الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

فقه الحقوق

في فكر الإمام الشيرازي

  محمد القاسم  

يُرى الإمام الشيرازي في هذا الكتاب(فقه الحقوق)، نموذجاً للفقيه الموسوعي الذي أحاط بصورة شاملة، بكثير من الأمور ذات الصلة بعلم الحقوق.

فالمسألة الحقوقية تمثل قضية مركزية في بنية الفكر الإسلامي. وهذا يتضح من تاريخية الممارسة النظرية الحقوقية في الإسلام. ومن هنا نجد أن الجهد الذي يبذله الإمام الشيرازي، موجه لخدمة استراتيجية إسلامية محددة فيقدم لنا نموذجاً للفقيه الذي لم يكن همه الوحيد صياغة أحكام الفقه المعتادة لدى الفقهاء، بل تجاوز ذلك فهو صاحب مشروع حضاري، يسخّر جميع العلوم والمعارف لخدمة هذا المشروع المجيد.

فالتفكير الحقوقي لدى الإمام الشيرازي يستند إلى قوة تاريخية، تفوق قوة الفكر الفلسفة الإغريقية واليونانية والمعروفة لدينا نحن المسلمين عندما نقلها بعض المفكرين والفلاسفة إلى لغتنا أثناء حركة الترجمة في عصر الدول العباسية.

والحديث عن المسألة الحقوقية أو فقه الحقوق في فكر الإمام الشيرازي يكون ضمن العناوين التالية:

1 ـ أصالة الحرية في الفكر الإسلامي.

2 ـ حقوق الإنسان حجر الأساس في سلوك الدولة والمجتمع الإسلاميين.

3 ـ ما هي حدود وضوابط الحق.

4 ـ ما هي الضمانات للحفاظ على الحقوق في المجتمع المسلم.

وقبل الدخول في تفاصيل هذه العناوين، ينبغي القول أن الهدف من إقرار الحقوق هو: (تأمين حالة الإنسان بكل أبعاده، بُعده الفردي، وبُعده الاجتماعي، وبُعده الكوني الشامل للدنيا والآخرة.

فالحقوق ليست مفردة معزولة عن بقية مفردات المنظومة الفكرية الإسلامية. وإنما هي جزء من منظومة متكاملة. ولذلك فإن الحقوق(مبنية على العدل والنصفة لا على القدة)(1).

أصالة الحرية في الفكر الإسلامي

الأصل في الإنسان الحرية، إذ لا يحق لأي إنسان أن يسلب حرية وإرادة غيره أو يقيدها. فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام)(لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً). فالحرية الإسلامية حرية واسعة تنتهي عند حدود العبودية لله تعالى. التي ليست بدورها سوى التسليم لقوانين الله تعالى وأحكامه من أجل الاستفادة منها.

والحرية في الإسلام، لا تعرف لوناً معيناً. وإنما هي قيمة دينية مقدسة تشمل جميع الألوان والشعوب. حيث أن الناس سواسية كأسنان المشط.

والدين الإسلامي يربي في نفوس المؤمنين به، قوة العقل ويبلورها حتى تتميز عن الهوى ودواعي المصلحة. ويبين المقاييس والمعايير الثابتة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في فطرة الإنسان من الإيمان بالحق والعدالة والكرامة والحرية.

وبذلك.. يحصل الإنسان المسلم على وعي كافٍ لكل ما يجري حوله ومحيطه. ويمكنه بعد ذلك من تقييم الأفكار والأقوال وتمييز أحسنها(فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب).

وعن طريق هذه العملية الواعية تتأسس اللبنة الأولى في المحافظة على حرية الإنسان في الحياة.

إذ تشكل هذه العملية حصناً منيعاً، يمنع ذوبان الإنسان في بحر المجتمع الذي لا يقدس قيمة الحرية ولا يراعيها في قوانينه وحركته العامة. وبهذا يمتلك الإنسان المسلم جهازاً داخلياً حساساً ضد الانحرافات التي تحدث في شخصه أو مجتمعه.

ومن هنا فإن الحرية أساس التقدم، إذ لا يمكن أن يتقدم المجتمع بدون حرية. فالحرية من الشرائط الضرورية للتقدم والبناء الحضاري.

وهذه الحرية لا تعني الفوضى والتعدي على حقوق الآخرين، وإنما لهذه الحرية حدود وشروط وهي:

1 ـ أن لا توجب ضرراً على الغير(فرداً أو مجتمعاً).

2 ـ أن لا تكون كذباً أو تجاوزاً على الغير.

3 ـ أن لا تكون نقداً للأخلاق العامة أو قيم الدين، أو تحريضاً للمواطنين على ارتكاب الأعمال المخالفة للأخلاق الإسلامية.

4 ـ والجهة التي تحكم بأن العمل الفلاني ينسجم ومبادئ الحرية أولاً، هي السلطة القضائية، بما تتمتع به من استقلال ونزاهة.

وحتى تتحول قيمة الحرية إلى مؤسسات وأُطر هيكلية، يدعو الإمام الشيرازي إلى تحويل المجتمع المسلم إلى مؤسسات. إذ يقول: (المجتمع الإسلامي يجب أن ينقلب إلى ألوف المؤسسات حتى يصبح دولة عصرية آمنة من التزعزع والانهيار والانهزام أمام الأعداء. وفي الحديث(يد الله مع الجماعة)، والتكتل هو لأجل البناء والمنافسة في الخير وتقوية الإسلام وبلاده.

ثم يضيف الإمام الشيرازي(ولا فرق في المؤسسات التي ذكرناها بين خارج بلاد الإسلام وداخلها. ولذا كان من الضروري أن يكون من مهمة السفارات الإسلامية فتح الطريق أمام الإسلام بكل إمكانياتها. ومن المعلوم أنه إذا تبدلت البلاد إلى المؤسسات، وحرّض الناس على إعمال طاقاتهم، وتفجير إمكانياتهم، وكانت كل أقسام الحريات متوفرة لهم، قفز بلد الإسلام في أقل مدة ممكنة إلى أعلى مراتب الاجتماع الإنساني)(2).

وجماع القول أن قيمة الحرية ثابتة من ثوابت الفكر الإسلامي، ولصيقة به بحيث لا يمكننا تحقيق قيم الدين في الواقع الخارجي بلا قيمة الحرية.

حقوق الإنسان في الدولة و المجتمع

لا شك أن الدين الإسلامي شكل قفزة نوعية ومهمة في التاريخ الإنساني، بما قدمه هذا الدين العزيز من نظم وتشريعات، تكفل حرية الإنسان الفردية والاجتماعية. وتسعى نحو تحقيق السعادة للإنسان في هذه الحياة. وتبدأ هذه النظم والتشريعات ببيان أن الله سبحانه وتعالى، قد أوكل للإنسان خلافته في هذه الأرض، بعد تكريمه إياه وتفضيله على الملائكة. إذ قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إن جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون)(3).

(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)(4).

فأصبحت جميع المخلوقات في خدمة الإنسان كرمز للكرامة الربانية التي وهبها الله عز وجل للإنسان.

ومن أبرز هذا التكريم للإنسان، التعبير الذي ينبغي أن يسعى الإنسان للحفاظ عليه، في هذه الدنيا، وهو إنسانيته والعمل على توفير جميع الوسائل للحفاظ على هذا التكريم. وينبغي التأكيد في هذا الإطار أن التكريم الإلهي لم يكن خاصاً بإنسان دون آخر، وإنما هو تكريم لنوع الإنسان دون تمييز أو فروق عرقية أو طبقية أو عنصرية أو ما أشبه (كلكم سواسية كأسنان المشط).

ومن الحقائق الثابتة، التي لا بد من التأكيد عليها أيضاً هو، أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والضرورية لصيقة بشخصه وأن كمال إنسانيته ونقصانها مرهون بقدر تمتعه بحقوقه وحرياته. فإذا كان المرء يملك كل الحقوق والحريات فإن إنسانيته كاملة. وكلما تعددت الحقوق والحريات التي تسلب من الإنسان يكون الانتقاص من إنسانيته بنفس ذلك القدر.

والجدير بالذكر أن الإنسان الذي لا يتمتع بحقوقه وحرياته الأساسية، لا يشعر بحضور فعال في الوسط الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه. بل يشعر بالاغتراب الاجتماعي والسياسي وما يترتب على ذلك من أمور سلبية سيئة كـ(اللامبالاة وعدم الاكتراث بالقضايا الكبرى والمصيرية التي تواجه مجتمعه وأمته). ويتزامن مع ضياع الحريات السياسية والحقوق الأساسية ضياع في العدل الاجتماعي. إذ أن الاستبداد السياسي سيفرز بحكم طبيعته وثقافته فئات وشرائح اجتماعية انتهازية مستغلة تعين المستبد وتؤيده للحصول على المزيد من الامتيازات والسلطات.

ومن هنا فإن الحفاظ على حقوق الإنسان جزء من النسق العقدي والحضاري للدين الإسلامي، وما مهمة الدولة والمجتمع الإسلاميين إلا الحفاظ على هذا النسق وتطويره بما يُسعد الإنسان، ويطور إجراءات الحفاظ على حقوقه ومكتسباته.

وأهم الحقوق المكفولة من قبل الدولة والمجتمع الإسلاميين هي:

1 ـ حق الحياة، مع توفير كل شروط الحياة الكريمة، ولا يجوز لأحد أن يعتدي عليها.

(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(5) وقال سبحانه وتعالى في عدم جواز الاعتداء على أحد(من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)(6).

2 ـ حق الحرية، وهو حق مقدس، ليس لأحد أن يعتدي عليه، ويلزم على الدولة والمجتمع توفير الضمانات الكافية لحماية حرية الأفراد.

3 ـ الناس جميعاً سواسية أمام الشريعة الإسلامية(إذ لا فضل لعربي على أعجمي ولا لاعجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى).

ولا يجوز تعريض شخص لخطر أو ضرر(فإن المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) ولكل فرد الحق في الانتفاع بالموارد المالية للمجتمع من خلال فرصة عمل متكافئة لفرص غيره.

4 ـ حق العدالة لكل فرد: إذ من حق كل فرد أن يلجأ إلى سلطة شرعية تحميه، وتنصفه وتدافع عنه إذا ما لحقه ضرر أو ظلم، ولا يجوز مصادرة حق الفرد في الدفاع عن نفسه، وعن عرضه، وعن ماله، وعن شرفه، وليس لأحد أن يلزم المسلمين أو غير المسلمين بأن يطيعوا أمراً يخالف الشريعة.

5 ـ حق الفرد في المحاكمة العادلة، فإن كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته، ولا تغريم إلا بنص شرعي.

6 ـ حق صحة القول والعمل، فإن لكل فرد الحق في أن يحمل الناس أعماله على الصحة.

7 ـ حق الحماية من التعذيب، حيث أن التعذيب محرم في الشريعة الإسلامية، فقد جاء في الحديث الشريف(إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا).

8 ـ حق الفرد في حماية عرضه وسمعته. فقد قال تعالى(لا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب)(7).

9 ـ حق الأقليات، فإنه لا يحق لمسلم أن يضطهد غير المسلم من اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم.

10 ـ حق المشاركة العامة.

هذه بعض الحقوق التي ينبغي أن تكفل من قبل الدولة والمجتمع الإسلاميين في فكر الإمام الشيرازي.

حدود وضوابط الحقوق

الحقوق ليست مسألة هلامية، وإنما لها حدود وضوابط، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال تجاوز هذه الضوابط والحدود. ويحدد الإمام الشيرازي حدود الحق في النقاط التالية:

1 ـ أن لا يكون ضاراً بنفس صاحب الحق ضرراً بليغاً، فلا يحق للإنسان قتل نفسه أو إسقاط قوة من قواه كأن يعمي عينه أو يتلف عضواً من أعضائه كأن يقطع إصبعه إلى غير ذلك.

2 ـ أن لا يكون مفسدة على من ربطه الشارع به كعائلته ومن أشبههم كالأيتام الذين هو ولي عليهم، وكذلك بالنسبة إلى القيِّم والوصي والناظر ومن أشبه وأن يكون بالنسبة إلى زوجته من المعاشرين بالمعروف. قال تعالى(لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)(8).

3 ـ أن لا يكون إضراراً للآخرين، ولا تصرفاً في حدود شؤونهم وحقوقهم.

4 ـ أن لا يكون خلاف المصلحة العامة.

5 ـ أن لا يكون محرماً شرعاً.

الضمانات والإجراءات المستخدمة للحفاظ على الحقوق في المجتمع المسلم هي الأمور التالية:

ــ نظافة النفوس بالأخلاق الفاضلة.

ــ الحريات التي وفرها الإسلام للإنسان، حيث إنه مع الحرية لا ضغوط وحيث لا ضغوط لا مانع للإنسان من الاستقامة.

ــ تماسك المجتمع الإسلامي بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ــ قلة الحاجات فإن من كثرت حاجاته، لا بد وأن يمد يده إلى المال الحرام ويهدر الحقوق.

ــ بساطة المحاكم من كل النواحي، كناحية الوصول إلى الحاكم بسهولة وناحية عدم وجود رسوم للمحكمة وما أشبه(9).

وتأسيساً على ما قيل أعلاه، نقول أن فقه الحقوق مهمته الأساسية هو تنظيم الاجتماع الإنساني في مستوياته المختلفة الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية، العبادية، وما أشبه. وعلى ضوء هذا فإنه فقه الحقوق ليس للمزايدات الأيديولوجية أو السياسية، أو لتذكر مجد قديم قد ضاع أو انفصلنا عنه وإنما هو من أجل تكريس هذه القيم والمبادئ في حركة الفرد والمجتمع.

 

1 ـ أصالة الحرية في الفكر الإسلامي.

2 ـ حقوق الإنسان حجر الأساس في سلوك الدولة والمجتمع الإسلاميين.

3 ـ فقه الحقوق ص10.

4 ـ الحكم في الإسلام(ص76-77)

5 ـ سورة الحجرات الآية 13.

6 ـ سورة المائدة الآية 32.

7 ـ سورة الحجرات الآية 11.

8 ـ سورة الانعام الآية 152.

9 ـ فقه الحقوق ص338.