الفهرس

الكتاب في فكر الإمام الشيرازي

الصفحة الرئيسية

 

لمن نوجـه الكـتاب؟

عندما نمسك بالقلم رغبةً منا في الكتابة، فلمن نكتب ولمن نوجه خطابنا؟

هل خطابنا موجه للعامة؟ أم للخاصة؟

هل خطابنا موجه للطالب الجامعي؟

أم للطالب الحوزوي؟

أم لكليهما؟

وهل فكَّرنا في كتابة خطاب خاص بالمرأة؟

وهل فكرنا بكتابة ما يناسب عقلية الطفل الصغير؟

وهل فكرنا بكتابة الكتب الموجهة للناشئة من الشباب؟ أم أن في ذلك تقليل من المكانة العلمية للكاتب؟ خاصةً عندما يكون الكاتب في مرحلة علمية وقيادية متقدمة؟

هذه بعض الأسئلة المهمة التي ينبغي للكاتب أن يعيها قبل أن يمسك بالقلم.

فتحديد الكاتب للجهة المُخَاطَبة بكتاباته، تعني التركيز في صياغة الأفكار، وتمثل ضرورة لنجاح الكتاب.

وهنا يطرح سؤال مهم: هل يتيسر لكل عالم أو كاتب مُخَاطبة أكثرية الشرائح الاجتماعية؟

وهل يتيسر للعالم أو الكاتب الكتابة في معظم المعارف والعلوم؟

في إجابتنا عن هذا السؤال، نقول: كلا.

فالكتابة بحد ذاتها عملية شاقة قد لا تتأتى للكثير من المتعلمين والعلماء! ولو بكتابة كتاب واحد وفي مجال تخصصاتهم أيضاً! فكيف ونحن نتساءل عن مُخَاطبة أكثرية الشرائح الاجتماعية؟ وفي مختلف العلوم والمعارف؟

ولكي يكون كلامي واقعياً وبعيداً عن الوهم اذكر للقارئ هذه القصة التي جرت للعلامة المرحوم (الشيخ محمد جواد مغنية) وهي مذكورة في الكتاب المعنون بـ (تجارب الشيخ محمد جواد مغنية بقلمه... وأقلام الآخرين)، يقول الشيخ مغنية، (قال لي أخ فاضل وكريم من السادة الأشراف: نحن وأنت في سباق مع الفارق في الميدان.. أنت تكتب ونحن نقرأ.. ويضيف (مغنية) وأنا بدوري سلخت أعواماً مديدة في القراءة.. أنقّب عن شوارد الأفكار ونوادرها، أُدرّب بها ذهني على النمو والتفكير، وأرمم ما فيه من ثغرات وفجوات قبل أن أمسك بالقلم... لأن ترميم البيت أولاً، ثم السكنى)(1).

خلاصة ما أود قوله أن الكتابة بطريقة شمولية موسوعية لا تتأتى إلاّ لمن حباه الله بسطةً في العلم والعزم والهمة، فعندما نتوجه بسؤالنا هذا (لمن نوجه الكتاب؟) ونقف أمام البحر المتلاطم الأمواج (الإمام الشيرازي) تأتينا الإجابة مختصرة، وجهوا خطابكم للكل إن استطعتم! وجهوا خطابكم لمن يقرأ! وليغرف كل واحدٍ منكم غرفةً بيده ليروي العطاشى الباحثين عما يبردون به قلوبهم وأرواحهم.

نعم، لقد استطاع الإمام الشيرازي الذي دامت رحلته مع (القلم) و(التأليف) و(الكتابة) أكثر من نصف قرن من الزمن، أن يوجه خطابه لأكثر الشرائح المعنية؛ فمؤلفات الإمام الشيرازي تنوعت من حيث المادة العلمية لتشمل: الفقه، الأصول، العقائد، الفلسفة، الكلام، البلاغة، النحو والصرف، المنطق وسائر العلوم الحوزوية من جهة.

والسياسة، الاقتصـاد، الاجتماع، النفس، الحقوق، الإدارة، القانون، الدولة الإسلامية، البيئة، الأخلاق، والتاريخ وسائر العلوم الإنسانية والمستحدثة من جهة أخرى.

ولقد تنوعت مؤلفاته من حيث المستوى ولغة الخطاب فهو يخاطب أساتذة الخارج والعلماء الأعلام في (الأصول) و(الفقه)...

وهو يتحدث إلى طلاب السطوح العليا في (شرح منظومة السبزواري) و(الوصول إلى كفاية الأصول) و(إيصال الطالب إلى المكاسب) و(الوسائل إلى الرسائل).

كما يتكلم مع أساتذة الجامعات وطلابها في (الفقه: القانون) و(الفقه: الحقـوق) و(الفقه: السياسة) و(الفقه: حول العقل) و...

و يجاري سماحته النشء والبراعم المتفتحة في (القراءة الإسلامية) و(هل تعرف الصلاة) و...

ومؤلفاته تتنوع تبعاً لذلك بين ما هو شديد العمق كـ(الأصول) و(الفقه: البيع)، وما هو شديد الوضوح كسلسلة (هكذا الشيعة، واعرف الشيعة...)

وبعبارة مختصرة: تراوحت مؤلفات الإمام الشيرازي بين الموسوعة الضخمة (الفقه 150 مجلداً في أكثر من 60 ألف صفحة)، والكتاب والكتيب والكراس(2).

خطاب للشباب المبتدئين:

الإمام الشيرازي وكما أسلفنا تنوعت مؤلفاته وكتاباته لتشمل مختلف المستويات العلمية والاجتماعية، وكان يهدف من كل ذلك إيصال رسالة محددة لفئةٍ معينة مع كل كتاب يسعى لتأليفه. فقد كتب للشباب المبتدئين ما يناسبهم من كتب ومؤلفات.

ومن أمثلة هذه النوعية من الكتب:

1- عبادات الإسلام.

2- الشباب.

3- القصص الحق.

4- ما هو الإسلام؟

5- كيف عَرِفت الله..؟

وفي الأسطر التالية سأقتبس شيئاً من مقدمة كتابه المعنون بـ(كيف عَرِفت الله..؟) المُؤلّف عام 1973هـ. ليتضح للقارئ كم كان سماحة السيد هادفاً ودقيقاً عند اختياره للجهة المعنية بالكتاب (الخطاب).

والكتاب المشار إليه: هو عبارة عن بحث قصصي رائع، اتبع فيه المؤلِف الأسلوب الحواري القصصي؛ ليتحدث من خلاله عن أصول الإسلام الخمسة على ضوء العقل البشري والفطرة الأصيلة.

يقول في مقدمة كتابه ما يلي:

(جرف التيار الغربي الشباب المسلم، إلى حيث الإلحاد، والرذيلة وقد كان هذا من خطط الإستعمار الدقيقة! فأي مسلم يقدم بلاد الإسلام لقمة سائغة إلى الكافرين - وهو يؤمن بالله واليوم الآخر - إن الرجل يرحب بالمستعمرين إذا نزع عنه الإسلام..

ولذا صب الاستعمار جهده لإلحاد الشباب المسلم، وقد نجح في هذه الخطة المشؤومة أكبر نجاح.

وقد رأيت من الواجب أن أقدم إلى المبتدئين من شبيبتنا طرفاً يسيراً من أصول الإسلام، بأبسط صورة رداً على هذا الاعتداء الأثيم على الإسلام والإنسان)(3).

من يقرأ هذه المقدمة يُشّخِص سريعاً الجهة المعنية بالكتاب. فالإمام الشيرازي لم يكن عاجزا،ً أو ناشداً للراحة عندما ألف كتابه هذا. بل مد يده (كتابه) من واقع شعوره بالمسؤولية الدينية ليصافح بها أيادي (عقول) الناشئة، كي لا ينجرفوا في طريق الإلحاد؛ خصوصاً وأن الناشئة توجد لديهم القابلية لتلّقف أي فكرة جديدة بعكس من شب على قيم وأفكار الدين؛ فقابليته بطيئة إن لم تكن معدومة.

فإذا لم تكتب المعارف الدينية للناشئة وهم في مقتبل العمر؛ لتنمو عقولهم وهم مرتوون منها، فمتى ستكتب لهم؟ هل إذا شبوا وهم يتنفسون الإلحاد؟

خطاب للجماهير وعموم المثقفين:

كتب الإمام الشيرازي الكثير من كتبه بلغةٍ سهلة وبسيطة، وهي في نفس الوقت لا تخلو من عمقٍ فكري. بما يُعرف في اصطلاح الأدباء بطريقة السهل الممتنع، وقد لاقت كتبه التي تصنف ضمن هذا النوع الرواج المتزايد وطبعت طبعات عديدة.

ومن أمثلة هذه النوعية الكتب التالية:

1-  نحو يقظة إسلامية.

2- أنفقوا لكي تتقدموا.

3- السبيل إلى إنهاض المسلمين.

4- الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام.

5- ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين. وغيرها..

وعن سر اختيار سماحته لهذه الطريقة يقول في خاتمة كتابه المعنون بـ(أنفقوا لكي تتقدموا) ما يلي: (إني في هذا الكتاب - كسائر كتبي التي أكتبها للجماهير أختار الأسلوب البسيط، وأجعل الكتاب (كالتكلم) في التفاهم والسلاسة، حتى ينفذ إلى الأعماق، ولعل الله ينفع به... وقد شجعني على هذا الأسلوب - أسلوب الكلام الهادئ - الإقبال المنقطع النظير الذي لاقيته على كتبي التي أكتبها للجماهير، بالإضافة إلى ما ذكر في علم النفس من: ضرورة تحريك الجماهير بلغتهم، وقد اقتطفت من هذا الأسلوب - سواء في البيان أو القلم - ثماراً طيبةً)(4).

عبد الحسين مغنية (إعداد). تجارب الشيخ محمد جواد مغنية بقلمه... وبأقلام الآخرين. ص 126.

الإمام الشيرازي نادرة التاريخ في التأليف. مطوية بمؤلفات السيد الشيرازي، أعدها مركز الرسول الأعظم (ص) للتحقيق والنشر - بيروت، 1419هـ.

السيد محمد الشيرازي. كيف عَرِفت الله..؟ ص 7-8. علماً بأن الكتاب جاء في 243صفحة.

السيد محمد الشيرازي. أنفقوا لكي تتقدموا. ص 137-138.