الفهرس

الكتاب في فكر الإمام الشيرازي

الصفحة الرئيسية

 

الكــتاب والرقــابة

استهل الإمام الشيرازي حديثه عن الرقابة بقوله: إن (الرقابة على الكتب هي عادة الحكومات الاستعمارية والاستبدادية، وقد رأيناها في العراق منذ قيام الجمهورية في انقلاب عبد الكريم قاسم(1) إلى هذا اليوم، حيث يمرّ أكثر من أربعين سنة وشبح الرقابة جاثم على الصدور... والهدف من الرقابة واضح فهي تريد خنق الإسلام)(2).

فبسبب الرقابة المحكمة على الكتاب، انحسر الإبداع وتقلص في الكثير من الإصدارات الثقافية والفكرية الحديثة.

فكيف يتسنى للكاتب أن يبدع في أفكاره، وأطروحاته، ومعالجاته، وهو مقيد بإشاراتٍ حمراء لا يحق له المرور عليها؛ فضلاً عن تجاوزها؟ فهو - الكاتب - يقف عند الكثير من المحطات التاريخية حائراً! لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة! فأنى له أن يتحدث عن الأحداث المعاصرة والمعاشة؟!

وكيف يُطالب البعض من الكاتب أن يُبدع في كتاباته وهو لا يأمن حتى المبيت في منـزله إن هو تحدث عن أمرٍ

لا يرتضيه الحاكم؟ أو إن تحدث ناقداً لممارسة اجتماعية أو دينية يرى أنها خاطئة؟!

وكيف نطالب بالإبداع في بلدان لا تقر بشرعية الرأي الآخر؟!

ومما يؤسف له أنك لا تجد مناخاً من الحرية يؤهلك لأن تكتب ما تشاء عّما تشاء! خاصةً إن كنت تعيش في بلدٍ إسلامي!! ومن المفارقات أن مثل هذه الفرصة قد تتاح لك إن عشت في بلاد من لا يدينون بالإسلام؟ وهذه مصيبةٌ كبيرة قد ابتلينا بها!!

فالرقيب في أوطاننا يرتعش خيفةً من يقظة النائم! فهو لذلك يعمل على تكثيف حالة الجهل، وفي ذلك مصلحته الكبرى؛ لأن الخفافيش ليس باستطاعتها أن تعيش مع ضوء الحقيقة.

حرية البيان والقلم:

فنحن والحالة هذه بحاجة لمزيد من أجواء الحرية (حرية البيان والقلم)، حتى يتسنى لنا أن نبدع فيما نقول ونكتب. أما الأدلة التي أقيمت على لزوم هذه الحرية، - كما يعددها الإمام الشيرازي - فهي الأدلة الأربعة، مثل الكتاب العزيز، حيث يقول سبحانه: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (سورة الأعراف:157)، وإجماع علماء المسلمين وإطلاق السنة في الحرية، كقول الإمام علي (عليه السلام): (وقد جعلك الله حراً).

أما العقل فقد استدل به على حرية التعبير بوجوه:

(1) لو لم يكن البيان والطبع حراً، لم تطلع الحكومة على مواضع النقص فيها، كما لم تطلع على احتياجات المجتمع، مع لزوم رفع الحكومة لمواضع النقص، وإعطائها الاحتياجات، فاللازم على الأفراد أن يكونوا أحراراً في كل ما يقولون، وفي كل ما يكتبون، بحيث لا يخافون من مطاردة السلطة لهم، وحينذاك يقولون ويكتبون فتطلع الحكومة على الحاجات والنقائص، وفي الحديث: (خير الإخوان من أهدى إلي عيوبي).

(2) إذا لم يكن البيان والطبع حراً، لم يتربَ الناس تربية سياسية، لأن التربية السياسية إنما تتولد من المناقشة وبيان الفضائل والرذائل، والحسن والقبيح، فينظر الناس إلى الأقوال المتضاربة والآراء المختلفة، ويختاروا الحسن ويتركوا القبيح...

(3) إذا لم يكن البيان والطبع حراً، بأن صار الكبت والإرهاب حول ذلك، أوجب الانفجار، إذ الناس جبلوا على مقاومة الكبت، كما جبلوا على التحقيق والتعمق في الأمور الممنوعة، وفي المثل: (الضغط يوجب الانفجار)، كما أن الكفاءات تظهر في جو الاحتكاك، لأن الغالب كون الإنسان يسمو بنفسه عن النقد، وفي الحديث: (من أصلح فاسده أرم حاسده).

(4) عدم حرية البيان والطبع يؤدي إلى ديكتاتورية الحكام، إذ المعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي التي تقف دون سير الحاكم في طريقه الذي تمليه عليه أهواؤه وشهواته، وحتى إذا كان عادلاً في نفسه، إذ كل حزب بما لديهم فرحون، وفي الحديث: (لن تقدس أمة لا يؤخذ من قويها حق ضعيفها غير متمتع).

أما حدود هذه الحرية؟ فاللازم أن تحد بما لا يوجب ضرراً على الغير، ولا كذباً، سواء كان الغير فرداً، أو مجتمعاً لأنها تعد (تجاوزاً) وليست حرية، ويكون حالها، حال القتل والسرقة وانتهاك الأعراض...(3).

وعلى أيّ حال فالإمام الشيرازي يرى بأن: (الأصل في الأشياء الإباحة إلاّ إذا ظهر انحرافه لا العكس، كما إنّ الأصل هو حرّية الإنسان في سَيره، وإذا ظهر إنّه لصّ، فهل يمنع التجوّل لوجود بعض اللصوص؟ وكذلك بالنسبة إلى الكتب والمجلاّت وما أشبه إلاّ إذا كانت مفسدة، هذا بالنظر الشرعي أمّا بنظر القانون الغربي والعرف الغربي فالكتاب والمجلّة والجريدة هم من ضروريات الحياة التي لا يمكن لأية قوّة من منعها.

فالمهم إلغاء الرقابة، وذلك لا يكون إلاّ بأن تتسلّح الأمّة بالوعي الكامل حتّى تستطيع أن تواجه الانحراف)(4).

ويبلغ الإمام الشيرازي الذروة في تقييم حرية الفكر عندما يقرر بجرأة أن حرية القلم والبيان غير خاضعة لحدود أو قيود. نعم، حدودها وقيودها وعدمها يكمن في الضرر.. أي أن الحدود هنا ذات طابع سلبي، فهي عندما تتحول إلى حالة من السلب يجب أن تتوقف، ولكن من الذي يقرر (الضرر) الداعي إلى الكف والمنع؟!

يجيب الإمام الشيرازي بما يلي:

(إن النافع والضار أمران عرفيان كسائر المواضيع العرفية...)(5).

(وفي الواقع هذه لفتة بارعة في الجمع بين الحرية والعرف... ونعتقد أن اهتمام الإمام الشيرازي بحرية البيان أكثر من اهتمامه بغيرها (كالحرية الاجتماعية، أو الحرية السياسية، أو الحرية الاقتصادية) يعود إلى أهمية هذه الحرية في صياغة الإنسان، وفي ترشيد مسيرة الحكم الصالح. إن الذي لا ريب فيه هو أن حرية الفكر أو البيان منطلق تنظيري لكل ألوان الحريات الأخرى، ولذا تخاف الأنظمة الاستبدادية من الحرية الفكرية أكثر من أي لون من ألوان الحرية الأخرى. فالمجتمع من خلال حرية الفكر ينطلق في مسارات رائدة من الحياة على كافة الأصعدة... فالحرية الفكرية أولاً)(6).

ثم (إن وجود الحرية في بعض فترات التاريخ الإسلامي - كما كان في عهد الإمام علي (ع) مثلاً - قد أدى إلى ازدهار العلوم والثقافة، وامتلاء المكتبة الإسلامية بالذخائر الثقافية المختلفة... مما ساهم في تقدم البشرية خطوات كبيرة على طريق البناء الحضاري، وقد كان ذلك التقدم العلمي أساساً في إقامة النهضة الأوربية الحديثة)(7).

فقد (كان الخلفاء أنفسهم يتحمسون للكتاب ويهتمون به، إذ أنهم يشجعون العلماء على ممارسة العلوم ويحضّون الكتّاب على كتابة مؤلفاتهم. وكان هؤلاء أيضاً يشجعون كثيراً على جمع ودراسة مؤلفات الكتّاب اليونانيين القدماء. وهكذا فقد شاركت أعداد كبيرة من الناسخين والمترجمين والمزخرفين والمثقفين في إنتاج الكتاب، وفي ترجمة وتفسير النصوص المختلفة. وقد كان من الأهمية بمكان ما قام به هؤلاء من محاولات لجمع مؤلفات الكتّاب اليونانيين القدماء، حيث وصل إلينا عدد كبير من هذه المؤلفات بفضل الترجمات السورية وبفضل الترجمات الأخرى التي جرت في نهاية العصر القديم والعصر الوسيط. إلا أن بغداد لم تكن تجمع فقط مؤلفات الكتاب اليونانيين القدماء بل كان يصل إليها أيضاً مؤلفات الكتاب من البلدان المجاورة كالهند وغيرها)(8).

كان ذلك في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة 1377هـ (الرابع عشر من تموز 1958م).

السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة. ص 26- 27.

السيد محمد الشيرازي. الفقه: السياسة. مج2. ص 221- 222. وللتفصيل عن حدود حرية البيان والقلم، وعن كتب الضلال، يمكن مراجعة الصفحات: 222- 225، من نفس الكتاب.

السيد محمد الشيرازي. الكتاب من لوازم الحياة، ص 29.

محمد غالب أيوب. ملامح النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي، ص29- 30.

نفس المصدر. ص 30- 31.

عبد الله اليوسف. شرعية الاختلاف: دراسة منهجية للرأي الآخـر في الفكر الإسلامي، ص 34.

الكسندر ستيبتشفيتش. تاريخ الكتاب، القسم الأول، ص 238- 239.