فلسفة التقليد والاجتهاد

التقليد هو سبب للتقدم وليس للتأخر، لأنّه يوجب إرشاد الجاهل على ضوء هدى العالم، فالإسلام يريد أن يسير الجميع وفق وعي كامل ومعرفة شاملة. فاذا قيل: أليس معـنى التقليد هو الاتباع الأعمى وإنهاء مسؤولية العقل؟

قلت: ليس المراد بمعنى التقليد ما ذكر بل هو رجوع من لا خبرة له إلى من يملك الخبرة والتخصص، وهذه سنة الحياة، فالمريض يذهب إلى الطبيب ليأخذ الدواء، ولأنه لا يعـرف ما ينفعه وما يضره، فعليه أن يتبع رأي هذا الطبيب، والذي يريد أن يبني بيتاً عليه أن يذهب إلى المهندس، وهكذا بقية الأمور الحياتية.

نعم التقليد الأعمى هـو أن يتأثر الإنسان بدعايات الآخرين.

فالإصرار على أن الإسلام دين رجعي والتمسك بهذه المقولة على رغم اتضاح الأمر هو التقليد الأعمى للغرب، الذي يروّج لهذه الفكرة عن قصد وتعمد.

فبناءاً على هذا من لا يعرف أمـور حياته، فعليه أن يستعين بها لمن له معرفة بها، وهذا ليس بالتقليد الأعمى بل التقليد الواعي الـذي يبحث من بين العلماء من هو أعدلهم ومن هو أفقههم.

وقد فتح الإسلام الطريـق أمـام الإنسان، فأما أن يتوجه إلى بحث الأمور و تقصّي الحقائق وأن يصبَّ وقته في طلب العلم وتحصيل معرفة الأحكام الشرعية ويتمكن من الاستدلال عليها ومن ثم الاستنباط فيصبح مجتهداً أو أن يتبّع من له خبرة في الأحكـام كرجوع المريض إلى الطبيب.

فالذي يقول إني لا أريد أن أقلّد أحداً إما أنه يجهل معنى التقليد فعليه أن يتعلَّـم ذلك، أو أنه يعرف لكنه معاند، فمثله مثل المريض الذي لايريد أن يعمل بوصفة الطبيب.

إن الإسلام لا يرفض التقليد الواعي بل يرفض التقليد الأعمى المبني على العاطفة وقـد وبَّخ القرآن الكريم أولئك الذيـن يقلِّـدون الآخرين تقليداً أعمى فيتبعون آثار آبائهـم ويصرّون على البقاء عليها، وهو تقليد عرب الجاهلية لآبائهم وأجدادهم في عبادة الأصنام.

فقد كانوا يقولون : (إنّا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنّا على آثارهم مهتدون)، فدليلهم الوحيـد هو عمل آبائهم بغض النظر عن أن هـذا العمل كان صحيحاً أو سقيماً، فإذا كان هـذا المنطـق صحيحاً، فإن منطق اليهود الذين وجدوا آباءهم على اليهـودية هو صحيح أيضاً، ومنطق النصارى الـذين وجـدوا آباءهم على النصرانية هو صحيح أيضاً، ومنطق المجوس الذين وجدوا آباءهم على المجوسية هو صحيح أيضاً. هذا هو التقليد الأعمى الذي سعى الإسلام لمحاربته.

أما التقليد المبـني علـى أساس العقل والـذي يفتح الطريق أمام الإنسان إلى ما هو أفضل، فهو تقليد ممدوح ومرغوب فيه، يقول الله سبحانه وتعـالى : (اتّبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون).

والاتباع هنا بمعـنى تقليد العالم والخبير، الذي يريد الخير للآخرين، وهو اتباع النـبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) واتباع الإمـام المعصوم(عليه السلام) حال حضوره واتباع الفقيه الجامع للشرائط باعتباره امتـداداً لتعاليم الرسول الأعظم والأئمة الأطهار(عليهم السلام).

ان اتباع العقل فـي حدودٍ معروفة صحيح وهو المستقلات العقلية ـ كمحالية التناقض ـ أما اتباعه في مطلق الأشياء فهذا غير ممكن، لأنّ عقل الإنسان محدود، فالإنسان لا يعرف كل شـيء، ولايستطيع أن يعرف كل شئ، حتى عباقرة التاريخ نجدهم أصحاب خبرة في تخصصاتهم، فالطبيب العبقري هـو جاهـل في شؤون الهندسة ـ مثلاً ـ فإذا أراد الطبيب أن يبني داراً، فعليه أن يستشير المهندس وإلاّ فإنّ عليه أن يدرس الهندسة عدة سنوات حتى يستطيع أن يرسم تخطيطاً لبيته، وهذا غير ممكن لشدة تنوّع الاختصاصات. والشيء نفسه بالنسبة للمهندس الذي عليه أن يراجـع الطبيب عندما يمرض، فهو لم يستوعب شؤون الطـب بالرغـم من استيعابه لأمور الهندسة، فإذا أراد أن لا يذهب إلى الطبيب فعليه أن يدرس العلوم الطبية ويصرف من عمـره حتى يصبح طبيباً ماهراً، وهـذا أمر غـير ممكن، لأنّ هذا الأمر سيجعله يضيع عمره في التنقل للدراسة من هذا العلم إلى ذلك العلم، والحال أن عمر الإنسان قصير.

والشـيء نفسه بالنسبة إلـى الفقه، فهنـاك أناس يصرفون من عمرهم خمسين عاماً أو أكثر في تحصيل العلوم الفقهـية ويتخصصـون فـي ذلـك، فهم والأطباء والمهندسون علـى حـد سـواء في هداية الناس ضمن تخصصاتهم، فعلينا أن نثق بأقـوال المجتهـدين كما نثق بأقوال الأطباء والمهندسين في تخصصاتهم.

وهناك أدلة شرعية قطعية تدل علـى ذلك منها آية النفر التي وردت في القرآن الكريم.: (ومـا كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كـل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)،

ومعنى الآية : إنّ الذين بقوا ولم ينفروا عليهم أن يقلدوا أولئك الذين نفروا، واستناداً لذلك، فإنّ التقليد في الإسلام ليس تقليداً أعمى بل هـو تقليدٌ عن بصيرة ووعي، بل هـو تقليد يقـوم علـى التحقيق والتدقيق والانتخاب الصحيح والاختيار الأمثل.

والخطوة الأولى فـي التقليـد: أن يختار الإنسان غير المجتهد إنساناً مجتهداً فيقلده، وهناك خلاف بين العلماء حول تقليد الأعلم، فصاحب المسالك وصاحب الجواهر وصاحب الفصول وجماعة آخرون لا يرون إشكالاً في تقليد غير الأعلم، بدليل أننـا نـرى الكثير من الناس يذهبون إلى الأطباء وهم ليسوا بالدرجة العليا من العلم، فالبعض يراجع الطبيب غير الأعلم والمهندس غير الأعلم.

وهناك جمع من العلماء يرون وجوب تقليد الأعلم، أمثال الشيخ مرتضى الأنصـاري «قدس سره» بشرط توفر الأعلم وإلاّ فيسقط التكليف.

ولا يخفى أن من أدلة القائلين بالأعلميـة، أن العقل يميل إلى الأعلم باعتباره أفضل في حالة التقليد.

وأنا بتصوري الأعلم أفضل وليس أمراً لازماً، لأننا لانملك الروايات التي تشترط قيد الأعلم، كما أن الآية لا تشير إلى وجـوب تقليـد الأعلم، فمنطوقها ليس(لينذروا قومهم) أعلمهم، كـذلك الرواية التي نصها (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لـهواه مطيعاً لأمر مولاه فعلى العوام أن يقلدوه)، ولا فرق هنا سواءاً كان أعلم أو غير أعلم.

فإذا كان المفترض تقليد الأعلـم كان النص بشكل آخر هو «من كان أعلم» أو أية عبارة أخرى دالة على ضرورة الأعلمية.

طبعاً ليس بحثنا في هذا المضمار، بل بحثنا يدور حول أهل التقليد، فأنتم تقولـون بأن التقليـد سبّب تقهقر الشيعة وتخلفهم، بينما السنة تقدموا لأنهم لا يقلدون، لكن الأمـر معكوسٌ تماماً، فالسنة يقلدون أيضاً إلا أنهم يقلدون علماء ماتوا قبل ألف عام.

وهنا يكمن الفرق بين الشيعـة والسنة، وعلى قول العلامة السيد محمد باقر: لو قلدتم النعمان أو محمد أو مالك أو أحمد، فإنّ هؤلاء يرجعون بنا ألف عام إلى الوراء لأنهم ماتوا، والسُنَّة لا زالوا يقلـدونهم بعد أن أغلقوا باب الاجتهاد.

طبعاً لا يراعـون شرائط الزمان والمكـان وظروف الأمم من حيث التقدم والتخلف والعلم والجهل و.. فكيف يمكن أن تقلّد إنساناً عاش في ظروف تكاد تكون مختلفة 90./ عن ظروف اليوم.

أما نحـن، فنقـول بأن يكون زمان التقليد وزمان الاستنباط واحداً.

قد يقول البعض وأنتم أيضاً تفعلون ما يفعله السنّة، تقلدون النبي والأئمـة «عليهم آلاف التحية والسلام» الذين عاشوا قبل أكثر من ألف عام أيضاً.

جوابنا علـى ذلك، ان النـبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهـار(عليهم السلام) مثلهم مثل الشمس التي لا زالت تشـرق وستـظل تشرق وتشع بأنوارها على أرجاء الكرة الارضية، فهي لا تعتق أو تبلى، إذ يمكـن الاستفادة منها في كل زمان ومكان،

ذلك لأن النبي والإمام مرتبطان بالله سبحـانه، الباقي والقائم في كل مكان وزمان، فكان دينه صالحاً لجميع الأعصار، وقـد قـال رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (حـلال محمد حلال إلـى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة).

مواكبة الإسلام للتطور

كيف يمكن أن يصلح الإسـلام لكـل زمان ومكان؟

والجواب على ذلك ان هناك ثوابت فـي الإسلام لا تقبـل التغيير ولا التبديل مطلقـاً، وهنـاك متغيرات ترتبط بالزمان والمكان. فمن الثوابت: وجـوب الصلاة وأنها ركعتان في الصباح وأربع للظهر وأربع للعصر وثلاث للمغرب وأربع للعشاء، وأن المسافر يصلى القصر في الرباعية، والصوم من الثوابت ووجوبه في شهر رمضان المبارك من الثوابت أيضاً، وكذلك الخمس والزكاة وهكذا.

وهناك أمور تتغير تبعـاً للزمان والمكان، مثل تطبيق الآية الكريمة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. ). فمرة تكون القوة فـي الآية هـي السيف وثانية تصبح البندقية والطائرة وطوراً تكون أشعة الليزر، فقد تغير الموضوع بتغير الوسيلة.

من هنا فإنّ جوهـر الأحكام ثابـت لا يعرف التغيير بينما المادة التي تنفذ الحكم هـي المتغيّـرة لأنها تخضع لظروف الزمان والمكان.

كذلك بقية الأحكام مثل الحج هل يكون ركوباً على الجمل والحصان أم السيارة أم الطائرة، وكذلك مثل استحباب الضياء في المسجد سواء كانت الإنارة بحـرق السعف أو المصابيح الزيتية أو الطاقة الكهربائية.

ويكمن سر خلود الإسلام في هذه المسألة بالذات، حيث انه متحرك يستطيع أن يسـاير ويواكب الأزمان، فقد وضع الإسلام قواعد عامـة وهي تأخذ أشكالاً متنوعة عند التطبيق. وأمامنا الكثير من القواعد الفقهية ذكرها العلماء في مظان كتبهم نذكر منها علـى سبيـل المثال: (النـاس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)،(الإسلام يجبّ ما قبله)،(كل شئ لك طاهر حتى تعلم بنجاسته).

والأمر نفسه بالنسبة إلى تعدد الزوجات استناداً للآية الكريمة: (فأنكحـوا ما طـاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)، والآية تناسب فـي التطبيق مختلف الظـروف، فإذا قلّ عدد النساء فالاكتفاء بواحدة، أما إذا كثر فالعلاج هو التعدد فـي الزوجات حتى لا تبقى امرأة في المجتمع بلا زواج.

ومن الخطأ أن تقول إنّ قانون التعدد كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا حاجة لنا به اليوم باعتبار أن الزمن قد تطور أو أن تقول كانت المتعة في زمن الرسول محلّلة واليوم لا يسمح الظرف بممارستها أو أن يقول في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن هنـاك الأرز فلم يذكر في المحاصيل الزكوية أما اليوم لما توفر هذا المحصول فلابد من تعيين الزكاة عليه.

صحيح عندما تشعر بأنّ مقادير الزكاة غير كافية فإنّ المراجع يجتمعون في نطاق شورى الفقهاء ويتداولون هذا الموضوع فيقررون وضع الضريبة علـى الأشياء الأخرى مؤقتاً مستـدلين بأدلة ثانوية كدليل الاضطـرار ودليل الحرج ودليل الضـرورات وما أشبه. فقد ورد(ما من شئ حرّمه الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليـه)، وهكذا في غير الزكاة كالخمس والجزية والخراج.