|
الكتاب الصغير الحجم |
|
من الصور الحضارية للمجتمعات المتقدمة أو المثقفة، كثرة إقبال أفرادها بمختلف مستوياتهم العلمية والفكرية والاجتماعية على القراءة، حتى أصبح الفرد منا يتصور بأن تلك المجتمعات مصابة بمرض نفسي نستطيع أن نطلق عليه مرض التعطش للقراءة - إن صح التعبير - وهو في الحقيقة ليس مرضاً، إنما هو حالة صحية قوتها الدافعة حب الاستطلاع والمعرفة عند الإنسان، فنجد الواحد منهم لا يبرح عن مكانه إلا وفي يده كتاب ما، مما ساعد على انتشار (كتب الجيب) بصورة كبيرة في تلك المجتمعات(1). فـ(كتب الجيب) - التي أُطلقت عليها هذه التسمية لصغرها ولإمكان وضعها في الجيب - و(الكتب الصغيرة الحجم)، قد عملتا سويةً على جذب نسبة لا بأس بها نحو عالم القراءة والكتاب، في العديد من البلدان. فماذا نقصد بالكتاب الصغير الحجم؟ الكتاب الصغير الحجم ويُقصد به هنا الكُتيَّب، وقد عُرّف في (الموسوعة العربية العالمية) بما يلي: (الكُتيَّب كتاب صغير منشور في مجال ذي أهمية محدودة. وعادة ما يكون الكُتيَّب ذا غلاف ورقي. وفي الأصل، كانت الكُتيبات مخطوطات مجلدة. وقد اختصت الكتيبات في الزمن الماضي بمناقشة المسائل الدينية. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ناقشت الكتيبات المسائل السياسية أيضاً)(2). وقد تحدث الإمام الشيرازي عن هذه النوعية من الكتب في كتابه الصغير الحجم الموسوم بـ(الكتاب من لوازم الحياة)، وسأنقل هنا نص مقالته المطولة حرفياً لتتم الفائدة، يقول سماحته في هذا الشأن: (من خصائص الكتاب الصغير: صغر الحجم، اتساع الانتشار وسهولة المطالعة، وقلّة تكاليف الطبع، وسهولة الحمل. وربّما كان من أسرار توزيع القرآن الكريم إلى سور صغيرة هو ميل الناس إلى مطالعة القطع الصغيرة التي تنتهي بسرعة، بينما إذا كان كلّ القرآن متّصلاً على شكل قطعة واحدة لم يكن لقراءته هذا الشوق عند عامّة الناس. ثمّ إنّ للقرآن الكريم مفصّلات ومتوسّطات وصغريات أمثال سور (عمّ يتساءلون) وذلك حتّى لا يكون لأحد عذرٌ في عدم قراءته، إلى غير ذلك من الأسرار التي ذكروها. وقد دعت إسرائيل - كما في كتاب بروتوكولات حكماء صهيون - إلى ضرورة جعل الضريبة على مثل هذه الكتب لأهميّتها وخطورتها. فهذه الكتب كـ(السندويشة) التي يسهل تناولها، فقد نقل لي أصدقاء سافروا إلى أوربا أن من عادة المجتمع الأوربي صرف أوقاتهم في المطالعة، فتجدهم وهم في القطارات أو الحدائق أو في عيادات الأطباء أو في أي مكان عام وبأيديهم كتبٌ صغيرة يطالعون فيها. فهذه الكتب لها قدرة الانطباع في ذهن الإنسان، وحتّى لو نَسِيَ ما يقرأ، إذ الإنسان يبقى في نفسه الأثر وإن نسيه، وذلك الأثر المنتقل إلى اللاوعي هو الذي يصبغ حياة الإنسان بذلك الاتّجاه. مثلاً: إذا عقدت مجلساً حسينيّاً في بيتك أو في المسجد تستطيع أن توزّع في اليوم الأخير عدداً من الكتب الصغيرة، فإنّ تكاليف طباعتها قليلةٌ بالقياس إلى الكتب الكبيرة. فإذا اعتاد أصحاب المجالس على توزيع الكتب خصوصاً في مواسم التبليغ تصبح الفائدة أكثر. وربّما غيّرت مجرى الأمم في مدّة عقد من الزمان أو أقل، وما ذلك على الله بعزيز)(3). ولاقتناع الإمام الشيرازي بالفائدة المرجوة من خلال نشر مثل هذه النوعية من الكتب، فقد بادر سماحته بكتابة وإصدار العشرات منها، وكان بعضها يُطبع بسبع لغات حية، ككُتيب: (أفكار الشيعة)(4)، الذي وجدت نسخة منه في (المكتبة المركزية) بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، وهو مصنف تحت رقم (247) حسب تصنيف ديوي العشري، المعمول به في أكثر المكتبات العربية والعالمية. و قد كان لهذه الكتيبات التي أصدرها سماحته ثمارٌ طيبة، يقول أحد المسلمين السُنة بعد قراءته لكتيب (مَن هم الشيعة؟)، (فالشيعة إمّا هم المسلمون وحدهم أو هم أحد المذاهب الإسلامية)(5). نعم فكُتيب واحد أحدث هذا التحول الكبير في نفس وعقلية هذا الإنسان الذي رمى الكتاب بكلّ انزعاج على الأرض، في البدء بعد أن رأى اسم (الشيعة) عليه!! ولكنه بعد أن قرأه قال ما قال. وهناك فوائد عديدة يمكننا تحقيقها من خلال نشرنا للكتب صغيرة الحجم. ومن جملتها العمل على الترويج لعادة القراءة في الأوساط الاجتماعية الغير قارئة؛ فمن السهل أن تُقنع إنساناً بقراءة كُتيب لا تتراوح عدد صفحاته (50) صفحة. لكن، من الصعوبة بمكان أن تُقنع إنساناً لم يتعود يوماً احتضان الكتاب أن يقرأ كتاباً من (300) صفحة. أليس كذلك؟! فإذا كنا نسعى لإيجاد صداقة طيبة بين الإنسان والكتاب، فعلينا أن نُراعي (اعتماد الخفّة الكمية والنوعية)، كما يقول بذلك أستاذنا سماحة الشيخ (فيصل العوامي) ويضيف متمماً: (ففي هذه المرحلة الزمنية حيث مازال المجتمع بعيداً عن الهم الثقافي، لا يمكننا أن نطلب من المجتمع أن يقرأ بصورة مركزة، فهذا هدف أسطوري، لأن قراءة كهذه - سواء عندنا أو عند غيرنا من المجتمعات - تقتصر على طبقة معينة وعادة ما تكون قليلة، لكننا إذا أردنا أن يشاركنا المجتمع، فلنكتب ما يمكن أن يكون مثيراً في موضوعاته من جهة تركيزه على القضايا الملحة سواء الاجتماعية أو التاريخية أو الثقافية، وأن يكون خفيفاً في الوزن، وسهل العبارة.. وذلك كله كيلا يجد القارئ صعوبة في مطالعته لا عقلية ولا زمنية. وأعتقد أن أغلب الكتب التي قرئت في مجتمعنا، وأثرت في أكبر نسبة منهم، هي التي وضعت في اعتبارها هذه الملاحظات الفنية، أما غيرها فقد بقي حبيس الرفوف)(6). وفي هذا الصدد لا يسعُني إلاّ التأكيد على ضرورة وأهمية المساهمة الجادة من قبل العلماء والمثقفين من أبناء الأمة، وأولئك الحريصين على مستقبل الأجيال؛ للعمل على تأليف أكبر قدر ممكن من كتب الجيب، والكتيبات الصغيرة الحجم، على أن تستهدف مخاطبة مختلف الشرائح: العمرية، والعلمية، والاجتماعية. مع مراعاة: 1- العمق في المضمون. 2- والسلاسة في الأسلوب. 3- والجاذبية في الشكل والإخراج. |
|
1ـ حسن آل حمادة. أمة اقرأ... لا تقرأ: خطة عمل لترويج عادة القراءة، ص 15. 2ـ الموسوعة العربية العالمية. مج 19. ص 149. 3ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 34- 35. 4ـ يقول الإمام الشيرازي في مقدمته لهذا الكتاب المنشور عام (1393هـ)، ما يلي: (منذ إحدى عشرة سنة ونحن نصدر كل سنة بياناً يعنى بتعريف الشيعة على من جهلهم لتخفيف حدة التوتر بين الطوائف الإسلامية وإيقاف التراشق بالتهم التي يزرعها فيما بينهم ولا يجني ثمارها سوى الأعداء. وبما أن الله جعل موسم الحج مؤتمراً عاماً للمسلمين حتى يتنادوا إليه من أطراف الدنيا ليشهدوا منافع لهم، وجدنا أنه أفضل مجمع لتوزيع هذا البيان بلغات متنوعة من أجل إعطاء صورة عامة عن أفكار الشيعة في مختلف المجالات مساهمة منا في جمع كلمة المسلمين على التقوى، والله سبحانه هو المسؤول أن يوفق الجميع لما فيه خيرهم ورضاه وهو الموفق والمستعان). ص 2- 3. 5ـ السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 18. 6ـ فيصل العوامي. متى تكون القراءة من مقومات النهضة الثقافية؟ ص 119. |