خــــاطــــرة |
|
الشيخ فيصل العوامي |
|
في موسم الصيف الماضي 1413هـ كان لي لقاء مع أحد المؤمنين وقد كان للتو قادماً من زيارة المراقد المقدسة في الجمهورية الإسلامية في إيران. وجدته مندفعاً بحماس للتحدث حول انطباعاته لأول زيارة قام بها لسماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي ـ حفظه الله- وقد بهره في هذا اللقاء بساطة التعاطي مع سماحته إلى درجة خيل له وكأنه جالس مع رفيق درب طويل طالما تسامر معه وتبادل معه فنون الكلام وشجونه. وفي حديثه الحماسي هذا روى واقعة جميلة ومعبرة في آن واحد حدثت له في هذا اللقاء… يقول: لأنني للمرة الأولى أوفق إلى زيارة إيران فلم أكن عارفاً بموقع سكن سماحة المرجع السيد الشيرازي، ولذا كان لا بد لي من دليل، ولم أجد أمامي سوى بعض الأصدقاء من أبناء وطني المستقرين في مدينة قم، إلا أنهم كانوا يكنون العداء لسماحة السيد رغم أنهم لم يروه ولو مرة واحدة في حياتهم، لذا عند طلبي منهم مرافقتي في هذه الزيارة مانعوا بــــشدة، إلا أنهم في نهاية المطاف وبعد الإصرار نزلوا عند طلبي وجاؤوا إلى بيت السيد على كره. هناك حدثت المفاجأة… ففي الدقائق الأولى من هذه الزيارة تباسط أولئك الأخوة الحديث مع سماحته وعلت وجوههم ابتسامة كبيرة، فتعجبت كثيراً من هذا التحول… وزاد في تعجبي أننا وبمجرد أن خرجنا من داره أخذوا في البكاء وتوجيه اللوم إلى أنفسهم، ومن جميل ما قالوا حينئذ: إننا طالما كنا نسمع من الآخرين حول شخصية سماحة السيد، لكننا لم نبادر ولا مرة واحدة لرؤيته والاستماع له بصورة مباشرة وهذا ما أحدث تشوهاً في رؤيتنا له… وبعد ذلك قرروا المجيء إلى زيارته مرة أخرى. طبعاً ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي أسمع فيها رواية كهذه عن شخصية سماحة الإمام الشيرازي ــ دام ظله العالي ــ لكنني اخترت هذه الرواية لحداثتها، ولأنها تكشف عن جانب مهم ومميز من شخصية السيد وسلوكه الاجتماعي. إن القدرة العقلية والعلمية التي يتمتع بها سماحة السيد والتي تظهر لنا بجلاء من خلال الكتب والموسوعات التي ناهز مجموع المطبوع منها الثمانمائة، والمستوى الإداري والسياسي الذي يتضح لنا من خلال المواقف والأفكار والنشاطات المتزايدة، وجانب الإبداع في التصدي المرجعي، وغير ذلك يعد أبرز المعالم التي تتميز بها شخصية سماحة السيد… إلا أن هناك معلماً سلوكياً مهماً جداً ربما يتفرد به سماحته، والواقعة الآنفة الذكر هي مصداق لجانب من جوانب ذلك المعلم، وقد أستطيع أن أعبر عنه في هذه الخاطرة بالاستعداد الاجتماعي أو المرونة الاجتماعية وأعني به سهولة تمتين العلاقة الشخصية بين السيد وجميع مقلديه كباراً وصغاراً. إنني أعتقد بأن هذا المعلم هو في الحقيقة من أهم معالم شخصية سماحته وأنه يأتي مباشرة بعد الكفاءة والمواهب العلمية، فإذا أراد فقيه أن يتصدى للمرجعية فيجب أن يفتح صدره لمشاكل الناس وآلامهم، ولا يضع بينه وبين مقلديه حاجزاً سواء من وكلائه أو حاشيته، ويتعامل معهم تعاملاً أبوياً… إذ أن للناس مشاكلهم وهمومهم واحتياجاتهم ولم يلقدوا مرجعاً إلا ليرجعوا فيها إليه، فلا بد أن يجدوا منه اهتماماً واستعداداً. وهذا ما نجده في شخصية سماحة السيد الشيرازي، فمنذ أن اتصلنا به قبل اثنتي عشرة سنة وحتى هذه اللحظة لم نجد بابه موصداً أمامنا، فما من مرة واحدة ذهبنا إلى مدينة قم إلا وكانت أسهل حاجة ننجزها هي زيارة سماحته في بيته المتواضع. ما قصدناه مرة إلا وخرجنا من عنده ونحن في تمام الاطمئنان والسرور… تارة نرد إليه صباحاً وأخرى عند الظهر وثالثة في آخر الليل فلا نجد منه نفوراً أو اشمئزازاً بل يسارع إلى لقائنا ويستقبلنا بحفاوة، وبمجرد أن نجلس معه يتباسط معنا في الحديث، ويتعاطى مع الكل على حد سواء فلا يميز في التعامل بين إنسان وآخر وإنما يعطي الكل حقه من التحديث والاستماع وحتى نظراته يوزعها باستمرار على الجميع ليشعرهم بالأهمية لدرجة يشعر فيها كل شخص بشخصيته ومكانته عنده. لهذا فإن كل مقلد فينا يشعر بأن له علاقة شخصية مع سماحته… يشعر بأنه صديق فعلي له. ليس من السهل أن تكشف عن طموحاتك الشخصية أمام أي إنسان مهما عاشرته، ولا أن تفرغ ما في صدرك من هموم ومشاكل أو أحاسيس أو أخطاء لأي شخص، لكن سماحة السيد لا تجد أي حرج في ذلك بل تجد ما يحفزك على طرح أحاسيسك الخاصة له بدون أي حذر وذلك لما تجده من رحابة صدر واستعداد للاستماع، تجده قريباً جداً منك ومن مشاعرك وتفكيرك. إن هذه الحالة الإنسانية الكبيرة ملاحظة في شخصية سماحة السيد الشيرازي والمجسدة للآية الكريمة(إنما المؤمنون أخوة). وهي إحدى الآيات الثلاث التي يؤكد عليها سماحته في هذه الفترة ويدعو للعمل بها بصدق في الساحة الاجتماعية، وهذه الحالة هي في الحقيقة من أهم ما يميز شخصية السيد(حفظه الله) كما أنها من أهم ما يدعو مقلديه للرجوع إليه لأنهم لا يقلدون اسماً أو رسماً أو يرجعون إلى كتاب وإنما يرتبطون بعلاقة إيمانية متينة مع إنسان عظيم يكبرهم علماً وتجربة ليضيء لهم الطريق ويرشدهم إلى السبيل الأقوم. لهذا فإن أي إنسان يظلم سيداً كهذا جدير بأن يبكي في أول لقاء مع سماحته… |