|
إطلالة على الوصايا العشر |
|
كثيرٌ من المؤمنين قصدوا الإمام الشيرازي في منـزله الشريف بقم المقدسة. وذلك بغرض الزيارة، أو لتلقي النصح والإرشاد، أو الاستفسار والسؤال، أو...الخ. وقد اعتاد زائروه على سماع وصاياه العشر المركزة، التي لو عملنا بها؛ لحققنا السعادة في الدنيا والآخرة. وقد طلب منه بعض زائريه كتابتها لهم بخطه الشريف. هذه الوصايا وزعت في الكثير من الأماكن والبلدان التي يتواجد فيها مقلدوه، وفي قرية (العوّامية) بمدينة القطيف بالتحديد، عُملت مسابقة كتابية تُعنى باستنطاق هذه الوصايا قراءةً وشرحاً وتحليلاً، وتسنى للجنة المسابقة طباعة البحوث الفائزة ضمن دفّتي كتابٍ رائعٍ، صدر عام 1419هـ عن دار الخليج العربي ببيروت، وهو بعنوان: (الكوثر العذب: دراسة في الوصية الخالدة للإمام الشيرازي)(1). سأسرد في السطور القادمة نص الوصايا العشر كاملةً، ليتبين القارئ بنفسه مدى العناية الخاصة التي يوليها الإمام الشيرازي للكتاب، خلال توجيهاته وأحاديثه ووصاياه للمؤمنين. وإليك نص الوصايا كما وردت في الكتاب، يوصي سماحته المؤمنين بما يلي: (1) بالتقوى. (2) خدمة الناس. (3) الأخلاق الحسنة. (4) تقوية القلم لأجل التأليف. (5) تقوية اللسان لأجل الخطابة. (6) في كل بيت مكتبة. (7) في كل بيت عادة أسبوعية. (8) تزويج العزاب والعازبات بمهر قليل. (9) تشكيل الهيئات لأجل جع المال لطبع الكتب التوعوية، ونشرها في العالم. (10) الاهتمام بجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، والله المستعان. إن المتأمل في الوصايا العشر يجد أن الإمام الشيرازي (حفظه الله) قد وجه ودفع نحو الكتاب وما يرتبط به من مفردات ضمن ثلاث نقاط! فقد أكد سماحته على: 1-تقوية القلم لأجل التأليف. 2-وعمل مكتبة في كل بيت. 3-وتشكيل الهيئات لأجل جمع المال لطبع الكتب التوعوية، ونشرها في العالم. في السطور القادمة سأتناول المفـردات الثلاث المتصلة بدراستنا هذه، كل على حدة، مازجاً بها أفكار ورؤى الإمام الشيرازي، وما تيسر لي توضيحه وشرحه والحديث عنه لتتم الفائدة التي أرجو. أولاً: تقوية القلم لأجل التأليف لكي يكون الإنسان قادراً على الإمساك بناصية القلم ولكي يكون منتجاً معطاءً مبدعاً، عليه أن يثق بنفسه كثيراً، (وما رام امرؤ شيئاً إلا ناله أو ما دونه)(2). فعلى الفرد منا أن لا يقلل من مستواه ومن قدراته الجبارة، فلو أزال الغبار عنها لأعطى لنفسه ولأمته الكثير، وعليه أن يتذكر أنه يمتلك أعظم نعمة في الوجود، وهي نعمة العقل، الذي ما خُلق خَلقٌ أحب للرحمن منه، وكما يقول الإمام علي (عليه السلام) فيما نسب إليه: أتحسب أنك جـرم صغير***وفيك انطوى العالم الأكبر وجميعنا نعلم بأن (مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة)، فإذا عزم أحدنا على الخوض في غمار هذا الطريق (طريق الكتابة والتأليف)، فليبدأ خطوة خطوة، والحكمة العربية تقول: (لكل شيء آفة وللعلم آفات، وعلى المتعلم أن يتحدى كل الآفات)؛ فالمرء إذا كان جاداً ومثابراً في سعيه من أجل تقوية قلمه بغرض الكتابة والتأليف فيما يخدم قضايا المجتمع والأمة؛ فإنه سيصل إلى مبتغاه حتماً، خاصة إذا تذكر وهو في مسيره أن الكثير من الكتّاب الكبار إن لم يكن أكثرهم قد ساروا في طرق مليئة بالأشواك في بداية حياتهم، إلا أنهم اجتازوا ذلك بعزم وإصرار وإن خُيّل للبعض أنهم قد كانوا يسيرون في طرق مليئة بالورود. فإن أراد الطالب (حوزوياً كان أو جامعياً أو...الخ) أن يخدم أمته ويقدم لها الكثير من العطاء والإنتاج الفكري والثقافي، فيجب عليه أن لايبخل بوقته، بل يلزمه أن يكثف من ساعات درسه ونقاشه، وقراءاته واطلاعه.. في مختلف الجوانب والحقول، حتى تتكون لديه حصيلة ثقافية وفكرية، ومن ثم يستطيع أن يكتب وبكل سهولة. وفي هذا الشأن أتذكر أبياتاً للشـاعر (أحمد الصافي النجفي) يقول فيها: لقد كان بي في الأمس نهم قراءة***كأني ظمآن إلى المنهل الجـاري فأصبحت خصماً للكتاب كأنني***رويت وهذا يوم إعطـاء أثماري فيمكن لمن يرغب في تقوية قلمه أن يبدأ بكتابة المقالات والخواطر الصغيرة. كأن يكتب عن وضعه الدراسي، أو يكتب عن تذمره من سوء الأوضاع التي تعيشها البلدان الإسلامية، أو يكتب عن رغبته في أن يكون كاتباً، أو...الخ. وبالمران والممارسة بإمكان من يطمح في تحصيل ملكة الكتابة والتأليف، أن يشارك بعد في كتابة البحوث والدراسات الهامة، التي تخدم أهداف الأمة وتطلعاتها، وهذا ليس حلماً أو خيالاً )وَأَنْ لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى( [النجم:39]، وقد سمعنا وقرأنا عن البعض وكيف كانت محاولاتهم الأولى، وكيف أصبحوا بعد ذلك. واستطراداً في الحديث أقول: ينبغي أن يكون هناك تفكير جاد من قبل أبناء المجتمع بهذا الخصوص، ولو كنت أمتلك الجرأة هنا لقلت: حرام أن يمضي الواحد منا عن هذه الحياة الدنيا دون أن يخلف وراءه (ورقة علم) ينتفع بها بعده!! مع أن الحديث الشريف المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية أو كُتُب عِلمٍ ينتفع بها أو ولد صالح يدعو له)(3). ويعلق الإمام الشيرازي على هذا الحديث الشريف قائلاً: (الكتاب صدقة جارية لكن لأهميّته ذكر وحده، فهو من ذكر الخاص بعد العام، ولا يبعد أن يراد بـ(كتب) أعمّ ممّا ينفع الدنيا أو الآخرة بقرينة إنّ الإسلام اهتمّ بالأمرين، وورد في الحديث: (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه) وفي حديث آخر: (الدنيا مزرعة الآخرة)، والمسلمون تقدّموا بالعلم، وسقطوا حين سمحوا للعلم أن يهرب من أيديهم إلى الغرب؛ والغرب في الوقت الحاضر سيطر على العالم بالعلم )هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ( سورة الزمر: الآية/9. ومن الواضح أنّ العالِم هو المسيطر على الجاهل)(4). |
|
الكتاب منجاة للإنسان: |
|
ورد نص جميل حول هذا المعنى روي عن باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو كفيل بأن يدفع الكثيرين رجالاً ونساءً على الاهتمام بتقوية أقلامهم، بغرض الكتابة والتأليف. يقول (عليه السلام) في نصه: (إذا مات مؤمن وترك ورقة واحدة، عليها علم كانت تلك الورقة ستراً بينه وبين النار)(5). |
|
رؤياي للإمام الحسين عليه السلام: |
|
تحت هذا العنوان كتب الإمام الشيرازي في كتابه (الكتاب من لوازم الحياة) ما يلي: (الرؤيا ليست حجّة، إلاّ على ما ذكره صاحب القوانين في الجملة، وقد ذكرت في كتاب المنامات تفصيلاً حول ذلك. ذات مرّة في مدينة قم المقدسة رأيت الإمام الحسين (عليه السلام) في المنام لأوّل مرّة جالساً في إيوانه الشريف وهو متجه نحو القبلة والضريح وراءه، وكان بالزي الروحاني في أكمل وضعية وأنور جمال، وأمامه في الإيوان قبور مرتفعة عن الأرض كلّ قبر بقدر إصبع أو ما أشبه، وكانت تلك القبور قبور خطباء المنبر الحسيني. وعرفت جملة منهم ممن كانت الحياة والموت عندهم سواء، فكانوا يخرجون من القبـور ومتى ما شاءوا دخلوها كأموات، وكان لكّل قبر من تحته أنبوب ممدود إلى الصحن الشريف مُنتَهٍ إلى حوض صغير فيسير الماء داخل الأنبوب إلى الحوض، والناس محتفوّن بتلك الأحواض يشربون منها ويتوضأون ويغسلون وجوههم وأيديهم منها. وفي هذه الأثناء خرج أحد الخطباء من قبره - وكان صديقاً لي - وتوجّه إلى الإمام (عليه السلام) وقال: يا ابن رسول الله لماذا ليس في قبري أنبوب ولا حوض؟ فرفع الإمام يده اليسرى وبسط كفّه، وكأنّه يكتب بيمناه خطاً في كفّه اليسرى قائلاً له أنت لم تكتب كتاباً تتركه من بعدك، ولذا لا حوض لك. وقد أصررت (والكلام هنا للإمام الشيرازي) على ذلك الخطيب في حياته لكي يؤلّف، لكنّه أبى ولم يكتب شيئاً. وكان لقبر الشيخ عبد الزهراء الكعبي(6) أنبوب إلى حوض له في الصحن كسائر الخطباء، ففكّرت في أمره فهداني تفكيري إلى أنّ مقتل الإمام الحسين الذي يرتله أيّام عاشوراء طبع بعد وفاته عشرات الطبعات حتّى الآن. هذه رؤيا، لكنّها - على الظاهر - من المؤيدات للحديث الشريف: (من مات وخلَّف ورقة علم ينتفع بها) والحديث الآخر: (وكُتُب عِلمٍ ينتفع بها)(7). |
|
الكتابة وبث العلم: |
|
(اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فوَّرث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج، ما يأنسون فيه، إلا بكتبهم)(8). بهذه الكلمات تحدث الإمام جعفر بن محمدٍ الصادق (عليه السلام) مبتدئاً كلمته الرائعة بفعل أمرٍ، حاثاً فيها المسلمين على الكتابة والتأليف وبث العلم. فهل نلتزم الأمر الذي كلفنا به إمامنا الصادق (ع)؟ كما يؤكد الإمام الصادق (عليه السلام) كذلك على ضرورة إيصال الكتاب إلى الأبناء، فعليه ينبغي علينا أن لا نفكر بأنفسنا فقط. فنحن كآباء وأمهات قد نقرأ وقد نأنس بالجلوس بين يدي الكتب. لكن، هل فكرنا في مد جسور الصداقة بين أبنائنا والكتاب، الذي قيل فيه أنه خير جليسٍ؟ نعم، يلزم على الإنسان أن يثق بنفسه وينـزل للحلبة (حلبة الكتابة والتأليف)، وسيجد من يصفق له أثناء المباراة، بل سيجد من يشجعه على الدخول إلى الحلبة، ولن يقبل منه أن يكون بعيداً عن الميدان! (بالطبع فإن القيام بدور التوجيه الفكري للأمة يستلزم الرصد والمواجهة، للأفكار والتيارات المضادة والمنحرفة والتي قد تغزو الأمة من الخارج، أو التي تنشأ في أوساط المجتمع نتيجة جهل أو سوء فهم أو نزعات مغرضة)(9). فالأعداء - أعداء الإسلام - قد سخروا كل ما يملكون من إمكانات هائلة من أجل نصب شباكهم لاصطياد شبابنا وفتياتنا عبر الأقمار الاصطناعية والإنترنت، وغيرهما من وسائل الإعلام التي تبادر مسرعة في نشر الميوعة والانحلال والقذارة! فإذا لم يبادر أبناء أمتنا ببرامج عملٍ وتثقيف ونشرٍ للمعرفة والوعي وذلك على أوسع نطاق ممكن، من أجل إرشاد ما يمكن إنقاذه من الشباب؛ فسوف نراهم ينجرفون مع التيار، وسيكونون فريسة لهذا الإعلام ولربما ضلوا وتاهوا في صحراء الشتات. ولكي أضع القارئ الكريم في الصورة؛ فليقرأ التالي: (تشير بعض الإحصاءات إلى أن 75% من الأفلام التي تعرض على الشاشات التلفزيونية في العـالم هي أمريكية وأن 50% من البرامج التي تبثها التلفزيونات في العالم هي أمريكية أيضاً، وأن التاجر اليهودي مرودخ يمتلك 63% من الصحف اليومية الصادرة في استراليا وأمريكا ويملك 59% من ملاحق يوم الأحد في البلدان المذكورة)(10). وأمامي الآن بعض الأرقام والإحصائيات التي نقلها سماحة الشيخ (حسن موسى الصفار) عن الداعية الإسلامي المعروف، الشيخ (أحمد حسن ديدات)، اقتطع منها ما يلي: - هناك مجلة مسيحية تبشيرية اسمها (الثمرة الجليةThe Plain Fruit) تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية، وتوزع منها ثمانية ملايين وثمانمائة ألف نسخة شهرياً، وهي مجانية، ولا تصدر عن دائرة حكومية، بل إن ناشرها شخص واحد، ولديه محطات تلفاز واستديوهات فيديو. - وتوجد في الولايات المتحدة الأمريكية جماعة يطلقون على أنفسهم (شهود يهوه) يبلغ عدد أعضائهم في العالم حوالي مليوني عضو، وإذا نشروا كتاباً يطبعون منه أربعة وثمانين مليون نسخة، ويترجمونه إلى حوالي خمس وتسعين لغة. - وإحدى مجلاتهم تطبع وتوزع منها ثمانية ملايين وتسعمائة ألف نسخة، وتطبع في أربع وخمسين لغة! - والمسيحيون يوزّعون في جنوب أفريقيا وحدها سنوياً ثمانمائة ألف نسخة من الإنجيل مجاناً. - وفي أفريقيا قاموا بترجمة الإنجيل إلى مائة وسبع لغات أفريقية وتوزّع مجّاناً! - وهناك رجل أعمال هولنديّ واحد قام بطبع 107 ملايين نسخة من الإنجيل لتوزّع مجّاناً!(11) * * * إذاً، نحن نرى بوضوح تام كيف إن أعداء الإسلام يعملون بقوة، ويراهنون على نشر ثقافتهم وأفكارهم بكل ما أوتوا من جهد وطاقة، فهم يقومون بنشر وتوزيع الكتب والدوريات من (جرائد ومجلات) وغير ذلك، وبصورة ضخمة. حتى وصل عدد ما تنتجه (إسرائيل) - المغتصبة لقدسنا الجريح - من الدوريات سواء كانت عامة أو متخصصة، يزيد على ما تنتجه كل الدول العربية مجتمعة!! حيث يربو ما تنتجه إسرائيل على الألف! مع ملاحظة أن (بينها أمهات الجرائد العالمية، وذلك أحد أسباب تمكنها من كسب الرأي العام الغربي بل والعالمي إلى جانبها رغم كونهم غاصبين ومحتلين، ورغم أن عددهم لا يتجاوز العشرين مليون نسمة)(12). وهناك الكثير من الإحصائيات التي تذهل الألباب!! والتي لا نريد أن نكثر من اقتباسها هنا. وصفوة القول: لكي ننجح كمجتمع مسلم في عملية احتواء الجيل الشاب وتوجيهه، علينا أن نتمسك بـ (رسالة القلم)، تلك الرسالة العظيمة التي أقسم الله بها في كتابه الكريم حيث يقول تعالى: )ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ( [القلم:1]. فلماذا يبخل الطلبة والمثقفون في مجتمعاتنا عن رسالتهم في إيصال الوعي، والثقافة الإسلامية إلى جماهير الأمة، عبر ناصية القلم؟ لماذا يبخلون عن إيصال أصواتهم للجماهير المتعطشة إلى أقلامهم، والمتلهفة لاستماع أحاديثهم وأقوالهم؟ لماذا؟! |
|
تشجيع الطاقات والكفاءات: |
|
يزخر مجتمعنا كغيره من المجتمعات بكفاءات وقدرات عالية، قادرة على العطاء والإنتاج، لذا يتحتم علينا أن نشجع هذه الكفاءات وندعمها، ولو بالكلمة الطيبة التي تعتبر بمثابة الصدقة، كأضعف الإيمان، وذلك من أجل أن تعمل هذه الطاقات على خدمة أمتنا عن طريق الكتابة والتأليف، ونشر الكتاب الإسلامي الهادف الذي يبشر بالفكر الرسالي الخلاّق. ومن الطرق التي يقترحها الإمام الشيرازي لتشجيع المؤلفين والكتّاب: 1- المسابقة لمن يكتب أفضل كتاب في موضوع معين مرتبط بالإسلام. 2- المسابقة لمن كتب أفضل مقالة. 3- المسابقة لمن كانت عدد... كتبه أو مقالاته أكثر من غيره(13). هذا بالإضافة إلى قيام العلماء والمثقفين، بشراء الكتب من المؤلفين أنفسهم والعمل على توزيعها بالمجان، نيابةً عنهم، كما فعل سماحته - في القصة التي ذكرناها آنفاً - مع مؤلف كتاب (الإمام الحسين في الفكر المسيحي)، عندما طلب منه عشرين نسخة من الكتاب، وأصر عليه أن يأخذ قيمتها. ثانياً: المكتبة المنزلية لم يغفل الإمام الشيرازي الحديث عن الدور الذي ينبغي للأسرة أن تلعبه من أجل توفير الكتب المناسبة لأفرادها. (فمن اللازم،- كما يرى - الاهتمام بإنشاء المكتبات... الخاصّة حسب الإمكان، وأن يكون في كلّ بيت مكتبة ولو من مائتي كتاب، فإنّ المكتبة جمال بغض النظر عن إنّها مبعثٌ للعلم وإشعاعٌ للفكر... فالمفترض أن نجعل من الكتاب جزءاً من حياتنا حّتى تكون النهضة الصحيحة لبلاد الإسلام وإلاّ فالجهل لا يبعث التقدم)(14). وفي هذا المضمار شجع الإمام الشيرازي الكثير من أبناء المجتمع الإسلامي، على إنشاء وتأسيس المكتبات المنـزلية الخاصة. وقد أُسست بفضل توجيهه، حوالي مائتي مكتبة أثناء تواجده في الكويت. ومن الجدير بالذكر هنا، إن في تراثنا الإسلامي يوجد لدينا كما يلاحظ المتتبع بعض المقولات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) التي نستشف منها التوجيه والدفع نحو إنشاء المكتبات المنـزلية الخاصة، وما كان ذلك منهم عليهم السلام، وهم عدل القرآن؛ إلاّ دلالة أكيدة، على نظرتهم المتميزة للدور الذي يمكن أن يلعبه الكتاب في حياة الأمم(15)، ففي مقولةٍ لريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) أنه قال بعد أن جمع بنيه وبني أخيه: (إنكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته)(16). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (أُكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج، ما يأنسون فيه، إلا بكتبهم)(17). ويقول أحد الكّتاب الغربيين - بيتشر -: (إنَّ المكتبة ليست من كماليات الحياة بل من لوازمها، ولا يحق لإنسان أن يربي أولاده بدون أن يُحيطهم بالكتب)(18). كما لا يخفى على أحدٍ ما للأسرة من دورٍ في التأثير على شخصية الطفل، سلباً أو إيجاباً. ومن المعلوم أن المراحل الأولى التي يمر بها الطفل، هي مرحلة تقليده للناس، وهو بأسرته أحرى بالتقليد؛ فلو فتح الطفل عينه على الحياة ورأى أباه أو أمه أو أحد إخوانه محتضناً لكتاب يقرأ فيه بين الفينة والأخرى، فإن تلك الصورة لن تغيب عن الابن حتماً، وسيعمل إن عاجلاً أو آجلاً على محاكاتها. وبما أن الأمر بهذه الكيفية؛ فلا بد أن تستشعر الأسرة مسؤوليتها وتقوم بدورها على أحسن وجه وأفضل صورة ممكنة، وذلك من خلال وضع الحوافز المادية والمعنوية، من أجل تشجيع أبنائها على القراءة واحتضان الكتاب. ومما يساعد على تحقيق هذا المطلب، قيام الأسرة بتخصيص جزء من ميزانيتها لتعمل على إنشاء مكتبة خاصة بالطفل توفر فيها الكتب والمجلات والإصدارات الثقافية الأخرى المناسبة لمستواه؛ فليس من الصحيح إطلاقاً أن تقول الأسرة لأبنائها.. تناولوا طعام الغذاء وهو لم يعد بعد! وشيءٌ جميل ورائع للغاية، لو عملنا على مكافئة أبنائنا بكتابٍ، بدلاً من قطعة الحلوى التي اعتادوا عليها!!(19). حري بالذكر أن الإمام الشيرازي، كتب الكثير من الكتب التي يخاطب فيها البراعم المتفتحة، من قبيل (هل تعرف الصلاة؟) و (القراءة الإسلامية) و (ماهو الصوم؟).. وغيرها. ومن الجميل أن نلمح هنا بأن الإمام الشيرازي يدعو إلى إنشاء مكتبة في كل مكان، فتحت هذا العنوان يقول سماحته: (يلزم إنشاء المكتبات الإسلامية، في كل مكان: [في] المسجد، والحسينية، والمدرسـة، والدار، والدكـان، والنادي، وحتى المواصلات وغيرها. فإنها زينة، وتوجب نشر الثقافة، وتشجع المؤلفين ووسائل التثقيف)(20). ولقد فعل الإمام الشيرازي ما يدعو إليه هنا بنفسه. يقول سماحته: (لقد عملنا هذا الأمر في كربلاء المقدّسة بالنسبة إلى الكشوانيات للحرمين المقدّسين وللمساجد والحسينيات ولعيادات الأطبّاء ولمكاتب المحامين وللمقاهي ولغيرها، لكنّ الحكومة منعت كلّ ذلك. نعم، فعلنا مثله في الكويت، وهي باقية إلى الآن والحمد لله، وأسأله أن يديمها وأن يزيدها)(21). ثالثاً: جمع المال لطبع الكتب وتوزيعها أشار الإمام الشـيرازي في أماكن عديدة من كتاباته وأحاديثه لمسألة جمع المال؛ لغرض طباعة الكتب التوعوية ونشرها على مستوى العالم. فقد ورد عن المعصوم: (لولا مال خديجة وسيف علي عليه السلام لما استقام الإسلام)، هذا بالنسبة إلى المال قبل أربعة عشر قرناً، فكيف المال بالنسبة لهذا العصر، الذي أصبحت الكلمة العليا فيه للمال؟(22). ولبيان أهمية المال والدور الذي لعبه في تقدم الإسلام والمسلمين فيما مضى يوم كان المسلمون يدفعون المال بلا منةٍ ولا بخل ولا... نشر الإمام الشيرازي كتابٍ له بعنوان (أنفقوا لكي تتقدموا)، (وهو - كما يقـول - حقيقة مائة في المائة، فـ(لولا سيف عليّ ومال خديجة لما تقدم الإسلام) ولولا بذل الأغنياء وتنظيم المال لصرفه في المصالح العليا، لم يتقدم الإسلام ولا الأغنياء من المسلمين)(23). وفي كتاب حديثٍ له يؤكـد سماحته على أن (من اللازم جمع المـال للكتاب حتّى يؤمن الناس به ويندفعوا إلى الكتاب بأنفسهم كاندفاعهم في الحال الحاضر إلى مجالس الاحتفالات والأعراس ومجالس الفرح حيث صارت جزءاً من حياتهم)(24). أمّا عن صفات الإنسان الذي يجمع المال ويصرف المال لأجل الكتاب فـ(يجب أن يكون نزيهاً وعند ذاك ينهال المال عليه)(25). ويشدد الإمام الشيرازي على ضرورة تشكيل الهيئات التي تُعنى بجمع المال لأجل طبع الكتب وتوزيعها، كما أشار لذلك في وصاياه العشر، وفي العديد من كتبه الأخرى؛ فهو يدعو بأن يكون (لكل شيء منظمة)(26)، وعن الطرق الملائمة لجمع المال يمكن للقارئ مطالعة كتاب (نحو يقظةٍ إسلامية) فقد أفرد سماحته لذلك فصلاً بعنوان (أساليب جمع المال للمشاريع). الأثلاث لطبع الكتب: من الأفكار الجميلة التي طرحها الإمام الشيرازي في كتابه (الكتاب من لوازم الحياة) فكرة الأثلاث لطبع الكتب، وعن هذه الفكرة يقول سماحته ما يلي: (كثيرٌ من الخيرَّين يوصون بثلث الإرث من بعدهم لأعمال الخير والبرَّ أمّا مطلقاً أو لبعض الخيرات كالإطعام وتزويج العزّاب وكفن الأموات الذين لا يملكون وما أشبه، وكلّ ذلك حسن، ولكن من الحسن أيضاً أن يوصي الموصي كلّ ثلثه أو بعض ثلثه لطبع الكتب ونشرها أو للتخفيف من قيمة الكتب التي يحتاج إليها الناس، مثلاً أن يخصّص ألف دينار من ثلثه لأجل إعطاء التفاوت، مثل أن يطبع الكتب الأربعة بتكاليف عشرة دنانير لكن الناس غالباً لا يشترونها بأكثر من ستّة دنانير فيعطي الأربعة الأخرى من الثلث، وقد وجدت مثل هذا التخفيف في الصحاح الستّة التي طُبعت في مصر، حيث رأيت قيمتها أقل من التكليف، ولما سألتُ عن السبب قالوا التفاوت من تبرّع بعض الأثرياء... ومن المستحسن أن يتخصّص جماعة خيّرون يذهبون ويشجعون الناس على الوصيّة لأنّها مستحبّة، فيقترحون عليهم أن يخصّصوا بعض أثلاث إرثهم للكتاب)(27). الأثلاث لطبع الكتب: ما أروعها من فكرة.. هكذا تحدث لي أحد المؤمنين بعد أن أخبرته بها كفكرة يُنّظر لها سماحة السيد في حديثٍ عابر جرى بيني وبينه؛ وأخبرني بأنه سيعمل على إقناع والده بالعمل بمقتضاها. ومن الأمور اللطيفة والمشجعة التي مررت بها وأنا أكتب صفحات هذا الكتاب، أنني قصدت يوماً أحد الأصدقاء في محل عمله، وبعد أن تبادلت معه الأحاديث الودية، بادر بسؤالي قائلاً: ما هي مشاريعكم يا...؟ فأجبته فوراً، بأنني أعمد لكتابة كتاب بعنوان (الكتاب في فكر الإمام الشيرازي)، وسألني عن محتواه، وشرحت له فكرة الكتاب، ورأيته متفاعلاً مع مسألة تبني طباعة الكتب؛ لجعلها بمثابة الصدقة الجارية، بعد أن أخبرته بمسألة تبني والدتي الكريمة لهذا الكتاب. وأكد لي بأنه سُيقنع إخوته على تخصيص جزءٍ من الأموال التي تعود عليهم جرّاء الأرباح التي تصب في جيوبهم من المحلات التي خلفها والدهم لهم؛ للعمل على طباعة ما يعادل كتاب سنوياً، وإهداء ثوابه لمن كان له الفضل في حصولهم على هذه الأموال. |
|
1ـ خطط لهذه المسابقة ونفذها، الحاج الأديب عبد القادر أبو المكارم، بالتعاون مع فضيلة الشيخ علي آل موسى. وكلاهما من قرية العوامية، بمدينة القطيف، شرق المملكة العربية السعودية. وكان من ثمرة هذه المسابقة طباعة كتاب (الكوثر العذب: دراسة في الوصية الخالدة للإمام الشيرازي) في 254 صفحة. وقد شارك في تحرير هذا الكتاب كل من: أم البنين سعيد البحارنة، وعبد العزيز حسن آل زايد، وعبد الله علي الغاوي، وناجي حسين الزاهر. 2ـ مفاد كلمة للإمام علي (عليه السلام). 3ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 15. 4ـ نفس المصدر. ص 15-16. 5ـ السيد محمد الشيرازي. الفضيلة الإسلامية. ص 17. 6ـ ولد في كربلاء المقدّسة سنة 1327هـ وانتهل العلوم والمعارف الإسلامية من معين مدارسها الدينيّة، وبلغ مكانةً عالية في الخطابة الحسينيّة، واتسم بالصفات الحسنة كالكرم والشجاعة والإقدام. واشتهر بقراءته لمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء. اغتيل بالسمّ عبر القهوة سنة 1394هـ من قبل الحكومة البعثيّة في العراق. من مؤلفاته: قتيل العبرة. عن: (السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. الهامش. ص 21). 7ـ نفس المصدر. ص 20-22. 8ـ السيد محمد تقي المدرسي. المنطق الإسلامي، أصوله ومناهجه. ص 353. نقلاً عن: المجلسي. بحار الأنوار. ج2، ص 150. 9ـ حسن الصفار. العلماء ومسئولية تثقيف الأمة. ص 67. 10ـ السيد محمد الشيرازي. شهر رمضان شهر البناء والتقدم، ص 55، من الهامش. 11ـ حسن الصفار. علماء الدين: قراءة في الأدوار والمهام، ص 34- 35. نقلاً عن: الفيصل، مجلة سعودية، العدد 135، رمضان 1408هـ. 12ـ السيد محمد الشيرازي. السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص 30. 13ـ السيد محمد الشيرازي. إلى نهضة إسلامية ثقافية. (د.ص). 14ـ نفس المصدر. ص 53. 15ـ هناك العديد من الروايات التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام بشأن القراءة والكتاب، بشكلٍ عام. ويمكن الرجوع إليها في الكتب الروائية، وهي تستحق الإفراد بالدراسة والبحث. فيمكننا أن نتحدث حول (المكتبات الخاصة في كلمات أهل البيت عليهم السلام) أو (القراءة في كلمات أهل البيت عليهم السلام) أو (الكتاب في كلمات أهل البيت عليهم السلام)... الخ. أسأل الله أن يوفقني وآخرين للكتابة في هذه المحاور. 16ـ حسن آل حمادة. أمة اقرأ... لا تقرأ: خطة عملٍ لترويج عادة القراءة. ص 28. 17ـ السيد محمد تقي المدرسي. المنطق الإسلامي، أصوله ومناهجه. ص 353. نقلاً عن: المجلسي. بحار الأنوار. ج2، ص 150. 18ـ روحي البعلبكي (إشراف). موسوعة روائع الحكمة والأقوال الخالدة، ص 511. 19ـ حسن آل حمادة. أمة اقرأ... لا تقرأ: خطة عملٍ لترويج عادة القراءة. ص33-35. 20ـ السيد محمد الشيرازي. إلى نهضة إسلامية ثقافية. (د.ص). 21ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 53. 22ـ السيد محمد الشيرازي. نحو يقظةٍ إسلامية. ص 123. 23ـ السيد محمد الشيرازي. أنفقوا لكي تتقدموا. ص 6 24ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 38. 25ـ نفس المصدر. ص 39. 26ـ السيد محمد الشيرازي. نحو يقظةٍ إسلامية. ص 52- 54. 27ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 40- 41. |