الفهرس

    

الصفحة الرئيسية    

 

لقاء مع سماحة الشيخ ناصر الأسدي

س: سماحة الشيخ ناصر حسين الأسدي، أنتم على معرفة قريبة بسماحة آية الله العظمى السيد الشيرازي(حفظه الله)، وتعرفون مستواه العلمي، وأنتم مطلعون على كثير من أحواله(تدريساً وبحثاً) نرجو من سماحتكم التعرض بالتفصيل لهذه المسألة؟

ج: في جواب السؤال الذي تفضلتم به حول علمية سماحة المرجع(حفظه الله)، يمكن أن يقال الكثير الكثير، لعل أبرز ما كتب في تاريخ الطائفة، بل في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ كل الحضارات البشرية سعة ونضجاً، هو موسوعة الفقه الاستدلالي التي خطها يراعه المبارك.

الكلام حول(موسوعة الفقه) كثير، ولضيق الوقت لا يسعنا إلا التكلم فيما يمكننا التطرق إليه.

قال المحقق اليزدي(رضوان الله عليه) في كتاب(العروة الوثقى) في مسألة الأعلمية(المسألة 17) ما يلي: (المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر اطلاعاً لنظائرها وللأخبار، وأجود فهماً للأخبار والحاصل أن يكون أجود استنباطاً والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط).

ومن يراجع موسوعة الفقه ويطلع ولو على حلقة واحدة أو حلقتين منها وهو من أهل الخبرة وذوي القدرة على تشخيص الموارد التي ذكرت في تعريف السيد اليزدي(قده) ومن المطلعين على الموازين الاجتهادية والعلمية يكتشف بكل وضوح أن هذه الموازين بأجمعها تنطبق على سماحة المرجع(دام ظله) بدليل(موسوعة الفقه).

1 ـ فالروايات في هذه الموسوعة روايات كثيرة ولم ترد في أي موسوعة أخرى فالموسوعات الأخرى تعتمد على النصوص الفقهية للروايات الموجودة في(وسائل الشيعة) للحر العاملي و(مستدرك الوسائل) للميرزا حسين النوري وأمثال هذين الكتابين.

أما سماحة السيد المرجع فيعتمد مضافاً إلى هذين الكتابين وكتب الجواهر والحدائق والرياض والمسالك وأمثالها، يعتمد على روايات لم تذكر في تلك الكتب، فسماحته يذكر رواية ــ على سبيل المثال ــ من كتاب(ثواب الأعمال)، وأخرى من كتب التاريخ، وثالثة من كتاب(محاسن البرقي) و….غيرها مما لم يذكر في(الوسائل) ولا(مستدرك الوسائل) ولا في الموسوعات والكتب الروائية الأخرى.

تباحث سماحة المرجع في أيام دراسته كتاب(وسائل الشيعة) مباحثة علمية وكذلك موسوعة(بحار الأنوار) بأكملها، وجمع بين روايات الوسائل وروايات المستدرك في موسوعة أسماها(وسائل الشيعة ومستدركاتها)، وألف في الحديث وشرح الصحيفة السجادية وشرح نهج البلاغة، وكتب الفقه(الآداب والسنن) في(4 مجلدات) وفي تلك الكتب الكثير من الأحاديث.

ومن يعاشر سماحته يسمع منه الكثير من الروايات التي لم تذكر في الكتب الروائية المعروفة.

هذا يدل ــ بصورة جلية ــ على أن معلومات سماحته في الحديث أكثر وأوسع من معلومات الآخرين وإذا ما أتيح لجهة أن تحقق(موسوعة الفقه) وتجمع الأحاديث الموجودة فيها، فسوف يتبين ــ بكل وضوح ــ أن معرفة سماحته بالحديث أوسع وأكثر وأكبر من معرفة ومعلومات الفقهاء الآخرين.

هذا من الجانب الكمي في معرفة سماحته بالأحاديث.

2 ـ أما من الجانب الكيفي، أي الفهم العميق والنضج وإدراك المقصود من النص، فهذا يتبين من شخصية أي فقيه أو إنسان، شخصيته الأدبية ومدى معرفته بقواعد الأدب العربي، لأن الأحاديث جاءت في مجتمع عربي بليغ فصيح، فمن يريد الفهم العميق للنص عليه أن يفهم الأدب العربي فهماً جيداً، ويفهم العرف العربي جيداً.

نقل عن الفقيه الهمداني(رضوان الله عليه) اشتهاره بالأعلمية في زمانه اعتماداً على معرفته الجيدة والمتكاملة وفهمه الجيد للعرف.

وسماحة السيد المرجع بالنسبة إلى علومه الأدبية، فإنه ــ في أيام دراسته ــ حفظ القرآن الكريم، وحفظ ألفية ابن مالك في النحو، وحفظ مقامات الحريري، وحفظ نهج البلاغة والصحيفة السجادية ونصوص المطول للتفتازاني، وهو شرح(مفتاح العلوم) للسكاكي، فمعرفته بالأدب والقواعد النحوية عموماً ــ أعم من الصرف والنحو والبيان وعلوم البلاغة ــ أعطته قدرة فائقة في فهم النصوص، فسماحته يطرح بعض المسائل ــ أحياناً للضرورة ــ في النحو، ويناقش أفقه فقهاء النحو وهو سيبويه، مما يدل على أن سماحته له آراء اجتهادية في بعض المسائل الأدبية والنحوية، ومثل هذا الإنسان، يستطيع فهم النص أكثر من غيره.

3 ـ أما بالنسبة إلى فهم العرف، فالذي يعرف شيئاً عن حياة سماحة السيد المرجع، يعرف تاريخه والتصاقه بالعرف وتعامله اليومي مع مختلف الشخصيات من مختلف الشرائح الاجتماعية، فهو يجلس مع البقال والعطار وابن السوق، كما يجلس مع الفقهاء والقادة السياسيين وحملة الشهادات العلمية الراقية، ويجلس مع الضابط العسكري ومدير المعمل ومدير المدرسة والنائب في المجلس.

وهذه العلاقات المكثفة الطويلة مع شرائح المجتمع، أعطت سماحته معرفة عالية وناضجة بموازين العرف، والذي يجمع بين الشخصية الأدبية والمعرفة الدقيقة للعرف والموازين الدقيقة، يكون أقدر من غيره على فهم النصوص الفقهية، وأقدر من غيره في استنباط الحكم الصحيح.

لقد حضرت بحث جملة من أساتذة(بحث الخارج) ومن أئمة الأدب، واستغربت حينما رأيتهم يفهمون النص بصورة مخالفة للعرف يشكل عليها أبسط فرد في المجتمع.

أحد العلماء البارزين المعروفين في الحوزة العلمية، يستنبط من النص حكماً غير صحيح لعدم فهمه ومعرفته بالموازين العرفية. هذا بالنسبة إلى فهم العرف.

4 ـ أما بالنسبة إلى الموازين الأخرى للأعلمية كمعرفته بمدارك المسألة فهذا يفهمه جيداً ويعرفه كل من راجع(موسوعة الفقه) أو حلقة منها، وراجع – للمقارنة- كتاباً آخر وموضوعاته أو موسوعة أخرى.

وقد رأيت الفقهاء القائلين بالأعلمية ووجوب تقليد الأعلم، يستدلون على مبناهم بأدلة أربعة، أما سماحة السيد المرجع، ففي الحلقة الأولى من موسوعته في كتاب(الاجتهاد والتقليد) يذكر تسعة أدلة، معنى هذا أنه أعرف بالمدارك فالفقيه الذي يذكر دليلين على مسألة لإثباتها أعلم من الفقيه الذي لا يذكر إلا دليلاً واحداً، و(موسوعة الفقه) دليل واضح على اطلاع سماحته بالمدارك وعلى تفوقه على غيره، وأن قدرته في الاستنباط أكثر من قدرة غيره، واستدلاله على المسائل أكثر من سواه.

5 ـ كل ما يقال بالنسبة إلى أعلميته بالمدارك، يقال ــ أيضاً ــ عن معرفته بالأشياء والنظائــــر وعن جودة استنباطه(حفظه الله)، فالفقــــيه الذي فهم العرف جـــــيداً، وكذلك نصوص الكتب الفقهية، هو أعرف وأعلم من غيره، لأن الفقيه الذي يؤلف حوالي(115) مجلداً في الفقه، راجع أكثر من غيره، وحقق أكثر ــ قطعاً ــ فالذي راجع عشرين مصدراً في فقه الاستدلال أقوى ممن راجع عشرة مصادر فقط.

في حوار لي مع أحد الأخوة قلت له: (تستطيع أن تأخذ حلقة واحدة من(موسوعة الفقه) وتخلع غلافها، وكذلك تفعل مع كتاب من موسوعة أخرى في نفس الموضوع والبحث، ثم تعطي الحلقتين إلى مجتهد كبير ليقارن بينهما، ثم تسأله: من الأعلم فيهما؟ من الأعلم من مؤلفي هذين الكتابين؟! سيجيبك بكل صراحة: إن مؤلف هذا الكتاب(ويشير إلى كتاب سماحة السيد) أعلم من مؤلف الكتاب الآخر…..).

وهناك جمع كبير من العلماء العظام، ومن الذين يشار إليهم بالبنان، ومن الذين شهدت الحوزات العلمية بأجمعها على رقي مكانتهم العلمية وخبرتهم وتجاربهم الواسعة، أقروا بالأعلمية لسماحة السيد المرجع، أذكر بالاسم سماحة آية الله العظمى السيد عبد الله الشبستري، وهو صاحب رسالة عملية، وكان من زملاء آية الله العظمى السيد أحمد الخوانساري(رضوان الله عليه) الذي كان من أساتذة الإمام الخميني(رحمة الله عليه)، فالسيد الشبستري من زملاء أحد أساتذة الإمام، وتباحث مع السيد الخونساري في موسوعة الجواهر، وهو رجل لا يشك أحد من الذين يعرفونه في شخصيته العلمية ونبوغه في الفقه والأصول وله إلى جانب رسالته العملية تعليقه على العروة الوثقى، وأهل الخبرة يعلمون أن التعليقة على العروة الوثقى عمل صعب ومعقد جداً ويتطلب من الفقيه أن يدرس مسألة مسألة، ويناقش أدلتها ونقدها وإبرامها وبعد ذلك يخرج برأي ويعلق على تلك المسألة في العروة.

فالسيد الشبستري ــ وهو صاحب هذا الثقل العلمي الرفيع ــ يقر إلى سماحة السيد المرجع بالأعلمية، وقد كتب ذلك ووقع عليه بختمه الشريف.

ومن الذين أقروا لسماحة السيد بالأعلمية آية الله العظمى السيد محمد الفاطمي وهو من الفطاحل العظام وممن درس الخارج أكثر من عشرين سنة، وله ــ أيضاً ــ رسالة عملية وتعليقة على العروة الوثقى.

في العام الماضي(قبل حوالي سنة) سئل عن الأعلم في هذا الزمان، وسئل عدة مرات ومن عدة جهات عن رأيه حول الأعلم، فأجاب في إحدى الإجابات بما مضمونه: (عقدت جلسات علمية متعددة مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي، وراجعت بدقة وتحقيق مجموعة من كتبه كـ(الفقه البيع) والأصول(مباحث الألفاظ) و(المباحث العقلية) فثبت لدي أنه الأفقه والأعلم من غيره…).

ومن يتخذ جانب الإنصاف ويترك الاعتساف يصل إلى هذه الحقيقة، فهذا الرجل العظيم(السيد الفاطمي) الذي لا كلام في شخصيته العلمية يقر بأعلمية السيد المرجع.

ومثل هذين العلمين العشرات في الحوزة العلمية وأذكر شخصية ثالثة وهو آية الله الشيخ اختر عباس النجفي(حفظه الله) وهو كبير علماء الباكستان وأعلمهم وأستاذهم، ويبلغ من العمر حوالي ثمانين عاماً، وحينما يسأل عن الأعلم من الفقهاء يجيب: (إنني أعرف العلماء الموجودين حالياً في مدينة قم المقدسة وفي النجف الأشرف، وإن كنت أقل منهم عمراً أو مساوياً لعمر بعضهم، وكذلك لي علم بمعرفتهم وعلمهم وفضيلتهم، والعالم يعرف بدرسه وكتبه وبهذا الميزان نحن نرى أن سماحة آية الله العظمى المرجع الكبير السيد محمد الشيرازي(دام ظله العالي) هو أفقه معاصريه من العلماء، حيث نرى ذلك فيما كتبه في علم الفقه كالموسوعة الفقهية الاستدلالية وما كتبه في كتاب القضاء والذي أصبح مرجعاً للقضاء وفي الأصول وعلم الكلام والاقتصاد والسياسة وسائر العلوم، والكثيرون من العلماء يستفيدون من كتبه في الحوزات العلمية، وكذلك فإن السيد الشيرازي معروف زهده وتقواه بأعلى المراتب والدرجات، فهو في هذا العصر الحاضر مرجع تقليد، وفي تقليده رضى إمام العصر،(عجل الله تعالى فرجه)….).

فقامت البينة الشرعية التي تواتر رجالها وكثروا بحيث يحصل عند الإنسان الاطمئنان الكامل بأن سماحة السيد المرجع هو الأعلم من الفقهاء المعاصرين جميعاً. وهناك تقاريظ(حوالي 10) من الفقهاء المحترمين حول موسوعة الفقه، وتقاريظهم موجودة لدينا وهم يؤكدون على أن موسوعة الفقه دليل الأعلمية، ويؤكدون أن كاتب هذه الموسوعة هو(يتيمة الدهر) ونابغة العصر والأوحدي في هذا الزمان، فتجمعت الأدلة والقرائن التي تثبت أن سماحته أعلم من غيره، ونحن نقول ونطلب من أهل الخبرة أنه فيما لو شك أحد في أعلمية سماحته، فيمكن لأهل الخبرة أن يعدوا مجموعة من الأسئلة الفقهية والأصولية ويزوروا سماحته، فباب بيته في قم المقدسة مفتوح ويستقبــــل يومياً الوفود العلمية والسياسية والشعبية، ويستطيع أهل الخبرة أن يلتقوا بسماحته ويتحققوا في الأمر، وفي نفس الوقت يستطيعون أن يزوروا غيره ممن فيه احتمال الأعلمية، وينظروا ويقارنوا بين جواب سماحته وبين أجوبة غيره.

وأقول مطلعاً: (أن لجنتين قد تشكلتا، إحداهما قبل ست سنوات تقريباً، والأخرى قبل سنتين، وأعضاء اللجنتين تجولوا على المراجع وزاروهم وطرحوا عليهم مجموعة من الأسئلة العلمية، وبعدما أكملوا المشوار مع كل فقيه وصلوا إلى هذه الحقيقة، وهي أن سماحة المرجع أقوى في الجواب وأسرع، وجوابه أكثر إقناعاً من غيره وأنه مستحضر للجواب دائماً، واقتنعوا بأن سماحته هو الأعلم، وعلى شهادة هؤلاء وتحقيق آخرين أفتى بعض الفقهاء بأن سماحته هو الأعلم).

ومسألة الأعلمية ــ كما يعلم أهل الخبرة ــ إنما هي مطروحة في الأعلمية الفقهية لا الأصولية، فإذا وجد فقيهان أحدهما أعلم من الآخر في الأصول والثاني أعلم في الفقه، يجب على الأمة أن تقلد الأعلم في الفقه لا الأعلم في الأصول والعلوم الأخرى، ويجب على أهل الخبرة أن يشيروا على الأمة أن تتبع وتقلد الأعلى في الفقه لا الأصول، وموسوعة الفقه دليل واضح لا لبس فيه ولا رد عليه على أعلمية سماحته، ومن أراد فهذه الموسوعة موجودة وهؤلاء أهل الخبرة موجودون، وذاك سماحة السيد في قم يستطيع أن يحقق ويبدي رأيه في ذلك الأمر.

س: سماحة الشيخ، يجرنا الحديث عن مكانة السيد المرجع العالية في الفقه والاستدلال والأصول، إلا أنه ــ أيضاً ــ هو صاحب النبوغ العلمي المبكر، فلو تفضلتم ببيان ذلك؟

ج: هناك رجال في التاريخ، لهم مواهب ربانية أفاضها الله عليهم، واستطاعوا في وقت مبكر من عمرهم أن يحققوا إنجازات ضخمة في حياتهم، فينقل عن فخر المحققين ابن العلامة الحلي أنه بلغ درجة الاجتهاد وعمره(13 سنة) فقط، وكثير من الفقهاء والعظماء والمخترعين في التأريخ نبغوا مبكرين أيضاً.

وحالياً يوجد بعض أصدقاء السيد منذ الصغر، وهؤلاء مجمعون على أن سماحته حقق نبوغاً منقطع النظير، نبوغاً واضحاً ومشهوداً في المراحل الأولى من حياته، فألف كتاباً وعمره حوالي(15 سنة) أو أقل، وبدأ بالتأليف ولما يبلغ العشرين من عمره، وكان والده(رضوان الله عليه) قد اجتمعت كلمة العلماء على فضله وعلمه وتقواه، ولو أن الله مد في عمره لكانت المرجعية العليا للطائفة قد آلت إليه، إلا أنه توفي قبل السيد الحكيم وقبل السيد الميرزا عبد الهادي الشيرازي(رضوان الله عليهما) وكان هذا الرجل مضرب الأمثال في ذلك كله، فلقد سمعت من بعض من عاشره كرامات وأمور خارقة، فمرة كان يصلي في جامع العطارين صلاة الجماعة فورد عليه جمع من تجار طهران، وكانت لديهم مسألة فقهية صعبة، فسألوا الميرزا مهدي الشيرازي(رحمه الله) فقال: اصبروا قليلاً حتى أصلي ثم أجيبكم بالتفصيل، فقالوا: إن موعد سفرنا قريب، ولا يمكننا الانتظار، فأشار عليهم أن يلجأوا إلى سماحة السيد محمد الشيرازي(ابنه) وكان عمره حينذاك حوالي 23 سنة أو أقل من ذلك، فأجابهم عليها.

وسمعت من سماحة العلامة الحجة السيد محسن الخاتمي(حفظه الله) ــ وهو والد سماحة العلامة الحجة السيد أحمد الخاتمي(حفظه الله) ــ والسيد أحمد الخاتمي عالم وخطيب ويضرب به المثل في التقوى والزهد، وكان معاشراً للسيد ميرزا الشيرازي(قده).

سمعت منه أن الميرزا مهدي ــ أحياناً ــ حينما ترد عليه مسألة ويتردد في الجواب بناءً على وجود مبنيين للمسألة، يحيل السؤال إلى ولده السيد محمد الشيرازي ويقول له: ما رأيك في هذه المسألة… فالسيد من ذلك الحين كان نابغة في الفقه.

وحينما كتب السيد المرجع الحلقة الأولى من موسوعة الفقه، وقدمها إلى والده، فأعجب بها كثيراً، وكتب تقريظاً على الكتاب وأعطاه رسالة اجتهاد ــ في نفس الوقت، وكان هذا الكلام عام(1379هـ) ــ وجاء في هذه الرسالة:

(الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على محمد وآله الذين اصطفى، أما بعد: فقد طالعت أجزاء من كتاب(الفقه) شرح العروة الوثقى لولدنا المسدد الـــحاج السيد محمد الـحسيني الشيرازي، فوجدته كما ينبغي وكما كنت أترقب قوي الحجة، وافي الاستدلال مما يدل على أن مؤلفه بلغ درجة الاجتهاد، جعله الله تعالى من أهل السداد…).

هذه الكلمة والشهادة بالاجتهاد من الميرزا مهدي، هناك من أشكل عليها قائلاً:

(إن والده هو الذي أجازه بالاجتهاد، ولا يعتد بإجازة الوالد لابنه؟).

والرد ــ على القائل ــ واضح وموجود في نفس شهادة الميرزا مهدي لولده السابقة إذ يقول: (فقد طالعت أجزاء من كتاب(الفقه) شرح العروة الوثقى لولدنا المسدد الحاج السيد محمد…)، وهذا يعني أنه لم يكتب التقريظ ورسالة الاجتهاد إلا بعد تحقيق وتمحيص وفهم وقناعة بما ألفه ولده، وليس حباً لولده، ومن يعرف شخصية الميرزا المثالية في التقوى والورع والاحتياط، يدرك أن العاطفة الأبوية لا يمكن أن تستحوذ عليه ليعطي ابنه ما ليس بحق له، وإنما ذاك لقناعته ويقينه ببلوغ ابنه درجة الاجتهاد.

ومما نقله السيد أحمد الخاتمي عن ورع وتقوى الميرزا مهدي الشيرازي قوله:

(سألت الميرزا عبد الهادي الشيرازي(رحمه الله) عن عدالة الميرزا مهدي الشيرازي وقلت له: أريد أن أقلده بعد المرجع الفقيد السيد حسين القمي(رحمه الله) فما هو رأيك في عدالته؟ فأجاب: لقد عشت مع الميرزا مهدي حياة طويلة وعاشرته عشرين عاماً، فلم أره يرتكب مكروهاً واحداً….).

هذا عن ورع الميرزا مهدي، فليتق الله كل من يريد أن يطعن في إجازته لسماحة السيد، وليتحقق قبل أن يبدي إشكاله.

وكان الميرزا مهدي ــ أحياناً ــ يستأنس برأي ولده، ويناقشه مناقشة علمية ثم يصدر الفتوى.

وعن نبوغ السيد محمد الشيرازي نقول: أنه بلغ الاجتهاد في مرحلة مبكرة من عمره، وقلما يحدث ذلك لأحد، إلا إذا كان نابغة، ولقد سمعت من بعض الثقاة حول حياة السيد الدراسية أيام تحصيله الدراسي، أن سماحته، كان خلال اليوم يدرس ويدرِّس ويباحث حوالي(28 درساً وحصة)، بعضها نصف ساعة والبعض أقل أو أكثر… وهو ممكن لرجل لا ينام إلا ثلاث أو أربع ساعات في اليوم.

ويمكن أن يعرف نبوغه من كتبه العلمية فسماحته كتب قبل حوالي(30 عاماً) كتابه(الوصول إلى كفاية الأصول) وموسوعته(إيصال الطالب إلى شرح المكاسب) وكتابين(شرح منظومة السبزواري) و(شرح تجريد الاعتقاد)، وهذا يدل على أن سماحته ــ وهو يبلغ الآن من العمر(68 سنة) ــ منكب على العلم منقطع إليه، وقد كتب شرحاً على كتاب الرسائل للشيخ الأنصاري،(رحمه الله) وهو في طور الطبع الآن، والذين يعيشون في الحوزات العلمية من فضلاء وفقهاء يعرفون مدى أهمية كتابيه(الوصول إلى كفاية الأصول) و(إيصال الطالب).

س: سماحة الشيخ، وماذا عن نظرة سماحة السيد للمرجعية الدينية من حيث الممارسة والتطبيق، ومن حيث تطلعات الأمة للمرجعية؟

ج: ولد السيد المرجع وترعرع وشب في بيت المرجعية، ومنذ نعومة أظفاره كان دائم الزيارة لبيت سماحة آية الله العظمى الميرزا حسين القمي(رحمه الله) الذي كان مرجعاً كبيراً في عهد السيد أبي الحسن الأصفهاني(رحمه الله)- وبعد الميرزا حسين القمي انتقل قسم من المقلدين إلى الميرزا مهدي الشيرازي(والد السيد المرجع)، ولذا ينظر سماحة السيد المرجع إلى المرجعية نظرة متميزة ومن يعاشره ويسمع منه، ويقرأ بعض كتبه حول المرجعية، يعرف رأيه جيداً، فقد كتب سماحته كراساً حول(المرجع والأمة) وآخر عنوانه(إلى وكلائنا في البلاد) وهذا قبل حوالي(25 عاماً) في كتبه ينقل سماحته عن المجدد السيد محمد حسن الشيرازي قوله: (المرجعية مائة جزء، العلم والعدالة جزءان، و(98) جزءاً منها إدارة).

وقد ألقى سماحة المرجع محاضرة بدأها بكلمة المجدد الماضية، وعلق عليها قائلاً:

(إن المرجعية في عهد المجدد ــ أي قبل حوالي مائة سنة وسنة ــ كانت مائة قسم للعلم والعدالة والإدارة، أما في هذا اليوم حيث تظافرت المشاكل والأزمات للطائفة، وتوالت النكبات وازدحمت عليها المشاكل والأزمات الإنسانية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وتكالب الـــمستعمرون عليها، فيجـــــب أن نقول أن الــــمرجعية ألف جزء، فالعلم جزء والعدالة جزء و(998) جزءاً منها الإدارة…).

فسماحته ينظر إلى المرجعية كمسؤولية ويجب أن تكون قيادة ميدانية للأمة، وليست جاهاً ورفاهاً ومنصباً، ومن يعاشر سماحته يعرف أنه ــ وهو في هذا السن المتقدم- يرهق نفسه عملاً، ويجاهد يومياً(17 ساعة) ما بين تأليف ولقاء بالناس وتدريس وإرشاد وغير ذلك، فهو يرى أن من واجب المرجع حل أزمات المسلمين، فيلزم أن تكون عنده مؤسسة ضخمة للأيتام، وأخرى للفقراء، وثالثة للجاليات المغتربة من المسلمين، ورابعة لنشر الملايين من الكتب الإسلامية وهكذا.

ويرى سماحته أن الأمة يمكن أن تنهض بقواعد معينة منها: التنظيم، وأسلوب السلم(اللاعنف)، ونشر الثقافة والوعي وغير ذلك، ويرى ضرورة تنظيم الحوزات العلمية، وتنظيم مؤسسات تبليغية، ومن طموحات سماحته إعادة بناء الحوزة العلمية في النجف الأشرف بشكل تفوق ما كانت عليه سابقاً، وتنظيم شؤون المسلمين في كل مكان وحل مشكلاتهم.

ومن يراجع كتاب ملامح النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي لمؤلفه(محمد غالب أيوب) يرى أن سماحة المرجع يرى أنه ينبغي للفقيه أن يكون عالماً بشؤون الأمة، عارفاً بالقضايا السياسية، قادراً على حلها.

س: السيد المرجع يرى ضرورة تصدي المرجع لمشاكل الأمة، فما هو دور سماحته في أفغانستان وأذربيجان وغيرها من دول العالم؟

ج: كان سماحته مهتماً بقضايا الأفغان منذ أيام وجوده في العراق، وأذكر أن هناك عدة شخصيات كانت تتردد عليه، وكان الأفغان يوالون سماحة السيد المرجع منذ ذاك الوقت، وبقوا أوفياء له إلى يومنا هذا، ولسماحته خطابات وبيانات وكتب حول هذه القضية، وذات مرة زاره وفد رفيع المستوى وتحدث معه لمدة ساعة وكان من توجيهات سماحته أن يؤسسوا داراً للإذاعة والتلفزيون من أجل الإعلام وتبيين مأساة الشعب الأفغاني للعالم، وتأسيس الحوزات العلمية، وأن يؤسسوا لهم ممثليات في البلاد الحرة من أجل الارتباط والاتصال بالمنظمات العالمية والحقوقية لينصروا قضيتهم.

ووكلاء سماحته في أفغانستان حوالي(100) وكيل، ويعطي سماحته الرواتب إلى حوالي(64) مدرسة وحوزة هناك.

واحتضن جهاز سماحته هنا في دمشق الحوزة العلمية الزينبية، وهي تضم فطاحل وأجلاء، وهم من الذين هجروا من العراق، وقد خرجت هذه الحوزة العلمية المباركة في حوالي العقدين من الزمن ما يقارب(750) مبلغاً ووكيلاً وأستاذاً وعالماً.

وفي كل منطقة حاول سماحته ــ بالتنسيق مع شخصيات فيها ــ أداء دور فعال لخدمة الناس، ومن هذه المناطق كشمير، فلسماحته في كل منطقة وكلاء لنشر الكتب والقيام بالأنشطة الإسلامية الأخرى.

واهتم سماحته بقضية أذربيجان اهتماماً بالغاً، وتمكن أن يبعث إليها(28) مبلغاً، وله ستة وكلاء هناك، كما ترجمت رسالته العملية وبعض من كتبه الدينية والثقافية إلى اللغة الأذرية، وهو على اتصال دائم بأهل ذلك البلد، ولا يزال يقدم لها المزيد من الخدمات.