الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

المرجعية..

ضمانة للمبادىء

  مركز الدراسات والبحوث  


إنما تمجد الأمم في التاريخ بمبادئها ومواقفها، فالمبادئ تحدد للأمة أهدافها. وترسم لها طريقها نحو العلو والتكامل وتبعث فيها روح المواجهة لتحديات الحياة بعد أن تصقل شخصيتها و تصوغها بما يتناسب وتفاصيل التعاليم التي تحملها تلك المبادئ.

وأما المواقف التاريخية العظيمة في تاريخ الأمم فهي ليست إلا تجليات حقيقية لمدى تفاعل الأمة مع ما تحمل من مبادئ صحيحة وخلاقة.

وهكذا تتفاعل المعادلة وتطّرد في الشعوب والأمم كماً وكيفاً كلما ازداد اعتصام الأمة بحبل مبادئها وتفاعلت معها شكلاً ومضموناً بحيث تصبح تلك المبادئ الإطار الذي تجد الأمة حركتها وتطلعاتها فيه.

ولكن سيبقى لا أثر للمبادئ ولا وجود للمواقف إذا لم يكن في الأمة رجال يعتقدون بتلك المبادئ ويدافعون عنها.

ومتى وجدنا مبدأ قد حقق انتصاراً بلا رجال قد انتصروا له.. بل ومتى وجدنا مواقف بطولية في التاريخ لم يكن لها صانعون.

إذاً لكي تنهض الأمة وتتقدم حضارياً في الحياة لا يكفي أن يكون لديها المبدأ الصحيح القادر على حل كافة مشاكلها وأزماتها ما لم يكن في الأمة رجال صادقون ومخلصون يحملون المبدأ وينطلقون به في الحياة مطبقين له ومدافعين عنه.

وهل مواقف الأمم إلاّ دفاع رجالها عن مبادئها التي يرون فيها مبرر وجودهم وضمانة لسعادتهم.

وما المرجعية في التاريخ بمواقفها الحاسمة إلا تعبير واضح الصدق لما ذكر أعلاه من حقائق تاريخية هامة.

فنظام المرجعية في حقيقته يشكل الضمانة الرئيسية للمسيرة الصحيحة التي ينبغي للأمة أن تشق طريقها نحو أهدافها السامية ولأن المرجعية نظام مبادئ يقوم على أساس (الفقه) الفهم العميق والشامل للدين الإسلامي وشريعته و(العدالة) الالتزام بقيم الرسالة وروحها و(التصدي) التفاعل مع قضايا الأمة وهمومها. لذا يعتبر موقعها حسّاساً بمستوى حساسية مصير الأمة ومستقبل رسالتها في العالم. وعلى الرغم من أن الظروف التاريخية لم تكن دائماً مناسبة لانطلاق المرجعية لكي تمارس دورها الديني والسياسي كما يراد لها إلا أنها استطاعت على طول التاريخ أن تحافظ على الرسالة وقيمها من المصادرة والمزايدات وأن تجعل مكانتها في المحل المناسب من القوة والتأثير.

ولكن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن قوة الأمة من قوة المرجعية. فإذا ما كانت المرجعية في مستوى تحديات المرحلة التاريخية التي تعيشها الأمة وعياً وإدارة وتصدياً لشؤون الأمة وقضاياها الساخنة كانت الأمة في مستوى ما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية حيث تستلهم من قيادتها الواعية الإيمان والوعي والصلابة في المواقف إزاء كل التحولات الجارية في الساحة.

ويكفي أن نقرأ تجربة ثورة العشرين في العراق بقيادة المرجع الأعلى الكبير سماحة الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي استطاع إخراج بريطانيا «الدولة العظمى التي لا تغيب عنها الشمس»! من الوطن الإسلامي العراق.

وإن نقرأ قصة (تحريم التبغ) في إيران من قبل المرجع الديني الأعلى السيد محمد حسن الشيرازي الذي أصدر الفتوى المشهورة (بسم الله الرحمن الرحيم إن ممارسة التبغ اليوم بأي صورة تعتبر محاربة الإمام المنتظر).

فاستطاع بذلك أن يجعل الشعب المسلم في إيران يقاطع التبغ ويخرج الشركة الاستعمارية من إيران مذمومة مدحورة.

إن هذين النموذجين لموقف المرجعية في التاريخ القريب يكشفان بأن الأمة الإسلامية ما زالت تحمل بين جنباتها ضميراً دينياً حياً لا يحتاج في تحريكه إلا لوجود القيادة المرجعية الواعية بملابسات الــــزمان ومتصدية لأمور الأمة وشؤونها الحقيقية.

وفي هذه الظروف التاريخية الحساسة حيث تعصف بالأمة أحداث وتحولات سريعة ومتلاحقة في مختلف مناطق العالم الإسلامي يجدر بالأمة أن تتوجه بمستوى أرفع من الجدية والوعي لمسألة انتخاب المرجع الأصلح والأقوى لإدارة شؤون الأمة بأن يكون المرجع المنتخب جامعاً للشرائط عالماً بمتطلبات الزمان والأمة قادراً على إدارة الأمور في مرحلة بالغة الخطورة حيث التحديات الداخلية والخارجية الكبرى التي تلف ساحات الأمة من كل جانب.

ولتعلم الأمة بأن في العالم جهات مناوئة وجاهلة لا تريد للأمة أن تشهد في أي مرحلة من مراحل تاريخها وحياتها صعود مرجعية قادرة على الوقوف في وجه التحديات المعاصرة والزاحفة على الأمة وفي وجه المصالح المشبوهة التي يعمل من أجل تحقيقها كل أعداء الإسلام ليل نهار.

ويكفي أن نلتفت إلى ما حولنا لندرك كيف أنهم من خلال وسائل الإعلام المتطورة والمختلفة يعملون جاهدين لإحداث حالات إرباك وبلبلة في صفوفنا ليشوهوا صورة المرجعية في ذهنية الأمة ويهمشوا دورها الديني والحضاري في النهوض بالأمة نحو مستقبل مشرق تحكمه القيم الإسلامية الأصيلة.

ولكننا على ثقة بأن أبناء الأمة بوعيهم الديني النافذ سيحبطون كل المحاولات ويثبتون للعالم والأجيال بأنهم لم يضيعوا الأمانة وأنهم وضعوا الأمر في موضعه اللائق به.

وما هذه الصفحات التي بين دفتي هذه المجلة إلاّ محاولة جادة للتعريف بالمرجع الذي رأى أهل الشأن والخبرة (انظر قائمة القائلين بمرجعيته وأعلميته ضمن هذه المجلة) صلاحه لتحمل أعباء المرجعية في هذه المرحلة التاريخية الحساسة التي تمر بها الأمة.

وهو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) وأردنا لهذه الصفحات أن تنقل للأمة الصورة الحية والأمينة لما يتمتع به سماحة المرجع الإمام الشيرازي من كفاءة (علماً وعدالة) وإدارة وتصدياً لهموم الأمة وقضاياها المختلفة.

ورجاؤنا أن نكون بفعلنا هذا قد أدينا واجباً وبلّغنا رسالةً لأبناء الأمة وأجيالها في مسألة المرجعية لأنها تشكل في جوهرها صرح الأمة وقلعتها الشامخة.

وأخيراً نقدم الشكر الجزيل لكل من ساهم في إخراج هذا العمل إلى النور راجين من العلي القدير أن يجعل كل أيامنا وأعمالنا في رضاه إنه ولي التوفيق.