القانون وضبط المجتمع المدني في الإسلام عند الإمام الشيرازي

جلال ناصر

منذ أن بدأت البشرية تأخذ في وجودها شكل تجمعات ارتبط أعضاؤها بعلاقات حتمت عليها إيجاد عملية التواصل فيما بينها (إنسان ـ إنسان) ومع ما هو كائن حولها (إنسان ـ طبيعة) وبين مجموعها ومجموع آخر.

مع الإطارين الأوليين (إنسان ـ إنسان)، (إنسان ـ طبيعة).. تتأسس ضمن مقولة (الحاجة)، (الاقتضاء)، (حتمية الإيجاد)، كمفاهيم ثلاثة ترتبية تمثل ضرورة لتغذية (الصيرورة) التاريخية لأي مجموع بشري وبالتالي بناؤه الحضاري، مقدمات حتمية إيجاد قانون يربط بين هذين الإطارين داخل المجموع العام، وبالتالي يقوم بعملية الضبط للمجموع وتوجيه نسقه في (مسار)، كلما اقتربت صورته (أي المسار) في ثلاثية (الحق، الخير، الجمال) كلما وصلت صيرورته إلى الكمال البشري أسرع.

عملية الضبط (لمجموع أو بالأحرى الضبط) لشبكة العلاقات الاجتماعية ـ كما يصطلح عليها في كتابات الاجتماع الحضاري ـ أخذت اصطلاحاً تاريخياً مع تلك الولادات الحضارية الأولى للمجتمع البشري سمي بـ(القانون) وما زالت إشكالية القانون إلى يومنا هذا هي الإشكالية الأعظم، لأنها الإشكالية المحورية في حل مسألة الإنسان في وجوده الحضاري، لذا كانت الأديان السماوية، أديان تشريعية قانونية لذا تسمى (أديان كتابية) إشارة إلى ترافق الكتاب والرسالة والشريعة مع الأنبياء (عليهم السلام) تحاول أن تنضج مسيرة المجتمع في شبكة علاقاته.

يدخل الإمام محمد مهدي الشيرازي إلى مسألة القانون باعتبارها ضرورة تلازم الإنسان في وجوده بما هو إنسان، لا خيار تحتمه ظروف دون أخرى حتى أنه لإثبات الضرورة ـ يرفض مقولة بعض الفلاسفة: لو كان المجتمع مثالياً مكوناً من الفلاسفة لم يحتج إلى القانون) لأنها غير تامة. ويضيء رؤيته ـ رفضه للمقولة وتحتيم الضرورة ـ بفرضية تعالج بالنحو الآتي، أنه ليكن فرضاً أن كل أولئك الفلاسفة كانوا في أعلى درجات العدالة والنزاهة، أفليس اختلاف الآراء يوجب بينهم التخاصم والتدافع؟ أو ليس ذلك بحاجة إلى قانون يقرر من هو فوقهم ـ إذا اعتقدوا به ـ أو يقرره أكثريتهم، إذا كانوا يرون ذلك، أو حساب القرعة أو أي ميزان آخر يتفقون عليه؟

وعلى هذا يرى الإمام الشيرازي (دام ظله) أن القانون يغدو لازماً لتنظيم شؤون المجتمع، مهما كان المجتمع بدائياً، أو متوسط، أو مثالياً وفي غاية السمو والرفعة، حيث أن اللازم أن يكون هناك مقياس لسير الفرد والاجتماع في مختلف جوانب الحياة.. وهذا هو معنى القانون.

القانون المدني

الضبط المدني، بالتأكيد قانون داخلي يقع ضمن علاقتي (إنسان ـ إنسان) و(إنسان ـ مجتمع) أي أنه الشكل التنسيقي الذي يضم شبكة علاقات المجتمع المدني بدلالته الاصطلاحية الحديثة في كل مؤسساته، وهذا القانون الذي يقع أيضاً ضمن قاعدتي (الحق، والإلزام) ـ هاتين القاعدتين التي تقوم عليها جميع القوانين (العقدية) سواء كانت مدنية أو غير مدنية ـ سيحتم لإيجاده وفرضه داخل المجتمع أن يفرض قانون عقوبات، أي قانون ردع (وهو روح القانون العام) سواء كان ردعاً معنوياً أو مادياً.

حينما تكون هناك دولة إسلامية تطبق الإسلام كاملاً يحق لها إجراء الحدود والتعزيرات، ومع عدم التطبيق كاملاً لا يكون لها ذلك، هذا ما ينفرد به الإمام الشيرازي كرؤية اتفقت مع أغلب رؤى رجالات النهضة الدينية للقرنين الأخيرين، لذا فهو يوجه حالة عدم تطبيق الإمام علي (عليه السلام) الحد على اللائط والسارق والزانية في الكوفة في قضايا مذكورة في كتاب الوسائل، من جهة عدم تطبيق الإسلام حينها، أي قبل مجيئه (عليه السلام) إلى الكوفة، لما كان من الفوضى التي كانت تحكم بلاد الإسلام قبل حكمه، فقد عفا عن اللائط الذي أراد إحراقه بالنار لما لم يحترق، مع أن عدم الاحتراق إعجازياً لا يرفع الحكم الشرعي حيث وجوبه، إذ ينتقل حينها إلى الضرب للعنق أو ما أشبه، لكنه (عليه السلام) لم يفعل ذلك، كما أنه عفا عن سارق لحفظه سورة البقرة، وعن زانية حيث زوَّجها، وحالات أخرى كثيرة(1).

وهذه الأمور من سيرة الإمام (عليه السلام) ترسخ هذه القاعدة ذات الخطورة البالغة للمجتمع المدني الإسلامي.. التي تنبع من كونها تضع أو ترفع قانوناً يمتلك حيثيات إذا لم تعطى مكانها وزمانها تأخذ بالمجتمع والدولة الإسلامية إلى مهاوي السقوط.

كي لا تبقى صورة الشرط ـ التطبيق الكامل للإسلام ـ مبهماً لإيجاد العقوبات أو رفعها، وضع الإمام الشيرازي (دام ظله) إطار الشرط في أن المراد به كون الأجواء الإسلامية تتمثل بتوفر الحريات للناس وعدم تفشي المنكرات وسهولة وصول الناس إلى حوائجهم الضرورية إما بأنفسهم أو بمعونة بيت المال والحكومة(2).

وهذا التوضيح التأسيسي استبطاناً يعتمد في رؤيته على أسس أعمق جذراً، فيقول الإمام الشيرازي كي يوقف القاعدة تماماً (الرفع للقانون مع عدم تطبيق الإسلام) في منحى عقلائي: هل من المعقول أن يقال للسارق: عليك أن تعيش في فقر مدقع، وهو لا يقدر على لقمة العيش، لأن الحكومة تمنعه عن ذلك، وإذا سرقْتَ تُقطع يدك، أو للشاب الشبق: احفظ شهواتك، وهو لا يقدر على الزواج إطلاقاً، وإذا فعلت جلدناك الحد الكامل، أو لمعاقر الخمر: لا تشرب، والحال أن في بلده ألوف الحانات وعشرات الألوف من المعاقرين يومياً(3).

والاستدلال للكلية الأُسية لرفع القانون، مع عدم وجود الأجواء الإسلامية واضح في منحاه العقلي والمنطقي، بالمعنى المألوف لا الاصطلاحي إذ أن التشريع لقانون العقوبات في المدنية الإسلامية مؤسس أصالة لجهة الاقتضاء لردع المنحرف ذاتاً لا عرضاً تصنعه الآفاق الإلجائية داخل المجتمع، من ارتفاع العدالة الاجتماعية، والحرية، والحقوق وتوفر الحاجات الإنسانية بالدرجة الأساس.

فإذا كانت التجارة والزراعة والصناعة وحيازة المباحات وبناء الدور في الأراضي الموات مجاناً وسائر الأمور حرة كما منحها الإسلام، وعمل كل إنسان عملاً يعطيه الرزق وبنى داراً يتمكن من السكنى فيها، وتمكن من التزوّج، فلم يحتج إنسان من المال لشبعه أو سكناه حتى يبّرر الاحتياج سرقته، ولم يزن من الفقر الموجب عدم تمكنه من الزواج وغير ذلك، فحقٌ أن يُجرى عليه الحد.

وكذلك في حال عدم تفشي المذكورات حيث الأدلة منصرفة عن هذا الجو فهل يحد الحاكم الإسلامي كل يوم عشرة آلاف إنسان لأنهم شربوا الخمر مثلاً؟ والأجواء ملتهبة بتلك الحانات وتأثيرها الاجتماعي اللاشعوري بما يأخذ به الاقتناع الذي يولده الانسياق العام لهذه الأمور. كذلك هناك فرض آخر يشغل حيزاً في أهمية الدولة في بعدها التشريعي عدالة، يقول الإمام الشيرازي: لو خاف الناس من الخروج مثلاً، عن الدور لحرب أو عدو أو ما شابه فلم يتمكنوا من الكسب ونحوه مما يفضي إلى انسداد حاجات الناس، ولم يكن هناك بيت مال يساعدهم للوصول إلى حوائجهم الضرورية، فهل جعلت الحدود لمثل هذه الأجواء، لا .. الانصراف وغيرها من الأدلة تقتضي عدم إجراء الحدود في مثل هذه الظروف(4).

ويورد الإمام الشيرازي أدلة ضمن مصاديق الأحكام في اجتهاده الفقهي الموسوعي كشمول اجتماعي، مثلاً في عدم جريان أحكام الارتداد فيما إذا أصاب المسلمين فتنة فارتد كثير من الناس كما حدث في زماننا ـ الكلام للإمام ـ في فتنة الشيوعيين مما جرفت مئات الألوف من الشباب والشابات(5)، ومستند الإمام الشيرازي (دام ظله) في ذلك سُنّة الإمام علي (عليه السلام)، إذ لم يجرِ الرسول (صلى الله عليه وآله) التعزير على الفارين عن الزحف في جملة من حروبه.

كما أن الإمام الشيرازي يوضح شرط القاعدة الكلية في تطبيق الحدود.. أي شرط الأجواء الإسلامية المبعدة عن الانحراف.. التطبيق الكامل للإسلام من جهة حقوق المجتمع، فيرى أن التطبيق هنا ليس المراد به الدقة الفلسفية وإنما الدقة العرفية لانصراف الأدلة إلى ذلك(6). وهذا يعود بدوره إلى قاعدة العرف في تحديد الموضوع فقهياً. بما تعارف عليه الناس في موضوعاتهم في تحديد ماهيات الأشياء وتسمياتها.

يدخل الإمام الشيرازي إلى إشكالية انبثقت في بدايات القرن العشرين، مع الاختراق الثقافي الغربي، حيث صعود المد الإسلامي في النهضة الحديثة له، إذ ترى الأطروحة الغربية وتلح ـ عداءً ـ في أن القانون المدني الإسلامي (قانون العقوبات) بعيد عن أي وجه إنساني، فهو ذو قسوة ردعية مقززة كما يرون، وهذه الإشكالية وجدت لها آذناً صاغياً عند كثير من المسلمين وغيرهم في الشرق الإسلامي، كما هو معروف عند العلمانيين واعتبروا أن تلك الحدود تناسب أيام الصحراء للقرون البالية وليس لها محطة هنا، إضافة إلى أن بعض الناس يخاف قيام الدولة الإسلامية لرؤيته ذاتاً في شدة العقوبات.

الإمام الشيرازي (دام ظله) وجّه هذا الأمر في أنهم يخافون هذه العقوبات لمقايستهم بلاد الإسلام في أيام الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم ببلاد الغرب في الحال الحاضر، حيث احترام الإنسان في الثانية باستثناء السجن والغرامة المالية وحرمان بعض الحقوق لبعض الجرائم، بينما كان انتهاك الحقوق في الأولى يقابل حكماً بالقتل وبتر الأطراف والتعذيب ونهب الأموال والاستيلاء على أعراض الناس واللعب بمقدراتهم(7). فالإشكالية إذن تقارن بهذا المقياس غير الصحيح.. حيث لا تمثل هذه الإمبراطوريات الثلاثة الدولة الإسلامية وإن رفعت شعار القرآن.

ويمتد في هذا البعد ليضع مساءلة ـ تتواجد عادة في أذهان الذين يميلون إلى الغرب في قانون عقوباته ـ فحواها أننا نرى (قول المسائلين) شدة الحدود والتعزيرات الإسلامية وإنسانية العقوبات الديمقراطية الغربية. فيجيب على ذلك بأنه:

أولاً: التعزير ليس جلداً فقط كما سيأتي، فلا شدة هنا، بل التعزير في الإسلام أقرب إلى العقل من السجن والتغريم فقط، لأن الأمر يحتاج أحياناً إلى الشدة، وكما أن الشدة مطلقاً غير صحيحة عند العقلاء كذلك اللين مطلقاً.

ثانياً: الحد بقانون الأهم والمهم يخفف أو يسقط، ضمن الضرورات والظروف والاقتضاء الذي تفرضه جهةٌ ما في أطراف الجرم.

ثالثاً: للإمام الحق في إسقاطه مطلقاً أو تخفيفاً، وهذا ضمن أطر أيضاً تقتضي ذلك، أي التي تفرضها العناوين العامة في الشريعة، عناوين الرأفة ورعاية الرعية.

رابعاً: يحق لصاحب الحد ـ القتل مثلاً ـ أن يعفو أو يبدل بدية وهذا ليس موجوداً أبداً في القانون المدني الغربي إطلاقاً.

خامساً: وهو الأهم، الشروط الصعبة الواجب توفرها، كي يتوجب الحد، مما يجعل هذا القانون في إجراءاته أقرب إلى الندرة. مثلاً يشترط في حد السرقة خمس وأربعون شرطاً، وفي حد الزنا واللواط رؤية أربعة عدول كالميل في المكحلة، أو إقرار أربع مرات، ، إضافة إلى توفر شروط في نفس الإقرار(8).

فإذا كان الأمر هكذا.. فلا يبقى الحد إلا للطغاة والمجرمين، لإرهابهم لندرة وجوده (الحد) في الدولة الإسلامية الصحيحة. وهذه الندرة مشهودة تاريخياً في دولة الرسول (صلى الله عليه وآله).

ويرى الإمام الشيرازي (دام ظله) أن هذه الندرة لا يخشى منها في سير القانون، وإنما رفع الحد في القانون هو ما يخشى منه.. إذ معه ـ وهو رأي العقلاء ـ لا يأمن الناس على مالهم وعرضهم وأنفسهم، وهو ما يبرز كظاهرة جامحة في دول الغرب (9) إذ معدلات الجريمة ذات رقم خطير وتزداد يوماً فيوم.. حتى لم يبق أمان بالمعنى الحقيقي له هناك.

ويقارن الإمام الشيرازي (دام ظله) في مفاصل القانون الإسلامي والغربي من جهة الشدة واللين. فيرى أن نظام الغرب إذا كان موصوفاً بعدم الشدة، فإنه مقرون بعدم الحريات على عكس الحريات الكثيرة في الإسلام. كما أن الفوضى في الجنس وإباحة الخمر في الغرب من مآسيه لا من محاسنه، فهي إذن قررت بذلك قانوناً على حساب سلامة العائلة، وصحة البدن، وإمكان الزواج، فالأمر معروف لا يختلف فيه اثنان ـ بل أصبح ذلك من معالم الغرب ـ في أن تلك الفوضى أورثت لديهم تشتت العوائل وتبعثرها، وحلول الأمراض الجنسية الهائلة، وحرمان الشباب من دفء العائلة، حيث العزوبة والعنس(10)، وفقدان السيطرة على الحياة والمساهمة في مساراتها القيمة، وإلا فالمادية لا تغني منطلقاً دون ذلك، وابتعاد النشوة الحقيقية التي تورثها شبكة العلاقات الاجتماعية إذا ما قامت على القيم الإنسانية في جهة الخير وأداء الواجب.

يورد الإمام الشيرازي (دام ظله) أيضاً في سياق توضيح الفارق بين الرأفة واللين في القانون الإسلامي مقارنة بالغربي مجموعة من الروايات التي توضح الإلحاح في العفو في الأدبيات الإسلامية القانونية، ويمكن الرجوع في ذلك إلى الموسوعات الروائية في ذلك.

يتناول الإمام الشيرازي (دام ظله) كذلك كتاب الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر، المعروف بعهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر.. هذا العهد يبرز بوضوح فائق روح الرحمة والرأفة في القانون الإسلامي.. سيما أن العهد يتناول حيثيات الدولة والمجتمع المحكوم. يكفي هذا النص حين تفكيكه أن يبطل الادّعاء العلماني شرقاً وغرباً. بل سيمثّل أمام طالبي الحقيقة روح القانون الأرقى والأوفر عدلاً ورحمة بين القوانين البشرية التي أسست.

يقول نص العهد للأشتر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤثر على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر فوقك، والله فوق من ولاّك (..) ولا تندمن على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة).

يمكن متابعة مفردات النص وتركيبها في بناء واحد يوجه روح القانون الإسلامي لعلاقة الحاكم والمحكوم، أو عموم ما يحيط بالمحكوم (الناس) من قانون، (فالرحمة للرعية)،(المحبة لهم)، (اللطف بهم).. ثلاث مفردات لا يمكن أن يوجد في قاموس البشرية مفردة تعطي دلالة إنسانية أسمى منها أبداً. وكما تمثل هذه المفردات الحالة التي يجب أن يعشها الحاكم كهاجس دائم، فهي أيضاً تمثل الروح التي يتأطر بها القانون.. سيخطأون ويزلون وتبين منهم العلل ومع ذلك فاجعل العفو ساريتك بل يؤكد على لزوم ذلك في منحى ترغيبي ترهيبي فيما يذكره الإمام (عليه السلام) للأشتر: (مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه والله فوق من ولاّك)، ويركز الأمر، بأنه لا ندم على عفو.

كما أن هناك نص عظيم في الأدبيات الإسلامية، ضمن رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين الشهيد (عليه السلام) .. الرسالة التي ترتقي في جميع مفاصلها على كل الفقرات التي وردت في إعلان حقوق الإنسان سواء الصادر عن الثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر أو الآخر في عام 1948م، لكن البشرية لطالما لا تصغي إلى عباقرتها وما يكتنزه تراثها.

في الرسالة نجد الحالة (رأفة القانون الإسلامي وإنسانيته) بارزة جداً في جهة القانون المدني وعلاقة القانون والحاكم مع الناس، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): (وأما حق رعيتك بالسلطان، فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك، فيجب أن تعدل فيهم، وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم).

السجون بين القانون الإسلامي والغربي

تُثار عادة نظريات السجون بين القانون الإسلامي والغربي، باعتبار اعتماد القانون الغربي ـ كمحور لنظام العقوبات ـ على النقيض من القانون الإسلامي الذي يحمل تفصيلات لكل جرم.. بحيث تقل الحاجة إلى السجن أو إلى الحد الشرعي إلى درجة ضئيلة جداً.. وفي ذلك آفاق وأسس ليس محلها في الدفاع عن الأيدلولجية الإسلامية في ذلك.

يدخل الإمام الشيرازي (دام ظله) في جهة أخرى من السجون، وذلك بالدفاع عن حيثيات العدل والرحمة فيها بأبعد الحدود. أي ضمن الحريات التي يملكها السجن الإسلامي. مع وحي السجن بعدم الحرية والقيد وهو التبادر الذي تستشفه البشرية للسجن وقيده... في كل مكان وزمان.

فيعرض أطياف الحرية في السجن، مثلاً للسجين الحرية في إجراء جميع المعاملات، في البيع والشراء والرهن والإجارة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والحوالة والكفالة، سواء داخل السجن أو خارجه، بواسطة الهاتف أو عبر الوكيل.

وللسجين الحرية في ممارسة عقد النكاح أو الطلاق بأقسامه المختلفة، وكذلك يصح كونه شاهداً للطلاق، أو النكاح. كذلك يجوز له ممارسة الخطابة والتعليم والكتابة بمختلف أشكالها، وحتى للجرائد والمجلات، وإلقاء المحاضرات وعرض التمثيليات في داخل السجن، بواسطة الراديو أو التلفزيون.

كذلك لا يمنع عن مطالعة الكتب والجرائد والمجلات ومتابعة الأحداث عبر الإذاعة والتلفاز وما أشبه. كذلك لا يمنع السجين عن ممارسة المهن كالنجارة والحدادة.. وغيرها مما يتداول في زمنه عادةً.

يجب توفير الأماكن الخاصة للرياضة، إضافة إلى ساحة واسعة يستطيع السجين من خلالها التمشي. ولا يمنع أيضاً عن الاهتمام بهواياته الشخصية كالاهتمام باللوحات والزخارف وصنع المزهريات وما أشبه حسب طبيعة الشخص.

يجب السماح من الحكومة للسجين بزيارة عائلته له في أي وقت شاءوا، وكذلك بالنسبة إلى المرأة زيارة زوجها لها، كما يسمح ببقاء عائلته معه)(11).

فمع هذه وغيرها من الحريات للسجين والنظرة الموضوعية للإنسان وظروفه مع خطأه وزللـه، ومواجهة ذلك بروح ملؤها الرحمة له ولغيره.. ولعدالة في وجودها الضروري الأهم قبال أي مهم، ماذا يبقى للأيديولجية الغربية في احتجاجهم هنا وهناك.. التي اصطدم بها الواقع وما زال وسيبقى طالما ينحتون للناس قوانين ليست من واقعهم وفطرتهم.

الهوامش

1ـ الشيرازي، السيد محمد مهدي، الفقه، كتاب الدولة الإسلامية (101)، بيروت، دار العلوم، ط1، 1410، ص176.

2ـ ن. م، ص177.

3ـ ن. م، ص177.

4ـ ن. م، ص178.

5ـ ن. م، ص177.

6ـ ن. م، ص179.

7ـ ن. م، ص180.

8ـ ن. م، ص 180 ـ 181.

9ـ ن. م، ص 180 ـ 181.

10ـ ن. م، ص 182.

11ـ الشيرازي، السيد محمد مهدي، كيف ينظر الإسلام إلى السجين، بيروت، مؤسسة المجتبى، ط1، 1420هـ، 1999م، ص 7 ـ 10.