الفهرس

الكتاب في فكر الإمام الشيرازي

الصفحة الرئيسية

 

التشجيع على الكتابة والتأليف

الإمام الشيرازي وكما تحدثنا عنه في الصفحات السابقة لم يكتفِ بتأليف الكتاب ونشره؛ وإنما قام بتشجيع الآخرين على الكتابة والتأليف أيضاً. ومن اللجان التي عمل على تأسيسها في الكويت بعد هجرته إليها عام 1391هـ، (لجنة التأليف)(1) وكانت تهدف إلى (تربية الشباب المثقف [القادر] على التأليف ونشر الوعي الإسلامي بواسطة القلم الأدبي)(2)، وقد أنتجت اللجنة ومن شباب الكويت بالذات، وخلال فترة قصيرة عشرة كتب، مثل: (علي ربيب الوحي) للأستاذ صالح عاشور، وكتاب (الفتاة والكرامة) للأستاذ يوسف مذكوري، وكتاب (الدين الإسلامي ماذا يعني) للأستاذ هادي خواجه، وكتاب (كلمة الإسلام حول التلفزيون: نعم.. لا) للأستاذ مهدي خواجه... وغيرها(3).

كما يذكر ذلك الشيخ (محمد نديم الطائي) في كرّاسه المعنون بـ(أيام في الكويت) الصادر عام 1393هـ. والذي كتبه بعد زيارته للكويت عارضاً فيه الكثير من المشاريع الخيرية التي أسسها الإمام الشيرازي خلال فترة قصيرة من نزوحه إليها.

ومن ثمار غرس وتشجيع الإمام الشيرازي على الكتابة، (أحدث تلامذته - الذين زادوا على الألف في العراق والكويت فقط موجة تثقيفية كبرى في العالم الإسلامي حيث كان الكثير منهم: حملة أقلام، وخطباء، وأئمة مساجد، وقيادات حركة إسلامية، ومؤسسين لمختلف المؤسسات الدينية والاجتماعية والخدماتية)(4).

(وقد تجاوزت الكتب والكتيبات التي كتبها تلامذته وتلامذة تلامذته [وزملاؤه]: الألفين وخمسمائة كتاب كتبت نتيجة تربيته وتخطيطه أو تشويقه وتحريضه)(5)، (ومن جانب آخر فإن المجلات والجرائد اليومية والنشرات والصحف الأسبوعية و... التي يصدرها أتباعه ومقلدوه في شتى أنحاء العالم قد زادت على المائة جريدة وصحيفة باللغات العربية والفارسية والأردية والإنكليزية وغيرها)(6).

فالإمـام الشيرازي طالما حثّ وشجّع وحرّض على الكتابة والتأليف والنشر. يقول سماحته في تقديمه لكتاب (الصوم مدرسة الإيمان)، الصادر عام 1394هـ، وهو باكورة المؤلفات المطبوعة لسماحة العلامة الجليل (الشيخ حسن الصفار): (أرجو أن يكون [هذا] الكتاب فاتحة ما لا يقل عن مائة كتاب، في مختلف الجوانب الإسلامية، فان المسلمين - اليوم - في فقر مدقع من جهة الإعلام والنشر والتأليف، بينما الفئات المضادة للإسلام أخذت بهذه الأزمة، فخنقت الإسلام حتى في وطنه وبين أهله، ولذا نرى إن أكثر شباب المسلمين لا يعرفون من الإسلام إلا الاسم. فالواجب تظافر الجهود المخلصة لإنقاذهم وإنقاذ سائر المسلمين)(7).

وقد ذكر سماحته من جملة أهداف كتابته لكتابه (الكتاب من لوازم الحياة)، ما يلي: (وهذه الأوراق التي كتبتها تحمَّل مثقفينا مسئوليتهم اتجاه الكتابة، وهي تحرضهم على الكتابة وعلى طبع الكتب ونشرها وتوزيعها. وتحمَّل تجارنا مسئوليتهم اتجاه المساهمة في طباعة الكتب)(8).

ويتحدث سماحته مشجعاً على التأليف قائلاً: (وما أكثر المثقّفين القادرين على الكتابة في بلاد الإسلام سواء كان المثقّف حوزوياً أو أكاديمياً، وما أكثر المثقّفات القادرات على تأليف الكتب وإن كن أقلّ من الأوّل، فكان لا بدّ من تشجيع الطائفتين على الكتابة وتسهيل طبع الكتاب لهم... إنّ الحوزة العلميّة في قم المقدّسة وحدها - في الوقت الحاضر مع قطع النظر عن حوزات سائر البلاد - تشمل زهاء أربعين ألف طالب علم - كما يقولون - ولنفرض إنّ كلّ واحد منهم يؤلّف كتاباً لا أكثر، يصبح لدينا أربعون ألف كتاب، ولو طبع كلّ كتاب ألف نسخة يكون الحاصل أربعين مليون كتاب، أليس هذا شيئاً كثيراً؟)(9).

وقد عُرِف عن الإمام الشيرازي حثه الدائم لطلبة العلوم الدينية على لزوم التأليف؛ فهو يعُد الكتابة والتصنيف من مسؤولياتهم وواجباتهم. إضافةً لحثه عموم المثقفين على ممارسة الكتابة من أجل التغيير.

الـمــرأة والتأليــف:

ومما يحسن ذكره هنا أن الإمام الشيرازي لم يكن غافلاً يوماً ما عن دعوته للمرأة أيضا،ً على أن تشق طريقها في مجال الكتابة والتأليف، وصناعة الفكر الهادف. بما تمتلك من أفكار وتجارب، قد يفتقر إليها الرجال عادةً؛ وذلك خدمةً منها لأهداف الأمة الإسلامية وتطلعاتها..

وكلنا نعلم بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يختص (الرجال بالعلم والتعليم، بل كان يحرص على أن يكون حظ المرأة من ذلك موفوراً). ولذلك قال عليه السلام: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)... (وليس أدل على نصيب المرأة المسلمة من العلم من محاجة إحدى نساء المدينة لعمر ابن الخطاب حين قام يخطب المسلمين ويحثهم على ألا يزيدوا في مهور نسائهم عن مهور زوجات الرسول، إذ قالت له تلك المرأة: وماذا تقول في قوله تعالى: )وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا(؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر)(10).

فمن خلال هذه الحادثة تبين لنا إن المرأة لا تقل مكانة عن الرجل في فهم التعاليم والأحكام الشرعية؛ بل هاهي تتفوق عليه وتجادله بالقرآن الكريم، وتجبره على أن يقر بخطئه ويعلنها صريحة أمام الملأ، بأنه لم يفهم ما فهمته المرأة من القرآن!!

فالمرأة وكما هي مطالبة بتعلم العلم؛ فهي أيضاً وعلى نفس المستوى مطالبة بنشره.

ويؤكد سماحة الإمام الشيرازي على أن (أولّ مؤلفة في الإسلام هي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلها كتاب هو مصحف فاطمة)(11). والمرأة في المجتمع المسلم حريٌ بها أن تقتدي بسيدة النساء.

وبفضل تشجيع الإمام الشيرازي ورعايته وتوجيهه ودفعه للمرأة، رأينا بعض النتاج لنسوة من خريجي مدرسته الفكرية؛ فمن مدينة (القطيف)، شرق المملكة العربية السعودية مثلاً، رأينا عدداً من المؤلفات، وسأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

فمما صدر للكاتبة صباح عباس:

1- (الحياة الزوجية: مشاكل وحلول).

2- (الانحرافات السلوكية: الأسباب والعلاج).

3- (حتى لا يكون الحلم حُطاماً).

وصدر للكتابة عالية فريد:

1- (المرأة وبرامج التثقيف).

2- (فن الخطابة).

3- (يوميات حاجة).

هذه بعض الأرقام التي ذكرت من مدينة القطيف فقط. وبما أن الإمام الشيرازي أثَّر على المرأة المسلمة هنا وهناك؛ فلا بد وأن يكون له تأثيرٌ على أسرته المباركة في هذا الجانب، وبالفعل فلقد تسنى للعديد من نساء أسرته فضل المشاركة في التأليف. فقرينته كانت من صاحبات القلم حيث أمدت الساحة ببعض الكتب منها (من كلمات الإمام الحسين عليه السلام)، و (من كلمات الإمام العسكري)، و (الأخلاق).

وزوجة ابنه السيد محمد رضا الشيرازي كتبت (مائة قصة)، و (فاطمة الزهراء (ع) أسوة المرأة المسلمة). ولزوجة ابنه السيد مرتضى الشيرازي كتاب (في رحاب الإمام الصادق عليه السلام)، وكتاب (روائع من حياة الإمام الكاظم عليه السلام)؛ لزوجة ابنه السيد جعفر الشيرازي. هذا علاوة على ما كتبته ابنة الإمام الشيرازي كذلك..

إن هذا الكم من التأليفات التي جاءت بها المرأة من أسرة الإمام الشيرازي، تعكس بوضوح الواقع الذي تعيشه المرأة في ظل رعايته (حفظه الله)، ومدى العناية التي يوليها للمرأة(12).

مسيحي يؤلف كتاباً عن الإمام الحسين (ع):

في الأسطر التالية سأذكر مقتطفات من اللقاء المطول الذي أجرته مجلة (المنبر) الكويتية مع المفكر المسيحي (الأستاذ أنطون بارا) مؤلف كتاب (الحسين في الفكر المسيحي)، وصاحب المقولة المشهورة: (الإسلام بدؤه محمدي واستمراره حسيني)؛ لأُبين من خلاله - اللقاء - الدور الكبير الذي لعبه الإمام الشيرازي في التشجيع على الكتابة والتأليف. يقول الأستاذ بارا.. سارداً قصة تأليف الكتاب ما يلي: في البداية لم أكن أعرف شيئاً عن واقعة كربلاء الدامية سوى بعض الخطوط العامة من قبيل خروج الإمام الحسين ومقتله... ولكن حينما تعرفت على شخصية الإمام الشيرازي قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، أهداني بعض الكتب التي تتحدث عن الحسين عليه السلام فقرأتها ووجدتها ملحمة فريدة من نوعها... وفي الواقع لم تكن لدي النية لتأليف أي كتاب بهذا الخصوص، لكنني كنت دائم التردد على ديوانية الإمام الشيرازي في بنيد القار... وحيث كان الحديث يدور بيننا في الديوانية أشرت إلى أنني بحكم طبيعة عملي الصحافية دونت كثيراً من الملاحظات عن الإمام الحسين عليه السلام، فقال لي الإمام: (لماذا لا تكتب كتاباً تجمع فيه هذه الملاحظات؟) فأجبت: (سأفكر في الموضوع). والحقيقة أن الفكرة اختمرت في رأسي فرحت إلى مكتبي ووجدت الملاحظات التي دونتها وقد بانت سماكتها، فصرت أبحث أكثر وأكثر... الأمر الذي جعل مدة تأليفي تطول إلى أكثر من خمس سنين منها سنتان كنت فيه في تفرغ تام للتأليف... وما إن فرغت من الكتاب الذي طالما عدلت فيه ونقحت، حتى أرسلته إلى الإمام المرجع، فقرأه وأعجب به وقال لي بالحرف الواحد: (اطبعه فوراً) وحينها اشترطت عليه أن يكتب لي مقدمته فأبدى موافقته... وأذكر هنا أنه ما إن نشر الكتاب حتى طلب مني الإمام الشيرازي عشرين نسخة منه بثمنها، فقلت له: (يا سيدنا كيف آخذ منك ثمنها وأنت من أنت؟) فأجاب: (إنني أود أن أساعدك.. وإذا لم تقبل فإنني لن آخذ النسخ)... والحمد لله فقد ترجم الكتاب إلى سبعة عشر لغة عالمية وهذا من فضل الحسين عليه السلام(13).

من خلال ما ذكر أعلاه يمكن أن نخرج بفوائد عديدة، منها:

(1) انتهاز الفرص للعمل على إيصال معتقداتنا وقيمنا وأفكارنا للآخرين، كما فعل الإمام الشيرازي عندما سارع بالتعريف بشخصية الإمام الحسين عليه السلام للطرف الآخر، المسيحي. وهذا أسلوب حسن ينبغي علينا اتباعه.

(2) المبادرة بإهداء الكتب للطرف الآخر وعدم الاكتفاء بالحديث الشفوي، في تبيان الحقائق والأفكار؛ (لأنه لا يسدّ مسد العلم الذي نحصل عليه من الكتب)(14).

(3) تشجيع الآخرين على لملمة خواطرهم وأفكارهم، ومساندتهم للعمل على نشرها.

(4) تشجيع المؤلفين من خلال العمل على شراء ما يكتبون من مؤلفات، وعدم الإثقال عليهم بطلب النسخ المجانية، كما هو الحاصل من قبل الكثير من الفئات الاجتماعية.

سبق أن تحدثنا عن بعض اللجان العديدة التي أسسها (الإمام الشيرازي) في العراق، وقد مارس سماحته نفس الدور في دول أخرى منها الكويت، ومن نشاطاته فيها: تأسيس، مكتبة الرسول الأعظم (ص)، وقد كتبت عنها إحدى المجلات في تحقيق لها عن الشيعة في الكويت، تحت عنوان (مكتبة الرسول الأعظم (ص) أول مكتبة عامة للشيعة)، ما يلي: (أنشئت المكتبة في عام 1974 بفكرة من السيد محمد الشيرازي الذي قدم من العراق في عام 1970م، لتكون مركزاً ثقافياً وفكرياً، ويقول مدير المكتبة صالح عاشور إنها مكتبة عامة وتضم بحدود 15 ألف كتاب منوع... وهي حالياً لا تقتصر على استقبال = = القراء فقط ولكنها تنظم دورات أيضاً في علوم الكومبيوتر وعلم الإدارة، وفيها معهد متكامل لهذه الدورات باسم معهد الرسول الأعظم أيضاً كما فيه أيضاً لجنة أهل البيت الخيرية والتي تشرف على عدد من المشاريع الخيرية في الكويت وخارجها). انظر: مجلة (المجلة) ع(1003)، محرم1420هـ، ص45.

جماعة من العلماء. أضواء على حياة الإمام الشيرازي. ص 68.

محمد نديم الطائي. أيام في الكويت. ص 15.

جماعة من العلماء. أضواء على حياة الإمام الشيرازي. ص 30.

نفس المصدر. ص 78.

نفس المصدر. ص 87.

حسن الصفار. الصوم مدرسة الإيمان. ص 7-8.

السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 14.

نفس المصدر. ص 44-45.

10ـ حسن إبراهيم حسن. تاريخ الإسلام: السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مج 1، ص403.

11ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة، ص 44. ..كما يؤكد سماحته أيضاً على أن أول مؤلف في الإسلام هو الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام فقد ألّف كتاباً يسمى بكتاب علي (ع) أو (الجامعة). نفس المصدر والصفحة.

12ـ حيدر البصري. المرأة في فكر الإمام الشيرازي ورعايته. (د.ص).

13ـ أجرى اللقاء، عصام الموسوي. مجلة (المنبر) الكويتية، عدد عاشوراء الخاص، محرم 1421هـ. ص 10-11.

14ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 53-54.