حرمة الاستبداد

فالاستبداد في الأمة بالحكم محرم حراماً بحجم الأمة ، والاستبداد في اتحاد الطلبة مثلاً ، حرام بحجم اتحاد الطلبة ، إذ معنى الاستبداد هو الاستئثار بحق الآخرين حقاً مالياً أو حقاً جسدياً ، ( فإن الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم ) هذا حتى إذا فرض أن الحاكم لم يفعل الحرام ، في إدارته مثلاً أدار المستشفيات احسن إدارة من حيث الرعاية والعناية والموازين الشرعية ، فهي كما إذا جاء الغاصب إلى دار الناس ، وأدار العائلة احسن الإدارة أليس ذلك حراماً ؟ أما إذا فعل الحرام ، كما إذا أخذ المكوس والعشر ، أو جعل الضرائب الخارجة عن الخمس وأخواته الثلاثة ، أو منع الناس عن حرية الزراعة والتجارة والصناعة وما أشبه ، فهو حرام في حرام كشرب الخمر في أناء الذهب ، وعلى أي فمن يستولي على اتحاد الطلبة بدون شرائط الله وشرائط الأمة ، وعددهم مثلاً ألف ، يفعل ألف حرام ، بينما من يستولي على بلد ذي مائة مليون يفعل مائة مليون من الحرام .

الشورى في الاسلام

كل شيء يرتبط بشؤون الأمة ، لا بد فيه من الاستشارة ، سواء في أصل الجعل ، أو توابعه ، مثل المدارس ، والجامعات ، والمستشفيات ، والمطارات ، والمعامل الكبار ، وما أشبه ، فإنها تفتح وتعمل بمال الأمة ومقدراتها وكذلك حال الوظائف من الرئاسة ، إلى الوزارة ، إلى المجلسين ، إلى المحافظين ، إلى مدراء النواحي ، وهكذا ، وذلك لجهتين :

الأولى : إنها تكون بمال الأمة ، سواء أموال الخمس والزكاة ، أو المعادن أو ما أشبه ، ولا يحق لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه .
الثانية : إنها تصرف في الأمة ، ولا يحق لأحد أن يتصرف في غيره إلاَ بإذنه ، ومن الواضح أن رضى الأمة وإجازتهم ، في طول رضى الله سبحانه وأجازته ، فاللازم أن يكون التصرف حسب الرضائين المشورة : عبارة عن استطلاع الآراء ليظهر السر أي الأصوب ، وهو في باب الحكم واجب ، حيث قال سبحانه : ( وأمرهم شورى بينهم ) فإنه حيث ذكر في صفات المؤمنين ، وكان بين الواجبات ، دل على الوجوب سياقاً وإتصافاً .

وجوب المشورة

يلزم على الحاكم الإسلامي الاستشارة ، وقد جرت عادة الرسول ( ص ) على الاستشارة في مهام الدولة مع أصحابه الأخيار ، وكذا بعض أمراء المسلمين - مـن بعده - جرت عادتهم على تأليف جماعة من العلماء وأهل الخبرة حول أنـــفـســهـــم للتشاور حول إدارة البلاد. لكن الرسول (صلى الله عليه واله) والمعصوم (عليه السلام) كان يفعــل ذلك تعليماً واستمالة ، وغيرهما كان يفعل ذلك احتياطاً أو لجهـــات أخـــــرى وهـــــــذا أمر طبيعي لكل رئيس عاقل محنَك.أما وجوب المشورة في مجيء الحاكم إلى الحكم ، فلأنه نوع تسلط على الناس والناس لا يصح التسلط عليهم إلا برضاهم ، أما الصغرى فواضح ، وأما الكبرى فلقاعدة الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم هذا بالإضافة إلى وجوب كون الحاكم واجداً للشرائط المقررة في الشريعة وأما وجوب المشورة في أمور الناس بعد مجيئه إلى الحكم ، لأن للحاكم بقدر تخويل الناس له الصلاحية ، ففي غيره يحتاج إلى إذنهم.

والحاصل : إنه ما كان من شأن الناس يحتاج إليه ابتداءاً واستدامة ، ثم إن الاستشارية سواء في الحكومات الزمنية - مما تسمى بالديمقراطية - أو في الحكومة الإسلامية ، هي صمام الأمان ، كذلك من لا يستشار يخرج على من أجاع فكره ، مهما فرض نزاهة الحاكم ، وكونه مطبقاً لقوانين البلاد ، سواء كانت تلك القوانين إسلامية كما في بلد الإسلام أو غير إسلامية ، كما في البلاد الديمقراطية.

سنّة الاختلاف

الاختلاف من طبيعة البشر، وليس بمقدور أحد أن يمنع البشر عن التفكير ، وطالما كان كل واحد منّا يفكر، فالاختلاف وارد، وتستطيع أن تنظر إلى اكثر دول العالم تحضّراً لتجد الاختلاف قائماً في مجلس البرلمان وبين الأحزاب، فليس الاختلاف من المنكرات.

الاختـلاف سُنَّة الحيـاة، فليس هنـاك من لا يختلف، لان الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بقدرات عقلية متباينة، لذا كان الاختلاف أمراً طبيعياً.

ويمكن ملاحظة هذا الاختلاف في البرلمانات والوزارات، فهناك ـ مثلا ـ من يدعو إلى الحرب مع هذه الدولة وهناك من يدعو إلـى السلام، وهناك من ينادي بأهمية الصناعة للـدولة وهنـاك مـن يدعو إلى الاهتمام بالزراعة، وحـتى الجانب الاقتصادي هناك من يرى ضرورة الاهتمام بالصناعات الخفيفـة، ومن يرى أهمية الصناعات الثقيلة، فهـذا الاختلاف موجود في كل زمان ومكان؟

هناك حلاّن في قضية الاختلاف:

الحـل الأول: الشورى واعتماد رأي الأكثرية، وهناك إشارة من القرآن الكريم حول هذا الموضوع يقول الله سبحـانه: (وأمـرهم شورى بينهم …)،(وشاورهم في الأمر …).

والحل الثاني: أسلوب الاقتراع، وذلك عندما يكون هناك عشرة من العلماء يؤيدون أمراً وعشرة يخالفون هذا الأمر، فإننا نقترع بينهما وتكـون حصيلة القرعة هي المعيار، وقد ذكر القرآن الكريم موضوع القرعة في قصة يونس (عليه السلام).

وقد توسلت بعض البرلمانات بهذا الأسلوب، واتخذته معياراً للتصويت على الرأي المتنازع فيه.

من عوامل ثبات السلطة 

عندما تعطي الدولة الأكثـرية حقوقها، فإنّ هذه الأكثرية سوف تساند الحكومة وتقف إلـى جانبها وتؤازرها وتتعاون معها، وهذه قوة للدولة الـتي تحتاج إلى قاعدة واسعة من الشعب.

أما عندما تغضّ الطرف عن حقـوق الأكثرية، فإن الأكثرية لا تتعاون مع الدولة بل ستهب فـي يوم من

الأيام من تحت الرماد لتعلنها ثورة عارمة ضدّ الدولة.

فقوة الحكومات الديمقراطيـة تكمـن فـي وجود الأحزاب الـتي تعمل علـى ممارسـة الضغوطات على الحكومة لتعديل موقفها باتجاه الصالح العام. وهـذا هو عامل ثبات للسلطة، فأغلب الانقلابات العسكرية الـتي حدثت فـي العراق بتصوري أنها حدثت نتيجة التفاوت الفاحش بـين وجـود الأكثرية ووجود الأقلية في السلطة، فكلما ازداد اضطهاد الأكثرية فانها ستقوم بنشاط مضاد، ولا يهدأ لها بال إن لم تأخذ حقوقها من الأقلية، فهي تعمل المستحيل من أجل تغيير نظام الحكم.