الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

الدين والسياسة من النظرية إلى العلم

ثمة أخطاء عديدة شائعة في فهم الدين، وفهم السياسة وفهم العلاقة بينهما. ونرى أنّ سبب هذه الأخطاء عائد إلى اختلاط المفاهيم بين الناس، وحتى بين المثقفين والمتعلّمين، فيما يتعلّق بمفهوم السياسة، ودور الفقهاء في العمليّة السياسية، سواء كانوا في السلطة أم خارجها.

ومن أبرز تلك الأخطاء ما يذهب إليه كثير من الناس، من أنّ السياسة يقتصر مفهومها على النشاط الذي تقوم به حكومة من الحكومات خارج حدود الدولة، والتي تتراوح بين مفهومي الاستقلال والاستعمار.

فهذه الرؤية تقصر مفهوم علم السياسة، على الحكومات، من جهة، وتفصل بينه وبين الممارسة اليومية للمواطنين، وعلى رأسهم قادة الرأي من العلماء الفقهاء ومن أهل العلم والاختصاص، والمثقفين الحقيقيين، بل جميع المواطنين المعنيين، قبل غيرهم بأيّ نشاط سياسي، يقوم به أيّ طرف من أطراف المجتمع.

وبمراجعة متأنية للفكر السياسيّ الحديث، وهو في جملته، مبنيّ على أساس النظريات الغربيّة ذاتها، في النظرية السياسية، وفي مبادئ علم السياسة، والذي يتحدث عن دور الحكومات في العملية السياسية، وبالتعرّف على علاقة الحكومة بالمواطنين نصل إلى أن العلاقات الداخلية جزء لا يتجزأ من الفكر السياسي مهما كان توجهه بحسب ما تقرّره القوانين والأنشطة اليوميّة المنظمة لحالات التواصل أو الانفصام بين الحكومة والشعب، والعلاقات الخارجية بين دولة وأخرى. بل أن السياسة الداخلية والسياسة الخارجية هما وجهان لعملة واحدة.

وإذا واصلنا مسيرتنا، عبر نظريات الإمام الشيرازي ونظريات علماء السياسة الماضين والمعاصرين، نصل إلى رؤية تذهب إلى أنّه لا انفصال بين السياستين، فبمقدار ما يتمتع البلد باستقرار حقيقي، تنمو العلاقات الخارجية. وبمقدار افتقار الوضع الداخلي إلى الهدوء والاطمئنان والأمان لا تحظى الدولة باحترام الشعوب الأخرى.

ومن الواضح تماماً ان مصطلحات السياسة المعاصرة كالدكتاتورية والديمقراطية والاشتراكية وغيرها هي مصطلحات غربية بمعنى أنها تصف ملامح أنظمة غربية وخاصة بعد استقرار النمط (الديمقراطي) في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، ونمط الحكم الشمولي والديكتاتوري في منظومة المعسكر السوفيتي وتوابعه قبل أن تتفكّك تلك الدول وتسقط فريسة تراكمات هائلة من الإرهاب والديكتاتورية والسجون والمعتقلات، وبقية الأمراض الاجتماعية والسياسية، حتى أصبح (رفاق) الأمس أعداء اليوم، بل أشد من ذلك، مما نبّه عليه قبل أكثر من أربعين عاماً سماحة الإمام الشيرازي.

ونظراً لسقوط الأمة الإسلامية في مرحلة فقدان الوزن الحضاري، وتشرذمها إلى دول متناحرة، وتمزّق أبنائها ما بين التيارات الغربية المادية، يتجلى لنا أن من الصعوبة بمكان، تطبيق أحد النموذجين بنجاح في دول العالم النامي ومنها العالم الإسلامي، العربي وغير العربي، لاختلاف في الخصوصيات المحلية وطبيعة وسائل الإنتاج وعلاقة الحكومة بالمواطنين، وهذا مشاهد وبكل قوة في النظم التي قلدت التجارب الأوروبية غربية أو شرقية متصورة أن ذلك سيضمن لها إحكام سيطرتها على الناس بالإرهاب.

أما المفهوم الإسلامي للسياسة، وكما سيتوضّح في استجلاء فكر سماحة الإمام الشيرازي، فهو مفهوم أوسع من وظيفة الدولة، وأوسع من وظيفة زمن محدد ومكان محدد، لأنه فكر منبثق من الفلسفة الإسلامية للحياة، واعتبار أجزائها وحدة متكاملة مندمجة الأجزاء موحّدة الأركان، منها جزء اسمه السياسة، وآخر اسمه علم الاجتماع، وثالث اسمه الاقتصاد، وهكذا.. ثم إنّ هذه الأجزاء جميعاً منتظمة في إطار عامّ واحد يجمع جزئياتها وأجزائها، ويوحّد بينها ويمنحها صفة الحياة، ونعني بذلك الإطار (الفقه) الذي يدخل في كل جانب من جوانب الحياة بأنشطتها المتعددة، على ما تكشفه الكتب الفقهية ذاتها، وفي أوّلها الموسوعات الفقهية التي وضعها الإمام الشيرازي نبراساً للأجيال، وخير زاد لطلبة العلم، وأجمل إطار لجميع النشاطات الحيويّة التي يقوم بها الإنسان منذ لحظة ميلاده وإلى آخر يوم في حياته، بل ما قدّمه في حياته لما بعد مماته، حيث تبدأ الحياة الحقيقية التي تستحقّ أن يعمل الإنسان من أجلها الكثير من قبل أن يأتي عليه أجله، ويصل إلى محطته الأخيرة على هذه الأرض.

والسياسة، بهذا المفهوم الكلّي، أو بذاك المفهوم الغربي المجزّأ، لها جانبان: النظرية، والعلم، فقد لا تكون النظرية صحيحة لأنها مجرد رأي يفتقد إلى الجانب العملي، بمعنى أن التنظير السياسي لا يتصف بصفة العلمية إلا إذا وجد مصاديقه في التطبيق العملي فيتحول حينذاك إلى علم؛ وإلاّ فيبقى في إطار النظرية؛ ولذا فمن غير العلمي وصف فكر سياسي معين بالعلمية ما لم يخرج من التنظر والإنشاء ليصطدم بمقولات الواقع الحيويّ المعاش، ومن هنا فإنّ ادعاء العلمية والعلمانيّة والعلمويّة التي ظهرت مؤخراً ليس لها أي حظّ أو نصيب من العلم، وهي أبعد ما تكون عن ذلك، وطبعاً، لا يمكن لأي شعب أن يعتبر نفسه حقل تجارب فيقلد هذه النظرية مرة حتى إذا فشلت بحث عن نظرية أخرى، خاصة وأن لديه فكراً علمياً متكاملاً هو الإسلام.

التنظير عبارة عن رؤية فردية، فحسب، وهذه عملية سهلة جداً، ولكن العلم عملية معقدة جداً، إذ لابدّ لها أن تنبني على أصول ومصادر تشريعية لا يرقى إليها الشك، مضافاً إليها عقل نيّر مجدد متجدد، يكتسب تراكم خبرته من ممارسته الذاتية للعملية السياسية على سطح الواقع ذاته، وممارسة الحكم، ونعني (بالحكم) هنا مفهومه العام، الحكم بمعنى الحكومة، والحكم بمعنى الممارسة في أيّ موقع كان، وذلك عبر مفهوم الإمام الشيرازي كما سنرى. وأياً كان الأمر فلابد للسياسي أن يتمكن باستمرار من فهم الواقع وكيفية عمله، والقوانين المتحكّمة في تطوّره، وعلاقة الروح بالمادّة، وطبيعة الإنسان، كفرد، والإنسانية كمجموعة أفراد تربط بينهم العواطف والتكاتف، ثم عليه الخروج دائماً برؤى ديناميكية ترفد النشاطات والعمليات السياسية الداخلية فالخارجية.

على أنه يجب ملاحظة أن النشاطات السياسية الخارجية ـ على صعوباتها ـ سواء كانت بين دولة ودولة، أم بين مجموعات بشرية وأخرى، أيسر دائماً من النشاطات والعمليات السياسية الداخلية، في داخل الدولة، أو المؤسسة، وحتى الحوزات العلميّة، فالحوزة العلمية هي دولة مصغّرة أو هذا ما يجب أن تكون عليه، إلى حين استلام الإسلام للحكم، حيث يتّسع مفهومها ليشمل الدولة ككلّ.

وما دامت الحوزات العلمية الفقهية الآن ليست في وارد ممارسة الحكم تطبيقياً، فلها أن تمارسه بالتنظير والنصح والعمل الجادّ والحازم على تكوين دولة الإسلام، وحينذاك، وكما يرى الإمام الشيرازي، تصريحاً وتلميحاً، يصبح من الممكن إنجاح عملية التغيير وتحديد طبيعة علاقة الدولة الإسلامية مع دول العالم المختلفة وتتحدد تلك المواقف والعلاقات من قبل الحكومة أو السلطة أو الدولة ككل بما فيها من توجّهات أو رأي عام قد تمثله مؤسسات معينة دستورياً، أو تمثله حكومة معبرة عن ذلك الرأي العام. فتتم عمليات التبادل الديبلوماسي، ورصد المصلحة العامة للدولة في إطار العلاقات الدولية، ويجب أن تكون الأسس واضحة، والقناعات المتوفرة باختيار أفضل الروابط لتحقيق المصالح العامة للدولة، بشكل ثنائي، أو بضمن الأطر المعترف بها دولياً كمنظمة الأمم المتحدة والمؤسسات والهيئات المنبثقة منها، وبما يحقق السلام والتعاون المتكافئ.

أما النشاطات السياسية الداخلية، والعمليات التي يتبادل القيام بها كل من السلطة كسلطة، أو العلماء كعلماء فقهاء قادة للرأي، أو بحكم كونهم يسيّرون الدولة فعلاً على وفق الأسس الإسلامية، ويقوم المواطنون فيها بواجباتهم كأفراد ومصالح وعلاقات عمل وانتاج، فهي أكثر صعوبة من تحديد التوجهات السياسية الخارجية.

ففي الداخل هناك وضع جغرافي، وسكاني، وتاريخي، وعادات وتقاليد، ومستوى اجتماعي عام، وعلاقات ومصالح، ولغات ومذاهب وأديان، ومكوّنات تراثية ومعاصرة، وأحزاب أخرى وأفكار، وصراعات أو تكامل، إضافة إلى الأسس الفكرية النظرية للسلطة القائمة، سواء كانت سلطة متغرّبة أم سلطة يديرها الفقهاء المؤهّلون، ومدى ملاءمتها للواقع الذي يعيشه عموم الناس بفئاتهم كافة.. إلى غير ذلك من تفاعلات تفرضها الأوضاع الحضارية أو المشاكل الداخلية والخارجية، والأهواء والمصالح والطموحات التي لابدّ ان تؤثر على الوضع الداخلي في الجوانب القابلة للتأثر كالوضع النفسي والاجتماعي والأخلاقي وغيره.

كل حكومة في العالم، وكل سلطة، تجد نفسها ـ حين تستلم الحكم ـ أمام مجموعة كبيرة من الواجبات التي عليها أن تقوم بها، بل وتصفية آثار المرحلة السابقة على قيامها، والتي قد تصل إلى ذروة الاحتدام فالانفجار إذا لم تكن تلك الحكومة لها رؤية وفكر يقودان عملية التغيير وتشييد أركان الدولة.

وكلما كان هذا الفكر حياً ومنسجماً مع ما يحتاجه الناس، ويوفّر لهم كرامتهم وحريتهم ويتيح لهم المشاركة في الحكم، ولهم رأيهم في المناقشة والتوجيه والإرشاد، كانت الحكومة التي لديها ذلك الفكر أقرب إلى قلوبهم وكانوا أحرص في الدفاع عنها وأكثر إخلاصاً في تنفيذ أوامرها وتطبيق قوانينها.

ونشاهد في كثير من (الثورات) و (الانقلابات) أن الحكام الجدد يأتون إلى الحكم ويستولون عليه، ثم يصبحون حائرين في كيفية إدارة الاجتماع والاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية، فماذا يفعلون؟ لا يجدون أمامهم إلا النموذج الغربي، وهو النموذج الذي عرّفهم به أولئك الذين وضعوهم في سدة الحكم، فيطبقون ذلك على الناس ويزيدون من مشاكلهم ومآسيهم ومعاناتهم، ويمعنون في استعبادهم وإذلالهم، وخير دليل على ذلك مقارنة أوضاع مصر قبل 1952 وما بعدها، والعراق قبل 1958 وما بعدها، حيث إنها أصبحت محتاجة لكلّ شيء من المأكل والملبس.

وقد أشرنا من قبل إلى فشل الفكر الماركسي في تحقيق أهدافه لأن تلك الأهداف لم تكن واقعية بل كانت خيالية بعيدة عن طبيعة النفس البشرية، كما أنّ الماركسية تمثل خلاصة المذاهب الفاشلة التي ظهرت في التاريخ كالمزدكية والمانوية والاباحية وغيرها، فلما كانت أسسها فاشلة فكيف يمكن أن تكون هي ناجحة؟! خاصة وأنها أضافت إلى تلك الأسس الفاشلة والمتهاوية على عروشها، الكثير من القتل والإرهاب وزرع الخوف في نفوس الناس، فانتهزوا أول فرصة متاحة لتقويض ذلك الفكر.

وبذلك نرى أن علم السياسة الغربي، والذي يمكن أن يستفاد منه كعلم، لا كأساس للبناء النظري للفكر السياسي في الإسلام، يبدأ بتكوين جملة من (الآراء والنظرات) تتحوّل إلى (نظرية) تنطلق من الواقع، بحسب فهم متميّز يقوم به أحد العلماء أو الباحثين، ثم إنّ تلك النظرية تعود إلى الواقع عبر الممارسة، لتطوره وتتطور به في علاقة جدلية حتى تصل إلى (العلم السياسي) بمستوياته المتعددة وميادينه المتشعبة.

ولهذا نجد أن علماء السياسة ومنظريها على حد سواء لم يستطيعوا أن يصلوا إلى تقديم فهم متكامل للعملية السياسية إلا قبل أقل من نصف قرن بملاحظة المتغيرات التي طرأت على العالم، بشعوبه وحكوماته، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بينما كان الإسلام يجتاز خمسة عشر قرناً من تراكم الخبرة في إقامة الدولة.

بدأ الغرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية بتأسيس لجنة من أبرز الخبراء في العالم(1) لصياغة تعريف السياسة وتحديدها، ورسم معالمها وحدودها، لأنهم حتى ذلك الحين لم يكونوا قد عرفوا شيئاً يُعتدّ به في هذا المجال.

وقد وصلت هذه اللجنة إلى تحديد أربعة موضوعات حددت في إطارها العمليات السياسية. وهذه الموضوعات الأربعة هي:

1 ـ النظرية السياسية: اعتبر أولئك الخبراء موضوع أو ميدان النظرية السياسية أوسع الميادين لعلم السياسة. فوجب على علماء السياسة الذين يتخصّصون في هذا الميدان أن يقوموا بمهمة مزدوجة، الأولى هي التعريف والتعميم وصياغة المفاهيم والمصطلحات التي يرون أن التفكير السياسي يجب أن يدور حولها، والثانية هي اكتشاف طبيعة الاجتماع ووظائفه وأغراضه، ويتعيّن في هذا الصدد، عندهم، تجميع كل التراث الذي يضمّ الأفكار والمذاهب والآيديولوجيات التي تشكّل إطار السياسة كلها. ومن ثمّ اكتشاف قواعد التحكم في النشاط والتطور السياسي. ومن هذا نتبين أن أولئك الخبراء، لم ينظروا إلى السياسة إلا باعتبارها نشاطاً تقوم به الدولة لا الأفراد، على حين أدخل سماحة الإمام الشيرازي تطويراً هائلاً على مفهوم السياسة والأطراف التي يجب أن تقوم بها، حين فتح سماحته الأبواب للمجتمع الواعي بحقّ ممارسة العمل السياسي، بناء على أسس الإسلام.

كما نلاحظ أنّ عبارة (النظرية السياسية) التي وضعتها تلك اللجنة، شكّلت عندهم قاعدة أساسية وهي قاعدة الحكم الذي من حقه وحده، حسب نظريتهم، أن يضع قاعدة الحكم والموقف من الحريات وحقوق الإنسان، ووظائف الدولة.

وبحسب رؤية الإمام الشيرازي فإن هذا التحديد خطأ، لأنّ الناس هم أيضاً لهم حق تحديد الرأي في الأمور التي تعنيهم، والسياسة في أولها، كما يجب أن تكون لهم الحرية في المحاورة والنقاش والاتيان بالبرهان من غير حجر على الأفكار والآراء، وليست هذه الحكومات المعروفة اليوم معصومة عن الخطأ، كما أنّ تصوراتها ليست آيات منزلة من الله، ولذا يجب أن يكون للناس الحق في القبول أو الرفض.

وبذهاب خبراء اليونسكو إلى تعميم أوجه الدراسة التي يجب ان تعتمد عليها النظرية وشمولها للمكونات التراثية والمعاصرة، والآيديولوجيات ذات التأثير العام أو الخاص، بالنسبة للفرد أو الجماعة أو الحكومة فإنهم أخذوا صفة العمومية أو التعميم في إضفاء المعنى السياسي على أوجه التعامل الخارجي والداخلي. وباعتبار انهم طلبوا من التنظير السياسي إلاّ يكتفي بدراسة الواقع كواقع بل ان يتجاوزه إلى دراسة الاحتمالات المستقبلية الناتجة من تطبيق النظرية على واقع ما، فإنهم اعترفوا بأن دراساتهم ناقصة، وأنهم يحوّلون الشعوب إلى حقول تجارب، لأن مسألة الاحتمالات لا يمكن تطبيقها على الشعوب.

كما حددت لجنة الخبراء أربعة أسئلة على المنظّر السياسيّ اكتشاف إجاباتها، وتلك الأسئلة هي:

* ما هدف الدولة؟

* لماذا يطيع المواطنون الدولة ويعملون في خدمتها؟

* ما أهم وظائف الدولة؟

* ما هي حقوق الأفراد وواجباتهم في ظل الدولة؟

كما قرروا أن النظرية السياسية يجب أن تقام على أساس دراسة التاريخ وحدود الأخلاق والتقاليد والعادات، وارتباط ذلك بالأخلاق السياسية، وخدمة الاجتماع بشكل عامّ.

وجميع هذه التقريرات نراها جزءاً من ذات المنهج الإسلامي المبنيّ منذ أربعة عشر قرناً، على ما يلوح في مؤلفات الإمام الشيرازي، فلا نستغرب إذا تبيّنّا أن كثيراً من علماء السياسة المعاصرين قد أفادوا من دراسات الإمام الشيرازي ورؤاه إفادات كثيرة، على ما سنذكره في موضعه.

2 ـ العلاقات الدولية: اختلف خبراء اليونسكو أنفسهم في تعريفها، فمرة يقولون الشؤون الدولية (International Affairs) ومرة يقولون الشؤون العالمية (World Affairs) وثالثة يقولون الشؤون الخارجية (Foreign Affairs) وأخيراً يصلون إلى أن يقولوا السياسة الدولية (International Politics) وكل هذا تخليط لا يرضاه العلم السياسي. ففي كل علم يجب أن تكون المصطلحات محددة بدقة. ولنأخذ مثالاً على ذلك الفرق بين (النظام الدولي) و (النظام العالمي) فهناك خلاف في تحديد معنى كل منهما، لكنّ ما نراه في هذا المجال ان مفهوم (العولمة) أو (النظام العالمي) يتجاوز الحكومات والمجتمعات ويقدم لها أنموذجاً واحداً هو الذي يراه أصحابه بأنه جدير أن يسيطر على العالم ويقوده. أما (النظام الدولي) فيعني احترام خصوصيات كل دولة وكل مجتمع ويتم التعاون بين الجميع، وهذا ما نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة.

ولذلك فإن العلاقات الدولية هي التي تتبنى معالجة المسائل التي تطفو على المسرح السياسي العالمي، ولا تلتفت إلى أي مشاكل تنجم بين شعوب الدول المختلفة، وبذلك نتبيّن أن علم السياسة بمفهومه الغربي يهمل إرادة الشعوب إهمالاً تاماً. وبالرغم من هذا الإهمال يدعي بعض اللاهثين وراء الأنظمة الوضعية، أنها تحقق إنسانية الإنسان، وللرأي العام سيطرته على الدولة وممارساتها وأنه هو الموجّه لها. وليس الأمر كذلك بكلّ تأكيد، بحسب ما نتبيّنه في تقرير خبراء اليونسكو، في هذه النقطة بالذات، وفي كثير من الدراسات السياسية، وما ينطوي منها تحت (العلم السياسي) أيضاً، وفي الممارسات التي يعيش العالم في خضمّها، في هذه الأيام، بخاصّة.

ونظراً لتشعب العلاقات الدولية وبروز الخلافات بين الحكومات، وخاصة بقيام أنظمة حكم ذات آيديولوجيات متناقضة، ورغبة في كبح جماح الحرب والعدوان بين تلك الأنظمة التي تجمعت، ولفترة سبعين عاماً، في معسكرين كبيرين، في الغرب والشرق، فقد قسّمت لجنة الخبراء تلك العلاقات إلى قسمين:

أ ـ القانون الدولي: يهتم بدراسة القواعد القانونية وممارسة العلاقات الدولية والسياسات الدولية، وينظر في الفروق في القوة والتأثير بين الدول.

ب ـ السياسات الدولية: وتهتم بدراسة الأنظمة وطبيعة العلاقات بين الدول ومحاولة التوفيق بينها وترتيب مصالحها بالاتفاق فيما بينها كي يتجنّب العالم حروباً وكوارث فظيعة.

ولكن الحقيقة أن العالم يعيش حروباً متواصلة بما بين إقليمية ودولية فكأنها حروب عالمية مقسّمة على بقاع الأرض، فبذلك تكون هذه التقسيمات مجرد شكلية لا أكثر.

وبشكل عام فإن العلاقات الدولية بمؤسساتها الموجودة الآن، ولو ظاهريّاً، والتي كانت محكومة بقوة القانون الدولي، بحسب ما يُشاع، والمنظمات الدولية المتعددة، تهدف، في ظاهر الإعلان والإعلام، إلى تحقيق الاستقرار والسلام في العالم، باكتشاف عوامل الصراع، وعوامل التقارب، بما يحقق التكامل (العالمي) في السير باتجاه عالم أفضل، أو هذا على الأقلّ ما يجب أن يكون، من وجهة نظر أولئك الخبراء.

3 ـ دراسة الحكومات: وذلك بالارتكاز على الخبرات السياسية والأنظمة السياسة، وأنماط السلوك والعمليات التي تظهر مصاحبة للحكومات، بمختلف نماذجها.

وهذا ميدان متّسع جداً عند أولئك الخبراء لأنه غير محدّد بفكر معين ولا بنظرية معيّنة، فتصبح تلك الدراسة لغواً فارغاً، لأن الدراسة يجب أن تقام على أسس معلومة ومقنّنة وعلمية، لا أن يُفتح الباب لأي ديكتاتور أن يعمل انقلاباً ويشكّل حكومة ليس لها أصل في القانون، ثم تعطيها لجنة الخبراء حق البقاء!

ولذلك فينبغي على علم السياسة أن يثبّت القواعد الكلية التي يجب أن تقام عليها الدولة، حسب حاجة الاجتماع والاقتصاد وتحقيق العدالة.

وقد يقال انّ هذا الكلام مجرد رؤية، وحتى لو كانت كذلك إلا أنها مبنية على شواهد عملية حيّة، وهي بذلك تتحول إلى دراسة بإمكانها ان تصل إلى مستوى التنظير للواقع باعتبار التجربة والطموح المستقبلي، لشعوب العالم جميعاً، وعدم الاكتفاء بالاعتراف بالأنظمة القائمة على الإرهاب والتخويف والسجون والمعتقلات.

وهذه الرؤية إنّما استخلصناها من دراسات الإمام الشيرازي، على ما سيأتي توضيحه، وهي التي اطلع عليها علماء الغرب أنفسهم، بعد أن شعروا بالخلل العلمي في تقرير خبراء اليونسكو المشار إليه.

ويمكن تلمّس شواهد تطبيق هذه التأثيرات في الاهتمام الأكاديمي الغربي، الحديث، نسبياً، بمسألة السياسة في الإسلام، غير أنّ السعي وراء فهم النظريّة السياسية للإسلام يجب أن ينبني على استخلاصات من مجمل المسيرة الإسلامية، نظرياً وعملياً، عبر التاريخ، والوقوف أمام تجاربها الحيّة والثرّة والغنيّة بالتجارب والعبر واستخلاص الدروس، حتى لو لم يُتح للنظريّة الإسلامية مجال واسع للتطبيق.

هذا من جهة..

ومن جهة أخرى فإن الموضوعات التقليدية لهذه الدراسات عادة تنصرف إلى:

* القيادة السياسية.

* الوعي السياسي.

* التشكيلات الاجتماعية.

* الرأي العام.

* التغييرات السياسية.

* الأمن الاجتماعي وتأثر ذلك بالآيديولوجيا التي تتبناها الحكومة.

وفي السنوات العشرين الأخيرة، ونتيجة للحرب الباردة، تفرع من هذا الموضوع (دراسة أنظمة الحكم) فرع آخر انضمّ إلى باب من علم السياسة هو (علم السياسة المقارن).

4 ـ الإدارة العامة: الإدارة العامة فرع من فروع علم السياسة وتهتم بدراسة الجهاز الحكومي بتركيبه الخاص من حيث قياداته المهيمنة عليه ومن مصالح متباينة للضغط على مراكز وضع السياسات واتخاذ القرارات، وهذا يعني تحديد الإطار السياسي والآيديولوجي الذي يسيّر الجهاز الإداري، وبمعنى آخر طريقة الحكومة في القيام بوظائفها.

ومن هنا فإن الإدارة العامة، عليها ـ وفق هذه الرؤية ـ أن تعنى نظرياً وعملياً، بتحديد الإطار السياسي والاجتماعي الذي يحيط بأداء المهام الرسمية للإدارة الحكومية في الدولة، وكذا المقومات الأساس التي يرتكز عليها النظام الدستوري للدولة، وهو ما عرف في العالم النامي بالشرعية، وما يؤثر في ذلك النظام من قيم وتقاليد وعادات وثقافة حديثة وتراثية.

وحسب هذه الرؤية أيضاً، فإن الإدارة العامة تبحث في كيفية وضع السياسة العامة للدولة، وطرق الرقابة على عمل الجهاز الحكومي، وماهيّة العلاقة بين الحكومة والمواطنين.

ومن هنا تظهر مهمة أخرى في دراسة الإدارة العامة، وهي إيجاد العمل لأبناء الاجتماع، والتعرف على أهمية عنصر المشاركة الشعبية في إنجاح برامج الإدارة الحكومية، ومن ثم الحكم على مدى صلاحية هذه الإدارة وكفاءتها في التعبير عن المبادئ وترجمتها إلى عمل جماعي يصل إلى الأهداف المحددة.

إن هذا التقرير المعتمد عالمياً إلى اليوم، رغم بعض الجوانب الإيجابية التي فيه، هو نوع من محاولة خدّاعة، لأن كل هذا لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من مفهوم العلم السياسي، بحسب الرؤية الإسلامية الذكية التي جسدتها كتابات الإمام الشيرازي. كما أن أولئك الخبراء لم يستطيعوا أن يصلوا إلى تخوم اتساع مفهوم العمل السياسي الإسلامي، كما يتجلّى في كتب سماحة الإمام الشيرازي، الذي لا يحبس السياسة في إطار ممارسة الحكومة، بل على الدولة ككل، حكومة ومواطنين وما بينهما من علاقات.

وقد قررت دائرة المعارف الكبرى أن السياسة هي معرفة كل ما له علاقة بالحكم في الدولة، أي التطور الداخلي والعلاقات الخارجية، كما أن تلك الكلمة، تطلق على الشؤون والأحداث اليومية، أي أن السياسة هي فن حكم دولة ما وكيفية إدارتها. وتذهب دائرة المعارف البريطانيّة إلى هذا المذهب وتقرر أن السياسة معناها منطلق من الفلسفة، وهي الممارسة لكل النشاطات المتعلقة بالدولة(2). وهذا تدقيق آخر، يتلاءم مع الفكر السياسي الشيرازي، مع وجود فارق جوهري، يتوضّح في أن الإمام الشيرازي لا يفصل بين السياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق، فكل جانب من هذه الجوانب هو أخلاقي قبل أي شيء آخر.

ونجد في كتابات علماء السياسة الكبار الذين تركوا بصماتهم بوضوح على الوجه السياسي للعالم المعاصر أن الأهمية الأولى في علم السياسة الاهتمام بالتنظيم الداخلي للدولة. من حيث إن علم السياسة هو دراسة كل ما يتصل بحكومة الجماعات أي العلاقة القائمة بين الحاكمين والمحكومين، أي أنه دراسة لكل ما يتصل بتدرج السلطة داخل الجماعة، حسب تعبير العالم السياسي الأمريكي (3) (Milbrath).

وهذه الرؤية نجدها في الفكر الإسلامي الذي يقرّر أن السياسة هي فن وكيفية إدارة الدولة وكل ما يتعلق بالشؤون العامة. ومن هنا يركّز الإمام الشيرازي على دور الناس في الدولة أي أن تكون الحكومة مشكلة في الأساس من المواطنين ذوي الكفاءة والمتمتعين بالوعي السياسي، وحينذاك يشكل كل واحد منهم شخصية سياسية، مهما كان موضعه في الإدارة العامة للحكومة، أو بين فئات الشعب، لأنه بصورة من الصور سيكون ذا مساس وعلاقة على نحو ما بالقضية الاجتماعية العامة وتطوير الدولة. وهذه المسألة نجدها بوضوح تام في بحوث الإمام الشيرازي، وبما يزيد عليها من حقوق مترتّبة للمواطن تجاه المجتمع، وللمجتمع تجاه كل عضو فيه، وللمجموع تجاه الحكومة التي هي أساساً مكوّنة من مواطنين يُفترَض فيهم الصلاح والخير، يقول الإمام الشيرازي:

(ليس للحاكم حق الديكتاتورية إطلاقاً، وكل حاكم يستبدّ يُعزل عن منصبه في نظر الإسلام تلقائياً، لأن من شرط الحاكم العدالة، والاستبداد الذي معناه التصرّف خارج النطاق الإسلامي، أو خارج نطاق رضا الأمة في تصرف الحاكم في شؤونها الشخصية، ظلم مُسقط له عن العدالة)(4).

وعلى هذا فإن الإمام الشيرازي يتجاوز بنظرته الحاذقة هذه الرؤى الغربية. مع أن بعضها مستوحىً من كتابات سماحته، ليصل إلى تحديد أكثر علمية وموضوعيّة لمصطلح (العلم السياسي). حيث إنّ هؤلاء العلماء الغربيين قد استفادوا من تلك النظريات بما ينسجم مع قناعاتهم المادية، وغالباً ما يجردون النظريات الإسلامية من توجهها الأخلاقي ثم ينسبونها إلى أنفسهم، ليعود المتأثرون بهم في بلداننا الإسلامية ليستوردوها من جديد باعتبارها آيات بينات لا تقبل الخطأ، حتى إذا تراجع الغربيون أنفسهم عن بعض ما في آرائهم من خطأ، وقع هؤلاء في حيرة من أمرهم.

ويتطرّق الإمام الشيرازي إلى هذه الظاهرة من خلال رفضه للتزييفات التي أدخلها الغربيون على العلم السياسي الحقيقي. فبعد أن يعرض سماحته بالمناقشة لتعريفات العلماء الغربيين لذلك العلم، وتقسيماتهم له، يقرر:

(ومما تقدّم يظهر نقص (علم السياسة) عند من يعرّفه بأن السياسة علم الدولة، اللهم إلا إذا أراد السعة في معنى تعريفه ذلك، حتى يشمل مثل الرأي العام والفئات الضاغطة، وما أشبه. ولكنّ مثل هذا المعرّف للسياسة بذلك، إنما يشرح السياسة، بما يخصّ الدولة فقط. فيكون حاله حال من يخصّص علم الاقتصاد بالنقد، مثلاً، أو علم البلاغة بالبيان فقد.

نعم، لا شكّ أن أهمّ فروع علم السياسة (علم الدولة) ومن هذا المنطلق انطلق اليونانيون والمسيحيون والمسلمون في سالف الزمان في محور دراساتهم للسياسة.

1 ـ فالفلاسفة اليونانيون الذين تعرّضوا للسياسة، كان محور كلامهم (الدولة المثلى) ولا يخفى أنّ تخطئة بعضٍ لهم، بأنهم مثاليون لا واقعيّون، غير جدير بالاعتناء، إذ هم أرادوا التخطيط لسعادة الإنسان، فمهما وصل الإنسان إلى ذلك المخطط كان أقرب إلى السعادة، مثالهم في ذلك مثال كل عالم وباحث يهدف أخير المطاف، وصل الإنسان إليه بسرعة أو بطء.

2 ـ والمسيحيون تعرّضوا للعلاقة بين الدولة والكنيسة انطلاقاً مما أثر عنهم (ما لله لله، وما لقيصر لقيصر).

3 ـ والمسلمون انطلقوا من فكرة الدولة الشرعية والخلافة الإلهية.

فالمحور عند الأولين (الإنسان) وعند المسيحيين (الله) وعند المسلمين (كلاهما) حتى جاء الساسة المحدثون، فنظروا إلى (السياسة) بما انها سياسة، مبتدئة بنشأة الدولة وسياستها، وهذا وإن كان خطأ عند المسلمين، كالرأي الأول والثاني، إلا أنّ لكلّ وجهة نظر منطلقة من خلفياته الفكرية)(5).

وبهذا الاعتبار، فإن الفكر السياسي للإمام الشيرازي يرسّخ قاعدة علميّة فائقة الأهمية، وهي وجوب إخضاع علم السياسة لفكرة الدولة الشرعية والخلافة الإلهية، حيث منهما تنبثق النشاطات في كل ميادين الحياة، في السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها.

وبناءً على ذلك فإن كل منهج جدير بصفة العلمية يجب أن يرتكز على أربع دعائم، يحدّدها الإمام الشيرازي في مقدمته لكتاب السياسة، وهي مصادر التشريع المتمثلة في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، والإجماع، والعقل. غير أن سماحة الإمام يأخذ منها، في هذا الموضع ما يتعلّق بالمسألة السياسية، فيقرر:

(لقد كان من الجدير أن يكون (للفقه السياسي) باب مستقلّ في الفقه بعد أن كانت مسائل مشتتة في أبواب الجهاد، والمكاسب، والقضاء والشهادات، والحدود، والقصاص، والديات، وإحياء الموات، وما أشبه ذلك.

إن الفقهاء قلّما ألّفوا كتاباً خاصّاً في هذا الشأن وما يتبعه بخصوصه، أمثال (قاطعة اللجاج) و (تنبيه الأمة) و (الحكومة الإسلامية) وغيرها، وذلك لاكتفائهم بما دوّنوه في تلك الكتب المذكورة من المسائل المشتتة، مما استنبطوه من الكتاب العزيز، حيث قال سبحانه: (إني جاعل في الأرض خليفة)(6) والسنّة المطهرة، حيث ورد (اللهم ارحم خلفائي)(7). والإجماع في كثير من مسائلها كما لا يخفى على من راجع كتب الفقه الاستدلالية. والعقل: حيث إنّه دلّ على وجوب تنظيم أمر البشر عامّة، والأمة الإسلامية خاصّة، وقبح ترك الناس فوضى لا نظام لهم، أو لهم نظام غير صحيح، وإذ ثبت قبح الترك بلا راعٍ، ووجوب تشكيل الحكومة الرشيدة عقلاً، ثبت ذلك شرعاً، للتلازم في القاعدة المعروفة (كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع) إذا كان الأمر في سلسلة العلل، كما حقّق في الأصول، مما يقتضي التدوين المستقلّ لأنّه أسهل إلى التناول.

لكنّ الفقهاء، اكتفوا بما ذكروه في تلك الكتب الفقهية، وبما نقّحوه في مسألة الإمامة والخلافة في الكتب الأصوليّة، فجزاهم الله خير جزاء المحسنين.

وقد كتبتُ في سالف الزمان كتاب (الحكم في الإسلام) على الأسلوب الفقهي، ثم رأيت أن أكتب كتاباً أوسع ليشمل جملة من المسائل المرتبطة بالحكم بصورة أشمل، لعلّ الله سبحانه يجعله مقدمة لإقامة حكم إسلامي زاهر يضمّ تحت أجنحته ألف مليون مسلم، حيث فرّقت الأهواء من الداخل والكفار من الخارج بين صفوف المسلمين، فجعلوا منهم حكومات متشتتة، ومتحاربة أحياناً، وذلك خلاف كونهم أمة واحدة)(8).

فالنظر إلى علم السياسة، بحسب تحديدات الإمام الشيرازي وكثير من فلاسفة السياسة المعاصرين، يشمل، إذن، الداخل والخارج لأية دولة من دول العالم، ولأيّ شعب من الشعوب. ولذا فقد تعددت مناهجه، لتشمل المجتمع والتاريخ والقانون والأخلاق، وليخضع كل جانب إلى مناهجه المتبعة في فهمه وتحليله.

(نعم لقد تطورت الحكومات، حسب تطوّر الاحتياجات كما تطوّر الاقتصاد حسب تطوّر الآلة والاحتياج، وسعة أبعاد الإنسان، وقد جعل الإسلام الأسس الكلية الكفيلة لاستيعاب كل المسائل المحتاج إليها مهما تطورت الأوضاع. أما الإنسان منذ أن وجد على الأرض (ولا يُعلم قبل كم وُجد ولعله قبل مليارات من السنوات، حيث قد عُثر على بقايا إنسان كان يعيش قبل سبعين مليون سنة) فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقّت عليه الضلالة، حيث كان الأول يتبع قوانين السماء في كل شيء والتي منها قوانين الحكم. وكان الثاني يضع بنفسه القوانين أو يتبع الجاهلين، حيث كان يقول: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)(9) ولم يكن فرق من جهة أصل أسس الحكم، سواء كانوا يعيشون كجماعات صغيرة وفي الخيام كما هو المشاهد الآن في بعض القبائل وأهل الأرياف والقرى الصغيرة حتى التي تحتوي على مائة إنسان، أو ما أشبه، أو كجماعات كبيرة، مثل الآلاف، أو الملايين، كما هو الحال في المدن الكبار.

نعم، لا شكّ أن الحكومة في البدائيين لا مؤسسات لها، بينما الحكومة في المدن والتجمعات الكبيرة، لها مؤسسات، فهي في القسم الثاني عبارة عن مجموعة من مؤسسات اجتماعية تنشأ لتأمين الروابط وحفظ نظم المجتمع، أولاً، ولأجل تقديم المجتمع، ثانياً، وعليه فشأن الحكومة:

1 ـ إرساء النظام.

2 ـ وحفظ العدل.

3 - وتوفير الرفاه للجميع.

4 ـ والتقديم بالمجتمع إلى الأمام.

نعم، في التجمعات الصغيرة، مما تسمّى بالبدائية، يكون لشيخ القبيلة ونحوه صفة الأمر والنهي والحلّ والفصل والوقوف أمام العدوان، وإذا حدث حادث من سيل أو حريق أو عدوّ أو ما أشبه، كان الالتفاف حوله أكثر، وتكون كلمته أقرب إلى السماع، ووضع لها ضوابط وقتية، ثم لما يذهب الخوف ويندفع الشر رجع أفراد الأسرة والقبيلة إلى حالتهم السابقة(10).

وعلى العموم فإن الإمام الشيرازي (ويوافقه في ذلك مشاهير علماء السياسة المعاصرون(11) يلخّص الاتجاهات العامة لدراسة علم السياسة بما يلي:

1ـ الاتجاه النفسي:

يقرر سماحته أهمية هذا الاتجاه بقوله:

(ومن هنا يظهر وجه احتياج السياسة إلى علم النفس، حيث إنّ مهمة السياسة (الإدارة) والإدارة لا تكون إلا على البشر، ولأجل البشر. وبدون أن يتعرّف السياسي على النفسيات للأفراد والفئات، كيف يتمكن من الإدارة؟ فإنّ حجر الزاوية في كل شيء إنساني هو فرد، وفرد الإنسان جسد ونفس وروح، فالجسد هذا المشاهد السفلي، والروح نفحة قدسية، قال سبحانه: (ونفخت فيه من روحي)(12) همّها السمو بالإنسان، والنفس شيء بين ذين الشيئين يجرها الجسد تارة إلى السفل، وتجرّها الروح تارة إلى العلوّ، لذا نشاهد الازدواجية في الإنسان)(13).

إنّ هذه الرؤية السليمة للنفسية الإنسانية، تضع علامات على طريق إدارة الدولة، وهي الإدارة المعتمدة على الإنسان فلابد من فهم نفسيته على ذلك الأساس العلمي، لا أساس خيالات فرويد وغيره من الذين هوّدوا الفكر الحديث، بحسب اعترافات علماء النفس والاجتماع أنفسهم، كما شرح ذلك مايلز رايت (M. Wright) وغيره(14).

2 ـ الاتجاه الفلسفي:

وهو يدرس العادات والتقاليد والأخلاقيات والأديان التي تحكم النشاطات السياسية، ثم مدى استطاعة الحكومة التعامل مع هذه المسائل، ومدى قدرتها على استثمار ذلك في تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء تأسيس الدولة.

وفي هذا المضمار يناقش سماحة الإمام الشيرازي أولئك الذين يُنكرون المنحى العلمي، أي الفلسفي، للسياسة، قائلاً:

(وقد يُتوهّم أن السياسة ليست من الإسلام، وأن العالم الديني هو العارف بالتفسير والتاريخ الإسلامي والفقه وما أشبه، وكل هذه الأوهام، لا أساس لها من الصحة، فالسياسة علم كسائر العلوم، ولعلّ هذا التوهّم نشأ من أنّ البريطانيين قلّما يُطلقون (العلم) على السياسة، وكثير من بلاد الشرق الأوسط كانت خاضعة للاستعمار البريطاني، وسرت إليهم. ولذا زعم جمعٌ من المثقفين في هذه البلاد تبعاً لهم، أنّ السياسة ليست علماً، وماذا هو العلم؟ إنّ العلم هو مجموعة كشوف للحقائق الكونيّة، سواء كانت حقائق خارجية أو حقائق انتزاعية أو حقائق اعتبارية. والفرق بين الأخيرين أن الأمور الانتزاعية له تقرر في ظرف ما، سواء كان إنسان أو عين أو لم يكن أحدهما، أمثال انّ (الأربعة زوج) و (الكل يساوي أجزاءه) إلى غير ذلك، حيث إنّه إذا فرض عدم وجود مفكّر كانت الأربعة زوجاً، والكل يساوي أجزاءه، وكذلك إذا لم يكن مخلوق أصلاً، لم تخرج هاتان الحقيقتان عن واقعهما، فالأربعة كلّما وُجدت فهي زوج.. وهكذا..

أما الأمور الاعتبارية فهي التي لا حقيقة لها في عالم ما، لا عالم الخارج والعين ولا عالم الانتزاع، بل وجودها باعتبار المعتبر حتى إذا لم يكن معتبر لم تكن. مثل كون الدينار له اعتبار المالية فإنّ الدينار الورق لا يساوي فلساً واحداً، وإذا كان بدون اعتبار من بيده الاعتبار لا يُعطى في قبال مائة حتى قرص خبز واحد، بينما إذا اعتبره المعتبر كان كل دينار في قبال مائة خبز مثلاً.

وإذا تحقّق أن العلم عبارة عن مجموعة كشوف لكيفية الإدارة العامة ولكيفية الارتباطات وانها عبارة عن مجموعة أغصان علوم، كعلم التاريخ والاجتماع والاقتصاد وغيره)(15).

وبعبارة أخرى فإن هذا النهج يحاول تشخيص أفضل حكومة للمجتمع البشري، وفق القواعد العلمية في مفهوم الأفضلية التي تعني الاقتراب إلى أقصى حد ممكن من مفهوم العدالة والانسجام مع القيم السائدة؛ ونعني بذلك أن لا يكون الانسجام على طريق الجمود والخمود، بل على طريق التوقّد والتألّق واستيعاب الحاضر والمستقبل، على أسس الماضي العتيد، أو على أزهى صوره وأنقى عناصره. لأننا نعرف أن التاريخ تكتبه الحكومات غالباً، أما تاريخ الناس فمهمل في غالب الأحيان، كما أنّ الكثير المنقول إلينا من صور التاريخ، لا يسّر النظر العلمي الموضوعي، ففيه من التزيّد والظلم الشيء الكثير الذي يدعو إلى الأسى حقاً، ولذا فإن بناء الحاضر والمستقبل على أسس من القيم والتقاليد الموروثة، يجب أن يكون مقيّداً بالنصاعة والطهارة والنقاء، وهو ما نجده مجسّداً في فكر الإمام الشيرازي، على ما سيُذكر ذلك في مواضعه من البحث.

وقد يكون الفيلسوف السياسي الغربي المعاصر منطلقاً من مفاهيم افلاطون في مدينته الفاضلة، كما قد تكون له منطلقات أخرى، كتلك التي تذهب إلى أن الأخلاق شيء متغير وغير ثابت لأنه محكوم بعلاقات الانتاج والوضع الاقتصادي الذي لابدّ ان يؤثر على أخلاق الاجتماع، بحسب هذه النظرية.

ومن هنا ينشأ الخلاف أساساً بين ثبوت الأخلاق وتغيّرها.

فمن المعروف أنّ التهويد الثقافي الذي يطبّق على أبناء الأمة الإسلامية، يذهب إلى الزعم بأنّ الأخلاق (كميات متغيّرة) ولا تصلح معياراً ثابتاً لقياس الحضارة، بحسب تعبير الكاتب الصهيوني (16) (L.Mousee) ونظيره (17) (P.Barale) منطلقين من تحليلات مغرضة لأحداث التاريخ اليهودي بالذات، على ما أكده الكاتب اليهودي، أيضاً (18) (S.Salim). وللأسف فإنّ كتّاباً مسلمين عديدين ذهبوا ذلك المذهب، بالرغم من أنّ جميع الشواهد تدلّل على كذبه وعدم علميّته.

وقد رأينا ـ مثلاً ـ أن الفكر الماركسي كان في طليعة المبشّرين بتلك النظرية البائسة، ولكن ذلك التبشير قد باء بالخسران والهزيمة. وقد رأينا كيف أن الفلاسفة الماركسيين كانوا يؤكدون، في كل كتاباتهم، ويفرضون على الناس ذلك التأكيد، أن النظام الاشتراكي، الذي سيؤدي ـ كما قرروا ـ إلى الشيوعية، هو أفضل الأنظمة، وأن حكومة الاتحاد السوفيتي وحكومات بقية الدول التابعة للمعسكر الشرقي هي أفضل الحكومات، باعتبارها ـ عندهم ـ منسجمة مع المقولات الماركسية التي وصفوها بالكمال والعلمية وصلاح التطبيق في كل مكان، بالرغم من ادّعائهم بعدم ثبات القيم الأخلاقية... وسرعان ما أثبتت الأحداث الداخلية أنهم كانوا مخطئين، وان الحسم سيكون في النهاية في غير صالح آلاف النظريات والأدبيات التي أرادوها أسساً لا تقبل النقض للفلسفة التاريخية، والجدلية، بل لكل أنشطة الفكر الإنساني، والواقع السياسي. وذلك لأن هذه القضايا ليست معايير أخلاقية أصيلة، بل هي طارئة على الإنسان بفرض السلطة والقهر والقوّة. وسنرى، إن شاء الله، في دراسة قادمة عن الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي إثباتات لهذه الرؤية.

وبالنظر إلى أن الاتجاه الفلسفي يجمع النظري والعملي فإنه يقدم تأكيداً واضحاً على أن السياسة علم. وبذلك تصبح الأخلاق مما لا غنى عنه في العمل السياسي.

إن كلّ العمل السياسي يهدف إما إلى المحافظة وإما إلى التغيّر، ولابدّ أن يوجهه في ذلك فكر ما، أو نظرية ما، قد يؤديان إلى الأفضل، كما قد يؤديان إلى الأسوأ. الحالة الأولى تتحقّق حين يعتمد العمل السياسي على فكر سياسي إسلامي متلائم مع الواقع ومع احتياجات الناس، والحالة الثانية تتحقّق حين تتحوّل الشعوب إلى حقول تجارب لأفكار لا تلبّي احتياجات الإنسانيّة.

على أن الظاهر تماماً في الكتابات العلمية السياسية، حتى الغربية منها، أن هدف العملية السياسية يجب أن ينطلق من معرفة الخير، ويهدف تحقيق الخير لخير الحياة وخير المجتمع بحيث يكون هدف الناس اكتساب معرفة الحياة الصالحة للمجتمع الصالح، فهنا يحقق الاتجاه الفلسفي ذاته إذا توفر له الصدق والأصالة والوضوح في الهدف النبيل.

وغنيّ عن القول أنّ الفكر السياسي للإمام الشيرازي بانبثاقه من الإسلام، ووعيه بالواقع واحتياجاته، واهتمامه إلى أقصى حدّ بمصلحة البشرية عامّة، لا يمكن ان ينتج عنه، في حالة تطبيقه، إلا عمل سياسي يمتاز بالنضوج التامّ والوعي والنجاح في تحقيق أحلام البشريّة، هذا بحكم ما يراه علماء الغرب أنفسهم من المتخصصين في الفكر السياسي والعمل السياسي، على ما سبق ذكره.

3 ـ الاتجاه التاريخي:

للتاريخ، دائماً، حضور في العمل السياسي للدولة، لذلك فإن علم السياسة يستطيع أن يستفيد فائدة كبيرة ومهمة بدراسة التاريخ السياسي لبلد ما، من حيث نشأة نظام الحكم وتطوره وكذا المؤسسات السياسية، والأفكار والعقائد ذات الأثر في العمليات السياسية وفي تكوين الرأي العام، وغير ذلك. ولكن بملاحظة أن التاريخ، في هذا المجال، يجب أن ينظر إليه على أنه علم، بمعنى ضرورة توفر الشروط الموضوعية في الكشف عن الأحداث التاريخية، القديمة والحديثة.

وعلى هذا الأساس يمكن فهم اهتمام سماحة الإمام الشيرازي بالتاريخ، وعنايته الفائقة بمسألة الإمامة، إذ إنّ هذه المسألة، يترتّب على توضيحها ووضعها في مكانها الملائم من مجريات الحياة، أن يتفهّم الناس أطروحة سماحة الإمام الشيرازي في مسألة علاقة الفقهاء بالدولة، وعلاقتهم بالشورى، وغيرها من مسائل تتبع العناوين العريضة لأمهات المسائل التاريخية التي يستعرضها سماحته في كتبه العديدة، ومنها تقريره بأن السياسي لا يكفيه أن يعرف التاريخ فقط:

(بل اللازم عليه عرفان مجريات الأحداث والتيارات التي تتفاعل في البلاد، من الخارج، إذ كل بلد مهما كان منعزلاً عن العالم بالستار الحديدي، كبلاد الشيوعيين، مثلاً، لابد له من الفعل والانفعال في سائر بلاد العالم، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وغيرها، فإذا لم يعرف السياسي أحوال العالم المعاصر لا يتمكن فهم ما يجري في بلاده. وهذا نوع من التاريخ أيضاً (حسب رؤية الفكر السياسي الشيرازي) فإنّ الزمان سيّال يستوعب الكلّ، وينقضي عن الكل، وما يخفى في باطنه يسمى تاريخاً، فإنّ كل لحظة سابقة على الحال تاريخ، سواء لوحظ بالنسبة إلى بلد السياسي أو بالنسبة إلى سائر البلاد.

والتاريخ الذي يجب أن يعرفه السياسي، بعضه أهم من بعض، فالتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي أهم من غيرها، كما أنّ التاريخ السياسي بصورة أعمّ لا يغني عن معرفة التاريخ الدبلوماسي، وتاريخ الروابط بين الأمم)(19).

ومن أجل الإجابة على سؤال: هل هناك قانون تاريخي صالح للتنبؤ المستقبلي، وهو الأمر المهم في معرفة التاريخ؟ يقول سماحته:

(إن التاريخ الذي يجب على السياسي معرفته يجب أن يكون استيعابياً، تصاعدياً، وكلاهما فيه قدر كبير من الصعوبة، إذ الاستيعابي بحاجة إلى معرفة كدس كبير من التاريخ عمودياً، أي بامتداد الزمن، وأفقياً، أي بسعة الأمم والمكان. مثلاً: من يريد إعادة حكم الإسلام وتوحيد المسلمين تحت حكومة واحدة كما أمر الإسلام، بحاجة إلى معرفة التاريخ منذ ميلاد المسيح عليه السلام، عمودياً، كما أنّه بحاجة إلى معرفة كل الأمم والأمكنة التي تفاعلت بعضها في بعض منذ عشرين قرناً، أفقياً، وحيث إنّ ذلك لا يتسنّى لإنسان واحد، يحتاج إلى الاعتماد على جماعات تخصّص كل واحدة في قطعة من التاريخ، قطعة زمانية أو مكانية. ومن الواضح أن القطعة لا تكون حينئذ متفاعلة، حتى تعطي وحدة شاملة هي مهمة السياسي، فاللازم أن يعتمد السياسي حينئذ على ذكائه في استنتاج الوحدة من تلك القطع المتعددة، وإلا لم يعرف الروح العامّة للتاريخ.

أما التصاعدي (يواصل سماحة الإمام تحليلاته للرؤى التاريخية وأثرها في العلم السياسي ومستقبل العالم (فلأنّ الاستنتاجات عن الأحداث تختلف كلّما تقدّم الزمان وظهرت معالم الحق أكثر فأكثر، فمثلاً قد ينظر التاريخ إلى هارون كأمير المؤمنين، ثم كملك عادل، ثم كملك عادي، ثم كديكتاتور سفّاك فاجر، فإنّه كلّما جلى التاريخ ظهرت الحقائق أكثر فأكثر، ومن المعلوم أن التاريخ الحقيقي هو المؤثّر لا التاريخ المزيّف)(20).

والحقيقة أنّ هذا التنظير يقدّم للعالم رؤية علمية لدور التاريخ في العمل السياسي، فعلماء الغرب يعتقدون أن التاريخ علم، ولكنهم لا يملكون منهجاً لتبيّن الصحيح فيه من المزيّف لذلك فإنّهم يختلفون جداً في النظر إليه وفي كيفية الاستفادة منه، على ما أوضحه بكل جلاء المؤرخ المعروف سيدني أولمر (21) (S.Ulmar) وغراهام والاس (22) (G.Wallas) الذي يعدّ أشهر أساتذة التاريخ السياسي في بريطانيا.

ويكفي في إسناد صفة العلم إلى أيّ موضوع أن يدرسه الإنسان مع توخّي الحقيقة، وأن يكون مبنياً على فهم ذكي في البحث عن كل ما يتصل به من الحقائق، وأن يؤسس على حكم ناقد اطّرح منه هوى النفس وكل افتراض سابق، وأن يكون قد ردّ بقدر ما يسمح مضمونه إلى مرتكزاته الأولى: التصنيف، والتبويب، والتقنين.

فإذا تقرر ذلك فليس ثمة مسوّغ لأن نتعجل إسقاط التاريخ أو أي موضوع آخر من عداد العلوم.

ونرى أنّ من ألزم اللوازم للفقيه، والقائد السياسي، والحاكم، والمفكر، أن يتعرّف على أحداث التاريخ، وقوانين حركته، ومبدأ الخلق ومآلهم ومصيرهم. مستفيداً من كل الإرث البشري، عبر ذلك التاريخ الطويل للإنسانية، فكيف إذا كانت مسائل التاريخ المبحوثة مما له علاقة تلازم مع الحاضر بشكل لا يمكن انفصاله وانفصامه؟ ويمكن أن نتعرّف على دور التاريخ اليوم بالتساؤل عن المدى الذي يمكن أن يقطعه الباحث في تحديد الموقف من مسألة اجتهادات الفقهاء ودورهم في الحياة المعاصرة، وكيفية بناء الدولة من وجهة النظر الإسلامية، وترسيخ العلاقات الاجتماعية بين الناس، وتحديد ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وكيفية استنباط القوانين، وأخذ النافع من مستجدات العصر الحديث بما لا يخالف الشريعة السمحاء، من غير فهم التاريخ وأحداثه فهماً دقيقاً متأنّياً مبنيّاً على أصحّ ما ورد من أخبار وروايات، وأحاديث، ضمن الضوابط الكثيرة والكثيفة التي وضعها علماء التاريخ، والباحثون في علم الرجال، من أجل إسباغ صفة العلميّة والموضوعية على التاريخ وحوادثه؟

فإن كان لابدّ من أن نسقط منه عند العمل موضوعات بعينها، فذلك لأنها متى عرضت على معايير العلم التي ذكرناها آنفاً، وهي توخي الحقيقة، وتجميع الوقائع، والحكم الناقد، واطّراح هوى النفس، فإنها تصبح لا شيء، كالأحاديث الموضوعة والضعيفة، وكالروايات التي لا يقوم سند على صحتها، والأخبار التي لفّقها الحكّام عبر التاريخ ليبرّروا تسلّطهم على البلاد والعباد، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

والتاريخ، بما للطبيعة البشرية من خصائص ثابتة، وبما للإنسان من سلطان دائم على البيئة الجغرافية، يقوم على أصول تضارع أصول العلم؛ وهذا يقودنا إلى تفسير اهتمام الإمام الشيرازي في مؤلفاته برواية الأحاديث والوقائع التاريخية وحتى تلك الأخبار التي لا يمكن الأخذ بظاهرها من غير أن نتأوّلها بما يصحّ لها ويصحّحها، وبخاصّة ما كان يصدر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، من أحاديث أو أخبار، لا يُشك في صحّتها، ولكنّها، أحياناً، يجب أن تؤخذ بتأويلها، لا بحسب معناها الظاهر للعيان، والذي يفهمه منها أهل الحكم المستبدّ الظالم.

وعلى هذا كله، فإن التاريخ يدخل كمنهج في تكوين رؤية سياسية تنتمي، بلا جدال، إلى علم السياسة.

ومن هذا المنطلق برز جورج سابين (23) (G.Sabine) الذي ذهب إلى ضرورة دمج جميع الموضوعات التي كانت مثار مناقشة في كتابات فلاسفة السياسة المشهورين من أمثال افلاطون وارسطو وهوبز ولوك وروسو وهيجل وماركس وآخرين، في علم السياسة، ويقودنا هذا إلى تقرير أنّ سابين، ومثله كثير من العلماء، جعلوا تأريخ الأفكار، في ظهورها وانهيارها، جزءاً لا يتجزأ من العلم السياسي.

بالإضافة إلى ذلك يمكن ان يتوصل السياسي إلى إجابات محددة عن طبيعة العلاقة بين الحكومة والمجتمع عبر فهم تاريخ تلك العلاقة في مجتمع ما، وكذا متغيرات علاقة الفرد بالدولة.

ومن هنا فإن فهم الظروف التي تنشأ بها النظرية السياسية بناء على المنهج التاريخي، شيء ضروري لفهمها ولوضعها في مكانها الملائم من العلم السياسي نفسه، وفي المقدّمة من ذلك استنباط الحكم الشرعي، أو التقنين الدستوري لقضيّة من القضايا المعاصرة، في بناء الدولة الداخلي وعلاقاتها الخارجية، وتحديد مصالح الناس في التنمية الداخلية، وتطوير العلاقات مع الدول الأخرى والأديان الأخرى بموجب الميراث الحيويّ للأمة، وهو ميراث كوّنته التراكمات التاريخية، بالدرجة الأولى، وأكسبته خبرة لا يصحّ التخلّي عنها.

إنّ قطع العلاقة مع التاريخ، دعوة نشأت في الأوساط اليهوديّة، بغرض تصديرها إلى خارج المجتمع اليهوديّ، لقطع علاقات الناس بالتاريخ، وتثبيت التاريخ اليهودي في مرحلة لاحقة، بحيث يصير، بمفرده، تاريخ البشرية.

ومن أجل الردّ على ذلك يجب على السياسي المسلم، خاصّة، أن يفهم الحوادث التاريخية بعد تمحيصها والوصول إلى اليقين. أو ما يشبه اليقين بشأنها، ثم الاستفادة منها وتوظيفها لما فيه مصلحة الناس في حاضرهم ومستقبلهم. أي جعل الحدث التاريخي الموثوق به، مستنداً لاستخراج حكم أو استنباط حلّ لقضية تشغل الناس اليوم. وهذا يرتبط بالفقه، ذاته، ارتباطاً وثيقاً.

وإذا ما رجعنا إلى كتب الإمام الشيرازي ككتاب (الصياغة الجديدة) وغيره من كتب سماحته فإننا نراه يستنبط من مرويات التاريخ الموثوق بها، أسساً وركائز يشيّد عليها سماحتُه حلول مشكلات العالم المعاصر، الذي أصبح اليوم عالماً أقرب إلى الجنون منه إلى العقل؛ وإلى الانتكاس والانعكاس منه إلى التقدم والاستقامة.

مركّزاً على القيم الأخلاقية والشرعية قبل أي شيء آخر. وعلى ذلك، يصبح الاتجاه التاريخي ضرورة في العلم السياسي لأنه يقدم لنا منافع كثيرة منها أنه يقدم وضوحاً دقيقاً في فهم العصر الذي نشأت فيه بوادر النظرية السياسية والأداء السياسي الداخلي والخارجي، وكذا المكان والظروف الملابسة لذلك.

4 ـ الاتجاه الاجتماعي:

لابد أن يكون هناك تواصل بين السلطة السياسية ومؤسساتها والمواطنين كأفراد، ليكوّن كل ذلك المجتمع. ومن المعلوم، عبر الزمن الماضي والحاضر أنّ الفقيه، سواء استلم السلطة المدنيّة أم لا، فهو صاحب السلطة الروحيّة على الناس، وهو، في فكر الإمام الشيرازي بخاصة، ذا تأثير على الناس أكثر من الحكومة المدنيّة ذاتها. وللإمام الشيرازي شواهد تاريخية كثيرة تسنده، وما ثورة (التنباك) في إيران، وثورة الخامس عشر من شعبان المعروفة بثورة العشرين في العراق، وانتفاضة الخامس عشر من شعبان في العراق أيضاً، في أعقاب حرب الكويت من سنة 1991، إلا من الأمثلة الشاهدة على صواب رؤية سماحته. فوضع سماحته بذلك الأسس الصالحة لربط السياسة بالمجتمع، وهي نقطة لم يلتفت إليها الكثيرون إلا في فترة متأخّرة نسبيّاً.

فحينما بدأت السياسة تتحوّل إلى علم، التفت المنظرون والعلماء إلى ضرورة توسيع مفهوم السياسة ليشمل المجتمع إضافة إلى الحكومة. فبدأ الاهتمام بدراسة علم الاجتماع، وبدأ هذا العلم يؤثر في العلم السياسي، لأنه سمح للدارس أن يعالج العلاقات السائدة في المجتمع وتركيبه على أساس اتخاذ المنهج التاريخي كعامل مساعد لفهم المجتمع والعمليات السياسية التي تتم في تضاعيفه. وهذا ما نراه واضحاً وبجلاء تامّ حتى في الكتابات الأولى لسماحة السيد الإمام الشيرازي من قبل نصف قرن. فالتاريخ لوحده لا يقدّم نفعاً ما لم يتوفّر له العقل الواعي اللمّاح ذو العبقريّة الخاصة التي تستفيد من دروسه وعبره لخدمة الناس على أن تتم دراساته بالارتباط بالنظرية العامة للمجتمع، وذلك بالاستفادة من نتائج علم الاجتماع ذاته حتى لو كان بعض منها لا ينتمي إلى الموضوع السياسي. كعلاقات الزواج والطلاق والروابط الأسرية وما إليها، لأن كل هذا يقدم مساعدة كبيرة وأرضية ممهدة لبناء علم سياسي يتصف بصفة الشمول والمتابعة.

وإذا كان علم السياسة، عند الغربيين، وأصحاب الفلسفات السياسية الحديثة، يهتم بالدولة، فقد أهمل التفاصيل التي يعدّها تافهة وشائعة، مع أنها تجري في أعماق المجتمع. ويتبيّن لنا من هذا وجود نقص فادح في التوجّه الغربي للسياسة المعاصرة، فالمشكلة السياسية لا تحلّ نفسها بنفسها، ولكنها تحلّ عن طريق الاهتمام حتى بالتفاصيل الصغيرة من حياة الناس اليومية، فهؤلاء الناس البسطاء لا تعنيهم النظريات والشعارات بمقدار ما تعنيهم قدرتهم على مواصلة الحياة بحريّة وكرامة وبما ينسجم مع الأخلاق التي تربّوا عليها.

كما أنّه يوجد عدد كبير من الدول اليوم لا يمكن اعتبارها شرعية، لأنّ السلطات فيها ليست سلطات دولة بمقدار كونها مجموعات من شذّاذ الآفّاق المغتصبين للحكم؛ كما أن هناك دولاً أخرى لا تصلح للدراسة السياسية ما لم يتم التعرف بصورة علمية على خصائصها الاجتماعية الأساسية، فهي تعتبر في حكم المجهولة بفعل عدم اعتناء المسؤولين فيها بتفاعلاتها الاجتماعية وتغيراتها بفعل التطور والتغيّر. لأنّ عدم الاعتناء بإحصاء مظاهر التغيّر والتبدّل، والتطوّر، إن وجد، سيحجب الحقائق عن أعين الدارسين، فلا يُستطاع الوصول إلى قول فصل في احتياجاتها، وبالتالي لا يمكن اعتبارها وحدات دراسة دالّة على علم وواقعية. ويمكن أن نمثل ذلك تاريخياً بالدولة الأموية والعباسية، إذ ان جمهور المؤرخين لا يلتفتون إلى مواقف الناس منها، وهل استطاعت تلك الدولتان من توفير احتياجات الناس المادية والروحيّة؟ فكيف يمكن الحكم بصلاح ذينك النموذجين هذه الأيام؟ وكيف يمكن اعتبارهما دولتين شرعيتين نموذجيتين؟! ويقرر الإمام الشيرازي في هذا الصدد، ما نصّه:

(أما احتياج السياسة إلى علم الاجتماع، واحتياج السياسي إلى أن يكون عالماً بالاجتماع، فلأنّ السياسة شكل من أشكال الروابط الاجتماعية فعلاقة العائلة بعضهم إلى بعض رابطة اجتماعية، وعلاقة المتعاملين أحدهم بالآخر رابطة اجتماعية، وعلاقة التلاميذ بالأستاذ، وعلاقة المجرم بمن وقعت عليه الجريمة، وإلى غيرها من العلاقات، كلها روابط اجتماعية والسياسة وهي علاقة مجموع الشعب بهيئة حكامه وبالعكس، من أكبر الروابط الاجتماعية لوضوح أنّ ما عداها، محدود بقطاعات خاصة، بينما هذه السياسة تشمل كل الأمة، بمختلف قطاعاتها، فإن بحوث علم الاجتماع من أمثال: الارتباط بين الطبيعة والمجتمع، وبين العلم والمجتمع، وكيفية السلوك الاجتماعي، وتقسيم المجتمع إلى طبقات، والأمور المرتبطة بالشخصية والمؤسسات الاجتماعية، والطوارئ على المجتمع، كالحرب والسلم والتقدم والجمود، والتكامل الاجتماعي، وغيرها مما يُذكر في علم الاجتماع من المسائل ترتبط بالسياسة مباشرة، حتى أن علم السياسة، وهو علم الإدارة العامة، لا يتمّ إلا به، وحتى أنّ السياسي لا يتمكن من الإدارة إلا بالعلم بتلك المواضيع.

ثم إن علم الاجتماع وعلم السياسة (يواصل الإمام الشيرازي) يتبادلان الاحتياج، فالسياسة بدون الاجتماع ناقصة، كما أنّ علم الاجتماع بدون علم السياسة ناقص، فإجمال كل داخل في كلّي الآخر، فالسياسة تأخذ عينات من علم الاجتماع لتجعلها موضع الدراسة والاعتبار، كما أنّ علم الاجتماع يأخذ جملاً من علم السياسة ليطالعها ويفهم على ضوئها بعض الروابط الاجتماعية، حيث إنّ علم الاجتماع بصدد فهم الروابط الاجتماعية).

ثم يقرر سماحته: (وبدون معرفة السياسي علم الاجتماع، من ناحية المفهوم، ومطالعته لذات المجتمع، من ناحية الانطباق، لا يتمكن أن يكون منطلقاً عن المجتمع، كما لا يتمكن أن يكون موجهاً للمجتمع)(24).

وهذا أدخل الإمام الشيرازي المنهج الاجتماعي كطريق لصياغة النظرية السياسية، وكان ذلك سبباً في بروز علم الاجتماع السياسي، إضافة إلى ترسخ ذلك كقيمة علمية في صلب علم السياسة، وذلك من خلال دراساته السياسية لدور الحكومة والمؤسسات الاجتماعية، والعلاقات، والتأثر والتأثير المتبادلين بين الحكومة والمواطنين وعلاقات الانتاج وتأثيرها على الروابط الاجتماعية باتجاه إدخال صياغات تعديلية مستمرة على التنظير السياسي.

فإذا علمنا أنّ سماحة الإمام الشيرازي قد درس موضوع المؤسسات عبر كتبه الفقهية والسياسية والاجتماعية، على ما سنراه تفصيلاً، في دراسات قادمة، إن شاء الله، أدركنا السبق الذي حازه المسلمون خصوصاً والفكر الإسلامي كلّه، عموماً على ما أنجزه الفكر السياسي الغربي منذ حوالي عقد من الزمن فقط.

5 ـ الاتجاه القانوني:

العمل السياسي لابد له من قانون، على صعيد دراسة الأوضاع الدستورية في الدولة من حيث علاقات أجهزة الحكم ومؤسساته بعضها ببعض من جهة، وبالمواطنين والتكتلات الاجتماعية من جهة أخرى، بضمن الاختصاصات والوظائف، ودراسة الحقوق والواجبات التي يقرها القانون وينفذها المجتمع، الحكومة والناس.

ومن ناحية أخرى فعن طريق المنهج القانوني يمكن فهم العمليات السياسية التي أثرت في صياغة القوانين، ثم مجمل تأثير هذه القوانين ـ فيما بعد ـ على العمليات السياسية نفسها، وعلى الأداء السياسي الذي يوضع القانون عادة لتنظيمه.

وفي هذا المجال تحدّث الإمام الشيرازي في كتبه الفقهية، وفي مجالات أخرى عن الشخصية الحقوقية للدولة، وأنواع المعاملات التي يجريها الأفراد بصفتهم الفردية تارة وبصفتهم الدولية تارة أخرى(25).

 

فوارق جوهريّة

على أننا ينبغي أن نلاحظ فارقاً جوهرياً بين نهج سماحة الإمام الشيرازي في النظر إلى هذه الأمور والنظرة الغربية الموصوفة بالعلمية والواقعية وغيرهما من صفات.

فاتجاهات البحث هذه عن علم السياسة تشكل جزراً مستقلة لا يمكن ان تقدم تصوراً سياسياً أفضل، ما دامت متباعدة عن بعضها البعض، لأن لكل منها إيجابياتها وسلبياتها، وفي كل منهج وجه أو أكثر من أوجه القصور الذي يمكن ان يلحق أفدح الأضرار بعملية الفهم السياسي لنشاطات الدولة سواء على الصعيد الرسمي أم على الصعيد الشعبي.

ولذلك فقد أكد الفكر السياسي الشيرازي على ضرورة إيجاد منهج شامل تتكامل فيه أدوات البحث، نفسية، وفلسفية، وتاريخية، واجتماعية، وقانونية، للخروج بنظريات سياسية متكاملة بدورها، تتفاعل بصورة خلاقة مع الواقع، لتنتج علم سياسة أكثر دقة وشمولية وإلحاحاً في الإجابة على الأسئلة التي يثيرها التطور السياسي العالمي.

أما علماء الغرب فأخطأ بعضهم الطريق، كمحاولة كارل .ج. فريدريك (Carl J. Friedrich) في بحثه المعروف (26) (Political Philosophy And the Science Of Politic) أن يصل إلى التكامل فقرر مجموعة من الأفكار العامة ذهب فيها إلى أن من المهم ألا نسمح لعلم السياسة أن يضيع في خضم العلمية أو الأخلاقية!! ومن المهم كذلك ان المظاهر الفلسفية والعلمية للنظرية السياسية يجب أن نفهم أولاً ماذا نعني بكلمة (علم) قبل أن نحاول أن نفهم ما المقصود بكلمة (فلسفة).

وقد عرّف فريدريك العلم بأنه (مجموعة المعارف المنظمة التي يعرفها المختصون ويتوسعون فيها من خلال اتباع الأساليب والطرق التي يتعارفون عليها معاً انها تفي بالغرض للوصول إلى هذا النوع أو ذاك من المعرفة).

وبالرغم من أن لدى فريدرك جوانب إيجابية في بحثه ودعوته إلى تكامل العلم السياسي بدمج مناهجه، إلا أنه يخطئ حين يجرّده من الأخلاق والقيم، ويجعله باحثاً عن المصلحة المادية للدولة أو لفئة فيها فقط. وبذلك أفقد رؤيته التكامل الحقيقي.

على أننا حين نعود إلى كتب الإمام الشيرازي نرى المنهج التكاملي واضحاً فيها، ومتكاملاً فعلاً، ويمكن هنا أن نشير إلى شيء من رؤية سماحته لعلم السياسة، بصفته النظامية الشمولية هذه، من حيث أن ذلك العلم قد لا يحتاج إلى طريقة واحدة بل إلى عدة طرق، وعلى عكس علم الاجتماع وعلم النفس ـ حيث تكون الجماعة والفرد موضوع الدراسة التي يمكن أن تتم بدقة إلى حدّ ما ـ نجد أن علم السياسة يعالج الدولة الاقليمية وهي أكبر شكل منظم من أشكال المجتمع والتي تتغير طبيعتها وصورتها وأهدافها من وقت إلى آخر، ومن قطر إلى قطر آخر، كما أن كلّ تغيّر قد يتضمن نصحاً مختلفاً أو طريقة مختلفة أو خليطاً من المناهج والطرق المختلفة.

كما يرى سماحته أن في تاريخ السياسة من الجائز أن يعتمد عالم السياسة على ما قبل التاريخ وعلى التاريخ وعلى نشأة الحياة، وعلم النفس وعلى مناهج أخرى عديدة. وقد يتطلب الأمر أحياناً طريقة أو منهجاً تاريخياً موثقاً وفي حالات أخرى يتطلب دراسة الحالة وتحليلها اجتماعياً أو اقتصادياً، وفي حالات ثالثة يتطلب إجراء العمليات الإحصائية والمقابلة.

والمهم، عند سماحة الإمام، في كل هذه الاجراءات أن النظرية السياسية يجب أن تتلاءم مع الطابع العلمي بمنح الفلسفة السياسية الحقائق والتعميمات وتتلقّى عنها المقدرة الخلاقة على معالجة المشكلات بصورة شاملة وليست متفرقة؛ ومن الطبيعي ان أي عالم سياسي لا يستطيع أن يكوّن إطاراً من المعرفة السياسية من دون أن تتوفر لديه فلسفة عامة عن الحياة.

إن توفر فلسفة عامة عن الحياة هو الذي يفرض ضرورة الخروج بمنهج تكاملي واحد يجمع بين دفتيه مناهج العلم في ميادينه المتعددة المعروفة.

وبذلك فإن المنهج التكاملي، الذي نجده مجسّداً عند الإمام الشيرازي، بحيث يمكن أن نسميه (المنهج الشيرازي لتكامل العلم السياسي) يعيد للنظرية السياسية مكانة كادت تفقدها. ونجد مصداق هذا التحليل، وهذه الرؤية فيما شهد به عدد من علماء السياسة المعاصرين، حيث يصرح جرمينو (D.Germino) ان النظرية السياسية شرط أساس في أي فكر سياسي في المنطلق وفي النتائج، لأنها دراسة نقدية لأسس النظام الصحيح في الوجود الاجتماعي الإنساني. وهي ـ بهذا المعنى ـ ليست علماً سلوكياً، انها تتحوّل إلى (علم) ولكنه ليس العلم الذي تحدّه فروض يمكن التحقق منها حسياً(27).

وينص نورمان جاكوبسون (Normam Jacobson) على أنّ الاهتمام الجوهري المركزي للدولة يجب أن يكون البحث عن الحكمة السياسية(28). وجاكوبسون، أيضاً أخطأ في هذا، لأنّ الحكمة السياسية لا معنى لها خارج إطار الأخلاق والعلم، وهو ما نصّ عليه الإمام الشيرازي في جميع كتبه، كما سنرى، وبخاصّة في كتاب (حوار حول تطبيق الإسلام) الذي سننقل بعض نصوصه في مواضع الاستشهاد به.

وبالتالي، فإنّ دراسة السياسة كعلم، بحسب منهج الإمام الشيرازي، يجب أن يرتكز على منهج متكامل جامع لأشتات العلوم الإنسانية والتقنية، مضافاً إلى ذلك شيء أكثر من المهارة والتدريب، أنها تتطلب فكراً قادراً على التمييز ومعرفة أكثر من معرفة الأساليب، وتتطلب ـ أيضاً ـ خيالاً وخبرة والقدرة على الحكم، بل وأكثر من كلّ ذلك: التفرّغ للموضوع بكل نزاهة وحياد وإخلاص.

1 ـ Coser, Lewis, a political Sociologic (London, 1977). P.12.

2 ـ المصدر السابق 48 .

3 ـ Milbrath, L. W. Political Participation, Chicogo, 1965, p. 448.

4 ـ السياسة: 1 / 34 .

5 ـ السياسة: 1 / 131 ـ 132 .

6 ـ سورة البقرة: 29 .

7 ـ الوسائل: 18 / 65. الباب 8 من صفات القاضي: 50 .

8 ـ السياسة: 1 / 7 ـ 8 .

9 ـ سورة الزخرف، الآية: 23 .

10 ـ السياسة: 11 ـ 12 .

11 ـ Coser Lewis, A Political Sociologic London, 1990, p. 213.

12 ـ سورة الحجر، الآية 29؛ سورة ص، الآية: 72 .

13 ـ السياسة: ج 1 ص 64 .

14 ـ Mills, C. Wright, The Sociological Imagination, New York, 1978, P. 350.

15 ـ السياسة: ج 1 ص 71 ـ 72 .

16 ـ L. MOUSEE, La Terre, Paris, 1969, P. 342.

17 ـ P. Barale, Image, New York, 1965, P. 145.

18 ـ S. Salem, The Jewish, New York, 1971, P. 65.

19 ـ السياسة: ج 1 ص 67 .

20 ـ السياسة: ج 1 ص 68 .

21 ـ Ulmer, Sidney, Introductory Readings, Chicago, 1961, P.11.

22 ـ Wallas Graham, Human nature in politics, London 1981, P.237.

23 ـ George H. Sabine, A history of political theory (new york: Henry Holt.197).

24 ـ السياسة: ج 1 ص 62 ـ 63 .

25 ـ السياسة: ج 1 ص 247 .

26 ـ Carl. J. Friedrich, (Political Philosophy and the science of Politic) in: Roland Young, Ed, Approaches to the Study of politic, (Northwestern: University Press, 1958), p.p.175-185.

27 ـ Daute Germino, Neyond Ideology, p.6

28 ـ Norman Jacolyon, (the Unity of political Theory: Science, Morals and Politics) in: Roland Young, Ed, Approached to the Study of Politics, 1958, pp. 115- 124.