إستشراف التغيير في العراق في أدب الشهيد الشيرازي

حيدر البصري

الثورة، والقوة المشروعة ليستا مطلوبتين لذاتيهما بقدر ما هما وسيلتان لاسترداد حق مغتصب، أو رفع ظلم، فإذا ما حققا غرضهما المذكورين انتفت الحاجة لهما وألحت لنقيضيهما. فالثورة إذن والقوة كذلك هما ابنتا ظرفيهما، قد يتبناهما الإنسان يوماً، فيما يتخلى عنهما ويتبنى نقيضها في الآخر.

هذا هو المنطق العقلي الذي يفترض فيه أن يحكم سلوك الإنسان، ولكن الواقع المؤسف يكشف عن أن المنطق السائد، والذي يحكم البشر هو إما أن يكون الإنسان ثوريا، وإما أن يكون استسلامياً وعلى أساس هذا المنطق يصنف البشر فإما هذا أو ذاك فلا لون رمادي كما يقال.

وهذا المنطق لا يقتصر على السلوك، وإنما ينسحب حتى على ضروب العلوم، والآداب، والفنون. فخذ إليك الشعر مثالا لتجد الشعراء يخضعون فيه لتصنيف تتشاطره الحماسة والوجدان، فإما شاعر للحماسة والثورة، وإما آخر للمشاعر والحب والعواطف.

فأبو تمام ـ حبيب بن أوس الطائي ـ يصنف في شعراء الحماسة، فيما يصنف جميل بثينة، أو امرؤ القيس في شعراء الوجدان.

والملفت للنظر هنا هو انك تجد حتى الشاعر لا يستطيع التخلص من نير هذه المعايير الجائرة، فمن صنف من الشعراء في واحدة من هاتين الخانتين خضع لها، وبات أسيرا لهذا الصنف.

أللهم إلا القليل ممن استطاع التخلص من أسر هذا التصنيف بحيث تجده حماسيا تارة، ووجدانيا تارة أخرى وذلك حسب تقديره للظرف الذي يمر فيه، ومن هذا القليل الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي(رض).

فيما مضى ـ وحسب ما هو شائع عنه ـ كنت أصنف الشهيد في شعراء الحماسة فلا أجد للسلم وأدواته مساحة منه في حياة السيد الشهيد الفكرية وغيرها إلى أن وقع بين يدي قبل أيام قليلة كتاب تناول في جانب منه حياة السيد الشهيد، مضمنا ترجمة الشهيد بعضا من قصائده، فبدأت ـ من باب الفضول وحب الشعر ـ بقراءة واحدة من قصائده لأعيدها ثانية، واقرأ الأخرى لما وجدت فيهما من خروج صاحبهما من قبضة التصنيف السابق والذي كنت شخصيا قد طبقته على سماحته لأصنفة في خانة شعراء الحماسة والثورة كما مر.

لقد أحسست وأنا اقرأ تلك القصائد مدى ما يحمله الشهيد من عمق، وصفاء أمليا عليه استشرافاً رائعاً للمستقبل في الأمة الإسلامية عموماً، وفي العراق خصوصاً، والذي يشهد التغيير وفق ما استشرفه الشهيد في قصائده، وكأن السيد حسن الشيرازي حاضرا وشاهدا إياه.

فلا شك في أن الأنظمة الشمولية قد تمكنت من دولنا بالقدر الذي بلغت فيه الشعوب درجة اليأس من إمكانية حصول التغيير، لما تلك الأنظمة من أساليب بشعة في التعامل مع شعوبها المجردة من السلاح، فكان أن تنبأ الشهيد السعيد بمجيء يوم يكون التغيير فيه في دولنا بفعل خارجي لا داخلي.

ففي واحدة من روائعه والتي ألقاها في عيد الغدير قبل أكثر من ثلاثين سنة يقول السيد حسن الشيرازي(رض):

سيدافع الصاروخ

عن إيماننا

وقد حصل ذلك بالفعل، فتحكُّم الدكتاتورية، وعجز الشعوب إمامها أعطى للقوى الخارجية الذريعة لفرض التغيير فصار أن تفرض الحرية، وتصنع الديمقراطية تحت وطيء الصواريخ، وخير دليل لنا على ذلك ما حصل في العراق اليوم من تغيير بفعل خارجي.

لقد صرت أظن وأنا أتقلب بين قصائد الشهيد وكأنه كتبها اليوم في ظل التغيير الذي حصل في العراق البلد الذي ولد فيه ونشأ الشهيد.

فكلنا رأى كيف راهن الإعلام على حدوث حرب طائفية في العراق، وكلنا رأى كيف خيب الشعب العراقي ظن المراهنين بنبذه الطائفية وأسبابها، وإعلانه تلاحما منقطع النظير بين جميع أبنائه من مختلف الطوائف، والكل يردد: " لا سنة ولا شيعة هذا الوطن لا نبيعه ".

فالطائفية كما يرى الشهيد هي أبعد ما يكون عن الشعب العراقي، وإنما تثار الطائفية بفعل جماعات تعتاش على مثل هذه الصراعات البغيضة فهو يقول فيها:

والطائفية ويلها من فتنة عمياء يوقظ حقدها الأقزام

أما الشعب العراقي فليس له في الطائفية غرض، ولعله البلد الوحيد الذي لم يكن الشعب فيه يعير أذنا، أو يبدي تحسسا لمثل هذا الأمر على الرغم من الفارق العددي الكبير بين أبناء طوائفه، ولذا يشرح الشهيد حال الشعب العراقي بالنسبة للطائفية قائلا:

لا الطائفية تستطيع تحكما فينا ولا الحزبية الهوجـاء

فالطائفية جذوة مسمومـة يصلى بها الهدام والبنـاء

الآن وقد حصل التغيير بفعل خارجي، والقوات الأجنبية التي أزالت النظام الحاكم في العراق تتواجد في البلاد، فكيف يمكن التعامل مع من فرض ذلك التغيير من القوات الأجنبية، خاصة وان الأهداف المعلنة لمن قام به ـ التغيير ـ لا زالت جميلة فهل من الحكمة الوقوف بوجه الأمريكان، والبريطانيين في الوقت الذي لم يعلنوا فيه عن غير ما هو معلن إلى الآن.

حين تجول بين اشطر قصائد الشهيد السيد حسن الشيرازي تجد كأنك أمام شخص يقرا أفكارك، ويقدم الحلول عما يجول بخاطرك رغم انه (رض) كان قد كتب تلك القصائد قبل ما يزيد على ثلاثة عقود.

فالشهيد يدرك بأن عشق العراقيين، وعيونهم، وأمالهم معلقة صوب إقامة حكم الإسلام حيث جرب نظم الشرق والغرب مما وضعته يد الأرض فلم يبق أمامه سوى العيش في ظل ما خطته يد السماء:

وليسمع المستعمرون جميعهم إنا نريد حكومة الإسلام

فهل يطلب العراقيون الإسلام من باب التقليد ليس إلا؟

كلا إن الإسلام إنما يطلبه العراقيون، ويردد معهم السيد الشهيد لما ينطوي الإسلام عليه من عدالة طالما افتقدها أبناء الشعب العراقي الذين لعبت بهم أيدي الحكام على مر العصور فما يتضمنه الدين الإسلامي من العدالة هو الذي ينشده الشعب العراقي من وراء مطالبته بالإسلام. وذلك ما سبق أن أشار إليه السيد حسن الشيرازي في إحدى قصائده بقوله:

أنا سوف ألغي الجاهلية فالورى عندي سواء أبيض أو أسود

أنا بالعدالة سوف أنشيء أمـة لا ظالم فيهـا ولا مستعبـد

فالعدالة هي الأمل والهدف، والتمييز على أسس مختلفة هي التي يرجو العراق والتخلص منها إلى الأبد، ولا شك في أن العدالة، ورفع الظلم، والتمييز مطلب مشروع، وأمل يرجوه كل إنسان.

ولكن ما هي السبل لبلوغ تلك العدالة التي تضمها الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية وما هو الطريق إليهما؟

وهنا يأتيك الجواب أيضا بواسطة السيد الشهيد (رض) شعراً:

الوحــدة الكبرى شعار نظامنـا والثورة البيضــاء رمز قيام

فعلـــى قيادة حيدر ومحمــد سنطبق الإســلام بالإسـلام

وعلى شفاهــي من فؤادي ثورة وعلى نشيدي من فتات كلامي

الله ربــي والشريعــة مذهبي والشعب شعبي والطريق أمامي

فإلى الأمام إلى السلام على هدى القرآن نحو مخطط الأحــلام

فالأسلوب الأمثل للتعاطي مع المرحلة الحالية مرحلة وجود القوات الأجنبية في العراق هو السلم، واللاعنف، وأدواتهما من التظاهر السلمي، والإضراب الخاص، والإضراب العام، والإستنكار الشفاهي والتحريري وما إلى ذلك من أدوات السلم واللاعنف المذكورة في الكتب الخاصة في مجالات العصيان المدني.

أنا لا أدعي بهذه المقالة كوني سبرت أغوار شعر الشهيد السعيد (رض) كله، ولا أزعم بأني استقصيت كل ما كتب سماحته من شعر، إنما قرأت أربعآ من قصائده فقط لأخرج بنتيجة مفادها تخلص الشهيد السعيد بأدبه، وشعره من أسر التصنيف الظالم الذي خضع له غيره ورضي به مما يصنف الشعراء فيه إلى شاعر حماسي وآخر وجداني، وأنه رحمه الله سلك الطريق العقلي الصحيح، مما سبق أن ذكرناه في بداية المقال.

فللثورة ـ كما ذكرنا ـ ظروفها وشعرها الذي يُتبنى ويولد مع تلك الظروف، وللسلم والسلام ظروفهما وشعرهما الذي يولد مع ظروفهما كذلك.

والعقل يملي على الإنسان أن يسلك الطريق المعتدل والوسط بينهما وهذا ما صنع الشهيد السيد حسن الشيرازي (رض).

وأود هنا أن أختم مقالتي هذه بالإشارة إلى أن الله ـ جل وعلا ـ شاء أن يكون التغيير الذي حصل في العراق وفق ما استشرفه السيد الشهيد قبل أكثر من ثلاثين سنة، شاء أن يقترب زمن التغيير فيه من الزمن الذي استشهد فيه السيد الشهيد حسن الشيرازي ـ قدس سره ـ قبل ثلاثة وعشرين سنة في بيروت في مقطع رمزي يوحي بانتصار مباديء الحق التي أريد دفنها في ذلك الوقت على السيف الذي أراق دمها.