|
لقاء مع آية الله السيد محمد علي الطباطبائي |
|
إعداد مركز الدراسات والبحوث س: حبذا لو بدأتم بتعريف حول شخصية سماحة الإمام الشيرازي؟ ج: يعد السيد الشيرازي من نوادر العلماء، ولقد كنا في بغداد نسمع عن علمه واجتهاده وكنت في أوائل شبابي قبل حوالي ثلاثين سنة، وقد التحقت بالسلك الديني ورجال الدين بفضل تشجيعه. وما أن تعرفنا على سماحته حتى تعرفنا على الخير والفضيلة والأخلاق والتقوى. ولقد تأثرت من شخصيته وعلمه. لقد كان للسيد المشاريع الكثيرة في كربلاء، ومن جملة مشاريعه فتح مكتبات للمطالعة العامة وكان يشجع على افتتاح مثل تلك المكتبات، ومدرسة حفاظ القرآن المعروفة في كربلاء للشؤون الدينية ومدرسة الكتاب والقرآن لتخرج الخطباء، التبليغ السيار اليومي، هيئة القرآن، الدور التي أولاها اهتماماً كبيراً، كذلك المستوصفات الخيرية، والمشاريع. ولقد كان يؤثر المشاريع الخيرية العامة على نفسه، فالمال الذي يأتيه لشؤونه الخاصة يصرفه عــــلى المشاريع أكثر مما يصرفه على نفسه. وكان يوصي طلبته القائمين على التبليغ بعدم ترك التبليغ خصوصاً في موسمه. ولقد طور السيد الشيرازي طريقة عرض الكتب الفقهية الأصولية سيما الدراسية في الأسلوب والتوسع والاختصار كل في موقعه وحسبه. س: لقد اضطلعتم بمهام تدريس البحث الخارج في الفقه، وقد طرقتم أبواب الآخرين فحضرتم بحوث الخارج للسيد الخوئي والسيد الشيرازي. السؤال ما هو تقييمكم لإنجازات الإمام الشيرازي الفقهية والأصولية سيما الموسوعة الاستدلالية في الفقه للإمام الشيرازي؟ ج: تتسم موسوعة الفقه للسيد الشيرازي عن بقية الكتب الأخرى بتبسيط الأسلوب على طلاب بحث الخارج، وتمتاز هذه الموسوعة الفقهية: أولاً: غزارة المطلب وبساطة الأسلوب في بعضها. ثانياً: جامعة لما استدل به الفقهاء. ثالثاً: إنها تمتاز عن الموسوعات الاستدلالية الأخرى في المسائل الفرعية زيادة أدلة وتوجيهات لم يتطرق لها الآخرون ممن تقدموا السيد الشيرازي. رابعاً: تحتوي على توجيهات جديدة في استدلالها في المسائل الأساسية والفرعية في الفقه. والواقع أن سماحة السيد الشيرازي يعد مجدد هذا القرن من علماء المسلمين. خامساً: شرع في إضافة علوم جديدة مستقلة في علم الفقه الاستدلالي، لم يسبقه أحد بل لم يقارنه في هذا المنهج و أحد من المعاصرين. وإن من يتدارس موسوعته ويطلع عليها من أهل الفن في علوم الفقه والأصول يقول بأفقهيته وأوسعيته ليس في علوم الفقه فحسب بل في كثير من العلوم فيشارك المفسر في تفسيره الفلكي في علمه والمتكلم في علم الكلام، والرياضي في حسابه. س: سماحة العلامة السيد الطباطبائي: لقد كنتم من الذين عايشوا سماحة الإمام الشيرازي لفترة طويلة وعرفتم الشيء الكثير عنه وكنتم شاهد حال لمعالم السيد الإمام الأخلاقية وتعامله مع المجتمع. السؤال ما هي أبرز صفات السيد الإمام؟ ج: يتحلى الإمام الشيرازي بالحلم الشديد، فيقابل المعاند والجاهل والمتعدي في حدود آداب التعامل، فيحسن لمن يسيء له. وكما هو مروي الحلم سيد الأخلاق. فلقد رأينا من سماحته الحلم الذي لا مثيل له. وكم هم أولئك المغرضون الذين كان همهم الإساءة إلى سماحة السيد شخصاً ومنهجاً والذين سعوا لاستنقاص سماحته فكان يقابلهم بكل خير. ومن صفات السيد الإمام حسن الاستماع لمن كان معه في الكلام. ومن صفات سماحته الزهد في هذه الدنيا فلا بذخ ولا ترف في طعامه ولباسه أو مسكنه. فالسيد يملك بيتاً متواضعاً وما أتي له بطعام فطلب غيره. ولا يطلب الأكل بل يقوم بنفسه. والسيد كريم معطاء، لم أسمع عنه أنه شتم إنساناً أو عاداه. وكما قلنا أن سماحته حليم بل وشديد الحلم فإنه يكتفي في غضبه بأن إذا كان قاعداً وقف ثم قعد وحسبه ذلك. وأتذكر قصة هي أن إنساناً قد امتلأ قلبه حقداً على السيد جاء لسماحته في مدرسة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وصار يشتمه ويتلفظ بكلمات بذيئة فهم البعض بإخراجه بالقوة إلا أن سماحته رفض ذلك وطلب منهم تركه. ومن صفات سماحته من الناحية الفكرية أنه إذا كان في شيء من أمور العلم – بحثاً، كتابة، إلخ. يستجمع كل قواه الفكرية في ذلك الشيء وهذا توفيق من الله. حقاً إنه نابغة في الفقه والأصول وكيف لا فهو يتميز بسرعة البديهة ويستحضر أدلة المسائل بمختلف الجوانب ولا يتلكأ في إجابته لا عن حفظ بل عن إدراك وفهم عميقين. وهو الذي بدأ في كتابة موسوعته العلمية في الفقه الشهيرة وهو ما زال شاباً. فإذا نظرت في أول كتاباته الفقهية رأيت فيها العمق وغزارة البحث وسعة التنقيب عن الأدلة والبراهين لكل مسألة، وكان في موسوعته شديد التدقيق، غزيراً في التحقيق. س: ما هي نظرتكم لمن يستلم مهام القيادة المرجعية وبالذات في هذه الفترة؟ ج: ليس يخفى على أحد أن سماحة السيد الشيرازي اشتهرت مرجعيته في سنة 1381هـ أي بعد وفاة والده ولقد كان مرجع كربلاء وما حولها مع وجود الإمام الحكيم(قده) ولقد كان معتمد الفتوى. ولقد أيده الإمام الحكيم(قده) بوكالة مطلقة في إدارة أمور الحوزة. هذا إن دل إنما يدل على قناعة السيد الحكيم(قده) بسماحة الشيرازي. ثم أود القول أن هناك مرجعاً ومرجعاً أعلى، والمرجع الأعلى في نظري ذلك الفقيه القادر على إدارة شؤون المسلمين والتعاطي معها ويمتلك القدرة والأهلية لتلك الإدارة. فالمرجع الأعلى أعلى وأكبر من كونه مرجع تقليد فلقد شهد في القديم تعدد مراجع التقليد المحليين – مراجع تقليد- إلا أنه تبقى مرجعيتهم في حدود معينة. وإن تعدد المراجع ليس فيه مشكلة والفضلاء يدركون هذا جيداً فمن يقلد مرجعاً معيناً يبقى احترامه لبقية المراجع بنفس القدر وما يُرى اليوم من محاولات البعض ممن يرتكبون خطأ من حيث يعلمون أو لا يعلمون وهو أنهم يبخسون حقوق الآخرين هذا خلاف الأخلاق والمبادئ الإسلامية(ولا تبخسوا الناس أشياءهم). فالسيد الشيرازي رجل عالم كبير ومجاهد له رؤية ثاقبة ودقيقة في تشخيص ومعالجة المشاكل التي تعترض سبيل الأمة والطائفة فهو جدير بإدارة أمور المسلمين فهو في نظرنا الذي يستحق عن جدارة وكفاءة علمية وإدارية لأن يكون المرجع الأعلى للطائفة. ولكن أعود وأؤكد أن للكل الحق في تقليد من يشاء ولكن من الواجب أن يحترم الجميع وألا ينقص قدر واحد منهم. وليس في الرواية الداعية للتقليد ما يشير إلى أن من يقلد شخصاً يجوز له استنقاص الآخرين(وأما الحوادث الواقعة… الخ). وفي رواية أخرى: من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه: فللعوام أن يقلدوه. أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) تجيز لكل الناس أن يتبعوا من له هذه الصفات لكن في هذا العصر قد تعقدت الأمور وتطورت، واستجدت مباحث جديدة فلا بد أن يكون المرجع متفهماً لما يمس واقع الناس وهذه من واجبات المرجع الأعلى بالدرجة الأولى والسيد الشيرازي له القدرة لأن يكون المرجع الأعلى للطائفة. ــ ولذا في نظري ــ هو الأعلم والأفقه والقادر على إدارة أمور المسلمين. |