الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

تأملات في الفكر السياسي

عند الإمام الشيرازي

  الشيخ حسين صالح الشيخ  

النظرية السياسية الشيعية هـــي أحد النتائج القيمة للمذهب الشيعي، ولكن المشكلة أن هذه النظرية مازالت لا تحظى بالاهتمام الكبير من قبل فقهاء المذهب لأسباب تاريخية وسياسية تحكم الحوزات العلمية وغالبية علماء الشيعة، بينما نرى أن هناك اهتماماً كبيراً بجوانب أخرى لدى الفقهاء والعلماء حتى أنها أصبحت في حكم الترف الثقافي والوقوع في مأزق الإبداع.

ولذا يمكن القول أن النظرية السياسية الشيعية والإسلامية عموماً لازالت كامنة في القرآن الكريم، وحبيسة في السنة الشريفة، برغم ظهور كتابات في هذا المجال في العصر الراهن وتغيرات ذات قيمة علمية وفكرية، تتسم بالنضوج والحكمة، إلا أن ذلك لم يساعد في كسر جدار التحفظ لينفتح الباب على مصراعيه للفقهاء والعلماء المهتمين بهذا الجانب.

فقبل عدة عقود من الزمن كتب الميرزا النائيني كتاباً للتنظير في الدولة والقيادة الإسلامية أسماه(تنزيه الملة وتنبيه الأمة) ويعدّ الكتاب أطروحة سياسية متقدمة وخصوصاً أنها احتوت على تأصيل شرعي للقيادة الاسلامية(ولاية الفقيه) وبالذات في ذلك الوقت.

وفي العصر الراهن إذا بحثنا عن فقهاء الشيعة الذين نظروا ببمشكل السياسي من خلال تأصل شرعي لا نجد إلا قلة أبرزهم الإمام الخميني(قده) والإمام الصدر(قده) والشيخ المنتظري والإمام الشيرازي، حيث نرى هؤلاء الأربعة أعطوا الفكر السياسي أهمية بالغة، وخصوصاً أن الإمام الخميني(قده) استطاع أن يحكم دولة وأن يطبِّق فيها نظريته(ولاية الفقيه)، حيث أن وصول الشيعة إلى السلطة بعد أن كانوا مئات السنين في المعارضة السياسية فتح الباب بشكل واسع لإنضاج النظرية السياسية عندهم، لأن بقاءهم الطويل في المعارضة أفقدهم التفكير في كيفية إدارة الحكم الإسلامي.

ويمتاز الإمام السيد محمد الشيرازي باهتمامه البالغ بالنظرية السياسية، من خلال كتبه ومؤلفاته الغزيرة التي بلغت أكثر من(700) كتاب ودراسة، ويمكن القول أن هناك مجموعة من تلك الكتب تمثل قاعدة الفكر السياسي لدى الإمام الشيرازي:

1- فقه السياسة 2- فقه الاجتماع 3- فقه الحقوق 4- الدولة الإسلامية 5- السبيل لإنهاض المسلمين 6- الصياغة الجديدة لعالم الأمن والحرية والسلام 7- إلى حكم الإسلام، حيث تشكل هذه الكتب بالإضافة إلى الكتب الأخرى النظرية السياسية التي يتبناها الإمام الشيرازي، والتي تتصف بصفتين يلاحظهما المتتبع لكتاباته:

1 ـ التأصيل الشرعي… عبر الأدلة الأربعة المقررة في الشرع وهي: الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

2 ـ مواكبة العصر… ومحاولة نقد النظريات التي لا تمت للإسلام بصلة أو تحاول تقويضه مثل النظرية الماركسية أو الغربية.

أما عن ركائز الفكر السياسي لديه فلقد اخترنا خمس ركائز وذلك من خلال التأمل السريع لكتاباته، حيث تعتبر هذه الركائز هي أمهات الأفكار لدى الإمام الشيرازي في نظريته السياسية.

1- الحريـــة

ــ أصالة الحرية

يقول السيد الشيرازي: (الأصل في الإنسان الحرية، في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر وهو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه)(1) وبذلك يقرِّر الإمام الشيرازي أن الحرية أصل في الفقه والحياة مثلها مثل أصالة الطهارة، انطلاقاً من النصوص الشرعية حيث يقول الإمام علي(عليه السلام): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً). ويخرج عن هذا الأصل استعباد أسراء الحرب إذا رأى الإمام ذلك صلاحاً.

وإذا كان الفكر الغربي يرى أن قمة نتاجه الفكري(الحرية) فإننا نرى أن ما جاء به ليس تأسيساً جديداً بل محاولة توضيح لمبدأ الحرية، وهذا ما يمكن تأكيده عند قراءة فكر الإمام الشيرازي في تناوله لأصالة الحرية.

حيث تزخر كتاباته بالحديث عن هذا الأصل، فهو يعدّه عامل تقدم وتنمية للأُمم، وفي ذات الوقت تطبيقاً لمنهج الإسلام وشموليته، حيث يرى الإمام الشيرازي أن الأدلة أقيمت على لزوم هذا الأصل عقلاً وشرعاً.

ــ أقسام الحرية:

يقسم السيد الشيرازي الحرية إلى ستة أقسام رئيسية، وفي كل قسم تقسيمات فرعية على سبيل التفصيل.

1 ـ الحرية الجسدية والعملية… بما في ذلك حرية الإنسان وخصوصياته وحرية التساوي بين أبناء الأمة من دون الترجيح إلا بالكفاءة.

2 ـ حرية الدين والمعتقد… اعتماداً على(لا إكراه في الدين) بحيث لا يجبر الإنسان على ترك دينه سواء كان أهل كتاب أو غير أهل كتاب.. كما أن الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام لهم الحرية في إبراز عقيدتهم بدون الدعوة لها في صفوف المسلمين.

3 ـ حرية البيان والقلم والطباعة… لأن تقييد هذه الحرية مدعاة للكبت وللديكتاتورية، إذ أن المعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي تقف دون سير الحاكم في طريقه التي تمليه عليه أهواؤه وشهواته.

4 ـ حرية التجمعات والاجتماعات والإضرابات والمظاهرات.

5 ـ حرية أنواع الاكتساب الجسدي أو الفكري أو المهني.

6 ـ حرية سائر شؤون الإنسان الشخصية(2).

ومن أجل التوضيح لمصاديق الحرية والتفصيل فيها يسرد الإمام الشيرازي أكثر من مائة أنموذج للحرية التي شرعها الإسلام(3) وعموماً تصب أغلبها في المجالات العامة الأربعة المتعارف عليها وهي: الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبهذا يضمن حقوق الإنسان المتعددة.

ــ ضوابط الحرية

يرى السيد الشيرازي أن ضوابط مبدأ الحرية أمران أساسيان هما:

1 ـ أن لا توجب الضرر على الغير ويمكن تحديده عبر العرف.

2 ـ أن تكون الهيئة المنصفة القضائية هي المرجع، في حال وقوع لبس في مصاديق الحرية – وبذلك يمكن أن تمارس الحرية بهذه الضوابط الرئيسية- وبشكل عام فإن السيد الشيرازي يرى أن مسألة الضوابط تتمثل في القانون العادل حتى لا تتعدى الحرية حدودها فتتحول إلى فوضى عارمة. 

2- الديكتاتورية والاستبداد

بلا شك أن الديكتاتورية المرض الخطير الذي ينخر في الأمة الإسلامية اليوم، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تخلفنا، جعلتنا بعيدين عن التقدم والنمو، لأن الديكتاتورية والاستبداد ينعكس على كافة شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فهو يقمع الإبداع والتفكير الخلاق، فالتنمية ترتبط بشكل رئيسي بالواقع السياسي.

ولذا فإن الإمام الشيرازي لا يرى ديكتاتورية في الإسلام حيث يقول: (ليس للحاكم حق الديكتاتورية إطلاقاً، وكل حاكم يستبد يعزل عن منصبه في نظر الإسلام تلقائياً، لأن من شروط الحاكم العدالة، والاستبداد: الذي معناه التصرف خارج النطاق الإسلامي، أو خارج نطاق رضا الأمة في تصرف الحاكم في شؤونه(الشخصية) ظلم مسقط له عن العدالة – كما يرى أيضاً أن الشرق والغرب يمارسان الديكتاتورية.

فالأول: وهو الاتحاد السوفييتي(السابق) تُمارس أبشع أنواع الديكتاتورية، وبكل صراحة حيث تسمى(ديكتاتورية البروليتاريا).

والثاني: (الغرب) تمارس فيه الديكتاتورية تحت غطاء، وإن كانت تعطي بعض أقسام الحرية النسبية. وعليه فكلتا الطريقتين خلاف موازين الإسلام، كما أنها خلاف موازين العقل والمنطق، ولا يجوز لحكومة بلاد الإسلام احتذاء أي منهما(4).

ــ القدرة السياسية

المقصود بالقدرة السياسية هي توفر وجمع السلطة في يد فئة معينة أو شخص واحد، وبالتالي تتوفر لهذه الجهة أو الشخص قدرة وقوة سياسية، وعبر هذه القدرة والقوة يتحكم بأمور البلاد وشؤونه، ويعتقد الإمام الشيرازي أن تمركز القدرة في فئة أو شخص هي الطريق للديكتاتورية.

يقول السيد الشيرازي:

(…. وتقييد الدولة لا يكون إلا بتوزيع القدرة، وتوزيع القدرة أمر جذري لا فوقي، فيلزم أن تتقابل القدرات بعضها مع بعض من أصل الإنشاء، كالأحزاب المتعددة التي تنشأ وتنمو نمواً متقابلاً في مختلف فروعها الثقافية والإدارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، حتى يكون في كل مجال قدرات، كل قدرة تقابل في نفس مجالها قدرة أخرى حتى تكون مراقِبة ومراقَبة، وبذلك يكون نفس القدرة في أمن وسلام، ويكون الناس في أمن وسلام)(5).

فالقدرة في رؤية الإمام الشيرازي هي صمام أمان، وقد تكون سبباً لا يصال البلاد إلى هاوية الديكتاتورية عندما تتمركز هذه القدرة فتتلاعب بمصائر الناس وتنهك في دماءهم وأعراضهم سواء جاءت هذه القدرة باسم الدين أو جاءت باسم الدنيا، ويواصل الإمام الشيرازي فكرته حول القدرة قائلاً:

(وبعد تقسيم القدرة جذرياً يأتي دور حفظ التقسيم بمقومات الحفظ، إذ من الممكن أن تكون القدرة مقسمة ابتداء، ثم تطغى قدرة على قدرة في غفلة من الزمن، وتتمركز القدرة في استمراريتها، بعد أن كانت مقسمة في ابتدائها، وقد رأينا… كيف أن القدرة كانت موزعة بين الأحزاب والمنظمات في ابتداء الدولة، ثم أخذت بعض القدرات بمختلف الأسامي والتكتلات الوقتية تنمو على حساب سائر القدرات، حتى سيطرت، وأبادت القدرات الأخرى قتلاً وسجناً وتشريداً…)(6).

إن الديكتاتور لا يستطيع إعطاء الفرص لشعبه، أو أن يلبي حقوقهم أو مطالبهم، وبالتالي فإن الشعب يلجأ إلى المعارضة السلمية أو العنيفة، عند ذلك يقوم الديكتاتور باستخدام أجهزة المخابرات والتجسس لقمع الشعب وإسكاته بكافة السبل الهادئة والقمعية العنيفة لأجل الحفاظ على ما يمتلك من قوة أو قدرة أو سلطان.

ــ ملامح النظام الديكتاتوري

يذكر الإمام الشيرازي أن ملامح النظام الديكتاتوري تقارب(29) صفة تلازمه، وسوف نذكر أبرز هذه الملامح:

1 ـ إن الديكتاتور يمدح نفسه وذويه بإسهاب تعريضاً وتصريحاً وتلويحاً، بينما يتوقف عن مدح من سواه، وإن كان ذلك الغير أجل منه قدراً، وأحسن منه كفاءة.

2 ـ الديكتاتور يخفي أعماله السرية.

3 ـ التآمر على أعدائه والمكر بهم لإلقائهم في التهلكة، وإلصاق التهم والأكاذيب بهم، لكن سرعان ما يظهر تآمره.

4 ـ الكذب والرياء والنفاق والخداع.

5 ـ عدم إشراك الناس في أمور الدولة، والاستبداد بها مع المتزلفين.

6 ـ عدم وجود الصحف الحرة.

7 ـ كثرة الضرائب لتكفي نفقات مخططاته الوهمية، وقد يكون الديكتاتور سارقاً كبيراً يجمع المال له ولذويه.

8 ـ خنق الحريات حتى الرأي والكلام.

9 ـ شدة العقاب والقسوة لمن يخالف أمره أو لم يطع رأيه.

10 ـ عدم الكشف عن صرف الأموال وكيفية صرفه وموارده.

11 ـ عدم الانتخابات إطلاقاً، أو انتخابات مزيفة حسب ما يمهد الجو لمرشحه، حيث إنه ليس هناك أحزاب حرة وصحف حرة، لتكشف زيف الانتخابات.

12 ـ كون المحاكم ألعوبة بيده، ينصب من يشاء ويعزل من يشاء، ويخفف كما يريد ويشدد كما يرغب.

13 ـ التكثير من البوليس السري بمختلف الأسماء والعناوين.

14 ـ يحول دون الخدمات الاجتماعية فلا مدراس أهلية، ولا مؤسسات بيد الجمعيات… وذلك لأنه يريد انتساب كل شيء لنفسه.

15 ـ يطبع كل المؤسسات والشوارع والمشاريع باسمه وأسماء أصدقائه(7).

والخلاصة: إنها إحدى العوائق في طريق تقدم الأمة، وإن الدولة التي لا توجد فيها حرية الرأي والأحزاب والانتخابات هي دولة تتقمص رداء الديكتاتورية، لأنها خالية من الشورى والحرية، وتتمسك بأفكار القرون الوسطى من الاستبداد وانعدام حرية التعبير.

3- الشورى والتعددية

ينطلق الإمام الشيرازي في تثبيت الشورى والتعددية من الشرعية التي جاءت في الكتاب(وأمرهم شورى بينهم) وغيرها من النصوص، والتي أقرت مبدأ الشورى وحق التعددية في اختيارات الأمة وقناعاتها. وذلك باعتبار أن الشورى إحدى الأساسات المهمة في الحياة السياسية للدولة الإسلامية، وباعتبارها صيغة حكم إسلامي في حال غياب المعصوم.

يقول الإمام الشيرازي(كل شيء يرتبط بشؤون الأمة، لا بد فيه من الاستشارة، سواء في أصل الجعل، أو توابعه، مثل: المدارس والجامعات، والمستشفيات والمطارات، والمعامل الكبار… وكذلك حال الوظائف من الرئاسة إلى الوزارة، إلى المجلسين، إلى المحافظين، إلى مدراء النواحي وذلك لجهتين:

1 ـ إنها تكون بمال المال، سواء أموال الخمس والزكاة أو المعادن وما أشبه.

2 ـ إنها تصرف في الأمة، ولا يحق لأحد أن يتصرف في غيره، ومن الواضح أن رضا الأمة وإجازتهم في طول رضا الله سبحانه وإجازته، فاللازم أن يكون التصرف حسب الرضائين(8))

ــ شورى الفقهاء

وجوهر نظرية الشورى لدى الإمام الشيرازي يكمن في(شورى المراجع)، فهو برغم إيمانه بولاية الفقيه وتصديه للعمل السياسي والاجتماعي، إلا أن هذه الولاية يمكن ممارستها عبر قيادة مرجعية جماعية، وذلك لاعتبارات عديدة يراها الإمام الشيرازي وغيره من أنصار هذه الفكرة(9) فالمراجع والعلماء عادة ما يختلفون في التصور السياسي والاجتماعي تجاه ما يحدث في الواقع.

وبالتالي فإن جمع هؤلاء في مجلس قيادي للتصدي لأمور الطائفة أو لقيادة الحكم في الدولة، يحقق مبدأ الشورى والتعددية في الآراء، وإذا جمعت هذه الآراء وطبق عليه مبدأ التصويت فإنه سوف تخرج الأمة بأفكار أكثر نضوجاً ودراسة أوفى.

ومن أجل حل المشاكل التي تحول دون تحقيق شورى الفقهاء مثل التعارض بين المرجع وشورى المراجع، أو كيفية جمع مراجع التقليد في مجلس واحد وهم متفرقون جغرافياً، فإنه يجيب على إشكال التعارض(الظاهر لزوم اتباع المقلِّد لشورى الفقهاء، فهو من قبيل تردّد المقلِّد بين رأي مجتهده ورأي القاضي، حيث ذكروا لزوم أخذ رأي القاضي)(10) أما الإشكال الآخر فيحل عبر أن يكون لهم ــ أي الفقهاء ــ ممثلون في المجلس يرفعون التقارير إليهم فإذا حصلت الأكثرية كان ذلك الرأي مورد التنفيذ بسبب السلطة التأطيرية(11).

ولشورى الفقهاء أصل شرعي وأدلة قامت على أساسها جوهر هذه الركيزة السياسية(12)،كما أن لها واقعاً عملياً وتأييداً لدى بعض العلماء مثل الميرزا النائيني والسيد البروجردي وقبلهما من القدامى العلامة المجلسي(قدس سره)(13)، بل إن السيد البروجودي حاول قدر المستطاع تطبيق الشورى في القيادة.

لقد تميز الإمام الشيرازي في العصر الراهن بتقديم هذه الفكرة والوقوف خلفها، ويتضح ذلك عبر التركيز الذي نشاهده في كتبه ودراساته ومحاضراته على ذلك، لأنه يعد تطبيق حالة الشورى في أعلى الهرم الديني والسياسي هو الضمانة لإنهاء حالة الاستبداد والاختلاف المرجعي، والذي قد يجد له مجالاً في حال الإصرار على انحصار المرجعية في شخص واحد أو تعدد المراجع مع وجود الاختلاف.

ــ التعددية

وحالة التعددية الملازمة للشورى والحرية نراها واضحة في فكر الإمام الشيرازي السياسي عبر تشجيعه لتعدد الأحزاب والنقابات والأفكار والآراء، وذلك لكي تختار الأمة الأصلح من بين المطروح على الساحة، باعتبار أن التعددية في الآراء والاتجاهات لا يوجب الاختلاف السلبي مثلما يتصور أصحاب القصور الذهني، بل هو مدعاة للابتكار والإبداع والبحث عن أفضل الحلول لمشاكل الأمة، عبر التعددية والشورى، ولذا لا غرابة أن نرى الإمام الشيرازي يشجِّع أنصاره وتلاميذه بالكتابة عن مبدأ التعددية وحرية الآراء.. وممارستها في مشاريعهم الدينية والسياسية والثقافية. 

4- الدولة الإسلامية

أن تطلع الإمام الشيرازي والذي لا يفتأ يذكره في كتبه ومحاضراته هو حكومة ألف وخمسمائة مليون مسلم، وإعادة الحكومة التي أسسها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبهذا فهو يرشدنا إلى ميزة يتميز بها فكره وهي الثقافة والتفكير الكوني، بعيداً عن الأطر الضيقة التي حاول الاستعمار زرعها الاستعمار فينا وقسَّم بها العالم الإسلامي.

ــ أهداف الدولة الإسلامية

إن أهداف الدولة الإسلامية المرتقبة في رؤية الإمام الشيرازي هي كالتالي:

الأول: إرجاع الأمة الواحدة

حيث أن المسلمين أمة واحدة كما قال سبحانه: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، ولأن ما حدث كان نتيجة الانشطارات في الأمة عبر مسيرة التاريخ، ويرد السيد الشيرازي على السؤال القائل: كيف يمكن ذلك والحال أن قروناً طويلة مرت على المسلمين ولم تكن بلادهم دولة واحدة؟! إن نصرة الله هي الطريق، إضافة إلى أن التاريخ والحاضر يشهدان على أن دولاً كانت ومازالت متوحدة حتى في العصر الحديث مثل الهند والصين فما المانع أن ترجع دولة المسلمين بعد التشتت إلى دولة واحدة عالمية.

الثاني: إرجاع أحكام الله تعالى إلى الأمة… فإن الأمة في عصور الإسلام المختلفة حتى في أيام الخلفاء المتأخرين من الأمويين والعباسيين ومن إليهم، لم تكن منسلخة عن أحكام الدين بهذا النحو الذي هي عليه بعد سيطرة الاستعمار عليها.. وذلك لإقامة حكم الله تعالى في(كافة مجالات الحياة) كالصناعة، والتجارة، والزراعة، والعمارة، وإبداء الرأي، وحيازة المباحات، والحريات، وإسعاف المحتاجين من بيت المال، وتزويج العزاب، وتشغيل العاطلين، وتثقيف الأمة وتعميم الأمن والصحة والرفاه.

الثالث: حفظ الأمة من الانهيار ــ لأن ــ المسلمين منذ قرون أخذوا في الانهيار، فبلادهم نهب لليهود مرة كما في فلسطين، وللنصارى مرة كما في السودان، وللملحدين ثالثة كما في الجمهوريات الإسلامية التي اقتطعها الشيوعيون فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي.

الرابع: إنماء الأمة في مختلف الميادين. فقد تقدم العالم في الصناعة والنظام تقدماً مذهلاً، بينما بقي المسلمون متخلفين كثيراً.

فعلى المسلمين إنماء بلادهم حتى تصل إلى الركب العالمي، بل اللازم أن يكون الزمام بيدها كما كانت كذلك في الماضي.

الخامس: توسيع الأمة، كما فعله الإسلام بزيادة المسلمين عن طريق التبليغ والخدمة، وقد كنا نحن المســـلمين نفعل ذلك سابقاً كمـــا يفعله النصــــارى في هذا العصر، فإن الإسلام له جاذبية وإقناع بحيث أن من يراه وهو غير معاند لا بد وأن يعتنقه(14).

ــ كيفية إعادة حكم الإسلام

أما عن كيفية الوصول إلى هذا الهدف الكبير؟ يقول الإمام الشيرازي: يتم ذلك بعدة وسائل:

أولاً: بالتوعية الإسلامية الواسعة النطاق على صعيد الأمة كلها، حتى يعي المسلم وظيفته، وذلك بطبع ونشر مالا يقل عن ألف مليون كتاب توعوي-اقتصادي- سياسي- اجتماعي- تربوي، عقائدي.

ثانياً: بالتنظيم، بأن ننظم مالا يقل عن عشرين مليون مسلم، لأن المسلمين ألف مليون نسمة، فيكون في دائرة توجيه كل شخص منظم خمسون مسلماً(15).

كما يجدر الإشارة أن الإمام الشيرازي يعتقد أن أسلوب العمل السلمي واللاعنف هي الوسيلة الفضلى(سيأتي بحث ذلك) لتحقيق حكم الإسلام في البلاد الإسلامية، وهذان الأمران هما الرئيسيان، لأن الإمام الشيرازي يذكر في كتبه الأخرى وسائل وأساليب عديدة لإعادة حكم الإسلام.

ــ صفات الحاكم الإسلامي

الصفات والشروط التي يقرِّرها الإمام الشيرازي في القيادة كما يذكرها الفقهاء الآخرون هي: البلوغ، العقل، الإيمان، العلم، العدالة، طهارة المولد للحياة، الذكورة(16)، أما الشروط الأخرى مثل الأعلمية والشجاعة والكرم والزهد ففي نظره أنها صفات إضافية وعلى سبيل الأفضلية(17).

ويجمع هذه الصفات في شرطين رئيسين حيث يقول: الحاكم الإسلامي هو الذي يجمع بين شرطين:

الأول: كونه مرضياً لله ــ سبحانه وتعالى ــ ويعتقد أن هذا الشرط جامع للصفات الثمان.

الثاني: كونه منتخباً من قبل أكثرية الأمة(18).

ــ الانتخابات

يرى الإمام الشيرازي أن الانتخابات ركيزة مهمة في الحكم الإسلامي: سواء كان على مستوى رئاسة الدولة أو على مستوى نواب الأمة أو على مستوى حكام الأقاليم والنواحي، ويوجب أن تكون هذه الانتخابات انتخابات حرة نزيهة، غير مزيفة كما يحصل في كثير من بلدان العالم، وإن وسيلة الاقتراع بين كل فترة وأخرى لانتخاب الحاكم العام والحكام المحليين حسب رأي الأكثرية هي الوسيلة الفضلى.

يقول الإمام الشيرازي:

(وعلى هذا يكون هناك انتخابان للناس:

الأول: انتخابهم للفقيه العادل الجامع للشرائط.. حتى يتولى عامة الأمور وهذا ما يسمى(بولاية الفقيه) فإذا كان هناك جماعة من الفقهاء العدول، اختار المسلمون أحدهم رئيساً أعلى للدولة، ويحق لهم أن يختاروا جماعة منهم ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة(شورى الفقهاء) وهذا الثاني أقرب إلى روح الإسلام.

الثاني: انتخابهم لنواب الأمة، الذين يكونون بدورهم تحت إشراف الفقهاء، وبعد ذلك إن شاءت الأمة انتخبت رئيساً للدولة وبالتشاور بين الثلاثة يكون انتخاب الوزراء(السلطة التنفيذية) و(الهيئة العليا) وإن شاءت الأمة، جعلت انتخاب رئيس الدولة للسلطة التشريعية مع السلطة الفقهية، ولعل انتخاب الأمة لرئيس الجمهورية أقرب إلى روح التشاور. ولا يخفى أنه بانتخاب الفقهاء لا يسقط الفقيه عن منصبه التقليدي(19)).

إن نظرية الإمام الشيرازي في الدولة الإسلامية متشعبة وذات تفاصيل كثيرة، وأساس هذه النظرية تجاه الدولة أن تقوم على الحرية والعدل، ولقد ألف الإمام الشيرازي في العدل كتاباً أسماه(العدل أساس الملك) ولديه رؤية تجاه السياسة الداخلية والخارجية، ودور المرأة في الدولة الإسلامية، وحكم الأقليات في العالم الإسلامي، ودور الأحزاب وغيرها من الأفكار والتي آثرنا تركها للدراسات المفصلة، وخلاصة نظرية الإمام الشيرازي في الحكم الإسلامي تقوم على الانتخابات والشورى في إدارة شؤون البلاد، كما أن صفة القيادة تقوم على شورى المراجع والتي تتربع على الهرم السياسي القيادي… مع التأكيد على وجود السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية والاستقلال بين هذه السلطات. 

5 ـ الثورة والتغييرالاجتماعي

يبدأ الإمام الشيرازي في أطروحة الثورة والتغيير بمبدأ رئيسي(لا للانقلابات العسكرية)، لأنه يراها نوعاً من اللصوصية ولا يقوم بها إلاّ قطاع الطرق، ولا يقبل منطق الانقلابيين. يقول: (وما يبرر الانقلابيون عملهم به، من استشراء الفساد في الحكومة السابقة وكبت الحريات… غير مبرِّر لعملهم، إذ لو كانوا صادقين، لأعطوا الأمر بعد انقلابهم بيد الأمة لتشكل حكومة حرة انتخابية، ورجعوا هم إلى ثكناتهم..)(20).

ــ أسس الثورة والتغيير

ويرى الإمام الشيرازي أن: الانقلابات الاجتماعية، وهي التي تقوم بها أكثرية الناس، لإيجاد نظام جديد في الحكم هي الطريق الصحيح إلى التغيير، وتقوم هذه الانقلابات على أسس ثلاثة:

1 ـ عدم الرضا بالحكم القائم.

2 ـ اليأس من إصلاح الحكم القائم بسلام.

3 ـ الرجاء في تكوين نظام جديد يعطي آمال الناس، ويخفف من آلامهم(21).

ويعتقد الإمام الشيرازي أن الثورة إذا جعلت لها أسساً صحيحة تنتهي إلى الحكم الاستشاري، وإذا لم تجعل أسسها صحيحة فسوف تنتهي إلى الديكتاتورية، ولذا يرى أن يضع الثوار نصب أعينهم هدفين مهمين:

1- هدم الحكم الجائر.

2- كيفية الحكومة المستقبلية مع تهيئة أسباب تلك الحكومة وأهم تلك الأسباب:

أ ـ توضيح معالم الحكومة في السلطات في الإسلام، التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ب ـ توزيع القدرة في الفئات والمنظمات والأحزاب، حتى لا تتمكن جماعة من الاستقلال بالحكم وضرب الآخرين(22).

وبمجموعة هذه الأفكار يوضِّح الإمام الشيرازي رؤيته لأُسس الثورة والتغيير وأهدافها، كما يوضح لنا تعريفه للثورة والذي يسمِّيه انقلاباً اجتماعياً يستهدف تغيير الواقع الموجود، وإبداله بنظام جديد شامل في الحكم، وإن هدف الثورة والتغير يجب أن يستهدف الحكم الجائر وصناعة البديل المستقبلي القائم على أسس إسلامية مثل الحرية والشورى.

ــ مراحل الثورة

يصوِّر لنا الإمام الشيرازي بداية الثورة قائلاً: (إن الثورة الاجتماعية في بدء أمرها تكون بدون لون خاص، ولا أسلوب منظم ثم تدريجياً يتبلور الأمر، والغالب أن الثورات الاجتماعية لتبديل الحكم يقودها مخلصون مجهولون، يؤلمهم الحكم القائم، فينذرون أنفسهم لإنقاذ الأمة، ويضحون بكل شيء في سبيل ذلك، كما أن الغالب أنهم يقودون الثورة بشجاعة فائقة ولامبالاة كثيرة، مع أنهم لا يعلمون وقت النجاح… ولذا يموت كثير منهم في السجون والمنافي أو على المشانق أو في عمليات فدائية)(23).

كما أنه يرى أن القائد العام وأعوانه يتبلورون أثناء الأحداث وبقدر عملهم، وأن الثوار عادة ما يكونون متبعثرين ثم يتلاقون كما تتلاقى الجذور تحت الأرض، وتتلاقى قطرات المطر لتكون النهر الكبير الذي يكون مجرى الثورة، وحينذاك تأخذ الثورة في النضج والارتفاع إلى أن تطيح بالحكم المنحرف.

والثورة في فكر الإمام الشيرازي عمادها الجماهير(البحر الذي لا ينضب) وتتكون من خمس مراحل:

1 ـ الاضطراب والهيجان.. من جراء تصرفات الدولة، يعمل ــ كل شخص ما يراه ــ عملاً ملائماً بنظره من الشكاية ونشر بعض المناشير السرية… وكتابة بعض الشعارات على الحيطان… والدولة تقابل بشيء خفيف من العنف، إلا إذا أعنف الشخص، فالدولة تقابله بعنف مثله، أو أشد ليكون رادعاً، وتظن الدولة أنه حاسم.

2 ـ تصاعد الروح الثورية… وحيث يتماسك بعض المنتقدين ببعض، وحيث يوجب فعل الدولة رد فعل عند الناس تأخذ روح الثورة في الاتقاد، ويأخذ اليأس يعم القلوب، فيرون أنه لا بد منّ إصلاح للوضع بما يلزم أن يعملوا شيئاً للإنقاذ، فالدولة لا تلوي على شكاية، وتسكت الناس بالوعود الفارغة وبالتهديدات بدل الإصلاح.

3 ـ اتساع رقعة الثوار وتقوي بعضهم ببعض… وبذلك تتسع رقعة الثورة وتستشري فكرة ضرورة أن يعمل الشعب شيئاً، وليس ذلك الشيء بإصلاح جهة أو تبديل وزير، أو إنصاف مظلوم، لأن الأمر أوسع من هذا، والدولة تأخذ في غرورها أكثر… فترى أنها سيدة الموقف، وأن الذين يعملون ضدها شرذمة قليلون، إذا شاءت الدولة تخترقهم وتكتسحهم، وبذلك يقف الطرفان في صفين متقابلين.

4 ـ تبلور الفكرة الواحدة هدفاً وطريقاً… وتصميم الأمة على الإطاحة بالحكومة – بعد تبلور الفكرة الثورية- مهما كلفها من الثمن، وتأخذ القيادات الصغيرة في الظهور والبلورة، فتجلب انتباه الناس، ويرون فيها بدائل صالحة عن قيادة الحكومة السابقة.

5 ـ ثم يأتي دور المؤسسة الثورية… فتتوسع الطرق المؤدية إلى إنجاز الثورة وتقع الفوضى في البلاد، وتصطف مؤسستا الدولة والثورة إحداهما أمام الأخرى، وتسترخي قبضة الدولة، وتأخذ قبضة الثوار تشتد وتشتد… وتحاول الدولة أن تجعل الحلول الوسطى، لكن الثوار يأبون، وتتفادى الدولة سقوطها ببعض الحلول، مثل تغيير بعض الموظفين، وإلغاء بعض الضرائب، وإطلاق سراح بعض السجناء وإشراك بعض الثوار في الحكم…(24) حتى يتم السيطرة على الحكم.

هذه هي مراحل الثورة الخمس في رؤية الإمام الشيرازي وهي تبين لنا عمق التفكير لدى سماحته، حيث أنه يختزل التجارب والتاريخ في أفكار مختصرة سريعة الهضم بعيدة عن أسلوب التعقيد الذي يتناوله غالبية الكتاب في مثل هذه المواضيع إضافة إلى السباحة في بحر الجماهير وإبعاد الثورة عن التأطير المهني أو النخبوي، ومن أجل إنجاح الثورة يرى الإمام الشيرازي أن هناك عناصر هامة هي:

1 ـ توسعة التنظيم والاستفادة من الطاقات.

2 ـ الوعي الجماهيري وجماهيرية الحركة.

3 ـ أخلاقيات الثائرين، كيف يعامل بعضهم بعضاً؟ وكيف يعاملون الناس؟(25).

ــ وسائل الثورة والتغيير

الوسائل للوصول إلى الثورة والتغيير الشامل المطلوب يمكن استشفافها بوضوح من كتبه وهي ثلاثة:

1 ـ التوعية الإسلامية العامة.

2 ـ العمل الحزبي.

3 ـ اللاعنف.

ويمكننا اعتبار الوسيلة الأولى ركيــــزة من ركائز فكر الإمام الشيرازي العامة، أما الثانية والثالثة يمكن اعتبارهما من الركائز السياسية في فكره، حيث ركَّز عليهما كثيراً، وعدّهما وسائل وغايات وخصوصاً(اللاعنف) وهذا ينمّ عن فكر خلاّق، لأنك سوف تجد من الصعوبة بمكان التفريق بين تصنيفهما كغاية أو وسيلة في الثورة والتغيير.

في بحثي عن الوسائل لن أركِّز على الوسيلة(التوعية الإسلامية العامة) لأنها واضحة للعيان، ولا تحتاج إلى بحث، لأنه يشترك فيها غالبية دعاة الإصلاح والتغيير. وقد أشبعها الكثيرون بالبحث والتنقيب، وفي اعتقادي أن الوسيلتين الأخريين:

(اللاعنف والعمل الحزبي) جديرتان بالاهتمام والتأمل وإلقاء الضوء عليهما.

ــ اللاعنف

اللاعنف أو السلم هو مبدأ رئيس في فكر الإمام الشيرازي، فهو غاية ووسيلة، فهو يرفض كافة أنواع العنف، وينطلق من التاريخ والسيرة والتجربة والنصوص الشرعية لتثبيت هذا المبدأ، ويرى أن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) هم القدوة الحسنة في ذلك المبدأ، ويرى أن الإسلام شعاره السلام والإسلام دين السلام،( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة).

ولذا فإنه يقرر بأننا يجب علينا الالتزام بهذا المبدأ، ومن خلال دراسته لهذا يثبت أن:

ــ السلام أحمد عاقبة.

ــ السلام دائماً.

ــ السلام: سنة الأنبياء والأئمة(عليهم السلام).

ــ السلام: ضمانة بقاء المبدأ(26).

وعندما يأتي الإمام الشيرازي لدراسة فكرة الحرب في كتاب الاجتماع فإنه يرى أن الحرب حالة استثنائية في الإسلام، كــإجراء العملية الجراحية وإلاّ فـــاللازم عند الخلاف تحكيم الحوار، والرضوخ للحق، ولذا فإنه يرى أن تعامل الدولة الإسلامية في سياستها الخارجية يجب أن يكون على أساس السلام، فهي تسعى إلى وقف سباق التسلح وإنهاء الانقلابات العسكرية ونشر العدالة الاجتماعية، والدعوة إلى الفضيلة الإنسانية… والخلاصة أن تكون رائدة في السلام.

كما يرى الإمام الشيرازي أن الحركة الناجحة هي التي تأخذ بسبل السلام وذلك من خلال التالي:

1 ـ يجب أن يتصف القائمون بالحركة بالسلام – تفكيراً وقولاً وعملاً- مع الأعداء والأصدقاء(27).

2 ـ الأخذ بالتعامل السلمي مع أعضاء الحركة… وذلك يعني أن الأعضاء يجب أن يكونوا على وفاق تام لا أن تكون بينهم خلافات أو منازعات أو ما أشبه(28).

3 ـ يجب أن يربي القادة أفراد الحركة على السلام لساناً، فكراً، تأليفاً، عملاً، مهما كلف ذلك..(29).

4 ـ الواجب أن تراعي الحركة الإسلامية العالمية السلام مراعاة دقيقة في شؤونها قبل الحركة وبعد الحركة حين النصر وإقامة الدولة الإسلامية العامة بإذن الله تعالى(30).

وإن تحقيق السلام داخل الحركة الإسلامية في نظر الإمام الشيرازي لا يتم إلا من خلال أمرين رئيسين هما:

5 ـ (فتح المجال) للأجنحة الحرة والقوى المتكافئة والجماعات المختلفة ذات الاتجاهات المتعددة، وإن كان الإطار واحداً وهو الحركة الجماهيرية الإسلامية لكن الأذواق مختلفة بطبيعة الحال.

6 ـ الانتخابات الحرة في داخل الحركة كل سنة أو سنتين أو ما أشبه – حسب قرار الأكثرية- وعلامة حرية الانتخابات التغيير الشامل من القمة إلى القاعدة لا أن تكون الانتخابات مزيفة كما اعتادته بعض الدول وبعض الأحزاب(31).

فالسلام واللاعنف في رؤية السيد الشيرازي مشروع يجب أن يسود في الحياة الشاملة بدءاً من الإنسان الفرد إلى العائلة إلى المجتمع إلى الحركات والأحزاب والتجمعات.. إلى الدول حتى يصل إلى السلام العالمي والشامل، ولذا فإننا نراه في كتابه(الصياغة الجديدة) يبشِّر بعالم جديد قائم على الإيمان والحرية والرفاه والسلام.

ــ العمل الحزبي

الأحزاب أو التنظيم يمثل قمة الفكر الشيعي الإسلامي، وواقع الأمر أن العمل الحزبي إذا استخدم في الإطار الصحيح، فإن له مردودات إيجابية على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لأنه الأسلوب الأفضل للمشاركة السياسية، ووسيلة حضارية للنضال ضد الواقع السيئ في الأمة، فهو يجمع الشتات ويوجهه نحو الهدف الأسمى، لذا فإنه أحد الوسائل الأكثر أهمية في الثورة والتغيير الاجتماعي، ولذا قلما نشاهد ثورة ما وصلت إلى أهدافها من دون وسيلة العمل الحزبي، وذلك لأنها هي الوسيلة الفعالة لتحريك الجماهير وانخراطها في مسيرة الثورة والتغيير.

يدرس الإمام الشيرازي مسألة العمل الحزبي من زاويتين رئيسيتين هما:

1 ـ التنظيم قبل الثورة.

2 ـ الأحزاب بعد تشكل الدولة الإسلامية.

وسوف يلاحظ المتتبع لقراءة فكر الإمام الشيرازي أن الزاوية الأولى درسها بشكل موسع في كتاب(السبيل إلى إنهاض المسلمين) أما زاوية الأحزاب الفكرية خصص لها بحثاً موسعاً في كتاب(الفقه السياسي) لتوضيح رؤيته الفكرية تجاه الأحزاب، فالإمام الشيرازي في تبنيه للدعوة في العمل الحزبي يرتكز على أسس شرعية(أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم) وأسس حياتية وضرورية التنظيم، والأهم من ذلك الأساس الأهم وهي ركيزة الحرية التي تتيح تبني العمل الحزبي.

يعتقد الإمام الشيرازي بأن(التنظيم الأرضية الصلبة لحكومة ألف مليون مسلم… والتنظيم واجب شرعي وسنة كونية، وضرورة حيوية ملحة بالنسبة إلى الأمة الإسلامية)(32)، كما أنه يرى أن صفات التنظيم الإسلامي عديدة أبرزها:

1 ـ الشورى.. من الضروري أن يكون التنظيم استشارياً، لا استبدادياً(33).

2 ـ التوعية.. فالتنظيم إذا لم يكن توعوياً لم ينجح في تخطيطه وعمله وسلوكه(34).

3 ـ أن يكون التنظيم حديدياً مع حرية القاعدة في انتخاب القيادة، وذلك لكي لا يتحول التنظيم ديكتاتورياً(35).

4 ـ الجماهيرية.. أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير، وأن ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد. حيث يرى أن جماهيرية التنظيم لا تتحقق إلا بمقومين:

الأول: القيادة النموذجية النزيهة.

الثاني: احترام الجماهير(36).

وبعد أن يحدد الإمام الشيرازي أبرز سمات التنظيم الإسلامي الناجح يضيف صفات أخرى على شكل أخلاقيات يجب أن يتميز بها التنظيم وهي:

1 ـ الاستقامة.. فإن الاستقامة توجب جلب الناس حول المجاهد(37).

2 ـ نظافة القائمين بالحركة… يجب أن يكون القائمون بالحركة نظيفين لساناً، قلباً، أُذناً، عيناً، يداً، رجلاً، جنساً، مالاً، أصلاً، وغير ذلك، لأن الإسلام بناء متكامل(38).

3 ـ الصمود… يجب أن يكــــون الإنسان صامداً لأجل اللـــــه ولأجل ثوابه ولأجـــــل رضاه لا لأجل أن ينال الدنيا الآن أو في المستقبل(39).

4 ـ زهد القادة.. الواجب علـــى القائمين بالحركة أن يتـــــزهدوا في الــــدنيا، فإن الزهد يوجب أولاً كثرة العمل وثانياً التفاف الناس(40).

5 ـ رعدم حب الشهــــرة.. إن حب الشهرة وحب الـــــسمعة وحب أن يقال عن الإنسان الخير.. هذا الحب يوجب غمط حق الآخرين(41).

6 ـ الإخلاص.. فإن للإخلاص فائدتين: لطف الله والتفاف الجماهير حول الحركة(42).

7 ـ الابتعاد عن السلطات.. القائمون بالحركات يجب عليهم الابتعاد عن السلطات الديكتاتورية التي ملأت البلاد الإسلامية، لا لدفع الاتهام فحسب، وإنما لأجل أن المقترب من السلطان وأعوانه لا بدّ وأن ينزلق(43).

أما من زاوية الأحزاب في الدولة الإسلامية فلقد أفرد لها الإمام الشيرازي بحثاً مطولاً في(الفقه السياسة) وخلاصة رؤيته أن الأحزاب عامل تقدم للحياة السياسية لأنه يتيح حرية التعبير في أُطر منظمة وتحت ظل ولي الفقيه القيادة الإسلامية في الحكم الإسلامي المرتقب.

يرى الإمام الشيرازي أن للأحزاب معطيات وفوائد هي:

1 ـ انتخاب الأصلح.

2 ـ تحكيم إرادة الشعب.

3 ـ مدرسة السياسة التطبيقية.

4 ـ تحمل المسؤولية السياسية.

5 ـ مدرسة الانضباط الفكري والعملي.

6 ـ صنع التنافس الخلاق.

7 ـ تقديم الشعب إلى الإمام(44).

كما يرى الإمام الشيرازي أن النضج السياسي والفكري في الحزب أمر مهم، فالنضج في نظره عبارة عن:

1 ـ فهم السياسة والاقتصاد فهماً كاملاً.

2 ـ الاتصاف بالحزم واللين والاستقامة وروح الشورى والواقعية(45).

ويعتقد الإمام الشيرازي أن موقف الإسلام تجاه الأحزاب يتحدد بشروط إذا حازها الحزب فإنه يكون خارج عن نطاق التحزب الذي حرمه الشرع، والشروط هي:

1 ـ ألا يكون الحزب مقدمة للبرلمان الذي يحكم حسب الآراء والأهواء.

2 ـ أو أن يكون سبباً لقبض أزمّة السياسة في البلاد من دون الانضواء تحت لواء الفقيه العادل الجامع للشرائط.

3 ـ أو يكون سبباً لتسليط من لا ترضى به أكثرية الأمة، ولو كان فقيهاً عادلاً(46).

وأخيراً يقرر أمور عديدة في هذا المضمار أهمها أمرين:

1 ـ لا يجوز للحزب أن يجنح إلى الأساليب الملتوية غير أسلوب الشورى وأكثرية الأمة، في سبيل تقديم مرشحه للرئاسة.

2 ـ أن لا يستبد الحزب بالأمر، فالحزب الواحد استبداد لا يجوز شرعاً، لأنه إضاعة لحق سائر المسلمين.

ــ كيف ينهض المسلمون؟

يجيب الإمام الشيرازي على هذا السؤال في كتابه(السبيل إلى إنهاض المسلمين). حيث خصص قرابة الخمسمائة صفحة للإجابة عن هذا السؤال، ولخص أسباب النهوض من المأزق الذي يعيشه المسلمون والوصول إلى حكومة ألف مليون مسلم بستة أُسس:

الأساس الأول: مقومات الدولة الإسلامية الواحدة.

الأساس الثاني: التنظيم.

الأساس الثالث: التعاون.

الأساس الرابع: السلام.

الأساس الخامس: الاكتفاء الذاتي.

الأساس السادس: منهج الحكم الإسلامي.

تلك كانت إطلالة وتأملات الفكر السياسي عند الإمام السيد محمد الشيرازي، وبلا شك أن ما سطرناه لا يخرج عن نطاق الملاحظات الأولية، وهو ما اعتبرناه ركائز سياسية رئيسية، وتجدر الإشارة أن هناك الكثير من الأفكار والركائز تستحق الدراسة والمطالعة في فكر الإمام الشيرازي، فالوحدة الإسلامية على صعيد الحركات والشعوب أو المذاهب هي ركيزة مهمة في فكره، ولقد بشر بها في الكثير من دراساته، ومن يريد المزيد فعليه بمطالعة ثلاث كتب حول الفكر السياسي عند الإمام الشيرازي وهي:

1 ـ ملامح النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي – محمد غالب أيوب – دار المنهل للطباعة والنشر، بيروت 1141هـ ــ1991م.

2 ـ الفكر السياسي عند الشيعة: د.فهمي الشناوي، مؤسسة الفكر الإسلامي للثقافة والإعلام، بيروت 1141هـ ــ1991م.

3 ـ الإسلام مشروع المستقبل.. دراسة في فكر الإمام الشيرازي، محمد قاسم، دار النخيل للطباعة والنشر، بيروت 1413هـ ــ1993م.

حيث حاولت الكتب الثلاث تسليط الضوء بشكل قوي حول فكر الإمام الشيرازي، مع اعتقادي الجازم بأنه لا زالت هناك زوايا مظلمة تحتاج إلى من يلقيى عليها الضوء، ويكشف لجماهير الأمة الإسلامية عمق هذه الأفكار السياسية المؤصلة شرعياً. 

 

1 ـ الفقه السياسة ج2- ص213.

2 ـ الفقه السياسية ج2- ص214-238.

3 ـ انظر الصياغة الجديدة للعالم والإيمان والحرية والرخاء والسلام ص316-321 مؤسسة الفكر الإسلامي ــ بيروت.

4 ـ الفقه السياسة ج1- ص34.

5 ـ الفقه السياسة ج2- ص147-148.

6 ـ المصدر السابق.

7 ـ انظر: فقه الاجتماع ج2- ص150-154.

8 ـ الشورى في الإسلام ص11.

9 ـ للمزيد انظر: ناصر حسين الأسدي، شورى الفقهاء المراجع، دار الفكر الإسلامي، بيروت.

10 ـ الفقه السياسة ج2- ص271.

11 ـ المصدر السابق ص272.

12 ـ للمزيد انظر: السيد مرتضى الشيرازي – شورى الفقهاء – دراسة فقهية وأصولية- قم المقدسة.

13 ـ انظر: الشهيد مطهري – الاجتهاد في الإسلام.

14 ـ الفقه الدولة الإسلامية ج1 ص9-14 دار العلوم – بيروت.

15 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين ج1- ص7 مطبعة سيد الشهداء – قم المقدسة.

16 ـ الفقه السياسة ج2- ص280-284.

17 ـ المصدر السابق ج2 ص286-287.

18 ـ المصدر السابق ص256.

19 ـ الفقه السياسة ج2 ص270-271.

20 ـ الفقه الإجتماع ج2 ص130 دار العلوم – بيروت.

21 ـ المصدر السابق ص132.

22 ـ المصدر السابق ص133.

23 ـ المصدر السابق ص134.

24 ـ الفقه الاجتماع ج2 ص135-136.

25 ـ المصدر السابق ص138.

26 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين ص186-207 مطبعة سيد الشهداء – قم المقدسة.

27 ـ المصدر السابق ص190.

28 ـ المصدر السابق ص108.

29 ـ المصدر السابق ص202.

30 ـ المصدر السابق.

31 ـ المصدر السابق ص224.

32 ـ المصدر السابق ص53.

33 ـ المصدر ص63.

34 ـ المصدر ص67.

35 ـ المصدر ص71.

36 ـ المصدر ص81-83.

37 ـ المصدر ص106.

38 ـ المصدر ص110.

39 ـ المصدر ص115.

40 ـ المصدر ص126.

41 ـ المصدر ص133.

42 ـ المصدر ص137.

43 ـ المصدر ص160.

44 ـ الفقه السياسة ج2 ص127-136.

45 ـ المصدر السابق ص106.

46 ـ المصدر السابق ص117.