الصفحة الرئيسية   الكتاب في فكر الإمام الشيرازي

 

الإمام الشيرازي في سطور

ولادته:

ولد الإمام (السيد محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي) عام 1347هـ في النجف الأشرف. وفي عمر التاسعة هاجر إلى كربلاء المقدسة برفقة والده الذي أولاه عناية فائقة، وكان أستاذه الأول في العلوم الدينية والمعارف الإسلامية.

أسرته:

ينتمي الإمام الشيرازي إلى عائلة علمية دينية قيادية عريقة. تخرج منها العديد من العلماء الكبار الذين قادوا الأمة في مراحل تاريخية عصيبة، وكان لهم تأثير واضحٌ وكبيرٌ في صناعة الأحداث التي مر بها العالم الإسلامي، خصوصاً في البلدين المسلِمَين: إيران والعراق.

(وهذه الأسرة يرجع نسبها إلى زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ويعود تاريخهم في العراق إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً... وقد عرفوا بالانتساب إلى (شيراز) لكون جدهم الأعلى (والد المجدد الشيرازي) كان يقطنها)(1).

وسأكتفي بالحديث هنا عن أربعة من الوجوه اللامعة في هذه الأسرة، وهم:

(1) آية الله العظمى السيد محمد حسن الشيرازي (1230-1312هـ)، المعروف بالمجدّد الشيرازي. والذي اقترن اسمه بثورة (التنباك)، عندما أصدر فتواه التاريخية الشهيرة التي حرَّم فيها التبغ، والتي أشعلت نار الثورة والمقاومة، مما اضطر القوات البريطانية للاندحار من أرض إيران الإسلامية.

(2) آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي (توفي: 1338هـ)، قائد ثورة العشرين (1920م) في العراق، حيث قاد خلالها الجماهير العزل في وجه قوات الإمبراطورية البريطانية، وكاد أن يرغمها على الخروج من العراق، لولا استشهاده بعد أن دُسّ له السم في القهوة من قبل العملاء.

(3) آية الله العظمى السيد مهدي الحسيني الشيرازي (1304-1380هـ)، والد المترجم له. وكان أحد المشاركين في ثورة (العشرين). وهو يعد من أركان الحوزة العلمية في العراق، (وكان مرشحاً للمرجعية العليا بعد الإمام البروجردي (قدس سرهـ) إلا أن الأجل عاجله قبل ذلك)(2). وقد تتلمذ بدوره على يد جملة من آيات الله العظام، منهم: الآخوند الخرساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا محمد تقي الشيرازي، وثلاثتهم في غنىً عن التعريف.

(4) آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي (1354-1400هـ)، أخ المترجم له وساعده الأيمن. كانت له مواقف جهادية وبطولية عديدة على الساحة العراقية والإسلامية، لاقى أثرها الكثير من الأذى والاضطهاد والتعذيب - في السجون العراقية - والتشريد، حتى وفق لنيل الشهادة على يد جلاوزة (صدَّام حسين) في بيروت، إذ لاقى الله مضرجاً بدمه، بعد أن أصيب بثلاثين رصاصة حاقدة في رأسه. وهو مؤسس الحوزة العلمية في سوريا.

أساتذته:

1. والده آية الله العظمى السيد مهدي الحسيني الشيرازي.

2. آية الله العظمى السيد حسين القمي.

3. آية الله العظمى الشيخ محمد رضا الأصفهاني.

4. آية الله العظمى السيد هادي الميلاني.

5. آية الله السيد زين العابدين الكاشاني.

6. آية الله الشيخ جعفر الرشتي، المعروف بـ(شيخ النحاة).

والإمام الشيرازي تتلمذ بدوره على يد أكثر من مائة أستاذ، بين فقيه وعالم، وذلك في مختلف الفنون والمعارف والعلوم الإسلامية.

وقد أهلته دراسته المبكرة المصحوبة برعاية والده الكريم له؛ بأن يحفظ القرآن في سن مبكرة من حياته، كما حاز درجة الاجتهاد وهو لا يزال في ريعان شبابه.

ووالده يعد أول من شهد له بالاجتهاد(3)، بمعنى المقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وذلك أثر قراءته لكتابه المصنف في الفقه.

وهنا نص الإجازة الصادرة في ربيع الأول عام 1379ه، (الحمد لله وكفى والسلام على محمد وآله الذين اصطفى، أما بعد: فقد طالعت أجزاء من كتاب (الفقه): شرح العروة الوثقى؛ لولدنا المسدّد الحاج السيد محمد الحسيني الشيرازي؛ فوجدته قوّي الحجّة وافي الاستدلال، ممّا يدّل على أنّ مؤلفّه بلغ درجة الاجتهاد. جعله الله تعالى من أهل السداد، واسئله سبحانه أن يوفقه لمراضيه ويجعل مستقبله خيراً من ماضيه وهو الموّفق المعين)(4).

تلامذته:

عدد كبير من طلبة العلوم الدينية، وخطباء المنابر الحُسينيّة، وقيادات الحركات الإسلامية، تشرفوا بالتتلمذ على يد الإمام الشيرازي، ففي العراق والكويت فقط، تجاوز تلامذته الألف، وقد قرأت في كتاب (أضواء على حياة الإمام الشيرازي) أنه كُتِب كتاب مستقل يضم بين دفّتيه أسماء أكثر من خمسمائة تلميذ من تلامذته، مع إشارة عابرة لبعض حالاتهم. والظاهر أنه لم يُطبع بعد.

من أبرز تلامذته:

1. آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي، الأخ الأول للمترجم له.

2. آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي، الأخ الثاني للمترجم له.

3. آية الله السيد مجتبى الشيرازي، الأخ الثالث للمترجم له.

4. آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي.

5. العلامة السيد مرتضى القزويني.

6. العلامة السيد هادي المدرسي.

7. العلامة السيد عباس المدرسي.

8. العلامة الشيخ حسن الصفار.

9. العلامة الشيخ جعفر الهادي.

10. العلامة الشيخ محمد صادق الكرباسي.

11. العلامة الشيخ عبد الحميد المهاجر.

12. العلامة السيد محمد رضا الشيرازي، الابن الأكبر للمترجم له.

13. العلامة السيد مرتضى الشيرازي، الابن الثاني للمترجم له.

أخلاقه:

عُرِف عن الإمام الشيرازي بأنه واسع الصدر، عظيم الأخلاق، بحر من الترحاب. فهو في تعامله مع الناس من حوله؛ لم يُرَ قط في حالة غضب، أو انفعالٍ جعلته يسيء السلوك لأحدٍ كائناً من كان. وكل ما ذكر عنه، أنه عندما ينفعل أو يغضب من أمرٍ ما، فهو يكتفي بالوقوف إن كان جالساً.

(مرة قال له أحد محبّيه أن رجلاً شتمك في حضور جمع من الأشخاص.. ماذا تأمرنا (أن) نفعل به؟ قال مبتسماً: قولوا له قولاً ليّناً)(5).

وكيف لا يكون كذلك، وهو مقتدٍ في مسيره بسيرة جده المصطفى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين)، الذي أخبرنا عنه القرآن الكريم، بأنه على خلقٍ عظيم.

كيف لا يكون كذلك وهو يقتدي بمن قال الله في حقه: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران: 159).

وهناك الكثير من المواقف والقَصص التي تُتناقل عن أخلاقيات الإمام الشيرازي وهي تُفصح بلا شكٍ عن عظيم أخلاقه، وإليك إحداها: (ذات مرة دخل عليه خريجُ إحدى الجامعات وما أن لمح الإمام (الشيرازي) ببصره حتى انفجر بالبكاء الشديد!! فأخذ سماحته يهدئ من روعه، ثم قال الشاب: مولاي.. معذرة إلى الله وإليك! استغرب الإمام، وقال: وما الذي حدث؟ أجاب: خلال عشرين عاماً كنت استغيبك وانتقصك، وأبثُ الشائعات عليك. فتبسم الإمام ضاحكاً، وقال لا عليك. وأمر أن يُجلب له الشاي، وأهدى له بعض الكتب، منها (الفقه: الاقتصاد)، وذلك لأن الشاب الجامعي كان خِريج كلية الاقتصاد، ثم أرشده لضرورة التأليف لخدمة الإسلام ونشر ثقافته)(6).

بل قال يوماً لمعتذرٍ جاء يعتذر إليه (عما صدر منه اتجاهه: لقد عفوتُ عنك وبرّأت ذمّتك.

فقال الرجل بغرابة: سيدي أنا ممّن أفرط في الكلام عليك سنين طويلة وأسرف في غيبتك أينما جلس وقام.

قال له السيد: وأنا عفوتُ عنك من أعماق قلبي، وعفوتُ عن كل من استمع إليك ونشر ضدّي، وعفوتُ عن السابقين الذين اغتابوني، وعن الحاضرين وأيضاً اللاحقين الذين يأتون بعدي)(7).

تحدث أستاذنا سماحة الشيخ (فيصل العوامي)، فيما كتبه عن أخلاقيات الإمام الشيرازي قائلاً: (ما قصدناه مرة إلاّ وخرجنا من عنده ونحن في تمام الاطمئنان والسرور... تارة نرد إليه صباحاً وأخرى عند الظهر وثالثة في آخر الليل، فلا نجد منه نفوراً أو اشمئزازا،ً بل يسارع إلى لقائنا ويستقبلنا بحفاوة، وبمجرد أن نجلس معه يتباسط معنا في الحديث، ويتعاطى مع الكل على حدٍ سواء، فلا يميز في التعامل بين إنسان وآخر وإنما يعطي الكل حقه من التحدث والاستماع وحتى نظراته يوزعها باستمرار على الجميع ليشعرهم بالأهمية لدرجة يشعر فيها كل شخص بشخصيته ومكانته عنده. لهذا فإن كل مقلد فينا يشعر بأن له علاقة شخصية مع سماحته... يشعر بأنه صديق فعلي له.

ليس من السهل أن تكشف عن طموحاتك الشخصية أمام أي إنسان مهما عاشرته، ولا أن تفرغ ما في صدرك من هموم ومشاكل أو أحاسيس أو أخطاء لأي شخص، لكن (مع) سماحة السيد لا تجد أي حرج في ذلك، بل تجد ما يحفزك على طرح أحاسيسك الخاصة له بدون أي حذر، وذلك لما تجده من رحابة صدر واستعداد للاستماع، تجده قريباً جداً منك ومن مشاعرك وتفكيرك)(8).

ومن النصائح الأخلاقية للإمام الشيرازي، مقولته المتداولة المعروفة، التي يقول فيها ناصحاً محبيه: (اجمعوا أعصابكم في كيسٍ، وارموها في أقرب برميل زبالة).

جهاده:

الحديث عن جهاد الإمام الشيرازي ودوره المؤثر والفاعل في الأمة الإسلامية يحتاج إلى مجلدٍ ضخم، وسأكتفي بذكر معلومة واحدة هنا عن هذا المعلم، لأُبيَّن من خلالها كيف أن سماحته تفاعل مع الساحة الإسلامية العريضة في كل مكان. فعن دعمه للثورة الإسلامية في إيران يكفي أن نعلم بأن (أردشير زاهدي صهر الشاه ووزير الخارجية السابق عام 1963م قال عن السيد الشيرازي: لقد أوصل صوت الثورة من كربلاء إلى العالم)(9).

وذلك أثر نشاط الإمام الشيرازي المتزايد لدعم القضية الإيرانية، ففي عام 1963م ساهم سماحته مع جماعةٍ من العلماء على التحريض بإصدار بيان بتوقيع (جماهير كربلاء المقدسة)، جاء تحت عنوان (ماذا يجري في إيران؟)، ينتصرون فيه للشعب الإيراني ضد حكومته المستبدة، ويطالبون فيه الشاه بالإفراج عن الإمام الخميني وأتباعه؛ بضميمة أن الدستور الإيراني يصرُّ على حصانة مراجع التقليد.

والإمام الشيرازي يُعد أول من استقبل الإمام الخميني (قدس سره الشريف) في العراق - أثر نزوحه إليها، قادماً من تركيا التي أقام فيها ردحاً من الزمن، بعد تهجيره قسراً من إيران بعد الإفراج عنه، نتيجة جهود العلماء والأمة - وذلك على رأس وفدٍ كبير خرج من كربلاء المقدسة، وضم آلاف الجماهير التي احتشدت تأييداً للإمام الخميني، ومناصرة له ولشعبه الأعزل في قضيتهم العادلة ضد شاه إيران الطاغية.

يتحدث الكاتب العراقي (عادل رؤوف) في كتابه المعنون ب(العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية) عن طريقة تعاطي بعض العلماء مع الأحداث الإيرانية خلال تلك الفترة، قائلاً: (ومن هنا فإن الخطاب المرجعي اختلف في تعاطيه مع هذه التطورات بين توجيه رسائل إلى الشاه تندد بإجراءاته، وبين خطاب يعتمد أساليب أخرى في التأثير على حكومة الشاه من أجل تخفيف إجراءاتها القمعية ضد الحركة الإسلامية في إيران.. وبين جهود كان يبذلها البعض من أجل إقناع المرجعيات المترددة في دعم حركة الإمام الخميني أو التنديد العلني بسياسات الشاه إزاءها، وكان السيد محمد الشيرازي الذي لم يتصد آنذاك للمرجعية أكثر الذين تحركوا نشاطاً في ممارسة هذا الدور الذي يسعى إلى إقناع المرجعيات.. بما فيها مرجعية السيد محسن الحكيم في ضرورة احتضان الإمام الخميني، كما نقل لي أكثر من شاهد من شهود تلك المرحلة.. وهذا ما انعكس على علاقته مع الثورة الإسلامية في إيران بعد نجاحها في العام 1979م، حيث كانت علاقاته مع قادة الثورة إيجابية ومؤثرة تقديراً للدور الذي بذله في تلك الفترة )1963(...)(10).

نشاطاته:

في هذه السيرة الموجزة لا يسعني الحديث المفصل عن إنجازات الإمام الشيرازي، فكما يعرف كل من اطلع على نشاطاته أنها تعددت بصورة ملفتة للنظر. فسماحته استطاع (خلال فترة وجيزة أن يوجد في العراق (على سبيل المثال) مؤسسات جماهيرية بدأت تنافس مؤسسات الدولة)(11).

يقول آية الله الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه الشهير الموسوم ب(هدية الرازي إلى المجدد الشيرازي)، إن الإمام الشيرازي قد، (ساهم مساهمة فعّالة في قضايا المسلمين في (الهند) و (باكستان) و (إيران) و (العراق) في هذا العقد الثامن من القرن الرابع عشر الهجري، كما ساهم في وقعة فلسطين

- المعاصرة - بمختلف أنواع المساهمة... ويضيف قائلاً: هو اليوم من المراجع الذين يرجع إليهم في الفتوى والتقليد، والمهام الاجتماعية، وقد كان ساعد والده في التبليغ، والذبّ عن حياض الإسلام... وساهم مساهمة كبيرة في بناء المدارس الدينية، وتشييد المدارس للحفّاظ والحافظات، وتأسيس المؤسسات العلمية والدينية، ونشر المجلات الدورية، وإرسال المبلّغين إلى أطراف البلاد، وتكوين الهيئات الكثيرة للقيام بمختلف حاجات الناس، ولم شعثهم)(12).

هذا الكلام قيل قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، حول نشاطات الإمام الشيرازي، ومن أراد التفصيل فليرجع للمصادر التي تحدثت عن ذلك والتي ذكرت بعضها في قائمة المصادر بهذا الكتاب.

مظلوميته:

ترددت بعض الشيء بشأن الكتابة عن هذا المحور، لكن مما شجعني على الكتابة أني وجدت في كتابات الإمام الشيرازي شيئاً من ذلك؛ فهو قد تحدث بنفسه عن مظلوميته في بعض كتاباته، ككتاب (مطاردة قرن ونصف)، وكتاب (تلك الأيام: صفحات من تاريخ العراق السياسي)، وكتاب (مباحثات مع الشيوعيين)...الخ.

وبما أن دراستنا الأساس تُعنى بالكتاب في فكر الإمام الشيرازي؛ فسأكتفي بالحديث عن الظلامات التي تعرض لها جرّاء جهاده في ميدان الكلمة والحرف، لتتضح للقارئ الكريم المعاناة الكبيرة التي يتعرض المصلحون، وهم يعملون ويضحون من أجل هذه الأمة العاقة! التي تتنكر لرجالاتها العظماء.

(هذا بالإضافة إلى أن هذه الأبحاث حقائق تنير الدرب لمن أراد السير). كما يقول سماحته في كتابه (مباحثات مع الشيوعيين)، الذي سأعتمد عليه في هذا الجانب، فقد ذكر السيد في مقدمة الكتاب جملة من التهم التي تعرض لها، وإليك بعضها بقلمه.

يقول حفظه الله ورعاه:

1- (ذات مرة اجتمعنا عدة من الأصدقاء لتأسيس مكتبة في المدرسة الهندية في كربلاء باسم المكتبة الجعفرية، فقالوا: إنهم يريدون استملاك كتب الناس بهذه الحجة، وقالوا: أن هذا العمل هدم لموازين أهل العلم)(13).

2- (اجتمعنا لإخراج مجلة (أجوبة المسائل الدينية)، فقالوا: انهم شكلوا لجنة (سلوني قبل أن تفقدوني) وقالوا: هذا فضح لرجال الدين لأن المثقفين يستشكلون إشكالات تعجزون عن الجواب عنها. وذلك يسبب فشل الدين ورجال الدين)(14).

3- (وقد خرج منشور طويل عريض من (حزب خاص) ينتقد فيه كل كتبي، وقد عدد خمسين إشكالا وصدرت الأوامر إلى (الحزب) بحفظ هذه الإشكالات وتعدادها ونشرها في المجتمع)(15).

4- (ولما طبعت (مقالات) قالوا: نفران أفسدا العراق (عبد الكريم قاسم) بثورته و(محمد) بتأليفه المقالات... ولما طبعت كتاب (الفقهـ) قالوا ليس له... وحين خرج كتاب لي في الأحاديث، قالوا أنه تأليف والده لكنه لم يرد أن ينسبه إلى نفسه فنسبه إلى ابنه... ولما أخرجنا (المنشورات الدورية) في المناسبات الدينية، قالوا أنها تمول من (دولارات أمريكية)... ولما أخرجنا (الرسالة العملية) قالوا أنه دعوى عظيمة وادعاء ما ليس له... ولما أن كتبنا أي كتاب قالوا ما فائدة هذا الكتاب (فالوصول) لا يحتاج إليه لأن الكفاية في غنى بسبب حواشيها عن الوصول و(الجواهر) لم يدع مجالا (للفقهـ) وشرح (العلامة على التجريد) أغنى الناس عن (القول السديد) وهكذا وهلم جرّا... ولما أسسنا المكتبات، قالوا أوجد القراء فما فائدة المكتبات بلا قراء... وهناك: ولما.. ولما.. ولما.. كثيرة جداً)(16).

وقد سمعت بنفسي بعضاً من هذه الشائعات التي تُتناقل، ممن غلبه جهله وأعيته حيلته. وصدق (المتنبي) حيث قال:

إن يحسدوك على عُلاك فإنما

مُتسافل الدرجات يحسد من علا

موسوعته الفقهية في نظر العلماء:

كُتبت تقاريض عديدة، حول (الموسوعة الفقهية) للإمام الشيرازي، وكتبه الأخرى. وسأورد هنا ثلاثةً منها:

(1) التقريض الأول: كتبه آية الله العظمى السيد الفاطمي الأبهري (78 عاماً)، وهو يدرّس البحث الخارج من عشرين عاماً في الحوزة العلمية بقم المقدسة، وله رسالة عملية وحاشية على العروة الوثقى. يقول في تقريضه بأن: (مطالعة كتب وتصانيف آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي العديدة المعمولة في الأصولين: الفقه والأصول، وكذلك البحث معه في الموارد الكثيرة من حيث الدقة وكثرة التفريع على القواعد والأصول وتضلعه في المسائل وجودة الاستدلال والاستنباط من الكتاب والسنة، أصدق شاهد (بشرط الإنصاف وترك الاعتساف) على كونه أعلم علماء العصر وفقهائهم قطعاً)(17).

(2) التقريض الثاني: كتبه آية الله العظمى السيد عبد الله الشبستري (92 عاماً)، من علماء قم المقدسة. يقول في تقريضه، (من خلال مطالعة (موسوعة الفقهـ) و (الأصول) لسماحة آية الله العظمى الحاج السيد محمد الشيرازي (مد ظله العالي) فإن أعلميته عندي محرزة)(18).

(3) التقريض الثالث: كتبه آية الله أختر عباس النجفي(19)، وهو كبير علماء باكستان وأستاذهم، وقد نشرت غالب الصحف الباكستانية تصريحه بتاريخ: 23/12/1993م. جاء في تصريحه المنشور، قوله: (إنني أعرف العلماء الموجودين حالياً في مدينة قم المقدسة وفي النجف الأشرف، لأني إما أكبر منهم عمراً أو مساو لعمر بعضهم، وكذلك لي علم بمستواهم وعلمهم وفضلهم، والعالم يعرف بدرسه وكتبه، وبهذا الميزان نحن نرى أن سماحة آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (دام ظله العالي) هو أعلم معاصريه من العلماء، حيث ترى ذلك فيما كتبه في علم الفقه كموسوعة (الفقهـ) الاستدلالية وما كتبه في كتاب القضاء والذي أصبح مرجعاً للقضاة وفي (الأصول) وعلم الكلام والاقتصاد والسياسة وسائر العلوم. والكثير من العلماء يستفيدون من كتبه في الحوزات العلمية)(20).

المرتكزات الأساسية في فكره:

1- التمسك بالأصالة.

2- الأخوة الإسلامية.

3- السلام واللاعنف.

4- شورى (الفقهاء) المراجع.

5- الوحدة الإسلامية.

6- الدعوة إلى حكومة إسلامية واحدة.

7- التنظيم العالمي لكل المسلمين.

8- الحرّية.

9- التعددية.

10- الجماهيرية.

وفي ختام هذه السيرة الموجزة لا يسعني إلاّ أن أردد ما قاله يوماً العلامة الشيخ (حسن موسى الصفار)، في حديثه عن المرحوم آية الله العظمى الشيخ (محمد أمين زين الدين)، حيث أشار قائلاً: بأن (لكل تجربة ظروفها وخصائصها، ولكل مصلح أُسلوبه وطريقته، وحينما نقرأ أيَّ تجربة فإنَّها لا تُغنينا عن سائر التّجارب، ولا تلغيها ولا تخدش من قيمتها، بل تجعلنا أمام أفق جديد، وخيار آخر ودروس إضافية)(21).

جماعة من العلماء. أضواء على حياة الإمام الشيرازي. ص 13.

نفس المصدر. ص 18.

لست في حاجةٍ هنا لذكر أسماء العلماء الذين صرّحوا باجتهاد الإمام الشيرازي، ومن أراد ذلك فعليه بالرجوع إلى المصادر التي تحدثت عن سماحته، ومنها مجلة (الحكمة) المشار إليها ضمن قائمة المصادر؛ فلقد حملت أسماء ما يقارب (34) فقيهاً من المعاصرين، فضلاً عمّن صرّح باجتهاده في زمن والده، أمثال: آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني، وآية الله الشيخ محمد الهاجري، وآخرون. نعم، نقلنا نص شهادة والده لأنها جاءت نتيجة قراءته لكتاب للمترجم له، وهذا الأمر يعنينا في بحثنا الأساس عن (الكتاب في فكر الإمام الشيرازي).

عبد الحليم محمد. الإمام الشيرازي: فكره، منهجه ومواقفه. ص 145. بالتصرف في وضع علامات الترقيم.

عبد العظيم المهتدي البحراني. أحكامك في البلاد الأجنبية، ص 30. من مقدمة الكتاب التي وضعها المؤلف تحت عنوان (من هو الإمام الشيرازي؟)، والكتاب يحتوي على (300) سُؤالاً شرعياً حول وضع المسلم في البلاد الأجنبية، أجاب عليها الإمام الشيرازي.

المسيرة. فيلم وثائقي، يستعرض جوانب من حياة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي. (بيروت: مؤسسة الإعلام الإسلامي، د.ت).

عبد العظيم المهتدي البحراني. قِصص وخواطر من أخلاقيات علماء الدين،

ص 160.

فيصل العوامي. (خاطرة)، بمجلة الحكمة. ع1،بيروت، شتاء 1414ه/ 1994م. ص150- 151.

جماعة من العلماء. أضواء على حياة الإمام الشيرازي، ص 57-58.

10ـ عادل رؤوف. العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية: قراءة نقدية لمسيرة نصف قرن (1950- 2000)، ص 40. جدير بالذكر أن هذا الكتاب عُني بتقديم دراسة موضوعية جادة، تتناول دراسة حركة المرجعيات الدينية الفاعلة، والأحزاب والمنظمات الإسلامية العراقية في الفترة المشار إليها في العنوان. ولي ملاحظة هامة على هذا العمل، وهي عدم إنصاف المؤلف في حديثه عن الإمام الشيرازي، فقد جاء الحديث عنه وعن نشاطاته المتميزة - التي أرغمت البعثيين ليقولوا لكل من يُؤتى به للتحقيق في مديرية الأمن بأن السيد الشيرازي قد أصبح دولة في وسط دولة- في سطور معدودة هنا وهناك؛ بينما أفرد الباحث قبال ذلك العديد من الصفحات، بل الفصول، عندما تحدث عن علماء آخرين!

11ـ عبد الحليم محمد. مصدر سابق، ص 63.

12ـ آغا بزرك الطهراني. هدية الرازي إلى المجدد الشيرازي، ص8.

13ـ السيد محمد الشيرازي. مباحثات مع الشيوعيين، ص7.

14ـ نفس المصدر. ص 8.

15ـ نفس المصدر. ص 8.

16ـ نفس المصدر. ص 9- 15.

17ـ مركز الرسول الأعظم (ص) للتحقيق والنشر (إعداد). الأعلمية: نبذة عن الحياة العلمية للمرجع الأعلى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص 22.

18ـ نفس المصدر. ص 23.

19ـ علماً بأن آية الله أختر عباس النجفي (رحمه اللهـ)، قام قبل وفاته بترجمة الدورة الفقهية القضائية من الموسوعة الفقهية للإمام الشيرازي، وقد قبل رئيس جمهورية باكستان (محمد رفيق تارر) أمر إقرار الدورة الفقهية القضائية بلغتها الأوردية، وتم إدخالها وللمرة الأولى في تاريخ باكستان الحديث ضمن مصادر الفقه في مجلس تشخيص القوانين.هذا وقد تم الاعتراف بهذه الدورة بصورة رسمية وعمل على حفظها في المكتبات الحكومية وفي الجامعات، وهي تدرس الآن في عدد من الكليات والمدارس الإسلامية. بتصرف عن (مجلة (المنبر) الكويتية، عدد عاشوراء الخاص، محرم 1421ه، ص 4- 5).

20ـ الأعلمية، مصدر سابق. 24.

21ـ عبد الهادي الفضلي وحسن الصفار. الشيخ محمد أمين زين الدين: الدّور الأدبي والجهاد الإصلاحي، ص 104.