دراسة في فكر الإمام الشيرازي |
الإسلام مشروع المستقبل |
|
المؤلف: محمد قاسم. الدار: دار النخيل للطباعة والنشر – بيروت. الاستاذ: جعفر العيد |
|
مع اشتداد أزمات العالم الإسلامي وإصرار الغرب على مواجهة كل ما هو إسلامي تشتد الحالة لدى كل من المفكرين الإسلاميين والمثقفين للتعمق في نصوص الفكر الإسلامي لتوليد نظرية(نموذج) للتفكير السياسي.. تشتد هذه الحاجة مع إفلاس النظرية الماركسية وطغيان النظرية الرأسمالية السياسية مع وجود الخروقات الكبيرة فيها… ومحاولة سيطرتها على العالم الإسلامي مع أنها مرفوضة… ويتهيئ الإسلاميون لسيادة النظرية الإسلامية على العالم بقناعات قديمة وحديثة أثبتتها التجارب الفاشلة لكل النظريات الأخرى.. ولكن العقبة الرئيسية التي تواجه الباحث في هذا المجال هو أن الدين الإسلامي لم يترك، أو بتعبير أدق لم يعرض على البشرية – بما يرحم المسلمين- نظرية سياسية خاصة على الرغم أنه قد تكلم عن قوانين وأسس للحرية والممارسة السياسية تتفق وطبيعة خلقة الإنسان التي تطمح أن تعيش بنظام غير ظالم تكون مشاركة في تكوينه أو تطبيقه… لكن الإسلام أيضاً ترك الكلام في تفاصيل ممارسة الحرية بيد أبنائه. ولقد مرت على الشعوب الإسلامية مراحل انتقالية حاولوا فيها أن يصيغوا نظرية سياسية ولكن ذلك إما أن لم يطبق بالمرة وبقي حبراً على ورق أو أنه طبق بشكل صغير ولكن زمن الكتابة قد تغير فما كان صالحاً بالأمس أصبح غير مواكباً لحاجة اليوم أو بالأحرى يحتاج إلى تطوير. مشكلة أخرى تواجه الباحث في هذا الصدد ترتبط بالمناهج المتبعة في الدين الإسلامي وهذه النقطة بالخصوص واضحة لدى رجال الدين الذين أطلق على منهجهم اسم(فقه النص) وآخرين والذين لا يواكبون الواقع وتطوراته أي في حدود النهج الشرعي دون العروج إلى مدلولاته وتطبيقاته في عصرنا الحديث، ومع أن المسألة ليست بذلك التعقيد فقد أولدت هذه المسألة حرباً شعواء على صعيد الصحف والمجلات لا أقل بين هؤلاء وبين أصحاب النظرة التجديدية في كل شيء أو ما يطلق عليهم(الحداثيون الجدد). من هنا فإن أهمية اختيار الكاتب(محمد قاسم) في كتابه(الإسلام مشروع المستقبل) لشخصية الإمام محمد الشيرازي نموذجاً للشخصيات التي تحاول البحث عن قوانين تحكم النظرية السياسية وهو اختيار موفق لعدة أسباب: السبب الأول: أنه سليل تلك الأسرة العريقة والتي كان لها دور كبير في تاريخ العراق وإيــــران… ونـــذكر في هذا الصدد اسمين الأول: آية الله المجدد السيد محمد حسن الشيـــرازي والذي آلت إلـــيه المرجعية الشيعية في كـــافة الأقطار في عام (1282) وعلى الرغم أنه كان يعيش في العراق فلقد استطاع أن يطرد من إيران في ثورة(التنباك) المعروفة حتى قتله البريطانيون بالسم عام(1312هـ). الاسم الآخر: الشيخ محمد تقي الشيرازي والذي أصبح أيضاً مرجعاً وحيداً للمسلمين الشيعة بعد استشهاد المجدد الشيرازي وأيضاً فقد قاد الشيرازي ثورة مهمة لا تقل أهمية عن(ثورة التنباك) ضد المستعمر البريطاني والتي أطلق عليها ثورة العشرين والتي قدم فيها العراقيون ألوف الضحايا استطاعوا بدمائهم إخراج الإنكليز من العراق ولكنه ما لبث أن قضى مسموماً أيضاً بأيدي الأعداء… وعلى ذلك فقس إلى أن يصل الامر إلى الإمام الشيرازي وأخوه الأديب والمفكر السياسي السيد حسن الشيرازي الذي قتلته حكومة العراق الحالية في لبنان، واللذين قادا نضالاً ثقافياً وسياسياً ضد الحكومة الحالية والتي بسببها حكم عليهما بالإعدام أكثر من مرة، فهاجر الإمام الشيرازي إلى الكويت ومن ثم إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها(1979م). أريد أن أوضح أن هذه الوضعية التي عاشتها الأسرة العلمية المجاهدة والتي كانت دائماً تسعى إلى تغيير الواقع المعاش لا بد أنها بحاجة إلى طرح البديل وهذا الذي يدعونا إلى النظر في طرحه السياسي بالإضافة إلى أنه نموذج لطريقة التفكير السياسي لدى زعماء الأمة الإسلامية إذ من المفترض أن تكون طروحات الإمام الشيرازي هي عبارة عن تطوير وتجديد لطروحات وحلول أجداده حيث يجد أنها هي الأنسب للمسلمين. السبب الثاني: أن الإمام الشيرازي هو خريج المدرسة الإسلامية الشيعية وهو أمر مهم إذا اتصف الشيعة على مدار التاريخ بإيمانهم بمسألة الاجتهاد في الأمور التي تهم حياة الإنسان الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية… ولأن هذا المذهب يعتبر العقل أحد المصادر الأربعة في إصدار الفتوى… الأمر الذي لا يمكن لأي طرف آخر أن يصم هذه الشخصية بشائبة من الشوائب التي تعوق القبول بنظريتة أو التشكيك في عدم مناسبتها للواقع إذ أن أهم مسؤوليات المجتهد في المذهب الشيعي هو توضيح الطريق الصحيح للمسلمين في ظل واقع لا يشبه واقع المسلمين الأوائل.. فهي حركة مواكبة الواقع ضمن السلطة الإلهية. السبب الثالث: أن الإمام الشيرازي هو أهم الدعاة إلى إطلاق الحريات لا تقييدها في العالم الإسلامي، ومن الشخصيات التي آمنت بالقدرات المحلية الإسلامية مع تسليمه بتخلف الحالة الإسلامية.. فلا هو بالمتغرب التابع… ولا هو بالمتعصب الذي لا يرى أي ضوء أوأي إيجابية في الحضارة الغربية. السبب الرابع: بالإضافة إلى القناعة التي لا تحتاج إلى نقاش بأن الإسلام هو دين الحياة والآخرة، بمعنى آخر أن السياسة هي من صلب الدين والعمل فيها ليس فقط حلالاً وإنما في كثير من الأحيان واجب إيماني.. هذا الأمر نابع من المدرسة الشيعية التي عاشت في كثير من البلدان مقموعة وبعيدة عن الارتباط بالسلطات إضافة إلى شخصية تبلورت في وقت كان الصراع السياسي على أشده في العراق وتغيرت على حكم العراق تيارات متعددة من الملكية إلى الشيوعية إلى البعثية العفلقية أعطت إلى معاصر هذه الحقب من(1355هـ إلى 1385هـ) استطاع بها الإمام الشيرازي أن يشخص الداء ويبحث عن الدواء والذي سنقوم باستعراضه عبر دراسة الباحث(محمد قاسم). |
|
الأمة بين الأزمة والعلاج |
|
يتكون كتاب(الإسلام مشروع المستقبل) من أربعة فصول في(210) صفحات من الحجم الكبير ناقش فيها المؤلف نظرية وأفكار السيد الإمام محمد الشيرازي ففي الفصل الأول استعرض المؤلف في بدايته خلاصة نظرية الإمام الشيرازي لأزمة الأمة الإسلامية التي حصرت في(التخلف ــ الاستعمارــ والدكتاتورية). 1 ـ التخلف باعتباره الأرضية الصالحة لنمو أي مرض أو ميكروب في داخل المجتمع أو الأمة فهو إذاً من الأخطار الجاثمة على صدر الأمة الإسلامية ومصدر للكثير من المشاكل والأزمات التي تعتري مسيرة الأمة في الحياة. 2 ـ والاستعمار باعتباره القوة الغاشمة التي تريد السيطرة على مقدرات المسلمين ونهجها والقضاء على كل مقومات الأمة الإسلامية نحو الاستقلال والتقدم… ويكرس المستعمرون جميع أسباب وعوامل الانحطاط والتأخر في جسد الأمة الإسلامية. 3 ـ أما الدكتاتورية: فهي حالة تعتبر معضلة وداء يمنع أي خير في المجتمع من النمو والاتساع، وإذا ما سادت حالة الاستبداد في المجتمع فإن القدرات الإبداعية تضمحل في المجتمع وجميع عمليات الابتكار والإبداع لا تتحقق لأن سيف الإرهاب والاستبداد يقمع كل حالة فردية أو جماعية تنشد النهضة والتقدم والازدهار. وفي كل نقطة من هذه النقاط هناك تفريعات وتفصيل ولكنها تمثل خلاصة تشخيص المؤلف لنظرية الإمام الشيرازي عن أزمة الأمة الإسلامية الرئيسية. ينتقل المؤلف بعدها ليستعرض المواجهة السياسية بين المراجع الشيعة عبر التاريخ مع الاستعمار أو مع الحكومات الظالمة من عام(1809م) وصولاً إلى نهضة الإمام الخميني(رض) وتكوينه للجمهورية الإسلامية في إيران عام(1979م). يتحدث بعدها المؤلف عن ملامح الفكر السياسي والحركي للإمام الشيرازي وعبر استعراض توجيهات وأعمال وخطب وكتب الإمام يستنتج الكاتب من أن الإمام الشيرازي يعتمد كمفكر إسلامي ومرجع من مراجع التقليد على الوحي والشريعة إطاراً أيديولوجياً عاماً ملتزماً بالأصالة الإسلامية والتراث الإسلامي التزاماً لا يجعله متحجراً على ما أنتجه الماضي وإنما تتصف أفكاره بأنها واقعية يفسرها المؤلف بمعنى أن العطاء الفكري للإمام الشيرازي ليس خاضعاً للاهتمامات الشخصية أو الميولات الذاتية وإنما هو خاضع لحاجة المجتمع وتطلعات الأمة وضرورات التحرك والعمل الإسلامي ويضيف الكاتب: ففي زمن سيطرة الشيوعيين في العراق كتب الإمام آنذاك كتابه(حوار حول تطبيق الإسلام) و(مباحثات مع الشيوعيين) إضافة إلى مجموعة من الكتب العقائدية تتناول الإسلام وأسسه لتوضيح الرؤية السليمة للشباب مثل كتاب(العقائد الإسلامية) و(العدالة الإسلامية) و(في ظل الإسلام) إضافة إلى محاوراته الكثيرة للدفاع عن الإسلام والحكم الإسلامي مع الذين غزتهم هذه التيارات… الكتاب(ص35). ويشخص الكاتب أن من صفات الفكر السياسي للإمام الشيرازي هو اتجاه هذا الفكر نحو الإيجابية والبناء بدل الهدم أي أنه بدل الحديث المطول عن الاستبداد يكتب الإمام عن فقه الحرية كبديل عن الاستبداد والدكتاتورية. كذلك يشخص الكاتب أن احد أهم مميزات فكر الإمام الشيرازي هو التركيز على الجانب الثقافي ويحصي المؤلف في هذا المجال أكثر من خمسين عملاً في كل من العراق والكويت وإيران من مدارس حفاظ القرآن الحكيم والحوزات إلى المكتبات إلى التشجيع والترخيص على إصدار مجلات إسلامية، ويتميز أيضاً الاهتمام بأغلب الساحات الإسلامية وكل المسلمين وعدم الاقتصار على إقليم معين أو دولة محددة ويحصِ المؤلف كمثال على ذلك دعم الإمام الشيرازي لأربع وستين مدرسة وحوزة في أفغانستان وأكثر من مائة وكيل. |
|
نظرية التغيير كما يراها الإمام الشيرازي |
|
في الفصل الثاني من الكتاب يطنب المؤلف في شرح نظرية التغيير في فكر الإمام الشيرازي ملخصه في دعائمها الثمانية وهي: 1 ـ العمل على توعية المجتمع الإسلامي العقائدي والاقتصادي والسياسي والشرائعي والاجتماعي والتربوي والعسكري والزراعي والصناعي باستخدام كل الوسائل والمؤثرات من صحف ومجلات وتلفزيون وإذاعة ونوادي وكتب. 2 ـ العمل بنظام في كل عملية صراع مع الأعداء لأن المسلمين حسب التعبير: لا يواجهون عدواً فوضوياً وحسب قوله ــ الشيرازي ــ إن التنظيم واجب شرعي وسنة كونية وضرورة حيوية بالنسبة إلى الأمة الإسلامية. 3 ـ العمل على الالتزام بأخلاقيات الإسلام في تكوين وإدارة الحركة الإسلامية ويوضح المؤلف الفكرة التي يسعى الإمام الشيرازي أن تكون موجودة في القائمين على الحركة والتي تعتبر العمود الفقري لنجاح الحركة في نشاطها وجهودها، هذه الأخلاقيات هي: (التعاون – الاستقامة – نظافة القائمين على الحركة – الصمود- فهم ارتباطات الحياة- زهد القادة – عدم حب الشهرة – الإخلاص – العمل الدائب – التواضع – والتحلي بالآداب الرفيعة- الاستقلال- قضاء حوائج الناس). 4 ـ يحدد الإمام الشيرازي بأن هدف الحركة الإسلامية يجب أن يكون لنشر السلام على الأرض وليس الحرب… وانتهاج الطرق السلمية بدلاً من العنف لذلك أصبح يطلق على دعوة الإمام العامة باسم(نظرية اللاعنف). 5 ـ الاكتفاء الذاتي. 6 ـ استيعاب الجميع في ظل حكومة إسلامية تعتمد على الشورى في مختلف شؤون الحكم ووجود الأحزاب الحرة التي تمارس عملها في إطار قوانين الإسلام. وفي هذا الإطار نفسه يشرح المؤلف قواعد الإمام الشيرازي للحركات الإسلامية السامية للتغيير في بلاد المسلمين منها مثلاً: أ ـ الوعي السياسي: أي فهم ما يجري لبلاد المسلمين وأسبابه وفهم كيف يمكن إصلاحه. ب ـ التربية الروحية: كما أن الإسلام يهتم بالتربية السياسية يهتم بتقوية الجانب الروحي لدى الفرد المسلم والهدف من ذلك هو تقوية أفراد الحركة الإسلامية أمام الصعوبات من جانب فإن هذه التربية تكون، حصناً له من الاغترار والبطر أمام أي انتصار أو أي إغراء دنيوي، وإنما يعتبره نعمة من نعم الله يواجهها بالشكر والامتنان. ج ـ جمع الطاقات والقدرات: وعلى عكس صفات المجتمع المتخلف فإن الإمام الشيرازي يسعى إلى ممارسات حضارية يجمعها العاملون في الحركة الرسالية من أجل التغيير الذي ينشدونه في المجتمع. د ـ بعد النظر والرؤية المستقبلية: وهو استشراف آفاق المستقبل وتربية أبنائها على بعد النظر والرؤية الاستراتيجية مع عدم نسيان الحاضر وما يجري فيه. هـ ـ وضع المنهاج الصحيح للمواجهة. و ـ تجنب الطفولة السياسية: وهذا يعني عدم الاشتغال بالتوافه والاتزان وعدم التطرف في الأعمال الاجتماعية والسياسية. وفي الفصل الثالث والذي أطلق عليه المؤلف اسم(فقه الدولة) يشرح عدة أمور ومصطلحات تخص الدولة الإسلامية التي نظر إليها الإمام الشيرازي فيقدم في البداية أسس النظام السياسي الإسلامي والذي من أول عناصره: أ ـ الإمام الفقيه الذي هو امتداد للإمامة التي نص عليها رسول الله. ب ـ الأحزاب الإسلامية والطريقة التي يجب أن تسير عليها. ج ـ السلطات الثلاث(تشريعية – تنفيذية – قضائية). د ـ الشورى: وهي من مرتكزات النظام السياسي في الإسلام والتي لا تخص النظام العلوي الذي يحكمه وإنما يهبط إلى كل الهيئات والمؤسسات وهو شيء حري بالاهتمام والتطبيق. ثم يتدرج المؤلف شارحاً عدة أمور تتعلق بالحكام والأحكام والقانون أو الدستور الذي تسير عليه الدولة منها: 1 ـ إرجاع الأمة الواحدة. 2 ـ تطبيق أحكام الله وتشريعاته. 3 ـ حفظ الأمة من الانهيار. 4 ـ إنماء الأمة في مختلف الميادين. 5 ـ توسيع الأمة وتطوير أفكارها. 6 ـ الدولة والمسألة الاقتصادية. 7 ـ الدولة الإسلامية والمسألة الحقوقية. 8 ـ أصالة الحرية في الفكر الإسلامي وفيه تفصيل للحريات التي تعطيها الدولة الإسلامية منها(حرية الدين وحرية التعبير والإعلام – حرية التجمعات). 9 ـ حقوق الإنسان في الدولة. 10 ـ نظام العقوبات في الدولة الإسلامية. 11 ـ الدولة الإسلامية والمرأة. 12 ـ الدولة الإسلامية والشباب. 13 ـ الدولة الإسلامية والأقليات الدينية. 14 ـ مبادئ السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية. وفي الفصل الرابع والأخير يتحدث المؤلف عن الأفق العالمي الذي يطمح إليه المؤلف وهو أن تسود الحضارة الإسلامية في العالم من أجل إنقاذه من براثن الحضارة الغربية العفنة التي لا تنسجم وفطرة الإنسان ولا تلبي حاجات طبيعته وفطرته. |