المرجع والأمة.. دراسة في طبيعة العلاقات والمهمات |
|
الكاتب: صالح محمد آل إبراهيم. الناشر: دار البيان العربي ــ بيروت ــ لبنان. الصفحات: 198 من القطع الكبير. تاريخ النشر: 1993م. الاستاذ: محمد عبدالمجيد |
|
من المسائل المهمة والضرورية التي يحتاجها أي مجتمع بشري، هو معرفة مسألة القيادة، صفاتها، شروطها، دروها في حركة الأمة والمجتمع، وكيف ينبغي أن تكون علاقة الأمة بالقيادة، وكيف يتخذ القائد القرارات وكيف ينفذها. إلى غيرها من الأسئلة والاستفسارات التي بحاجة إلى الإجابة عليها والتعرف على الرأي السليم فيها. من هذا المنطلق سعى الشيخ صالح محمد آل إبراهيم إلى تأليف كتابه الأخير المرجع والأمة(دراسة في طبيعة العلاقات والمهمات) إذ أثبت المؤلف في مقدمته أن هدفه من تأليف الكتاب ما يلي: 1 ـ توعية الجيل الشاب بشؤون المرجعية والتقليد، وتعريفه بوظيفته الشرعية. 2 ـ رفع الالتباس والغموض عن بعض المسائل المشكلة في الموضوع ذاته. والكتاب هو عبارة عن أربعة فصول رئيسية. خُصص الفصل الأول للحديث عن علاقة الأمة بالمرجع، ونشأة التقليد تاريخياً. ومما جاء في حقيقة التقليد:(أن التقليد الذي نهى عنه الإسلام والذي ليس من حقيقة التقليد في شيء، هو هذا الاتباع الذي يغمض العيون، ويجمد العقل، ويجعل الإنسان في راحة من التفكير في مسؤوليته الشخصية تجاه ما يجري من أحداث وقضايا. إن هذا النوع من التقليد في واقعه، محاكاة ساذجة، وإتباع غير واعٍ. أما التقليد الذي أمر به الإسلام، والذي عبَّر عنه الفقهاء بأنه رجوع الجاهل إلى العالم، فهو ذلك الاتباع الواعي، الذي يسبقه عادة فحص دقيق من جانب المقلدين للشخص الذي تتوفر لديه مؤهلات المرجعية. كما يلازمه مراقبة مستمرة من قبلهم لتصرفات هذا الشخص الذي يتبعونه، لكيلا يفقد إحدى مؤهلاته. فالتقليد بهذا المعنى، يفتح العيون على المرجع الذي يختاره المقلدون، ويبقيها مفتوحة بالمراقبة والمساءلة والمناقشة مع المرجع، في الأمور التي تتصل بمواصفاته وصلاحياته ومسؤولياته، وفي القضايا التي تمس حياتهم الدينية والاجتماعية. وعلى هذا فحقيقة التقليد المأمور به شرعاً وعقلاً، ليست الاتباع الأعمى والتسليم المطلق، بل هو اتباع واعٍ مستند إلى فحص وتمحيص ومراقبة ومساءلة. وانطلاقاً من هذه المسألة، ذهب فقهاء الإمامية إلى القول بوجوب التقليد على عامة الناس واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية: 1 ـ أصل الفطرة: إذ أن التقليد والاتباع فيما لا يحسنه الإنسان شيء من فطرة الإنسان وطبيعته، فلا يحسن الإنسان كل ما يتعلق بحياته وسلوكه، وواجباته على تشعب مسائل الحياة، وواجبات الإنسان في الحياة، فيضطر الإنسان إلى التقليد وإتباع الآخرين ممّن يحسنون ذلك. 2 ـ العقل: إن من الواضح أن المكلف يعلم – ولو إجمالاً- بثبوت تكاليف شرعية من نحو الوجوب والحرمة في حقه. وبهذا العمل الإجمالي الموجود لدى المكلف، تتنجز التكاليف عليه، بحيث أنه لو خالفها استحق العقاب. وبمقتضى ذلك يتدخل العقل فيحكم بوجوب الخروج عن عهدة تلك التكاليف الواقعية التي تنجزت في حقه. وفي مقام إحراز امتثال تلك التكاليف الإلزامية، لا مناص من الأخذ بواحدة من هذه الطرق الثلاث: الاجتهاد، أو الاحتياط، أو التقليد. اما الاجتهاد: فليس بمقدور كل الناس أن يتوجّهوا إلى دراسة الشريعة الإسلامية، والتخصص فيها، واستنباط أحكامها التفصيلية من مصادرها الأساسية لأن ذلك بحاجة إلى دراسة طويلة، وجهد كبير لا يتوفر لكل أحد. أضف إلى ذلك أن انصراف الناس كلهم إلى دراسة الشريعة الإسلامية، والتخصص فيها، يؤدي إلى اختلال الحياة الاجتماعية، وتعطل المهن والصنائع. إذاً فمن العسير تكليف العوام القيام، بمهمة الاجتهاد. وأما الاحتياط: فإنه عبارة عن قيام المكلف بالعمل الذي يتيقن معه ببراءة ذمته من التكاليف الشرعية المجهولة لديه. وهذا قد لا يكون إلا بالإتيان بجميع المحتملات، حتى يحرز اليقين في امتثاله بذلك. ومن المعلوم أن إتيان الملكف بجميع المحتملات صعب وعسير، لا يطيقه كل أحد. فتكليف العوام بالاحتياط أيضاً غير ممكن. فلم يبقَ إذن أمام المكلف(بعد كون الأخد بالاجتهاد والاحتياط عسراً) إلا التقليد فإن العقل يحكم بوجوبه على المكلف، ليحرز به امتثال التكاليف الشرعية الواجبة عليه. 3 ـ السيرة العقلائية: إذ أن سيرة العقلاء تقضي برجوع المكلف إلى المجتهد، لأن ذلك من صغريات رجوع الجاهل إلى العالم، الذي استقرّت عليه سيرة العقلاء في جميع أمورهم وشؤونهم على مرّ الدهور والأعوام، فإنهم عند جهلهم بشيء يتبعون العارف به. 4 ـ الكتاب والأخبار: إذ قال تعالى:?) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون( . وجه الدلالة: أن غيرالعالم يلزم رجوعه إلى العالم، فالعامي يلزم رجوعه إلى المجتهد وهذا هو التقليد في اصطلاح الفقهاء. ومن الأخبار: قول الإمام أبي الحسن الهادي(عليه السلام) في جواب سؤال أحمد بن إسحاق: من أعامل، وعمن آخذ معالم ديني، وقول من أقبل؟ فقال(عليه السلام): العمري ثقتي، فما أدّى إليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني، فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون. والجدير بالذكر هنا، أن التقليد ليس حالة مطلقة وعامة، وإنما هي في موارد معينة ذكرها العلماء والفقهاء وهي: ـــ الأحكام الشرعية الفرعية، والمعبّر عنها بالمسائل الفقهية العلمية… وأحكام الشريعة على الرغم من ترابطها واتصال بعضها ببعض يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام كما يلي: 1 ـ العبادات وهي: الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والكفارات. 2 ـ الأموال وهي على نوعين: أ ـ الأموال العامة: ونريد بها كل مال مخصص لمصلحة عامة، ويدخل ضمنها الزكاة والخمس، فإنهما على الرغم من كونهما عبادتين، يعتبر الجانب المالي فيها أبرز، وكذلك يدخل ضمنها الخراج والأنفال وغير ذلك. ب ـ الأموال الخاصة: ونريد بها ما كان مالا للأفراد. 3 ـ السلوك الخاص: ونريد به كل سلوك شخصي للفرد لا يتعلق مباشرة بالمال، ولا يدخل في عبادة الإنسان لربه. 4 ـ السلوك العام ونريد به سلوك ولي الأمر في مجالات الحكم والقضاء والحرب ومختلف العلاقات الدولية، ويدخل في ذلك أحكام الولاية العامة والقضاء والشهادات والحدود والجهاد وغير ذلك. ـــ الموضوعات الشرعية: وهي التي لا يملك معرفة حقيقتها وماهيتها إلا الشارع. أما الفصل الثاني فهو بعنوان(شؤون المرجع الديني) وهي ثلاثة: 1 ـ الإفتاء: فيما يحتاج إليه العامي في عمله، ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية من حيث ترتب حكم فرعي عليها. 2 ـ القضاء: وهو الحكم بما يراه حقاً في المرافعات. 3 ـ ولاية التصرف في الأموال والأنفس. ولأن شؤون المرجعية مسائل مهمة وأساسية لا يقدر الجميع القيام بها، فقد أوجد الإسلام مجموعة من الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المرجع وهي: (البلوغ، العقل، الحياة، الذكورة، الإيمان، طهارة المولد، الفقاهة، العدالة، الكفاءة)… ولكن السؤال في هذا الإطار هو: كيف يصل الفقيه إلى المرجعية… وقبل الإجابة على هذا السؤال، يعرّف المؤلف الفقيه بما يلي: هو الرجل المتمكن من استنباط الأحكام الشرعية بالطرق الصحيحة، مهما يكن حجم وجوده الاجتماعي في الأمة، ومهما تكن علاقة الأمة به. أما المرجع فهو الفقيه الذي دانت له الأمة، ورجعت إليه عملياً، ووثقت بقيادة وأبوّته لها. أما طرق الوصول إلى المرجعية فهي: 1 ـ تصدي الفقيه للمرجعية. 2 ـ ترشيح المراجع الآخرين له. 3 ـ تأييد الحوزة العلمية وعلماء الدين في المناطق المختلفة له ودعوتهم الناس إليه. 4 ـ دعم الأحزاب الإسلامية له، وطرح مرجعيته. 5 ـ اختيار الأمة له، ورجوعها إليه في التقليد. ولكن كيف يختار المرء مرجع تقليده. يجيب عن ذلك الشيخ المؤلف بقوله: اختيار المرجع لا بد من معرفته، والتعرف عليه له طرق ثلاث: 1 ـ أن يقوم الإنسان نفسه بالبحث والتحرّي عن المرجع وملاحظة توفّر شرائط المرجعية فيه. 2 ـ الرجوع إلى أهل الخبرة لتشخيص المرجع… وأهل الخبرة هم من توفرت فيهم صفتا العلم والعدالة، وقولهم حجة شرعية على الأمة. 3 ـ الأخذ بما يفيد العلم والاطمئنان لدى الشخص بمرجعية فلان من العلماء، كأن يحصل شياع بين أهل العلم والفضل، أو شياع في صفوف الأمة. أما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف حول(نظريات في قيادة الفقهاء المراجع) وقد استعرض المؤلف في هذا الفصل أهم النظريات الموجودة في الساحة، حول قيادة الفقهاء للأمة… وهذه النظريات هي: 1 ـ ولاية الفقيه الواحد: وتعني أن السلطة العليا في الدولة الإسلامية تناط بالفقيه الواحد الجامع لشرائط الولاية، فتتجسد به حاكمية ومسؤولية التنسيق والإشراف على السلطات العليا في النظام بما فيها السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وله معظم الصلاحيات التي كانت للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) لكونه واحداً من ورثة الأنبياء. 2 ـ الفقيه الواحد ثم شورى الفقهاء: ويقصد بها أنه إذا توفرت في شخص ميزات القيادة وشروطها دون أن يتوفر في غيره من الفقهاء، فإنه يعرّف من قبل أهل الحل والعقد كولي فقيه، وإلا فإن الولاية ستكون مجتمعة بالفقهاء الجامعين للشرائط. 3 ـ شورى الفقهاء المراجع: وتعني أن السلطة العليا لا تقتصر على الفقيه الواحد والحاكم الفرد، وإنما تناط بعدد من الفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط الولاية. وبعبارة أدق أن الفقهاء المؤهلين للحكم يشكّلون نظاماً يسمى بـ(لجنة الإفتاء) أو مجلس قيادة، من خلاله تحكم الدولة الإسلامية بأغلبية الآراء على أساس مبدأ الشورى. أما الفصل الأخير فكان بعنوان(وظائف المرجع… ووظائف الأمة). وقبل أن يحدّد المؤلف وظائف المرجع، يــــرى المؤلف ضرورة توفر مسألتين أو إطارين حتى يتمكن المرجع من القيام بوظائفه على أكمل وجه. وهذان الأمران هما: 1 ـ برنامج عمل الأمة: وهذا أمر ضروري بالنسبة للمرجع الذي يسعى إلى قيادة الأمة نحو أهدافها النبيلة، وغاياتها السامية، لأنه لا يمكن أن تؤدي الوظائف التي يقوم بها المرجع دروها، وتثمر ثمارها، ما لم تخضع لبرنامج عمل، وخطة تغيير، ومشروع إصلاح في الأمة، يأخذ في حسبانه أوضاع الأمة ومشاكلها وحاجاتها الأساسية، وكذلك ظروفها السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وما تسمح به من القيام بأدوار ومسؤوليات معينة، تناسب ظروفها. مضافاً إلى مراعاة الوسائل المناسبة التي يمكن أن يستفاد منها في الإصلاح والتغيير. 2 ـ جهاز إداري منظم: لكي تُدار شؤون المرجعية والعمل بشكل سليم، لا بد أن يمتلك المرجع جهازاً إدارياً منظماً يعمل تحت إشرافه، وتوزع عليه المسؤوليات والوظائف. وتأسيساً على هذه الأمور يوضح المؤلف وظائف المرجع على الصعد التالية: أولاً: على الصعيد الثقافي: أ ـ الإفتاء. ب ـ تعليم الناس: إذ أن الإسلام ليس عبادات، ومعاملات، وأحكام فقط، بل هو بالإضافة إلى ذلك أصول(عقائد) وأخلاق(قيم ومثل). والمرجع مطلوب منه أن يعلم الناس جميع أقسام الإسلام وجوانبه، وذلك حتى تنظم أمورهم وتصلح نفوسهم، ويحصلوا على سعادة الدارين(الدنيا والآخرة). ج ـ مقاومة الإنحراف الفكري. د ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ح ـ تأسيس الحوزات العلمية. هـ ـ بعث الوكلاء. ثانياً: على الصعيد الاجتماعي: إذ من الواضح أن مكانة المرجع تتعزز وتترسخ في الأمة بجهوده ونشاطاته وخدماته الاجتماعية. ومن الأمور التي بإمكان المرجع القيام بها على هذا الصعيد ما يلي: 1 ـ قضاء حوائج الناس. 2 ـ الإصلاح بين الناس. 3 ـ القضاء. 4 ـ مكافحة الفساد. 5 ـ ترفيع مستوى الأمة. ثالثاً: على الصعيد الاقتصادي: من الميز الرئيسية التي يمتاز بها النظام القيادي عند الشيعة الامامية، الاستقلال الاقتصادي، وهو يتم من خلال الاعتماد على الحقوق الشرعية. وهذه الكمية الكبيرة من الأموال، إن أحسن توجيهها، وصرفت في الموارد الشرعية المقررة لها بشكل عادل وحكيم، وروعي في الـــتقسيم حاجات الأمة ومصالحها الأساسية عادت بالنفع الكثير على الأمة، وكان في ذلك القضاء على كثير من حالات ومشاكل الفقر والمرض، والجهل والتخلف العام، التي تعاني منها الأمة الإسلامية في العصر الحاضر. رابعاً: على الصعيد السياسي: إن إدارة الشؤون السياسية للأمة سواء في داخل الدولة أم خارجها، هي حاجة أساسية، لا غنى للأمة عنها، إذ بها تستقيم أمور الأمة، وتتقدم مسيرتها في مختلف المجالات الحياتية. والمرجع كما هو مسؤول عن إدارة ورعاية شؤون الأمة الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، كذلك هو مسؤول عن إدارة شؤونها السياسية، ويجب عليه وظائف معينة بصددها. أما وظائف الأمة اتجاه القيادة الدينية(المرجع) فيحددها المؤلف في الآتي: 1 ـ تقليدهم في الأحكام الشرعية. 2 ـ امتثال أوامرهم. 3 ـ إيصال الحقوق إليهم. 4 ـ معاضدتهم في الأمور. 5 ـ الالتفاف حول المرجع. 6 ـ مراجعتهم في القضاء. 7 ـ طلب الوكلاء منهم. 8 ـ إعلامهم بما يقع في المجتمع. 9 ـ الدفاع عنهم. 10 ـ تهيئة الجو لهم. وأخيراً نقول: بما أن القيادة والأمة أمر لازم لكل كيان إنساني، فلا بد أن تتبلور العلاقة بشكل منهجي بين القيادة والقاعدة حتى يتمكن المجتمع من السير قدماً نحو الأمام. وهذا ما حاوله المؤلف من خلال بيان علاقة الأمة بالمرجع والعكس. |