الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

المنهج الدعوي عند الإمام الشيرازي

  الشيخ فريد الشيوخ  


 

الإمام الشيرازي والتصدي

إنّ الإمام الشيرازي(دام ظله) الذي ما يزال يتصدى لشؤون المرجعية الدينية للطائفة الإمامية الشيعية يعدّ اليوم أكبر مراجع الدين والخيار الأنسب من نواح كثيرة لا تخفى على أهل العلم والخبرة خصوصاً من تحمل بعض هموم هذه الطائفة، واطلع على ما تحتاجه من عالم الدين.

الإمام الشيرازي( دام ظله) استطاع من خلال منهجه الذي يتبعه في تسيير شؤون المرجعية أن يخطو بالمرجعية الدينية خطوات رائدة وأن يظهر المرجع الديني عند الشيعة بصورة مشرقة.

فإنه جعل المرجعية في هذا العصر تهتم بالشأن السياسي وربطها بواقع الأمة الإسلامية التي تحتاج إلى نهضة جبارة تتجاوز بها الكثير الكثير من السلبيات التي تشكل جزءاً من واقع الأمة في عصرنا الحاضر.

إذ إن الإمام الشيرازي يرى أن من أهم واجبات رجال الدين وبالأخص المراجع والمجتهدين التصدي لهموم الأمة من مختلف الجوانب باعتبارهم الامتداد الحقيقي لخط الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة فهم الحفاظ للدين والأمناء على الأحكام.

مقابل ذلك هناك أصوات تعلو من هنا وهناك تنادي بعزل رجال الدين عن الأمة بدعوى أنهم يشكلون مجتمعاً داخل الأمة ولا ربط لهم بالناس إلا من زوايا محدودة وفي أماكن محدودة وضمن ظروف وأوقات محددة.

في مقابل هذا التوجه الموجود الذي يستفيد من حال الجهل الذي سيطر لمدة طويلة على مختلف المجتمعات في الأمة الإسلامية كان لا بد من التصدي لمثل هذا التيار لإخراج الأمة من الظلمات إلى النور ومن التعامل السطحي مع رجال الدين إلى بناء الارتباط القوي بين رجال الدين ومختلف قطاعات المجتمع كي يساهم الجميع في بناء حضارة هذه الأمة.

وهذا العمل الخطير لا يمكن إنجازه إلا بعد ممارسة دور الدعوة والتبليغ في الأمة الإسلامية التي أضحت بأمس الحاجة لهذا الدور الذي يسعى الكثيرون إلى طمسه بوضع العراقيل أمام توجه رجال الدين لممارسة هذا الدور.

لذا كان الإمام الشيرازي(دام ظله) ممن أخذ على عاتقه ممارسة هذا الدور في الأمة بشكله الصحيح.

الإمام الشيرازي بداية العمل(الدعوة)

يعد الإمام الشيرازي من أكثر رجال الدين في الطائفة الشيعية تحركاً ونشاطاً في مجال الدعوة والتبليغ. فلقد بدأ ممارسة هذا الدور بشكل فعّال ومثير للاهتمام وهو شاب لم يتعد العقدين من عمره المبارك، وهاهو اليوم مازال على حيويته ونشاطه وقد ذرف على العقد الثامن من عمره ــ أطال الله بقاءه ــ دون كلل أوملل أو هبوط في العزيمة أو تغيير لأصل منهج الدعوة والتبليغ واعتزاله والتقليل من شأنه بل على العكس لقد بدأ الإمام الشيرازي العمل الدعوي في سبيل الله في أيام والده العالم الورع آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي(قدس) الذي أبدى اهتماماً بهذا الجانب أيضاً. فكان(قدس) المدرسة العلمية والعملية لولده(الإمام الشيرازي).

كربلاء المحطة

كربلاء زمن وماضٍ وذاكرة في حياة الإمام الشيرازي فكربلاء شاهد حق لبداية انطلاقة مازالت مستمرة لمدة تجاوزت الأربعين سنـــة قادها الســـيد الشيرازي برفقة والده حين الانطلاقة في سبيل الله بالدعوة والتبليغ بتشييد المـــدارس وإعداد الطلبة وبناء المبلغين الذين يحملون الهدى ليبلغوه للناس.

ففي كربلاء المقدسة قبر الإمام الحسين(عليه السلام) سيد الشهداء والذين سقطوا معه في معركة الطف التي استطاع بها الإمام الحسين(عليه السلام) حفظ الإسلام من الاندراس.

فلقد عاشت كربلاء عشرات السنين تشهد نشاط الإمام الشيرازي(دام ظله) المميز بالنشاط الفعال والحركة التبليغية والتثقيفية والذي كان ملفتاً لأنظار العلماء والفقهاء آنذاك.

فلقد شهدت كثير من الدول الإسلامية وخصوصاً العراق وبالأخص مدينة كربلاء نشاطاً تبليغياً كبيراً زمن وجود الإمام الشيرازي في العراق قبل أن يضطر للخروج منه سنة 1371هـ إلى الكويت التي شهدت هي الأخرى النشاط التبليغي الواسع لسماحته فيها ومنها لمختلف الدول الإسلامية وبعض من دول العالم التي توجد فيها الأقليات الإسلامية.

لقد استطاع الإمام الشيرازي أن يشخص الداء الذي أصاب الأمة الإسلامية، فالجهل يسيطر على قطاع واسع من أبنائها، وقسم من خيرة أبنائها قد ابتلعتهم التيارات الفكرية الوافدة بمنشآتها الغريبة والمتلبسة بالأثواب الخادعة.

فرأى سماحته أن الدواء الناجع هو العمل الثقافي الإسلامي الواسع والمختلف الجوانب، والذي يجب ألا يعتمد على أسلوب واحد بل من اللازم أن يتعدد بحسب ما تسمح به الظروف.

فالثقافة أساس لكل بناء حضاري وهي جزء من هوية الأمة وحضارتها فكان لا بد لها من تقويم وإصلاح يبدأ بالتوجه إلى الجانب التبليغي.

فلذا أعطى الإمام الشيرازي الجانب التبليغي الاهتمام الكبير المبني على تخطيط وتفكير مسبق تلاه عمل وتطبيق لبرنامج على المديين القريب والبعيد في سبيل الدعوة والتبليغ لتحقيق أكبر قدر ممكن من التثقيف والوعي بين جماهير الأمة الإسلامية ولجميع شرائح المجتمع.

وعهد عن السيد المرجع تشدده في هذا الجانب مع طلبته ويرى أن حضور الدرس واجب فكذلك التبليغ واجب على رجل الدين وطالب العلم كوجوب حضور الدرس.

في كل عمل يبدأ الانطلاق بالخطوة الأولى والتي هي فاتحة الخطوات المقبلة وهذه الخطوة هي الممارسة والنشاط وجعل القرار والأفكار على أرض الواقع لئلا يبقى في حيز النظرية.

ولا بد من أن تكون هذه الخطوة الأولى خطوة واثقة ليكتب لها الاستمرار فكانت إنشاء المدارس والمعاهد الدينية وفق توجيه مركز.

فأنشئت تحت إدارة سماحة الإمام الشيرازي(دام ظله) عدد من المدارس الدينية في كربلاء وما حولها ومن تلك المدارس والمعاهد:

1 ـ المدرسة الحسينية في كربلاء المقدسة. وهي من أكبر المدارس في مدينة كربلاء المقدسة شهدت نشاطاً كبيراً في التدريس والتوعية.

2 ـ مدرسة شريف العلماء.

3 ـ مدرسة البروجردي.

4 ـ المدرسة الهندية.

5 ـ مدرسة ابن فهد الحلي.

6 ـ مدرسة باكوب.

7 ـ مدرسة حسن خان.

8 ـ مدرسة خان.

9 ـ السليمية.

10 ـ المدرسة الرضوية.

ولقد أسس السيد المدارس خارج العراق مدرسة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) في الكويت ومدرسة جابر بن حيان في قم ومدرسة الرسول الأعظم في قم ومدرسة في مشهد ومدارس في الهند وباكستان وأنحاء إيران وسوريا وإفريقيا.

الاهتمام بالقرآن الكريم

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته لابنه الإمام الحسن(عليه السلام):

(الله الله في القرآن لا يسبقنكم إلى العمل به غيركم).

عمد الإمام الشيرازي دام ظله إلى بناء علاقة أمتن وأقوم بالقرآن الكريم قائمة على مفاهيم تتطلع إلى معرفة المجتمع وخلق البصائر الحية وتعميق الارتباط بين القرآن الكريم الذي هو أساس المسلمين في التشريع – الفقه- وفي بناء المجتمع والحفاظ على سلامته من أي انحراف بالارتباط بالقرآن وبالتمسك به.

ومما كتبه سماحته حول القرآن: الفقه القرآن الكريم وتقريب الأذهان في تفسير القرآن وهو تفسير مختصر يقع في(10) مجلدات.

1 ـ مدرسة حفاظ القرآن الأولى:

وهي من المدارس الرائدة في تعليم القرآن الكريم في كربلاء المقدسة، وكان يتولى الإشراف على هذه المدرسة الشيخ ضياء الزبيدي والخطيب الكبير السيد عبد الحسين القزويني والعلامة عبد الحسين الموسوي.

إضافة إلى العلامة السيد مجتبى الحسيني الشيرازي(الأخ الأصغر للإمام الشيرازي) وحجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي أصغر.

2 - مدرسة حفاظ القرآن الكريم الثانية:

وكانت مكملاً لمدرسة حفاظ القرآن الكريم الأولى في سبيل إعداد المبلغين الواعين والمطلعين على علوم القرآن.

المعهد الخطابي

إن الخطابة لها دور كبير في توجيه المجتمع نحو الخير والصلاح ولا يمكن تجاهل دور الخطابة في نشر الوعي الديني خصوصاً في المجتمعات الشيعية حيث يقام مجلس عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) والأئمة الباقين(عليه السلام).

ولقد كان للخطابة الحسينية ومجالس الوعظ والإرشاد الديني التي تقام في شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارك، الأثر البارز، فكان لا بد من الاهتمام بالتبليغ في هذه الشهور والإعداد له بشكل يكون بالمستوى المطلوب بإعداد الخطباء الأكفاء.

مدرسة الكتاب والعترة:

الإمام الشيرازي(دام ظله) قام بتأسيس مدرسة خاصة لإعداد خطباء حسينيين واعين قادرين على ممارسة الجانب التبليغي بالمستوى المطلوب. فكانت مدرسة الكتاب والعترة. وقد أقام الإمام الشيرازي علماء وخطباء واعين ممن أخذوا على عاتقهم تحمل مسؤولية الدعوة وممن شاركوا السيد المرجع في ذلك المرحوم الشيخ هادي الكربلائي.

وقد أدار هذه المدرسة العلامة الكبير والخطيب المعروف السيد مرتضى القزويني وحجة الإسلام الخطيب الكبير الشهيد الشيخ عبد الزهراء الكعبي، وساعدهما على إدارة هذا المشروع عدد من الفضلاء.

وخرجت من هذه المدرسة المئات من الخطباء الذين انتشروا في أرجاء العراق في مواسم التبليغ والمناسبات.

منهم:

1 ـ المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي:

وهو غني عن التعريف.

2 ـ حجة الإسلام الخطيب الكبير الشيخ عبد الحميد المهاجر:

ولقد عرف الكثير من أبناء العالم العربي الشيخ المهاجر بمحاضراته الرائعة في أسلوبها والقيمة في أفكارها. ولقد كانت محاضرات الشيخ المهاجر المحاضرات التي يحتاجها أبناء الأمة فلذا لقيت إقبالاً واسعاً من مختلف قطاعات المجتمع ولقد أنتج الشيخ المهاجر موسوعة ثقافية ضخمة تربو على عشر مجلدات أسماها(اعلموا أني فاطمة).

3 ـ حجة الإسلام الأستاذ الشيخ حسن الصفار:

لقد عرف الساحل الشرقي من الخليج الشيخ حسن الصفار خطيباً وموجهاً وداعية ولا سيما في منطقتي القطيف والإحساء. ولقد كان لسماحة الشيخ الصفار الأثر الملموس في التغيير وتوجيه الناس نحو تحمل المسؤولية والتثقيف الديني. ولسماحة الشيخ الصفار محاضرات توعوية وحسينية تربو على السبعمائة وله مؤلفات كثيرة منها في مجال الدعوة والتبليغ ولا يزال يواصل المسيرة.

4 ـ العلامة الشيخ علي الحيدر.

5 ـ حجة الإسلام السيد صدر الشهرستاني.

6 ـ السيد علي الفالي.

7 ـ السيد باقر الفالي.

8 ـ المرحوم السيد صادق الشهرستاني.

فلقد تخرج من مدرسة السيد الكثير من الخطباء المشهورين محلياً والمرموقين في مجتمعاتهم في الخليج وباكستان وإيران والعراق وأفغانستان ولا يسع المقام لذكرهم.

الكتابـة

يعدّ الإمام الشيرازي دام ظله من أعظم المؤلفين في الأمة فلقد بلغت كتبه المئات.

وإن إدراكه لأهمية هذا الجانب جعله يرعاه في الوسط العلمائي فلقد عهد عنه تشجيعه للقاصي والداني وطلبة الحوزة العلمية والشريحة المثقفة والواعية من أبناء الأمة على الكتابة والاهتمام بها.

الأساليب التي اتبعها سماحته:

لقد كان للإمام الشيرازي الكثير من الأساليب في الدعوة والتبليغ التي نذكر بعضها:

1 - إرسال المبلغين.

أ ـ لقد احتضنت مدارس السيد الدينية والخطابية المئات من أبناء الأمة وقد تخرج الكثير منهم. لذا عمد الإمام الشيرازي إلى إرسال المبلغين إلى مختلف البلاد. وما زال كذلك إلى يومنا الحاضر وله وكلاء في كثير من المناطق الإسلامية.

ب ـ إرسال الخطباء:

لقد اعتمد سماحة السيد بادئ الأمر في التبليغ عدداً من الأساليب نذكر منها اثنين على سبيل المثال:

1 ـ التبليغ الاعتيادي:

بإرسال المبلغين إلى المناطق، وهم يقومون بدور الخطباء والموجهين والمصلحين في آن واحد.

2 ـ التبليغ السيار:

وكانت هيئاته ترسل إلى المناطق النائية والبعيدة عن كربلاء وكانت تهدف إلى نشر الوعي والإرشاد ولقد كانت هذه الهيئة من الهيئات الناجحة فلقد أمدت عدداً من المناطق المحرومة بالمبلغين وكانت تلك المناطق تقصر عنها خطوات المبلغين والخطباء وإن أبناء تلك المناطق مازالوا يحتفظون في ذاكرتهم بإنجازات السيد في هذا المجال.

هيئة التبليغ السيار:

أسسها سماحة السيد لتجوب المناطق لتعليم القرآن الكريم.

ولقد أسهم بتوجيهاته وإرشاده فأسس أكثر من خمسمائة هيئة صغيرة لتعليم القرآن لعوام الناس الذين لا يستطيعون التفرغ وهذه الهيئات تمارس نشاطها عصراً وليلاً. 

3 - أخرى:

أنشأ النادي الإسلامي الذي استطاع أن يجمع الكثير من الشباب ويوجههم نحو الالتزام الديني.

ولقد كانت كربلاء تشهد نشاطاً كبيراً للسيد وإلى اليوم مازال يفيض من عطائه ويواصل تبنيه واهتمامه بجانب الدعوة والتبليغ فمازال يؤسس المدارس الدينية ويوصي بإنشاء المعاهد الخطابية، وحركة التأليف الناهضة مازال يرعاها بتوصياته.

وإن من يحظى بزيارته ويجالسه ويسمع حديثه يدرك مدى اهتمامه بجانب التبليغ والدعوة.

وللإمام الشيرازي مئات الوكلاء في مختلف أنحاء العالم يمارسون دور الإرشاد والتوجيه.