه يبشر بدار آخرة.

تقسيم القانون

يقسم الإمام الشيرازي القانون في بلاد الإسلام إلى ثلاثة أقسام حسب الملل الكائنة في هذه البلاد، وحسب ماهية القانون وارتباطه بالإنسان.. خارج إطار الملّة.

الأول: ما يعم المسلمين وغيرهم، مثل قوانين المرور والصحة وسائر الأمور العامة التي ترتبط بالدولة بما هي دولة، وهذه يعاقب على تركها المسلم وغيره.

الثاني: ما يخص المسلمين ويترك لغير المسلمين شأنهم، مثل: الصلاة والزكاة والصيام وموازين النكاح والطلاق والإرث ومختلف أنحاء المعاملات، وفي مثل هذه القوانين لا يختلف مسلم عن آخر إلا بما تستدعيه الاختلافات المذهبية.

الثالث: ما يخص غير المسلمين، والقاعدة العامة فيهم أنهم إن أتو بما يوافق مذهبهم ـ من غير أن يظهروا المناكير ـ يتركون وشأنهم. وإن كان محرماً في الدين الإسلامي، كنكاح المجوس وترك الصلاة وباقي الفروع وما شابه ذلك،.

قوانين الإسلام بين الشعار والتطبيق

كما أنه لا يحق للدولة الإسلامية جعل قوانين تفرّق بين المسلمين للغةٍ أو مذهب أو حد جغرافي أو عرق أو ما أشبه ذلك، كما هي العادة في البلاد الحالية التي يحكمها أناس مسلمون باسم الإسلام أو بسائر الإسلامي، حيث إنها بلاد قومية وإن كان الحاكم يسميها إسلامية.

وهذه من السمات الأبرز التي يخوض فيها الإمام الشيرازي في بعد

القانون الإسلامي والوجه القومي المؤطر بالإسلام.. فيستمر قائلاً: اللازم على المسلمين خرق هذه الفوارق بعدم الإطاعة، فإذا قال الحاكم مثلاً: لا حق للباكستاني في العراق من شراء الأرض، أو من الكسب أو الزواج من العراق، أو بالعكس عمل المسلم بما هو في الشريعة من الجواز.

مميزات القانون الإسلامي

بالتأكيد هناك فرق بين الأطروحات الوضعية للقانون وبين قانون الوحي وأبعاد هذا الفرق متشعبة وعميقة بعد الفهم للإنسان وماهيته وعلاقته مع الكون والإنسان الآخر والمجتمع فيما يحيطه.

فالقانون الإسلامي كما يرى الإمام الشيرازي (كامل) وشاهد ذلك لديه هو في كليات الشريعة مثل ( لا ضرر ولا ضرار) و(الخراج بالضمان) وسائر الكليات من قاعدة العسر والحرج والتي يستفاد منها في الصغريات إلى اليوم وما بعده.. أما في ميزة زمانية القوانين الإسلامية نسبة إلى الوضعية ومطلقاً: أنه نجد أن القوانين الوضعية على أحسن الظروف لها ملابساتها الموجبة للتباين، بالنسبة للزمان المتأخر، ولذا لا يزالون يعدّلون تلك بالشطب، والتضييق، والتوسعة، بينما القوانين الإسلامية لم تكن كذلك، فقط ما يحتاج إليه هو الاستنباط لتطبيق الكبريات على الصغريات مع متجددات الزمان.. بعمليتي التفريع وتنزيل الكبريات على المصاديق.

ثم يحاول الإمام أن يدخل إلى العلل والأسباب التي تفضي بالمنهج الوضعي إلى هكذا تلكؤات في ديمومة القانون وأخطائه، فيقول: إن المقنن النزيه من البشر ـ فرضاً ـ (وهنا السيد يحاول أن يحاجج في أحسن الأحوال) محدود بحدود الزمان والمكان والشرائط والأهواء والجهل والنسيان والمشتهيات والأغراض وإن كان مخلصاً ـ فرضاً ـ ولذا لا يكون قانونه إلا وليد تلك، للزوم المناسبة بين الواضع وما وضع.

وهذا الذي وقف عليه الإمام الشيرازي هو الإشكالية الأهم التي تدرس في العلوم الاجتماعية والإنسانية وما زال يترنح بها هذا الفكر.. وهي مسألة اتحاد الذات والموضوع، والعلوم الاجتماعية تتفق مع نظرة الإمام الشيرازي في كل الأبعاد، كما أن عين الفكرة المطروحة من قبل سماحته.. هي ذات مرقى مهم في علم النفس التحليلي عند الايبستمولوجيين المعاصرين.

أما الإسلام ـ كما يرى الإمام ـ فليس كذلك فأحكامه تتأطر بزمكانية تامة.. ليس إدعاءً وإنما بما أسلف في فكرة الإمام الشيرازي ضمن مسألة (الكبريات والصغريات).

لذا فأحكام الإسلام ليس مثل أحكام: كونفوشيوس، أو براهما، أو بوذا، جامدة لا تحوي سوى أخلاقيات، ولا كأديان المجوس واليهود والنصارى، مما عبّروا عنه بقولهم: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) بحيث أفضى الأمر إلى الأخذ بمقولات حكامهم لا دينهم.

ثم إن من تتبع قوانين الغرب الحاضرة رآها مأخوذة في كثير من أصولها ـ مع تغيير وتبديل ـ من الإسلام، وكما هو الأمر بالذات مع القانون الفرنسي بما يتميّز في قدمه.