الدين.. بين الإحياء المفاهيمي والاختراق

جلال ناصر

تولد المفاهيم سواء مع دين سماوي.. أو مع أية أيديولوجية وأطروحة وتيار ومدرسة معينة، ولادة تأخذ معها لمحة التأسيس والأصالة والجذور الأولى في نقاوتها، لقربها من المؤسس، ولعدم مرورها على أيادٍ أخرى، ودخول ساحة الصراع مع أيديولوجيات مناوئة تغتال تلك المفاهيم، أو تشوهها وهو الأخطر، لما سنرى، إذ اتفق علماء الاجتماع التاريخي.. والأنثروبولوجيات الثقافية والسياسية، على أن كل رؤية أو مفهوم ما، يحتاج إلى عنصرين، يمكن بهما أن يتحول من شكلٍ إلى آخر يختلف في الجوهر.. بحيث يأخذ هذا الشكل الثاني رسوخاً يتصف بصفات الحقيقة، مع ما أُلقي عليه من تشويهات حادت به عن المفهوم الأصلي.. هذين العنصرين هما (الزمن + مجموعة بشرية)، أي تبني مجموعة لا بأس بها في حجمها ـ للمفهوم في شكله الثاني، واحتضانه لفترة زمنية، والعنصر الثاني جوهري في آلية التحول للمفهوم الأول والرسوخ للثاني، نتيجة لفعل الظاهرة الآبائية(*) فيه. أما الخطورة التي يملكها المفهوم المشوه ـ في المبتنيين ـ في شدتها خنقاً من عملية الاغتيال (أي الفارق بين التشويه والاغتيال) فهو يتضح من مساحة واقعية تشير بأن حرب الحدود أهون من حرب الاختراق في المجابهة، لجهة أن الدين قد ينهار في حاكميته في فترة معينة ويختفي نتيجة الأيدلوجيات المضادة، ولكنه يعود مرة أخرى مع جيل آخر، بما تفرضه وتحتمه سنن التاريخ في غلبة الحق وعلوه، أما مع التشويه فلا يمكن ذلك، إذ أن الناس حينها تمارس الدين المشوه، على أنه الدين الأصيل، ولكن لا جدوى في الواقع إذا غدت المفاهيم تتحرك سلباً في الحياة... فحركة الدين وثماره في مفاهيمه عند الواقع، لذا تركه الناس ومن ثم يحارب إذ الإنسان دائماً يسعى مع الأفكار التي تنتج حاجته، والتي تجد له طريقاً مادياً ومعنوياً، وهذا ما حصل مع الإسلام في قرون النوم؟

بهذا يمكن أن نسلك الآفاق التي تحرك بها الإمام الشيرازي (دام ظله) في هذه المسألة (إحياء المفاهيم) لما في ذلك من ضرورة جليلة حتّمها العصر في تقلباته المشهودة في جميع المجالات التي يتحرك بها الفرد والجماعة، سيما بعد هذا الصراع المستتر بين الأيديولوجيات في عملية الاختراق التي تجتاح العالم الإسلامي، والذي يصدر توظيفاً عن الكيانات السياسية بغية الوجهة الاستعمارية ليس إلا. وبهذا وجد الإمام الشيرازي (دام ظله) أنه يلزم على العاملين في حقل إحياء الإسلام وإعادته إلى الحياة وإعادة الحياة إليه: إحياء المفاهيم الإسلامية، سواء ذكرها الإسلام أو كانت عادة المسلمين قبل دخول الغرب إلى الإسلام)(1). لكن لماذا هذا الإلزام لتجديد تلك المفاهيم وإحيائها عند الإمام الشيرازي، وما هي ضرورة ذلك في وجدان الأمة وهويتها، وما يتبع ذلك من مسارات وأدوار يتوجب لها بها.. السبب في ذلك كما يرى الإمام هو أن هذه المفاهيم (ليس صرف ألفاظ، بل حقائق مرتبطة بالأمة، ففي إحيائها إحياء الأمة، وفي إماتتها إماتة لها، بالإضافة إلى ارتباط الأحكام الشرعية ببعض تلك المفاهيم)(2).

يحاول الإمام (دام ظله) أن يضرب أمثلة في ذلك فمثلاً يلزم إحياء السنة القمرية والتاريخ الهجري القمرية والساعة الغروبية، فإنها كانت متداولة في بلاد الإسلام قبل دخول المستعمرين بدل الساعة الزوالية، والدينار الدرهم بدل النقود الأخرى والرطل والمد والصاع والفرسخ والميل والأشهر القمرية إلى غير ذلك(3).

كما يرى أن تبديل تلك المفاهيم يعني إزالةً للوحدة الإسلامية والهوية الإسلامية، ففي بلاد المسلمين نجد هناك أنواعاً من العملات: الريال والتومان والروبية والدينار وغيرها..، وكذلك بالنسبة للتقويم السنوي، فنجد الأشهر في بعض البلاد الإسلامية، كانون وتشرين، وفي بعضها فروردين وارديبهشت، وفي أخرى ديسمبر ونوفمبر... يتساءل الإمام الشيرازي (دام ظله) حول هذه الاختلافات: (ألا تفضي هذه الأمور إلى تشتيت الأمة الإسلامية، وتحطيم وحدتها... وهو غير ما نتطلع إليه إلزاماً من أن تكون كل بلاد المسلمين تتخذ من الأشهر القمرية والعملات الإسلامية كالدينار والدرهم تاريخاً ونقداً لها. إذ أن هذه الأمور تظهر الأمة بمظهر العظمة في وحدتها(4).

أدرك الإمام الشيرازي (دام ظله) أن الغرب وراء هذا الاغتيال والطمس والتشويه لهذه المفاهيم وهو من بذل جهداً كبيراً لذلك. فقد كان التاريخ ـ كما يرى السيد ـ قبل مجيء الغرب استعماراً واستغلالاً هو الأشهر القمرية، ويمكن التأكد من ذلك بوجود هذا النوع من التاريخ مع كل الكتب التي كتبت قبل مجيئهم. كذلك أن الاستعمار أو المناوئين عموماً هم الذين أعادوا إحياء أسماء دارسة في بلاد المسلمين، مثل أفغان، وإيران، بغية إيلاج الروح القومية إبعاداً لهذه البلاد عن كتلة الإسلام من جهة، وما يثمره هذا التوزيع الإقليمي لبلاد المسلمين من تشتت يضعف من قوة الجماعة. إذ تقع المناورة الاستعمارية في قاعدة (فرق تسد)، ثم أن لهم غايات أخبث في طمس التقويم الإسلامي، إذ قد يحسب أحدهم ـ فرداً أو تياراً، أنه ما المشكلة في ذلك، وما ارتباط هذا التقويم أو ذاك بمفاهيم الإسلام... إنها مسألة آلية لمعرفة الزمان وتنظيم توابعه الاجتماعية.

يوجه الإمام الشيرازي (دام ظله) هذه الإشكالية وذاك الاعتراض في أنه بالإضافة إلى كون ذلك التاريخ يشكل الهوية الإسلامية، فإن تحويله يضرّ المبادئ الإسلامية بصورة غير مباشرة. ويتضح ذلك من أن الشعائر الإسلامية، والتي لا تخلو قط من مقاصد الشريعة: (مرتبطةٌ بالأشهر القمرية فرمضان للصيام، وذو الحجة للحج، والأشهر الحرم لحرمة القتال، ولزيادة الدية، وشوال لعيد الفطر، وما إلى ذلك فإنها كلها مرتبطة بالأشهر القمرية، وكذلك ولادات المعصومين وليالي القدر، وأعياد الفطر والغدير والمبعث وأوقات الزيارات المستحبة في رجب وشعبان وعرفة والأربعين، وشهادات المعصومين كعاشوراء، وهجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) وغيرها، فإنها كلها مرتبطة بالأشهر القمرية، وكذلك الحال مع كثير من العبادات كالأغسال المستحبة في أزمنة خاصة، والصلوات المستحبة في أوقات مخصوصة، والعمرة الرجبية والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، والصيام في أيام خاصة من الأشهر القمرية كأول الشهر وآخره، إلى آخر هذه القائمة التي يجدها الإنسان حتى في الرسائل العملية، بل الكتب التفسيرية والفقهية، وكذلك الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) فإنها كلها مربوطة بالأشهر القمرية. وكذلك عادة النساء، والعدة بالنسبة للطلاق ونحوه واليأس بالنسبة إلى المرأة، أما البلوغ فهما شريكان فيه. فإن هذه الأمور مرتبطة بهذه الأشهر إما مباشرة كالعادة بشكل مباشر أو غير مباشر مثل السنين القمرية المكونة من الأشهر القمرية، كالخمس والتاريخ والبلوغ واليأس ونحوها فإنها ترتبط بالسنوات القمرية(5).

لذا فطمس هذا التاريخ يفضي إلى اختلافٍ مع تلك الأحكام والشعائر وما ورائها من مبادئ وأهداف تمثل روح الإسلام. لذا فالاعتراض في عدم علاقة التاريخ بمبادئ الإسلام باطل. إضافة إلى أن القرآن الكريم ـ كما يرى الإمام فيه آياتٌ تتناول هكذا أمور مثل: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم) و(يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)(البقرة: 189)، وفيه أيضاً (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن) (البقرة: 185)، وكذلك في الروايات فيها آلافٍ مما يتعلق بذلك(6).

إذن فالمسألة حساسة في مدخليتها، فلا تأتيك أطيافها من الشمس مباشرة وفي وسط النهار، وإنما ترسلها الشمس عن طريق القمر ووسط الظلام. هكذا هو شأن الغرب في اختراقه، بحيث لو فرض أن الأمة تنازلت عن قمرية تاريخها فستنهار هذه الارتباطات شيئاً فشيئاً، سيما أن بعض هذه الارتباطات بهذه التواريخ تشكل المحرك الأساسي، للمسار الإسلامي في اتجاهه الثوري التغييري، إذ يكون الذكر والتكرار لشعيرة تأخذ بعد الثورة ضرورة في إحياء ذلك الزخم الذي يتحول ذاتياً إلى محرك، يأخذ بالمجتمع إلى شعلة ملتهبة قادرة على التغيير لأي أيديولوجية تحكم الجماهير المسلمة، من قبيل ثورة الحسين (عليه السلام) وباقي الثورات الإسلامية، وهجرة الرسول وحروبه، إضافة إلى ما يرتبط بذلك بصورة غير مباشرة من الحج والأعياد.. أي تلك الأبعاد الثورية والوحدوية للأمة التي تمثل المركز الأيديولوجي للثورة والعدالة والوحدة لم يغفل السيد الشيرازي عن هذا الأسلوب المناور للغرب في دخوله العالم الإسلامي ومحاولة طمس هويته بتلك الطرق الخفية.. لذا وسم تلك الطرق بأنها: ( كالحية ليّن مسّها، قاتل سمها)(7).

أما من جهة اللغة العربية ومحوريتها في هوية الأمة الإسلامية، فلقد ارتأى السيد الشيرازي (دام ظله) أن من خطوات الاستعمار أيضاً طمس الثقافة، مع أنها مركز الثقافة لآليتها في حملها الهوية، بما يقال عادة..(إن اللغة هي حاضنة الثقافة) بل هي الثقافة والفكر وتاريخ الأمة، لذا ألزم الإمام إحياءها كضرورة تنبع أيضاً من كونها (لغة القرآن الحكيم والسنة المطهرة، ولغة المسلمين عموماً في صلاتهم وقرآنهم، وأدعيتهم، وحجهم، وسائر شؤونهم لفظاً وكتابة)(8).إذ أن المستعمر والمنخدع معه من البلاد.. طالوا اللغة في خطة خبيثة، فلقد سعوا إلى إماتتها في بعض بلاد الإسلام مثل تركيا على يد (أتاتورك)، وفي الهند قاموا بإحياء اللغات السنسكريتية، وفي إيران الفارسية، وكذلك في البلاد المسلمة التي ضمت الاتحاد السوفيتي، فذلك عند الإمام يفضي إلى (انفصام المسلمين في تلك البلاد عن سوابقهم من ناحية وعن الالتحام في الأمة الواحدة، مع سائر المسلمين من ناحية ثانية، ولذا نجد أن البريطانيين والفرنسيين والروس ومن إليهم من سائر المستعمرين يصرّون على تعميم لغاتهم في كل البلاد المستعمرة لهم، بل وفي غير المستعمرة، وقد كان من أسباب سقوط العثمانيين أنهم أداروا ظهورهم للغة العربية واهتموا بكل قواهم السياسية بالتتريك، حتى في البلاد الخاضعة لهم كانوا يصرون على تعليم اللغة التركية للجيش وغير الجيش، فكان الموظف التركي الرفيع المقام المسيطر على جماعة من الموظفين أو الأهليين يأخذ الأشياء ويسميها باللغة التركية، ثم يطلب من المستمعين أن يكرروا تلك اللغة على ذلك الشيء ليتعلموا، ومن أبى منهم أو لم يتمكن التلفظ بلغة الترك كان يُعرّض للعقاب من رئيسه بالضرب والسجن والإبعاد والغرامة وما شابه)(9).

كما أن الغرب لم يفته توجيه هذه الخطوة في طمس اللغة العربية بصورة ذكية، إذ أوحوا إلى الشعوب المسلمة غير العربية أن اللغة العربية لغة الاستعمار العربي ـ أي إشارة إلى إرهاصات الظاهرة الشعوبية ـ وكان ذلك في قمته في الهند وإندونيسيا وبلاد أفريقيا وإيران وتركيا وما إلى ذلك من البلاد غير العربية، بينما هنالك فرق بين الاستعمار وغير الاستعمار، فالأول يجمع الخيرات لنفسه ويذل الأهليين أيما إذلال، بينما الثاني يعز الناس ويريد الخير للجميع، ويرى المسلمين أخوة ولعل الأدل على ذلك أن الحكومات والعلماء والأثرياء الذين توالوا على بلاد الإسلام قبل دخول المستعمر ورواج القوميات كانوا من كل لغة وجنس حسب الأخوة الإسلامية.

فمثلاً من الحكومات كانت حكومة العربي والفارسي والتركي والهندي وغيرهم، ومن العلماء نرى العلامة والمحقق العربيين، وشيخ الطائفة والكليني الإيرانيين، والسيد مير حامد حسين ووالده الهنديين، والإيرواني والمامغان التركيين، وإلى آخر القائمة الطويلة، وقد رأينا ذلك في العراق حين كان بقايا الإسلام ولو كصبابة إناء أو كمشاشة نفس قبل نصف قرن تقريباً وهكذا كان حال التجار، فإنهم كانوا من كل اللغات والجنسيات(10).

مسألة أخرى يجدها الإمام قد حكيت من قبل الاستعمار، وأدخل نفس البلاد الناطقة بالعربية، والتي لم تفلح أساليب التتريك والتفريس والفرنسية وغيرها فيها إذ شَجّع النطق باللهجات الشعبية، فغدت اللغة متفرقة مبعثرة، وذلك حتى تقطع صلة العرب بالإسلام وقرآنهم العربي اللغة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى انقطاعهم (العرب) عن بعضهم(11).

ويمكن ملاحظة فارق اللهجات المتداولة بين العراق مثلاً والمغرب، وتونس والسودان، وكأنها لغات عدة.

ويتألم الإمام على لحظات تاريخية كان المسلمون من أقصاهم إلى أقصاهم متوحدين في لغتهم فكان مهيار الديلمي والصاحب بن عباد والفيروز آبادي، وبديع الزمان الهمداني في إيران وإبداعاتهم في اللغة العربية، أما الآن فحتى بقايا اللغة العربية المختلطة مع اللغة الفارسية نجد أنه يعمد إليها لتنزع بحيث يرفض تداولها، وكذلك ما نجده في نتاجات ابن سينا والآخوند والأنصاري والمجلسي(12).

يستعرض الإمام ولادة هذه التمهيدات لخلخلة الكيان الإسلامي من جهة الهوية، والتي تتأطر بالمفاهيم الإسلامية، والتي تشكل منظومة كبرى للحياة في كل اتجاهاتها وبالذات تلك التي بدأت مع الدولة العثمانية باعتبارها المتبقي الرسمي للكيان الإسلامي.

والذي يمكن عن طريق تحطيم باقي البلاد الإسلامية في الارتباط معها، كون الدولة العثمانية تحكم وتجمع البلاد الإسلامية آنذاك، فقد قبلت تركيا شروط الصلح مع الدول الغربية الذي عقده الحلفاء معها في لوزان عام 1923م، وهذه الشروط يمكن ملاحظة أبعادها، كيف تنصب على إماتة الإسلام.. فهي تنص على وجوب أن تقوم تركيا بـ:

1 ـ قطع كل صلة بالإسلام.

2 ـ إلغاء الخلافة.

3 ـ إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد.

4 ـ اتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم، وقد استجاب مصطفى كمال لذلك، وقام بتنفيذ المخطط الغربي كاملاً وذلك بـ:

1 ـ اعتماد القانون المدني السويسري وقانون العقوبات الإيطالي، والقانون التجاري الألماني، بديلاً للشريعة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة.

2 ـ إلغاء الحروف العربية، وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية وتصفية اللغة من الكلمات العربية.

3 ـ إقامة الأذان باللغة التركية، وترجمة القرآن إلى التركية.

4 ـ تبديل عطلة المسلمين من يوم الجمعة إلى يوم الأحد تمشياً مع الغرب في يوم عطلتهم.

5 ـ إلغاء حجاب المرأة و(الطربوش).

6 ـ إلغاء وزارة الأوقاف والمدارس الدينية.

7 ـ إحلال التقويم الغربي محل التقويم الإسلامي.

8 ـ قبول نظم الحضارة بلا تحفظ بكل أطيافها.

9 ـ الانفصال كلياً عن العالم الإسلامي وآسيا.

10 ـ وأخيراً إلغاء الخلافة الإسلامية(13).

أما المجتمع المدني لتركيا، فقد أدخلت له أطراً، تقوم جميعها على استنساخ الغرب ومضادة الإسلام، من فتح المواخير والمراقص والحانات، وجبر الجميع على لبس القبعة وتحويل الدولة العثمانية الإسلامية رسمياً إلى دولة علمانية، تفصل الدين عن الدولة والمجتمع فساتها، ليغدو الدين ي مؤسبعدها أمراً وجدانياً خاصاً بالأفراد.

بل عمدوا حتى إلى تحويل المساجد إلى بنايات ذات عناوين أخرى، كما فعلوه مع المسجد التأريخي الكبير (أيا صوفيا) وأعادوه إلى شكله الكنسي القديم ولو بعنوان متحف تاركين بعض الرموز الإسلامية.

من بين الأمور التي أدخلها الغرب لإسقاط مفهوم الوحدة الإسلامية.. المفهوم المركزي لقوة الإسلام والمسلمين هو ـ كما يراه ـ هو ترسيمهم للحدود الجغرافية، كذلك توجيه المسألة العرقية والقومية، وطمس مفهوم الأخوة القرآني بين الأقاليم المختلفة.. لذا يتساءل الإمام الشيرازي (دام ظله) لماذا يصير المسلم العراقي في الأردن أجنبياً وبالعكس، والمسلم المصري أجنبياً في إندونيسيا وبالعكس، وهكذا مع باقي الدول.. أليس هذا خلافاً صريحاً للإسلام(14).

إذن فهناك عمليات اختراق دؤوبة في جهدها من جهة، وشائكة معقدة ذكية من جهة أخرى، يتناوبها المستعمر جيلاً فجيل، حتى غدت صورة فاقعة في مسألة الصراع. إذ الصراع الذي كان يأخذ شكل القوة في القرون الأربعة الأخيرة، لم يعد يجدي دولياً ـ لأسباب عدة بعد دخول النتظام العالمي في مؤسسات فوقية تأخذ بالرأي العام العالمي لذا كان لابد من مداخل أخرى بالرد ـ فتحول الصراع إلى شكل من الصراع الثقافي، سيما أن الأيديولوجية الإسلامية تعتبر العقيدة التي تقف وراء كل هذه القوة التي تستمر في تحديها أمام الغرب، فكان القرآن أمامهم قبل كل شيء، والمقولة المشهورة لأحد القادة الغرب أيام الاستعمار المباشر: (أن هؤلاء العرب طالما القرآن بأيدهم لا يمكن لنا أن نحكمهم). وهذا ما حدى بهم إلى الدخول من باب إماتته تلك المفاهيم التي يبثها القرآن في روح المسلم لتكون طاقتهم الحركية في الحياة بكل اتجاهاتها.

أما هذه الإماتة فتأخذ دروباً عدة شائكة، تشكل بحد ذاتها منظومة اختراقية لها علومها الخاصة، فهي تستند إلى علوم النفس والاجتماع والتاريخ، وغيرها من العلوم، بحيث تؤدي كلها إلى عملية الاختراق، منها تلك المقولة، التي يؤسسها علم النفس التحليلي التي ترى (إنه لا يمكن لك أن تسيطر على شخص حتى تسلب شخصيته). وكذلك أي مجتمع لا يمكن لك أن تسيطر عليه حتى تقنعه أنه ليس له هوية وشخصية ثقافية خاصة به، حينها ومن منطلق الحاجة التكوينية للانتماء يحاول هذا الشخص أو ذلك المجتمع أن يلقي بنفسه في أحضان أيديولوجية وهوية أخرى.

المصادر والهوامش

(*) انتزع هذا المصطلح في علم الاجتماع الإسلامي في جهة تاريخ الأفكار، من الآية الكريمة (إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم لمهتدون).

الشيرازي، محمد مهدي، طريق النجاة، دار الصادق، بيروت، ط1، 1419هـ 1998.

2 ـ ن. م، ص 55.

3 ـ ن. م، ص 55.

4 ـ ن. م، ص 55.

5 ـ ن. م، ص 56.

6 ـ ن. م، ص 56 ـ 57.

7 ـ ن. م، ص 57.

8 ـ ن. م، ص 57.

9 ـ ن. م، ص 58.

10 ـ ن. م، ص 58.

11 ـ ن. م، ص 59.

12 ـ ن. م، ص 59.

13 ـ ن. م، ص 59.

14 ـ ن. م، ص 244 ـ 225.