الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

الإمــام الـشيـرازي

من خلال موسوعة الفقه الاستدلالي

  الشيخ شاكر الناصر  

كانت كتب الفقه لدى المسلمين عند بداية تصنيفها مختصرة، ليس فيها تفصيل أو تفريع، حتى أن بعض الكتب ـ كالنهاية- للشيخ الطوسي هو متون أخبار كما يقول صاحب الجواهر رتبها الشيخ حسب أبواب الفقه، وكان كتاب الشيخ(المبسوط) في فقه الإمامية هو أول كتاب فقهي امامي يتوسع في الفروع، بعد ذلك برزت ظاهرة كتابة الشروح والتعليقات على الكتب الفقهية وهي ظاهرة حسنة، إذ إن تلك الكتب مع شروحها وتعليقاتها تقدم أكثر من رأي للمطالع في علم الفقه وتبين مواضع القوة والضعف في عملية الاستدلال، وقد اتبعت طريقتان في الشرح:

أ ـ الشرح الممزوج بالمتن كما هو الحال في الروضة في شرح اللمعة للشهيد الثاني وهو شرح وتعليق مختصر على اللمعة للشهيد الأول، وجواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام وهو شرح مبسوط على شرائع الإسلام للمحقق الحلي(قده).

ب ـ الشرح المنفصل عن المتن كما هو الحال في مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام للشهيد الثاني أيضاً، قدس الله أسرار الجميع.

وقد تميزت بعض المتون بميزات جعلت كثيراً من الفقهاء يكتبون شروحاً وتعليقات عليها، وأشهر كتابين نالا قسطاً وافراً من الاهتمام في هذا الجانب كتاب(شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) للمحقق الأول نجم الدين أبي القاسم جعفر بن سعيد الحلي حيث زادت شروحه وتعليقاته على العشرين وأجل هذه الشروح شرح الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بجواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ويقع في(43) جزءاً.

وكتاب العروة الوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي(قده) حيث أصبح هذا الكتاب مدار بحوث الخارج في الفقه التي يلقيها في الحوزات الشيعية من يرى نفسه قد بلغ مرحلة الاجتهاد أي استنباط الأحكام من الأدلة، ومن أطول وأجل الشروح التي كتبت على هذا الكتاب شرح استدلالي لسماحة آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي.

سماه(الفقه) وتقع موسوعة الفقه في(110) مجلدات تبدأ: من كتاب الاجتهاد والتقليد الذي كتب بتاريخ 12/7/1374هـ في كربلاء المقدسة وتنتهي بكتاب القصاص والديات.

وقد أضاف سماحته إلى الموسوعة ستة مجلدات جمع فيها ما تشتت في الموسوعة وما لم يوجد فيها من: الواجبات، المحرمات، الآداب والسنن، وكذا أدخل في البحث الفقهي مجالات لم يتعرض لها من الفقهاء غير سماحته حيث ينظر إليها على أنها ليست من الفقه المصطلح في شيء وهي: الحقوق، السياسة، الإدارة، الاقتصاد، الاجتماع، الدولة الإسلامية، وذلك لأن هناك منظارين ينظر بهما إلى كلمة(الفقه):

الأول: المنظار الضيق الذي يقصر حدود تلك الكلمة على المواضيع التي اعتاد الفقهاء أن يطرقوها في كتبهم الفقهية ورسائلهم العملية بدءاً من كتاب الطهارة وانتهاءً بكتاب الحدود والديات وهذا خروج عن المعنى اللغوي لتلك الكلمة وإحاطتها بمعنىً اصطلاحي.

الثاني: المنظار الواسع الذي يتعامل مع الكلمة بمعناها الشامل الذي وضعت له وهو الفهم العميق للدين بكل جوانبه التي تحدد حياة الإنسان وتوجهه نحو الطريق الأمثل ليسعد في الدنيا والآخرة وهذا هو المعنى الذي وردت به تلك الكلمة في كتاب الله وسنة المعصومين(عليه السلام) قال تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم)(سورة التوبة آية 122).

وجاء في الخبر: (تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا وفضل الفقيه على العباد كفضل الشمس على الكواكب ومن لم تفقه في دينه لم يرضَ الله له عملاً) ميزان الحكمة. وسماحة السيد الشيرازي دام ظله ينظر إلى الفقه بمعناه الصحيح، ولا يراه محصوراً في الأبواب التي يتناولها الفقهاء في كتبهم الاستدلالية ورسائلهم العملية، ولا يرى أن دور الفقيه محصور في أحكام العبادات والمعاملات المعهودة للناس بل يرى أن دور الفقيه يتعدى ذلك، فلذا أدرج سماحته في موسوعته الفقهية كتب: الفقه السياسة، الفقه الاقتصاد، الفقه الاجتماع… وكان بالإمكان أن يجعل تلك الكتب منفصلة عن الموسوعة ولا يعنونها بعنوان الفقه، ولكنه أراد من ذلك أن يرمي إلى أن الفصل بين تلك الجوانب الحساسة في حياة الإنسان وبين الدين أمر مرفوض في الفكر الديني إذ ليس من الصحيح أن يترك الخوض في تلك العلوم الإنسانية إلى المتغربين البعيدين عن دينهم وأصالتهم. وبغض الطرق عن محتوى هذه الكتب ومستواها، فإن مجرد كون كاتبها فقيهاً من فقهاء الإمامية في هذا العصر لهو أمر يدعو إلى الفخر والاعتزاز. فلا يغترن أحد بما يصدر عن البعض من الغمز واللمز في إلحاق هذه الأبواب الجديدة بالفقه.

ومن ينظر في هذه الموسوعة حق النظر، ويكون منصفاً في حكمه يخلص إلى الملاحظات التالية:

1 ـ شموليتها لكل أبواب الفقه ومعظم مسائله، فهذه الموسوعة كتبها سماحة السيد تعليقاً على كتاب العروة الوثقى للسيد اليزدي(قده) وحيث أن هذا الكتاب لم يكن شاملاً لكل أبواب الفقه كما هو معلوم تعرض سماحته للأبواب والمسائل التي تركها السيد اليزدي وكتبها على أسلوب شرائع الإسلام وذلك تسهيلاً لمن أراد البحث الاطلاع، وقد بسط السيد المؤلف الكلام في كل مسألة ناقشها وفرع عليها تفريعات تعم بها البلوى خصوصاً في العبادات وفي النكاح ــ حتى أنه يقل أن يبحث المرء عن مسألة تخطر بباله فلا يجدها في تلك الموسوعة.

ويمكن القول بأن تلك الموسوعة لشموليتها تغني عن غيرها ولا يغني غيرها عنها، إذ لم تكتب موسوعة في الفقه لا عند الشيعة ولا عند غيرهم بهذا العدد من الأجزاء فجواهر الكلام على بسطه لم يصل إلى ذلك المقدار، إذ لو تنزلنا وعددنا كل جزء منه بجزئين من الموسوعة ــ لاختلاف نمط الطباعة ــ لا يصل إلى الموسوعة عدداً ولا يتوهم أحد أننا نحكم على جودة الكتاب بكثرة أجزائه ليقال عنا(يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا)، بل مع ذلك القوة في الاستدلال وعدم التهيب من مخالفة القول المشهور إذا جاء الدليل على خلافه وذلك كما في قول سماحته بكون الشهادة الثالثة جزءاً من الأذان مخالفاً في ذلك كل الفقهاء ــ فيما أعلم ــ

2 ـ وضوح العبارة وسهولتها من غير ابتذال وينبغي الإشارة إلى أن البعض يقوّم الكتاب بالنظر إلى عبارته، ويرى أن قوة الكتاب تكمن في صعوبة عبارته وإغلاقها بالإكثار من الضمائر والتراكيب غير المألوفة، حتى لو كان المحتوى العلمي للكتاب ضعيفاً بالقياس إلى غيره، وقد سرى هذا التصور إلى الكتب الدراسية التي تقرر في الحوزات، فنرى أن بعض الكتب يختار للتدريس ويكون الداعي الأول إلى ذلك هو صعوبة عبارته. وهذا قصور فاسد يفوت جزءاً من الغرض على الدارس في دراسته فالمراد من دراسته علم الأصول مثلاً فهم القواعد المذكورة فيه والمناقشات الدائرة حولها، والغرض من دراسة النحو هو فهم قواعد النحو والتمكن من تطبيقها لصون اللسان عن اللحن، وليس من الضرورة أن يجعل الطريق إلى ذلك شائكاً بأن يحمل الدارس عبء فهم ألفاظ العبارات أولاً ثم فهم ما تحتوي عليه من قاعدة أو مسألة، بل يُوصل إليه المعنى بعبارة بينة سلسة.

ولا يقصد من ذلك أن تكون العبارة مبتذلة جداً بحيث يخل بجمال تركيبها بل الجمع بين قوة التركيب ووضوح العبارة وهذا هو الأسلوب الأمثل ويؤيد ذلك كتاب الله تعالى فمع قوة بيانه ترى معانيه واضحة لمن يعرف اللغة، وأراده الله كذلك ليكون في متناول أغلب الناس(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، وهذا هو الطريق المتبع في إيصال كل العلوم إلى دارسيها، فلا نجد اليوم في أي مؤسسة علمية أن يلجأ واضعو المناهج إلى تعقيد العبارة وإغلاقها على القارئ بل يلجأون إلى البساطة والوضوح ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً بل الحال كذلك في الكتب التي تصنف للنشر والقراءة. فمادام إيصال المعنى المراد إلى القارئ ممكناً بعبارة واضحة فلم يُصار إلى العبارة الصعبة؟.

نعم هناك مستوىً من الوضوح لا يمكن النزول عنه وهذا مما تفرضه طبيعة العلم المبحوث فيه، فمثلاً لا يمكن الخروج عن الاصطلاحات التي تعورف عليها في هذا العلم بدعوى التسهيل للقارئ.

من هنا جاءت موسوعة الفقيه سماحة السيد واضحة في عباراتها متينة في تراكيبها، وهذه طبيعة في سماحته توجد في كل كتبه، إنه يكتب ناظراً إلى مستوى من يقرأ له لا إلى مستوى نفسه وكذا ينبغي أن يكون كل كاتب.

ولا يظنن أحد أنه ليس بمقدور السيد أن يخرج عن ذلك ويصنف كتباً يستخدم فيها أسلوباً لا يتيسر فهمه للكثيرين إلا بمدرس يشرح لهم العبارة كما هو الحال في كفاية الآخوند الخراساني مثلاً، إذ لو أراد سماحته أن يجري في هذا المضمار لما بزّه أحد فيه وكتابه الأصول(مباحث الألفاظ) يشهد له بذلك، إذ أن من يقارن بينه وبين أحد أجزاء موسوعة(الفقه) يرى الفرق بيّناً، فكان يمكن أن تُجعل كل أو جل أجزاء موسوعة الفقه على هذا النمط، فلسان سماحته لسان عربي مبين كما تشهد له محاضراته وكلماته التي يلقيها على المؤمنين، ويستطيع أن يصرف عنان الكلام كيفما يريد.

3 ـ طريقة العرض جميلة للمسألة والإنصاف في عرض الآراء فيها، إذ من ينظر في الموسوعة يرى أن المصنف يعرف المسألة أولاً ثم يذكر أن فيها أقوالاً أربعة – مثلاً- وينسب كل قول إلى قائله ولا يهمل أي قول وإن كان ضعيفاً أو القائل به واحد من الفقهاء ثم يعرض أدلة كل قول بأمانة ويضيف إليها ما يراه مؤيداً لها وإن كان هو لا يتبنى الرأي، ثم يذكر وجوه الضعف في الأقوال – إن وجدت- ويختار الرأي الأقرب إلى نظره.

وهذه الطريقة المثلى في العرض تسهل على المراجع لهذه الموسوعة الاستفادة منها دون جهد ومشقة، بخلاف بعض الكتب الفقهية الاستدلالية التي يتيه المُراجع فيها ولا يتبين الآراء جيداً بسبب انعدام التبويب والترتيب الجيد لعرض المادة.

4 ـ الخلق الرفيع لسماحة السيد في بحثه الفقهي فعلى ضخامة الموسوعة وكثرة المناقشات فيها لم يحدث أن أساء القول مع أحد العلماء، مع أن الباحث والمطالع لكتب الفقه ولمسائله يرى آراءً غريبة وأقوالاً عجيبة في بعض المسائل لبعض العلماء حينما يناقشها البعض يقولون فيها ما يقولون إلا أن سماحته لم يصدر منه تجريح لقول أحد لا في موسوعته التي هي محل كلامنا ولا في كتبه الأخرى فلم يقل عن أحد: (كلامه تضحك له الثكلى) أو(هذا كلام من لم يذق طعم الفقه) أو هذا الرأي غير جدير بالالتفات إليه… أو ما شابه هذه العبارات.

5 ـ إحاطة سماحة السيد المؤلف بمستجدات العصر وتشخيصه لكثير من المواضيع، حيث لم يعد من المقبول في هذا الزمن أن تقتصر معرفة الفقيه، على شيء من قواعد الفقه والأصول وشيء من علم الرجال والعربية، وتُردد مقولة: (إن الفقيه شأنه بالأحكام دون المواضيع)، وبعد ذلك يجلس الفقيه بين أربعة جدران وتأتي إليه المسائل من شتى أنحاء العالم يطبق على بعضها الاحتياط وعلى البعض الآخر البراءة أو(الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) وينتهي الأمر: إن لإحاطة الفقيه بالمواضيع ومستجدات الحياة في هذا الزمن له عظيم الأثر في الاستنباط والفتيا لذا يلاحظ أن الآراء التي تصدر من البعض ممن ليس لديه اطلاع على أمور الحياة نراها تستعصي على التطبيق، وسماحة السيد كما يظهر من(الفقه) وكتبه الأخرى محيط بدرجة عظيمة بكثير من العلوم والأمور المستجدة تصل أحياناً إلى العلم بالتفاصيل، فمن يطالع(الفقه الاقتصاد) مثلاً يرى إحاطة سماحته بالمذاهب الاقتصادية المعاصرة وباستدلالاتها، وكذا الفقه السياسة والاجتماع، وكذا ما تعرض له سماحته من مسائل وتفاصيل في مختلف أجزاء موسوعته(الفقه) إن هذه الموسوعة شاهد بيّن على سعة اطلاعه وإدراكه للحياة المعاصرة أكثر من غيره.

هذه كلمات قليلة حول موسوعة(الفقه) ينقصها الاستشهادات النصية من نفس الموسوعة وتنقصها تفصيلات أخرى، عسى الله أن يمن بالتوفيق لإخراج دراسة متكاملة موثقة حولها يتبين من خلالها المنهج الفقهي للسيد المؤلف في هذه الموسوعة القيمة.