الحرية للجميع

الإسلام مجموعة حريات ، بيَنها القرآن الحكيم بقوله ( يضع عنهـم إصــرهــم والأغلال التي كانت عليهم ) فكل شيء لم يدل الإسلام على وجوبه ، أو حرمته ، يكون الإنسان حراً فيه ، ولا يحق لأحد أن يكبت الحريات ، فكل إنسان حرَ في أن يتكَلم ما يشاء ، إلاَ بالكفر أو المحَرمات كاغتياب الناس وبهتهم ، وما أشبه . وللخطباء والكتَاب والصحف والمجلات حق انتقاد الدولة والأحزاب والتجمعات والأفراد في دائرة ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) و ( النصيحة لائمة المسلمين ) والحيلولة دون الضرر الأكبر وهو الإستبداد ، ولا يحق لأي كان مصادرة حرية أولئك سواء بالمنع أو الضغط أو التحديد والتقييد . أما الأقليات فلها أن تتحدث بما تعتقد في دائرتها . وقد أعطى الإسلام للإنسان حرية الفكر ، وحرية القول ، وحرية العمل ، لكن في الإطار المعقول الصحيح من عدم الإضرار بالآخرين وعدم الإضرار البالغ بالنفس.
ان الإسلام الزم كل أهل ذي دين بما يلتزمون به ، حيث يقر لهم الحرية في دينهم ، مثل ما ورد عن محمد بن مسلم أبي جعفر ( ع ) قال : سألته عن الأحكام ؟ قال : ( تجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلون ) وفي رواية أخرى ، عن أبي الحسن ( ع ) إنه قال ( ألزموهم بما ألتزموا به ) . وعن الصادق ( ع ) إنه قال : ( كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمهم ) ولذا نرى إن الإسلام لا يتعرض للمجوسي ونحوه إن نكح أمه وأخته حيث إن ذلك جائز في دينه - وإن كان دينه في الواقع مزيفاً - لأن الإسلام لا يريد الإكراه ، للقاعدة المعروفة : ( القسر لا يدوم ) وإنما يريد إعطاء الحرية لكل إنسان فيما يعمل حسب معتقده ، وإنما يناقشه بالمنطق ، ولذا قال سبحانه : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن ، ونرى في القانون الإسلامي : إن الحاكم لا يحق له إكراه أحدٍ على الإعتراف ، بل حتى على التكلم فالحرية - إذاً - عامة لجميع الناس حتى الكفار ، في مختلف أنواع الحقول منها : الحرية الفكرية - أي حرية البحث والمناقشة في البحوث العلمية والبحوث الدينية - ومنها الحرية الاقتصادية - أي حرية الاكتساب بجميع انحاءها - ومنها الحرية الدينية - أي التسامح نحو الأديان الأخرى - ومنها - الحرية السياسية التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وان الحاكم يجب أن يكون باختيار الأمة وممن يتوفر فيه رضي الله سبحانه وتعالى وسائر الشروط الإسلامية - وهي كلها شروط يؤكد عليها العقل كأن يكون عالماً بالغاً عادلاً ، الى غير ذلك مما ذكره الفقهاء في أول مباحث التقليد.

الحرية اساس الاصلاح والنمو

إن الحل يكمن فـي إعطاء الحرية الكافية للأحزاب الأخرى، وجعل هـذه الأحزاب تتنافس فـي برامجها وأفكارها، فالحزب الذي يسلك الطريق الإيجابي ويحمل أفكاراً بنّاءة هو الذي يكسب الساحة والجمهـور، على عكسه الحزب الذي يتراجع في برامجـه وأفكاره ويصبح في الطرف المعاكس للشعب، فهو سيفشل فشلاً ذريعاً وينكشف أمره للناس.

لقد اصبح على رأس كل إنسان رجل مخابرات، فأصبح الجميع يخافون، الخطيـب والتاجر والنائب في المجلس والأستاذ فـي الجامعة، فقد صمتوا خوفاً ، حتى فقـد الإنسان حريته واستبدلت حريته بالخوف، وشجاعته بالجبن. إنّ هـذا العمـل له عواقب وخيمة للدولة والمجتمع.

فالأمة كالنهر الجـاري أو كبحرٍ موّاج، فإذا تلوث قسم منه، فإن الأمـواج المتلاطمة ستأتي لتنقيته، وإعادة هذا القسم إلى طهارته، فتعود المياه إلى مجاريها.

ان الإسلام يمنح المسلم جميع الحريات إلاّ المحرمات كالـزنا والقتـل وشـرب الخمر والسرقة والاعتداء على الآخرين. فبمقدور الإنسان أن يزرع ويتاجر ويبني ويصنـع ما يشاء، وهكـذا كانت الأمور سابقاً، وإنـي أتذكر إبان الحرب العالمية الثانية كان يأتي المسلم ويشتغل في الأرض ويحرثها، ويأخذ من ماء التُرع ما يكفيه، فيزرع الأرض دون أن يمنعه مانع ودون أن يعطي مالاً لأحـد، فتصبح الأرض ملكاً له طالما هي مزروعة.

وعلى غرار ذلك كانت الأرض تعمّـر وتبنى، فيأخذ المواطن قطعة من الأرض، بالمساحة التي تكفيه ـ ألف متر أو خمسمائة متر ـ ويشيـّد عليـها داراً يسكنها، ولا يدفع ثمناً للأرض التي أقام عليها منـزله، لأنها في الأصل ارض لله سبحانه وتعالى.

كان البعض ينشئ فوق الأرض المعامـل ويمتهن ما يشاء من المهن والحِرف، ويدفع بنتاجه إلى الأسواق، وعادة ما تكون بأسعار منخفضة، لأنه لم يـدفع ثمناً في قِبال الأرض التي أنشأ فوقها المصنع.

كذلك كان الفرد يستطيع أن ينشط فـي التجارة ويمارس أنـواع الأنشـطة التجارية لا يمنـعه مانع من الأشخاص أو قوانين كابتة.

وكانت حرية السفر مصونة أيضاً، وكـذلك حيازة جميع المباحات، أضـف إلـى ذلك مئات الأنواع من الحريات الأخرى.

لقد كان الإنسان المسلم في السابق يمتلك كامل الحرية، حراً فيما يريـد عمله، وما يريـد صنعه، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)، فحرية العقيدة مصانة في الإسلام، لا يحق للمسلم أن يجبر غير المسلم على تغيير عقيدته إن كان مسالماً له.

كذلك قال جلّ ذكره: (إنما أنت مذكِّر ـ لست عليهم بمسيطر)، فعلاقة الحاكم بالمحكوم هي التذكير والتوعية والإرشاد، وليست التحكم وفرض السيطرة.

قال عز وجل: (وما أنت عليهم بجبار).

وقال أيضاً: (وهديناه النجدين).

فمسؤولية الدين هي الإرشاد والتوجيه، أما الاختيار فهي من مسؤولية الإنسان.

يقول الله سبحـانه: (ألم نجعل له عينين ـ ولساناً وشفتين)، وقـد وهب الله للإنسان أدوات الوعي، العين، اللسان، الشفتين، فالعـين يـرى بها الحقائق ـ وقد ذكر البعض فـي تفسـيره، هناك عين ظاهره وأخرى باطنه وهي المقصودة ـ. ولساناً يتكلم به بمساعدة الشفتين.

وبعـد أن وهب الله سبحانه وتعـالى الإنسان هذه المنافذ الرئيسية للوعي، وضع أمامه طريقـين، أحدهما ينقل سالكه إلى الجنة، والآخر ينقل سالكه إلى النار.

الأول: طريق الخير، والثاني طريق الشر.

ان كثير من الآيات فيها إشارة إلى الحرية، لأنها تطالب الإنسان اختيار إرادته، وهناك آية ورد فيها مفهوم الحرية بصورة جميلة جداً عندما يصف القـرآن الرسـول محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصـرهم والأغلال التي كانت عليهم) فهذه هي آية الحرية.فالقرآن يعـرِّف لنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يعرّف أحدنا الآخـر، بأنه خطيب أو فقيه أو مهندس أو دكتور أو ما أشبـه ذلك، فيقول لنا إن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) له ثلاث مهام:

المهمة الأولى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المهمة الثانية: يحل لهم كـل ما هـو طيّب، سواء كان طعاماً أو لباساً أو زواجاً أو غير ذلك، ويحرِّم لهم كل ما هو خبيث.

المهمة الثالثة: يحطِّم القيود التي تكبِّل الإنسان وتمنعه عن العمل الدؤوب، مثل: القيود الاجتماعية من عادات وتقاليد أو قيود فكرية كالخرافات أو ما أشبه ذلك.

إنه يزيل الأغلال التي تقيِّد الأيدي والأرجل؟ وهناك نوعان من القيود التي تحـدّ من نشاط الفرد.

الأول: القيود الاجتماعية، ـ مثلاً ـ الفتاة لا تتزوج لأنها تريـد زوجاً ثرياً أو صاحب شهادة عالية، والفتى لا يتزوج لأنه ينتظر أن يحصل علـى بيت ثـم يتزوج، هكذا بقية القيود الاجتماعية، وتسمى بالآصار.

ثانياً: القوانين الحكومية الجائـرة: وهي أيضاً تقيّد الإنسان من أرجله ويديه، وتسمى بالأغلال، هذه الآية تمنح الإنسان أنواعاً كثيرة من الحرية.

وفي تطبيق هذه الآية يكمن سرّ نجاح الدين الإسلامي الحنيف، وتقدمه على الأديان الأخـرى، ويكمن فيها سرّ نجاح الدعوة المحمـدية، إذ إن الرسـول(صلى الله عليه وآله وسلـم) حـرّر الإنسـان مـن كل القيود والأغلال، وجعله حـراً إلاّ فيمـا يجلب الضرر لنفسه أو لغيره.

قال رسول الله(صلى الله عليـه وآله وسلم): (من أحيى أرضاً مواتا فهي له).

يذكر المؤرخون أنَّه عنـدما سمع المسلمون في المدينة هـذا الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي كان بمثابة قانـون صـادر، فـرحـوا كثيراً، فسارع كل واحد منهم إلـى قطعـة أرض لإحيائها، فذهب بعضهم إلى الأرض التي حول المدينة وزرعوها، وذهب آخـرون إلى الأراضي البائرة وأنشأوا فيها الدور للسكن، وهناك من قام بحفر الآبار لأجل السقي.

وكانت الأراضي قبل الإسـلام أما ملكاً للدولة كما كان يفعله الـروم والفـرس أو ملكاً لرؤسـاء العشائر والوجهاء كما عند العرب، فقد كانت الأراضي تبقى دون أن تصل إليها يد الأحياء فينعدم الرفاه والازدهار، وقد قال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث آخر: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به).

ولما كانت جميع هـذه الأمور مسمـوحة للإنسان المسلم كان النـاس يستفيـدون منها، وكانـوا يحبون حكوماتهم، لأنهم كانوا سعداء بما تقدّم لهم.

أما اليوم فقد تغيّر كل شئ، أصبح من الصعب على الشاب أن يتزوج ويبنى الأسرة، وأضحـى من الصعب على الفتاة أن تنال الزوج، فظهرت مقدمات الفساد في المجتمع، بعد كل ذلك يقف البعض ليطرح هذا السؤال: لماذا كل هذا الفساد؟

أضف إلى ذلك ازدادت البطالة فـي المجتمع، عندما أُلغي قانون إحياء الأرض، لان الإسلام يسمح للزوجين أن يقتطعا أرضاً خارج المدينة، من تلك الأراضـي البائرة، وينشأ بيتاً متواضعاً، ويتزوجا في ذلك البيت، ويكوّنا أسرة.

أما الان ، فإن الحكومات تطالب هذا الزوج بقيمة الأرض الـتي أنشأ فوقها بيته، ثم لا تسمح له بالبناء إلاّ بعد أن تأخذ منه مقداراً من الضريبة.

فلابد من تشكيل لجان لهذا الغرض، لجنـة لأحياء الأرض تقـوم بتنظيم التوزيـع والإنتـاج، لجنة لإعادة الحريات الاجتماعية والشخصية، وهكذا.

لو قامت الدولة بهذه الأمور لأحدثت تقدماً لم يسبق له مثيل.