لا للحرب في الاسلام

إن الحرب في ذاتها قبيحة لما فيها من قتل النفوس والتخريب والتدمير ، وقد قال سبحانه مؤيداً لذلك : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) فإن الظاهر من هذه الآية أن القتال لو كان أمراً طبيعياً لما قال سبحانه : ( وهو كره لكم ) فالحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة وليست أمراً طبيعياً في البشر ولذا نجد رسول الله ( ص ) لم يقدم على حرب واحدة ، وأنما كان الرسول يحارب دفاعاً عن النفس ، وكان ( ص ) لا يلتجأ إلى الحرب الدفاعية أيضاً إلا بعد فقدان الخيارات التي كانت عبارة عن الأمور التالية : الحياد، العهد أو معاهدة عدم الإعتداء ، فإذا أسلم الطرف الآخر فقد حقن ماله ودمه ولا عدوان إلا على الظالمين والإسلام ليس أمراً قسرياً كما هو واضح وإنما هو عبارة عن الأدلة القاطعة التي توجب إقتناع العقل بصحة المبدء والمعاد والرسول والشريعة وغيرها.
ان الإسلام يعتبر الحرب حالة إستثنائية فالإسلام يدعوا إلى السلام ويعتبر السلم هو الاصل والحرب هي الإضطرار ، إن الجهاد والحرب حكم ثانوي إضطراري ، وإن السلم هو حكم أولي. الإسلام يجعل للحرب قيوداً وشروطاً ، مع إنه أوجب الجهاد الإبتدائي والدفاعي كما هو معروف في كتب الفقه ، وإنما جعل هذه الشروط والقيود الكثيرة كي لا تكون الحرب الا بقدر الضرورة الشديدة ، ثم إذا انتهت الحرب يعفوا الاسلام ، ويغفر ، ويطلق سراح الأسارى مهما وجد إلى ذلك سبيلاً.

الاسلام دين السلام

شعار الإسلام هو السلام ، و لذا إذا التقى المسلم بآخر قال له السلام عليكم و يجيب عليكم السلام ، فالإسلام دين السلام ، و لذا يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: ادخلوا في السلم كافة ، وليست الحرب و المقاطعة و أساليب العنف إلا وسائل اضطرارية ، شاذة على خلاف الأصول الأولية الإسلامية ، حالها حال الإضطرار لأكل الميتة و ما أشبه ، و إنما الأصل السلام ، ولذا تقدر الحرب بقدرها في الإسلام ، و مع ذلك يقول تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، ثم في مكان آخر يقول : و ان تعفوا اقرب للتقوى.

كان هذا تمهيدا من رسول الله ( ص ) لنشر الإسلام في مكة و تحطيم الأصنام والإصلاح بين الناس ، و لما فتح الرسول مكة ، جاء أبو سفيان وهو أول عدو لرسول الله ، فعفا عنه الرسول ، نعم عفا عنه ، و ليس هذا فحسب بل و جعل داره مأمنا ، و قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ثم بعث إلى زوجة أبي سفيان ( هند ) تلك المرأة المشهورة بأعمالها اللاأخلاقية ، المحاربة لرسول الله ( ص ) ليلا نهارا ، التي شقت بطن سيد الشهداء حمزة وقطعت أذنيه وجدعت انفه ومثلت به اشنع تمثيل ، واخرجت كبده ولاكته في فمها ، هذه المرأة التي كانت مجرمة حرب ، بعث اليها رسول الله ( ص ) من يحمل اليها وثيقة عفوه عنها ، وسجل الرسول ( ص ) بهذا الموقف اروع مثل عظيم في الخلق الكريم ، والصفح الجميل حتى مع الد اعدائه.

فإن السلام أحمد عاقبة و أسرع للوصول إلى الهدف ، السلم و السلام و المسالمة أصول توجب تقدم المسالم ، بينما غير المسالم و العنيف دائما يظل متأخرا ، فالواجب أن يكون شعار الحركة السلام : السلام قولا ، السلام فعلا ، السلام كتابة ، و السلام في كل موقع و مع كل الناس..

ورد عن عيسى ( ع ) في كلمة جميلة تنسب إليه قيل لكم أحبوا أصدقاءكم و لكن ليس ذلك بمهم فإن العشارين أيضا يحبون أصدقاءهم ، و إنما أقول لكم أحبوا أعدائكم ، فإن الظاهر من كلام عيسى ( ع ) أن السبب لا يرجع إلى نفع العدو بمثل ما يرجع بنفع الإنسان نفسه ، فإن الإنسان الذي يحب عدوه يقوم بوصله و مواصلته و ذلك ما يسبب رجوع العدو عن عداوته.

ان الحقد لا يولد الا الحقد ، و البغضاء لا تولد الا البغضاء ، و في المثل المشهور : لا يجتني الجاني من الشوك العنب ، فان كل شيء يثمر مثله. الاخلاق الحسنة من الانسان تثمر حسن الاخلاق في جانب آخر. اما الاخلاق السيئة فانها تولد رد فعل سيء و هكذا بالنسبة الى السلام ، و ما يقابل السلام فكل واحد منهما يولد مثله. و هذا الامر يحتاج الى ضبط الاعصاب و الى سعة الصدر ، وكما قال علي ( ع ) آلة الرئاسة سعة الصدر ، يعني ان يسع صدرك لا في بعد واحد فقط وانما لكل الابعاد اخلاقيا ، اجتماعيا ، فكرا ، نضالا ، والى اخره . فآلة الرئاسة سعة الصدر ، وكلما كانت سعة الصدر شاملة لكل الابعاد اكثر كانت اقدر على استقطاب الناس وعلى الوصول بهم الى الهدف المنشود.

الانقلابات العسكرية والاستقرار السياسي

نتسائَل لو كانت الانقلابات العسكرية أمراً مفيداً، فلماذا لا يحدث هـذا الأمر المفيد فـي البلاد الغربية؟ كأمريكا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكيا و ...

ففي حياتي شاهدت وقوع انقلاب عسكري فـي إيطاليا قامت به مجموعة من الضباط الذين استولوا على السلطة وطلبوا من الناس التأييد، لكن لم يؤيدهم أحد، حـتى موظفو الدوائر الرسمية لم ينفـذوا أوامرهم، فبقى الانقلابيون وحدهم فـي الساحة وانعزلوا شيئاً فشيئاً، حتى جاءت فرقةٌ من الجيش وطوقتهم وأسقطت حكومتهم وزُجَّ بهم في السجون.

ودولة كالهند ـ مثلاً ـ ومنذ استقلالها قبـل خمسين عاماً تقريباً لم يحدث فيها أي انقـلاب عسكري وبقيت كالطـود الشامـخ لا تثنيه رياح العسكـر ولا تزلزله عواصف البنادق.

والسبب فـي ثبات السلطة هناك، إنّ فيها قرابة(420) حـزباً صغـيراً وكبـيراً متنافساً، وهم يقتسمون السلطـة فيما بينهـم بشكـل متـوازن وعـن طريـق الانتخاب ، وإن أمور الاقتصاد بيـد الناس ، فهم الذين يزرعون ويتاجرون ويصنعون، ففي مثل هذا البلد لا يقع أي انقلاب عسكري.

دولة الإصلاح لا دولة السلاح

اذا طبقت قوانين الإسلام بالشكل الذي ورد في الكتاب والسنة، حينـها ستكون قلوب الجماهير مع حكامها، وحينها سيعمّ الاستقرار في العراق، وستقام فيه حكومة تعتمد علـى تضامـن الشَعْب وليس على السلاح، بـل إنّ السـلاح سيكون للدفاع عن البلد ومواجهة المجرمين والجناة، أما الحكـومة فـإنّ الشعب هـو الذي سيتولى الحفاظ عليها، فهناك مثل معروف:

(تستطيـع أن تصنـع بالحراب كـل شـئ لكنك لا تستطيع أن تجلس عليها)، تستطيـع أن تستفيـد من السلاح فـي أعمال كثيرة، لكنك لا تستطيع الاعتماد عليه.

ومن هنا نلاحظ بين الفترة والأخرى، هناك انقلاب عسكري يحدث فـي بلد إسلامي، وكل انقلاب يأتي يستخدم السلاح أيضاً، وهو يكتب نهايته بنفسه مثلما يكتب بدايته.

إن عمر السلاح عمر قصـير، فسرعـان ما يواجه بسلاح مقابل، وهكـذا ينهزم الانقلابيون القدامى في وجه الانقلابيين الجدد، ولا قيمة للشعارات والأشكال سواء كانت الحكومة التي تحتضنهم جمهـورية أو ملكية أو ما أشبه ذلـك، طالما كـان المنطـق قائمـاً على السلاح.