| فهرس الفصل العاشر |
|
|
المؤسسات أولاً |
|
من أبرز الأمور التي تحقّق وحدة المجتمع المسلم، من وجهة نظر الإمام الشيرازي، تكوين المؤسسات، وهي تكوينات تشكّل مظهراً من مظاهر الاقتصاد الاجتماعي، فهي تقوم على أسس اقتصادية ـ اجتماعية، مادة نشاطها الاقتصاد، ومظهر نشاطها المجتمع. ومن المعلوم أن المؤسسات أصبحت ضرورة مهمة في تشكيل الدول، على أن يكون ذلك بناء على حاجة الدولة الإسلامية، وبالتكامل مع سائر الهيئات والتشكيلات داخل الدولة الإسلامية. ويؤكد العلماء الغربيون أنفسهم أن الدولة المتطورة هي الدولة التي تهتم بتنظيم الاجتماع والاقتصاد والسياسة في مؤسسات متفاعلة فيما بينها. ومن ذلك ما قرره واحد من أبرز المعنيين بهذا الموضوع وهو أوكونور جيمس (1) (O'conor James) الذي يقول إنه لا يمكن أن يكون المجتمع متطوراً ما لم يكن منتظماً. ولا مجال هنا للتساؤل عن الدور الذي تلعبه المؤسسات (أو الذي يمكن أن تلعبه) لتطوير الاجتماع. إذ ان أشكال التنظيم الاجتماعي لها دور لا يمكن نكرانه في ذلك التطوير، حين يتم الانطلاق من البنية الأساسية الأولية للمجتمع. ويؤكد أوسكار لنج (2) (L.Oskar) على هذه الحقيقة من خلال نماذج يختارها من المجتمعات الحديثة التي استطاعت أن تنظم نفسها ببناء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويتناول الإمام الشيرازي هذه المسألة بطريقة لم يسبقه إلها أحد من الفقهاء ولا من الباحثين المسلمين، واستطاع أن يجعل فكرة المؤسسات تخرج من مجرد كونها فكرة يدعو إليها هذا الكاتب أو ذاك، إلى كونها حقيقة تستطيع الأمة الإسلامية أن تنشئها وعليها تبني دولتها الإسلامية الموعودة. فسماحته ينظر إلى المؤسسات فيراها (عبارة عن جماعة من الناس يبنون العمل المنظم، لأجل هدف خاص، سواء كان الهدف الهدم أو البناء، لكن كل هدف هدمي لابد وأن يتطلّع إلى هدف بنائي وراء ذلك الهدم أو البناء)(3). ثم يقرر أن توسع المجتمع يزيد الحاجة إلى المؤسسات، فيقول: (إن الاحتياج إلى المؤسسات يزداد كلما توسّع الاجتماع، أو تقدم الاجتماع، وذلك لأن العلاقات في الاجتماع الموسّع، ولو كان بدائياً، تزداد، ومع ازديادها تتشابك). وبعد أن يبرهن على هذه الرؤية من خلال أمثلة واقعية ينتقل إلى استكمال تلك الرؤية، مقرراً: (ولذا كان اللازم كثرة المؤسسات للقيام بالحلول الكثيرة، هذا من جهة زيادة الكم في الاجتماع، وأما من جهة زيادة الكيف بأن تقدم الاجتماع فإنه حيث كان معنى التقدم تدخل أشياء جديدة، علمية وعملية، في حياة الإنسان، تكثر العلاقة أيضاً، ومع كثرتها تحتاج إلى كثرة الحلول، مثلاً مدينة ذات عشرة آلاف إنسان: إذا تدخلت في حياتها السيارة، احتاجت السيارة إلى مؤسسة، وإذا تدخلت الطائرة والقطار أيضاً، احتاجت إلى مؤسستين جديدتين أيضاً، وهكذا)(4). ويرى الإمام الشيرازي ضرورة أن تكون هناك روابط بين المؤسسات، من أجل زيادة الإنتاج وتحقيق روح الأخوة والمساواة بين الناس، فيعيد سماحته المسألة إلى الاقتصاد الاجتماعي، مرة أخرى، فيقول: (وفي الاجتماع كلما كانت المؤسسات أكثر، كان أنفع للاجتماع لكن بشرط أن لا تسبب الكثرة ضياع الإنتاج، ولا أن تسبّب إمكانيّة الالتواء، أما أنّ الكثرة أنفع، فلما تقدم من أنّ كلّ مؤسسة تحلّ جانباً من المشاكل الاجتماعية أو توجب تقدماً في جانب من الحياة، مثلاً مؤسسات القضاء تحلّ المشاكل، ومؤسسات التربية البدنيّة تقدم الحياة. أ ـ أما كون الكثرة سبباً لضياع الإنتاج، فمثلاً: شركتان لحمل موادّ البناء من المعمل إلى المدينة، كل واحدة منهما لابد لها من سيارة للحمل، فإذا كان إنتاج المعمل بقدر لا يملأ السيارة كان خسارة للقدر الفارغ من السيارة ولقدر من السائق، ومن الزيت المستعمل فيها، ولموقف السيارة، حيث إنها تأخذ المكان اللائق بها من الإيجار مثلاً، ولا تعمل العمل اللائق بها. ولذا فاللازم على المؤسستين أن تشتركا في سيارة واحدة)(5) فيعيد الشأن إلى الناتج الاقتصادي متزاوجاً مع ضياع فرص اجتماعية أخرى، كأن يوضع عامل ماهر في معمل ما، مع عمال غير مهرة، حيث سيضيع جهده وقدرته، إضافة إلى ما سيصيبه من عوارض نفسية ضارّة. ثم ينتقل سماحته إلى نقطة أخرى: ( ب ـ وأما تسبب الكثرة لإمكانية الالتواء، فهي كما إذا فتحت صناديق قرض الحسنة، لأجل إعانة المحتاجين، فإن كثرتها قد توجب الالتواء في المقترضين، فمثلاً: مقترض يريد بناء داره بألف دينار فيقدم الشهود إلى إحدى تلك الصناديق باحتياجه، فيقترض الألف، ثم يقدم شهوداً آخرين إلى صندوق ثان فيأخذ ألفاً آخر، وهكذا، وإذا به يصرف ألفاً في البناء وثلاثة آلاف في التجارة، بينما اللازم أن تصرف تلك الثلاثة آلاف في سدّ ثلاث حاجات أخر. فإن الالتواء نشأ من كثرة الصناديق، مما جعلت الكثرة سبباً لانحراف المال عن الهدف المقرر له، وكذلك بالنسبة إلى مؤسسات تتحد في الهدف)(6). وإذا كانت الأمثلة السابقة التي ساقها سماحته هي من الأمثلة الاقتصادية، فإن الموضوع لا يخرج تماماً عن الاجتماع، لأنه جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الاجتماعي، ويؤكد على هذا قول سماحته، في نفس الموضوع: (إذا حصل تغيير في مؤسسة اجتماعية، تتأثر سائر المؤسسات بذلك التغيير قليلاً أو كثيراً، مثلاً: إذا تغيّرت ثقافة المدارس من ثقافة دينية إلى ثقافة غربية، أثّرت تلك الثقافة في المؤسسات التجارية والزراعية، مثلاً، فتكون المؤسسة التجارية رأسمالية استغلالية بعد أن كانت بقدر السعر ونحوه، وكذلك تحولت الزراعة إلى إقطاعية، بمعنى استغلال الإقطاعي للفلاحين، والعكس بالعكس، إذا تحولت الثقافة إسلامية، أثرت في تعديل الاقتصاد، زراعة وتجارة وغيرهما. وإذا تغيرت بعض المؤسسات في عملها، ولم تتغيّر سائر المؤسسات المرتبطة حسب ذلك التغيير، حصل الانفصام في الاجتماع، مما يؤدي إلى سقوط الاجتماع. والسر في ذلك أنّ الانفصام في الاجتماع يوجب التناقض بين جماعات الاجتماع.. والتناقض ينتهي إلى الحرب الأهلية.. أو إلى الضعف الموجب لتفرق الاجتماع أيادي سبأ أو نفوذ الغزاة فيه)(7). بمعنى أن للمؤسسات شروطها، وأن لها أهدافها، بحيث تعمل على غرس روح الأخوة في المجتمع، لا روح التباغض والتباعد والاختلاف المفضي إلى ضعف البلاد وسيطرة الغزاة والظالمين. ويقرر الإمام الشيرازي أن مهمة خلق روح الأخوة وتمتينها ليست مسألة سهلة، لأنها تتعلق ببناء الإنسان، وليس ثمة وجه شَبَه بين بناء الإنسان وبناء العمارات وشق الطرق، فهذه عملية أيسر من تلك بما لا يقاس. وبموجب هذا المنطق العلمي قرر الإمام الشيرازي أن من مهمات المؤسسات أن تحافظ على (ارتباطها بالذين هم في مسير عملها... واللازم أكبر قدر من التنسيق والمودة بين أعضاء المؤسسة، وإلا أضرّ عدم التنسيق بالعمل وتقدمه من ناحية، وانفضّ الناس من حولها بسبب إظهار الأعضاء نقائص الآخرين أمام الاجتماع... مما يسبب سحب الاجتماع ثقتهم عن المؤسسة)(8). وينفق مع سماحته مجموعة كبيرة من المختصين والباحثين في الدراسات الاقتصادية الاجتماعية، من الغربيين، مثل الباحث الاجتماعي المعروف ريشارد لوليس (9) (L. Richard) ونظيره إيريك ألارد (10) (E. Allard) وغيرهما، غير أن هؤلاء الباحثين وقفوا عند حدود الرؤية العامّة لسماحته، فأما نظريته في تحول المؤسسات ودراسته المتمعنة لاستمرارية المؤسسات الإسلامية، فلم يستطيعوا مقاربتها، لأنها تمتاز بخصوصية الزمان والمكان والعقيدة. فنظرية سماحته عن (تحول المؤسسات) تكشف عن حقائق يتغافل عنها كثير من الباحثين الغربيين وأهل السياسة منهم على وجه التحديد، فسماحته يرى: (أن بعض المؤسسات أخذت في الظهور مما لم تكن سابقاً، وبعض المؤسسات أخذت في الاختفاء مما كان سابقاً، وبعض المؤسسات ضمرت أو توسّعت، وبعض المؤسسات تمركزت، وبعض المؤسسات تعقّدت أكثر من السابق، وبعض المؤسسات تطورت من حالة إلى حالة، وبعض المؤسسات انتقلت من مكان إلى مكان)(11). فهذا الاستقصاء لأحوال المؤسسات مما لا نكاد نجد له اهتماماً لدى الغربيين، حيث إنهم يدرسون مؤسساتهم القائمة حالياً، بغض النظر عن تحولها من شكل إلى آخر، والفارق بين الطريقتين كبير، فهم يكتفون بنقل صورة فوتوغرافية عن الواقع، كما هو، أما سماحته فلا يكتفي بالصورة، بل يحللها إلى أجزائها الصغيرة، ويكشف عن خصائص كل ذرة من ذراتها، وكيفية تحولها من حالة إلى حالة، فيقول: 1 ـ فمؤسسة البنوك والبورصة والتأمين وما أشبه أخذت في الظهور. 2 ـ ومؤسسة تربية العبيد والإماء ومراسيم قتل الأولاد وحرقهم اختفت. 3 ـ ومراسيم وضع التيجان للملوك، وأماكن النار للمجوس، ومعابد الأصنام، ضمرت. 4 ـ والمؤسسة الحكومية توسّعت، مثلاً: دخل في شؤون الدولة تأسيس المدارس والمستشفيات وصنع الحدائق العامة والمرافق العامة ومؤسسة أمن الدولة وعشرات المؤسسات الأخرى. 5 ـ وقد تمركزت الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، في الحكومات الشيوعية. 6 ـ والمؤسسة الثقافية والطبية وما أشبه تعقّدت، حيث صارت الاختصاصات والأجهزة الكاشفة عن الأمراض وغير ذلك. 7 ـ وتطورت المؤسسات السفرية، من الدواب إلى مؤسسات السيارات والطائرات والقطارات وما أشبه. 8 ـ وانتقلت مؤسسة الأيتام والأوقاف ونحوهما، من إدارة الكنيسة في العالم المسيحي إلى إدارة الدولة.. وهذه التطورات بعضها مما يمليه الواقع كالسادس، أو يوجبها انحراف كالخامس مما يجب رفع هذا الانحراف عن الاجتماع)(12). وإذا كان الباحثون الغربيون تغافلوا عن هذا الاستقصاء، إلا أن المشار إليهم قبل قليل، وعلى وجه التحديد، قد كرروا في بحوثهم ما كتبه سماحة الإمام الشيرازي عن (مضاعفات تضخم المؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الحكومية)، ومن الضروري أن ننبه هنا أنّ ما ذكره ايريك إلارد الذي ذكرناه قبل قليل، في كتابه (13) (MASSPOLITCS) يكاد لا يخرج عمّا كتبه سماحة الإمام الشيرازي، إلا في مسألة دعوة الإمام إلى قطع جذور الرأسمالية المنحرفة، وهي التي نصّ عليها سماحة الإمام الشيرازي في سياق عرضه لمساوئ تضخم المؤسسات، حين قال: (ثم لا يخفى أن المؤسستين الاقتصادية والحكومية، توسّعت توسعاً كبيراً على ضرر الشعوب، أما المؤسسة الاقتصادية، فأخذت تأكل أموال الناس بالباطل وجعلت المال دولة بين الأغنياء، فاللازم الاهتمام من المفكرين والمصلحين لتجريد حملة عالمية لقطع جذور الرأسمالية المنحرفة حتى يرجع الاقتصاد إلى السلامة، بأن يكون المال أمام خمسة أشياء كما ألمعنا إليه مكرراً. وأما المؤسسة الحكومية، فقد جمعت في يدها بالإضافة إلى أشغالها الطبيعية السياسة والاجتماع والاقتصاد. أما في الشرق الشيوعي، فقد ضربت الدولة الرقم القياسي في هذا الأمر، وأما في الغرب الرأسمالي فالدولة أخذت في توسع هائل من جهة ضمّ المؤسسات الثلاث إلى نفسها، وعلى أيّ حال فاللازم انفصال الدولة عن المؤسسات الثلاث انفصالاً كاملاً، لما نجم من الانضمام، من الأضرار البالغة والتي منها: أ ـ سقوط التنافس الحر، مما يعطي للحياة معنى، بخلاف تسليم المؤسسات إلى الموظّفين، حيث فرّغت حياة الموظّف عن المعنى، بل صار هو آلة تعمل تلقائياً لأداء الوظيفة في حياة رتيبة مملة. ب ـ كبت الكفاءات، إذ الكفاءة زهرة لا تنمو إلا في حدائق الحرية. ج ـ تحول النشاط إلى الخمود، نشاط الموظفين القائمين بالأعمال الحكومية، ونشاط الأفراد الذين سلبتهم الحكومة حرياتهم. د ـ توسّع الفقر والمرض والجهل والجريمة، حيث إنّ الناس يمكنهم رفع نقائص أنفسهم لكثرتهم وحنانهم على أنفسهم، أما الحكومة فهم جماعة قليلة، وهي بحكم أنها موظّفة روتينية لا تخسر على الناس. هـ ـ إشغال الحكومات بالمزيد من التسليح حيث تمركزت في أيديهم السياسة والمال، مما كان اللازم أن يصرفا في إنقاذ العباد وتعمير البلاد إذا كانت بأيدي الناس. و ـ كثرة الموظّفين مما معناه تحويلهم من منتجين إلى مستهلكين، وبذلك اشتدّ الضغط على الاقتصاد، إذ بنسبة زيادة الموظفين يضعف الاقتصاد لدى المنتجين. ز ـ كبت الحريات، فليس كل إنسان حراً في مزاولة السياسة، ومزاولة الأمور الاقتصادية من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها، ومزاولة الأمور الاجتماعية، من فتح المدارس والمستشفيات ودور الرضاعة وغيرها. وقد وصل الكبت في النظام الشيوعي قمّته، أما في بلاد الرأسمالية فقد حدث الكبت بقدر أخذ رأس المال، والحكومة، الأمور من أيدي الناس. ح ـ إرهاق كواهل الناس بالضرائب الكثيرة باسم أنّ الدولة ترعى المؤسسات أمثال المدارس وغيرها، وحيث نعلم أن أكثر الضرائب تخرج من كيس الفقراء (أنظر الفقه الاقتصاد) نعلم أنه كان من الأفضل إيكال الحكومة إلى الناس حقهم الطبيعي في تأسيس ما يشاءون من المؤسسات مع ربح معقول، وإشراف الدولة عليها حتى لا تنحرف، ومن لا يقدر على الأجور ونحوها كان له أن يأخذ من بيت المال. ط ـ تخلي الدولة اضطراراً عن وظائفها الأولية التي هي: 1 ـ النظم. 2 ـ العدالة القضائية. 3 ـ تقديم الأمة إلى الأمام، حيث اشتغلت الدولة بما ليس من أعمالها من السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومن الواضح أن الإنسان ينوء تحت حملين إذا كان الحمل الثاني ثقيلاً لا يتحمله إلا الأمة كلهم. ي ـ وأخيراً التوقف العام عن التقدم بما لا تتمكن الحكومة منه بأفرادها القليلة بالنسبة إلى الأمة.. وعليه فاللازم على المؤسسة الحكومية، التي انتفخت انتفاخاً هائلاً، أن تحول الأمور إلى الناس تدريجاً، وترجع هي إلى حالتها الطبيعية من مزاولة الأعمال الثلاثة الآنفة الذكر)(14). ومن الغني عن البيان ذكر أن هذه الرؤية السليمة لقضية المؤسسات استفادت منها دول عديدة الآن فيما يسمّى بالخصخصة، التي لا يخرج مفهومها النظري عمّا قرره الإمام الشيرازي قبل أكثر من عقدين من الزمن. وإضافة إلى هذه المسائل، فقد تفرّد الإمام الشيرازي، ببحث موضوع المؤسسات الإسلامية واستمراريتها وشروط تلك الاستمرارية، وذلك بعد معايشة عملية لقوى التغيير الإسلامية والنظر الدقيق فيما كانت عليه وما هو مستقبلها، وماذا يجب أن تعمل لتواصل مسيرتها، ويجدر بنا أن نذكر أن هذه المسائل والقضايا المتعلقة بالمؤسسات الإسلامية قد أعلنها سماحته قبل حوالي ربع قرن. وبملاحظة ما جاء فيها، ندرك أن قوى التغيير الإسلامية التي لم تأخذ بتلك التوجّهات قد انتهى بها المطاف إلى الفشل الذريع، أو هي في طريقها للاضمحلال. فسماحته ينظر إلى المؤسسات التغييرية العاملة من أجل الإسلام، وكأن كل واحدة منها دولة أو مشروع دولة، فيقرر أن عليها، ومنذ الآن أن تمارس عملها التغييري، وأن توفّر له شروط النجاح، جامعاً في هذه الرؤية كلاً من الاجتماع والاقتصاد، في وحدة تجمع بينهما، وهي تلك الوحدة التي أسميناها (الاقتصاد الاجتماعي). قال سماحته: (ولأجل إنقاذ المسلمين من هذا الوضع المزري: * لابد من كثرة العاملين الواعين الذين يمتلكون الإيمان الراسخ النابع من البصيرة القرآنية والذين يتحلّون بالعمل الصالح والأخلاق الرفيعة واللاعنف، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة. * ولابد من توفير المال، فإنّ المال من الأمور الأساسية التي تسبّب تقدّم الأمة وازدهارها إن استخدم بصورة حسنة، ويسبب تأخر الأمة وانحسارها إن استخدم بصورة سيئة)(15). فهذا النص يقيم الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي على أساس الأخلاق كلها، وخاصة ما سماه بالعمل الصالح والأخلاق الرفيعة، مع تأكيده على فكرة اللاعنف، التي تدخل في باب الأمن والسلام للفرد وللمجتمع، ثم يؤكد على دور الاقتصاد في إنجاح الفكر الاجتماعي وإيصاله إلى غاياته المرجوة. ومن أجل ألا يكون الكلام نظرياً فحسب، وما أسهل الكلام النظري، فإن سماحته يقدم أطروحة عملية لرفد المؤسسات التغييرية، ولكي يعلّم أفرادها على الاستفادة من المشاريع والمؤسسات الاقتصادية حتى حين ينجحون في إقامة دولة الإسلام، فيتحدث عن كيفية الاستفادة من الزراعة واستثمار الثروات الحيوانية والتجارة والأوقاف والصناديق الخيرية. ثم يقرر أنه (فإذا نظّمت هذه الأمور الخمسة تنظيماً دقيقاً وسليماً مع تخطيط علميّ مسبق كانت بمثابة عوامل مساعدة للحقوق الشرعية ومكمّلة لها في قضاء حاجات الدين وأهله، وعوناً على نشر الفضيلة والإيمان والتقوى)(16). وهذه الأمور كلها، كما هو واضح، أمور اقتصادية خالصة في انتمائها للاقتصاد، ولكن سماحته يذكرها في سياق حديثه عن القضايا الاجتماعية، لأن الاقتصاد عند سماحته جزء من المجتمع، ولا اقتصاد خارج إطار الاجتماع. في حديثه عن الزراعة يقسم سماحته القوانين التي تحكم الدول، إسلامية كانت أو غير إسلامية، إلى قسمين: (الأول: القانون الذي يسمح بامتلاك الأراضي مجاناً بالحيازة، مثلاً، سواء كان هذا حسب القانون الإسلامي الذي بمقتضى قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأرض لله ولمن عمّرها)(17) أو حسب القوانين الوضعية التي قد تتطابق مع القانون الإسلامي في بعض الأحيان. فإذا كان القانون الحاكم في البلاد هو الملكية المجانية للأرض أمكن للعاملين في سبيل نهضة المسلمين أن يستثمروا هذا القانون لتملّك أراضٍ كثيرة، حسب القدرة الممكنة، وبناء مزارع وتكوين غابات وما أشبه، والاستفادة من الأرباح في خدمة القضايا الإسلامية والمجتمع الإسلامي. وإذا لاحظنا المجموع من حيث المجموع فإنه سوف يعود بالفائدة الكثيرة مادياً ومعنوياً. الثاني: القانون الوضعي الذي يمنع الملكية المجانية للأرض سواء كان هذا القانون موضوعاً في بلد إسلامي، وهو القانون الذي لا يمتّ إلى الشرع والعقل بصلة، وما أكثره في عصرنا الحاضر، أو كان موضوعاً في بلد غير إسلامي، وعلى كلا الفرضين فإنه يمكن الاستفادة من تلك الأراضي عبر استئجارها أو شرائها من الدولة. والفائدة المرجوة من استثمار الأراضي، في كلا القسمين، هو إيجاد المجال الكافي لتشغيل مجموعات كبيرة من العاطلين عن العمل، وصبّ الأرباح الناتجة عن ذلك في تقوية النشاطات الإسلامية، وأيضاً توفير الأرضية لإيجاد ثروة زراعية كبيرة في البلاد والتي يحتاج إليها كثيراً لدرء النقص الحاصل من احتياجات البلاد في مختلف المجالات. فمثلاً: توفير الأعشاب الطبية التي يحتاج إليها في التداوي وصناعة العقاقير، فقد ذكرت بعض الإحصاءات أن في إيران وحدها يوجد أكثر من مائة ألف نوع من النباتات والأعشاب الطبية، والتي تشكّل ثروة هائلة يمكن أن تلبّي احتياجات الداخل إضافة إلى إمكانية تصدير الباقي إلى الخارج مما يؤدي إلى ازدهار التجارة الخارجية في هذا المجال. وبالإضافة إلى ذلك فإن تشغيل الأراضي يمكن أن يؤدي إلى فوائد عديدة أخرى، منها: تلطيف الهواء وتنقية المحيط وتطهير الفضاء مما يترك أكبر الأثر على صحة الناس إضافة إلى ذلك إيجاد مراكز ومتنزهات ترفيهية، وتهيئة الوقود من أعواد الشجر)(18). فهذا المستوى من التحليل يعني أن التغييريين يجب أن يكونوا أعضاء منتجين نافعين حتى في مجتمعاتهم الحالية مع عدم نسيان هدفهم التغييري. كما أنّ هذا الحديث عن الزراعة يقودنا إلى الفصل الذي كتبه سماحة الإمام الشيرازي عن (الأرض) واستخلصه من دراساته الفقهية، ومن الموقف الإسلامي من مسائل الأرض واستثمارها، ويعرض له في كتبه الفقهية، أسوة بالفقهاء الآخرين، ويتفرّد عنهم بذكره منفصلاً في كتاب (الاقتصاد) حيث يبنيه على أساس (المركز الشرعي) الذي لحظناه في بنيان فكر سماحته، والأشعة التي تنطلق منه، فقد قرر أن (كل شيء خلقه الله في الكون قابل لأن يُملك، بالشرائط المقررة كالحيازة في المباحات إلا ما استثني، وهو أمران: 1 ـ ما استثنت الشريعة قابليته للملك، كالخنزير ونحوه للمسلم، وقد ذكره الفقهاء في (كتاب التجارة). 2 ـ بعض أقسام الأرض، وهي ما كان ملكاً للإمام أو لعامة المسلمين، فهما وإن كانا ملكاً في الجملة، إلا أنهما ليستا قابلتين للملكية الفردية بالحيازة ونحوها)(19). ثم يحدد أنواع الأرض من حيث ملكيتها فيقرر أنها ثلاثة أنواع: 1 ـ (ما كان لمن عمرها. 2 ـ ما كان ملكاً لعامّة المسلمين. 3 ـ ما كان ملكاً للإمام)(20). ثم يعرض سماحته لأنواع الأراضي، ما كان ملكاً للمسلمين أصلاً وما افتتح سلماً، وما افتتح عنوة، حسب ما هو مقرر في كتب الفقه المفصلّة. كما يقودنا هذا التفصيل إلى استخلاص جملة من القضايا المهمة والشديدة الأهمية في ميدان الإصلاح الزراعي الحقيقي، حيث إن التخبطات الاقتصادية الحالية في العالم جعلت مشاكل التغذية أكثر خطراً من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى. فإن نحواً من 700 مليون إنسان يعانون، بحسب تقديرات معهد (ماسوشيتس) في الولايات المتحدة الأمريكية، في سنة 1990، من سوء التغذية ومن المؤكد أن عددهم قد ازداد منذ ذلك الحين. ونقصان الموارد الغذائية أصبح محور الاهتمامات العلمية وما يجب أن يقوم به المسلمون من المشاركة في القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، أو الحد من اتساعها وذلك لما تسببه من نتائج مأساوية على البشرية. فليس من الغريب أن يجعل الإمام الشيرازي الاهتمام بالزراعة حتى من قبل تحقيق دولة الإسلام الواحدة من واجبات التغييريين، كما شاهدناه قبل قليل. وذلك لأن خطورة الحالة الإنسانية تفرض على الجميع اتخاذ الإجراءات الضرورية لمكافحة المجاعة والتخفيف من آلام الملايين من الناس المحرومين في هذا العالم. وهذه الآلام والمحن ستستمر إلى أن تتحقق دولة الإسلام، ولكن لابد منذ الآن التعود على العمل الزراعي المنتج. وأن تكون موارد البلاد الاقتصادية موظّفة في الطريق الصحيح، وأنها موضوعة لخدمة الناس. ولابد أن يستفيد المسلمون من العلم والآلات التي ابتكرها العلماء. فلابد من وضع الموارد في خدمة الناس بشكل موسع ليشمل نظاماً للتعاون الاقتصادي على نطاق عالمي لمنفعة البشرية جمعاء، ولابد أن يتزامن ذلك مع ضرورة الحد من سباق التسلّح، وخفض إنتاج أسلحة الدمار الشامل، من أجل أن تتوفر مصادر اقتصادية تجعل في خدمة التنمية، ومن أجل أن يشعر الناس بالأمان والاطمئنان، ولتسود المحبة بين دول العالم. لقد حدد الإمام الشيرازي هذه الحقائق، وفي الوقت نفسه، وضع الخطط الكفيلة التي تضمن استمرار مستوى لائق من العيش لأبناء المجتمع البشري، لتجنب ما من شأنه الإضرار بذلك المستوى أو تدنّيه. فإضافة إلى كتاباته وتنظيراته، فإن سماحته دعا المسلمين إلى (صحوة) حقيقية مبنية على الأخلاق الحميدة، والاستمرار بالعمل التغييري، باعتمادهم على الذات في إطار النمو الاقتصادي في كل الميادين. وهكذا يدعوهم جميعاً إلى المهن النافعة الجادة، سواء كانت زراعية أم غيرها، كاستثمار الثروات الحيوانية، والتي هي مرتبطة بالزراعة أيضاً، يقول سماحته: (كل أمة تبحث عن سعادتها وكرامتها وعزتها لابد أن ترتقي سلّم الاكتفاء الذاتي، والإنسان والزمان والأرض والثروات الحيوانية هي مربّع الاكتفاء الذاتي. ومن المعلوم أن العلم دخيل في التقدم الكيفي والكمي، وهذه المقدمات الأربعة بضميمة المنهج العلمي والتخطيطي في العمل هي أساس قيام الحضارات، دينية كانت، وهي أفضل الحضارات من ناحية تناسبها وتكاملها مع فطرة الإنسان، أو غير دينية، وهذه المقومات هي سر التقدم لكل أمة من الأمم وكل حضارة من الحضارات، ومن هذا المنطلق فإنه يلزم على المؤسسات أن تستثمر مقومات الاكتفاء الذاتي لتحقيق الاكتفاء لمؤسساتها وذلك عبر مشاريع اقتصادية تتمثل في إيجاد حقول الدواجن في المزارع والبيوت و.. إن استثمار المؤسسات للثروات وخاصة الحيوانية منها، يؤدي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقوية الاقتصاد وتوفير النقد ودعم النشاط الديني والاجتماعي وبالتالي التقدّم نحو الأمام. إن بعض الشعوب تتخذ الاكتفاء الذاتي وسيلة لتقدمها وازدهارها، فعلى سبيل المثال في تايلند يوجد حوض لتربية الأسماك أمام كل بيت للاستهلاك الخاص، وكل مواطن يشتري ما يحتاج إليه من بذور السمك الصغيرة للتربية ولبيعها أو أكلها)(21). فإذا رأينا البحار والمحيطات الشاسعة التي تطلّ عليها البلدان الإسلامية علمنا مدى الخسارة الفادحة التي ترتكب بحق الناس بإهمال الصيد من هذه الثروات التي وهبها الله سبحانه وتعالى للمسلمين. إن هذه الإشارة هي من أجل العودة مرة أخرى إلى الزراعة والبحر إعلاء لقيمة العمل، فضلاً عن المردود الاقتصادي الذي يمكن أن يتحقق للفرد والمجتمع نتيجة ذلك. كما يجب التخطيط لمشروعات الزراعة والرعي، واستغلال ثروات البحر، وليس هذا التخطيط صعب الوضع أو صعب التنفيذ، فالناس متعودون عليه، وهو مأخوذ من عاداتهم وتقاليدهم العملية، نعم ان كثيراً من المسلمين لا يزالون يزرعون أرضهم في السهول والوديان، كما كان يزرع آباؤهم، وهم ما زالوا يرعون قطعانهم من الماعز والأبقار، ويجب توسيع هذه الميادين، وتشجيعها. وهذه الرؤية تحمل تعليمات كثيرة ومن أولها الارتباط بالتراث، وإحياء الرغبة في العمل، تلك الرغبة التي هي سمة واضحة من سمات الشخصية الإسلامية، تاريخياً. فيجب تطوير الإنتاج الزراعي وما يدرّه البحر من خيرات، وكذا تطوير شبكات الري، والعناية بالرعي، والاستمرار في أعمال الزراعة والصيد والرعي، فهذه مشاركة فعالة وواسعة تؤثر تأثيراً كبيراً في المعادلة الاقتصادية، وتحقق الاكتفاء الذاتي. ومن المعلوم أن الاكتفاء الذاتي مسألة اقتصادية ـ اجتماعية في الوقت نفسه، تنفي الاستغلال وتزيل عن الاقتصاد النظرة المنفعية الخالصة التي يجعلها الماديون الأساس الوحيد للنشاط الاقتصادي، بتجريده من بعده الاجتماعي، ولقد خسر المسلمون كثيراً جداً من إهمالهم هذه الناحية بالذات، فبلادهم فيها من الخيرات ما يحقق لهم الاكتفاء الذاتي وتلك هي نعم الله، تعالى، عليهم ولكنهم بإهمالهم إرادة الله ولهاثهم وراء الغرب الرأسمالي والشيوعية أصبحوا عالة على الأمم فخسروا أراضيهم وأهملوا أنهارهم وبحارهم. إن على المسلمين، حسب ما يقرره الإمام الشيرازي أن يعودوا إلى أصالتهم وعظمة تاريخهم الذي صنعه أجدادهم بالعمل والإنتاج. وإلى عظمة الإسلام الخالد. وبما أن الإمام الشيرازي يرى أن الشروط المتوازية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلد ما تتمثل في تنمية زراعية ملائمة وتوزيع سليم للسلع الغذائية وسهولة الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية وإتاحة الفرصة المتكافئة في الوظائف أمام جميع الناس حسب الكفاءة وتقديم معونات اجتماعية للمحتاجين إليها، على ما هو مفصّل في كتب الفقه، فإن الاجتماع سيتقدم بلا شك ولا ريب. هذه الرؤية الصائبة للإمام الشيرازي تضع كل بلد من بلدان المسلمين أمام ضرورة تعزيز جهود البحث في المجالين الغذائي والزراعي، وعدم استعجال النتائج، فالتنمية الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي عملية بطيئة. وحتى مع تخصيص استثمارات كبيرة للبحث والزراعة لا يمكن الحصول على نتائج ملموسة إلا في بضع سنوات أو حتى في بعض عشرات السنين. ويشير الإمام الشيرازي إلى أن المشكلة الاجتماعية المرتبطة بالاقتصاد ليست مسألة إنتاج فحسب، بل هي أيضاً مسألة توزيع داخل كل بلد وفي صفوف العائلات، وتعميم الغذاء المناسب يرتبط بالعوامل الاجتماعية ـ الاقتصادية المعقدة لأنها تعتمد، غالباً، على الذوق والرغبة ومستوى الرفاهية التي لا تتحقق إلا بتوفر شروط العمل والإنتاج والتلاؤم مع الإمكانيات الاقتصادية. ويسبب سوء استغلال أي واحد من هذه الأنظمة نقصاناً في الغذاء. فإذا اختل أحد هذه الأنظمة تختل العملية الاقتصادية برمتها، وتتعرقل أهداف الخطط الاقتصادية. وهكذا فإن زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي تؤدي عادة إلى تحسن النظام الغذائي. وللعوامل الثقافية تأثيرها أيضاً، مثل القناعة والزهد(22) والعزوف عن الترف(23) وغيرها مما أفاض السيد الإمام في شرحه من الأخلاق والمثل في كتبه جميعاً، وبلا استثناء. وقد أشار الإمام الشيرازي إلى مشكلة الزراعة والناتج الزراعي، ووجدهما يتأثران بالأزمات المحلية غير المتوقعة كالجفاف، والفيضانات، واختلال الميزان التجاري وارتفاع الأسعار، وبالأوضاع العالمية، وبخاصّة الجوع وسوء التغذية اللذان يعانيهما بعض سكان العالم، مما تحدث عنه الإمام الشيرازي واعتبره من نتائج الاستعمار الخارجي والكسل والتهاون والظلم الداخلي من قبل الحكام الديكتاتوريين. ويظهر ذلك جلياً في إخفاق دول العالم التي لم تستطع بلوغ أهدافها في الإنتاج والتوزيع العادل للثروة وحتى في صورتها الزراعية البسيطة وما مظاهر الفقر والفاقة والحرمان إلا من مظاهر ذلك. لأن المشكلة الاقتصادية غير قابلة، بطبيعتها، للتأجيل، فإهمال الزراعة سيضرّ في المستقبل بشكل أكثر فداحة وخطورة، ولن يقتصر ضرره على ذلك البلد فحسب، بل على كثير من بلدان العالم ذات العلاقة به. فتظهر مشاكل التصحّر، وشحة المياه أكثر فأكثر، مع تواصل الاستهلاك الذي يبدو لدى بعض المجتمعات هدفاً في حدّ ذاته، من غير مراعاة لقضايا البيئة والصحة الفردية والتكافل الاجتماعي. والإمام الشيرازي يطالب بالقضاء على الفقر والحاجة، ويسوق الأدلة العقلية والشرعية الدالة على ذلك، وفي نفس الوقت ينطلق من هذه الرؤية نحو تقليص التبذير، وترشيد الإنفاق، مع التأكيد الدائم على زيادة الإنتاج. وترشيد الإنفاق يعبر عنه تارة بالزهد وأخرى باجتناب الترف، ثم يتجاوز ذلك إلى ترشيد استعمال كل شيء، وحتى الماء، مهما تصور الإنسان أن الماء كثير وغزير، وخاصة إن كان يعيش في بلد فيه أنهار وجداول كثيرة. وتثبت هذه الرؤية حذاقتها، فإن ترشيد استهلاك الماء، مثلاً، في أثناء الاستحمام أو الوضوء، أو الاستعمال البشري، أو إرواء الحدائق، سيوفر كميات كبيرة جداً منه. فما بالك إذا طبقنا هذا المثال على جميع جوانب الاستهلاك اليومي من وسائل العيش والرفاهية، كالكهرباء والسيارات، والهواتف، والغذاء.. وغيرها؟! وبالطبع فإن هذه دعوة لترشيد الاستهلاك، وترشيد الإنفاق، استجابة لأوامر الله سبحانه وتعالى، ومراعاة لحاجات الآخرين. ونتيجة معايشة الفرد المسلم في مجتمع استهلاكي، قد يندفع إلى التبذير والإسراف، حيث تشكل جاذبية الاستهلاك، في شكله الحديث الذي يحظى بالعناية، إغراء بالحصول على سلع السوق، فإن فقدت حاجة ما أو شحّت سببت ألماً للمنجذبين لا يطاق، قد يدفعهم إلى طرق غير سليمة، كمحاولة الحصول على السلعة مهما ارتفع ثمنها، فيضطرون إلى سلوك الطرق المنحرفة، ويضرب الإمام الشيرازي في هذا الصدد مثلاً هو قصة حقيقية حدثت لأحد الشبان، وهي تصلح أن تكون شاهداً على سوء التبذير وما يسببه من مآسي للناس، حدّث سماحة الإمام قائلاً: جاءني شابّ بغدادي في (كربلاء) بعد أن جاءني صديق يتوسّط في منحه لقاء خاصاً وأنه يريد أن يأتي ليلاً لأنه لا يريد الظهور في النهار، فرأيته شاباً طويلاً وسيماً، لكنّه منخطف اللون أصفر كأنه عوفي من مرض لازمه مدة مديدة، فقلت له: ما بك؟ وما جاء بك؟ قال: اعلم أني لصّ في بغداد أسرق من المحلات الكبيرة والآن جئت إليك لأتوب. قلت له: ما قصّتك؟ قال: إني كنت نجّاراً آخذ في كل يوم ربع دينار ولم أكن متزوجاً، وكنت أصرف هذا المبلغ على نفسي وأمي وأختي، حيث قد مات أبي قبل مدة، وكنت أتعب النهار من الصباح إلى الليل، وفي الليل أرجع إلى البيت وأتعشى بغذاء بسيط حسب أجرتي القليلة. ثم أنام هادئاً إلى الصباح، فيلتذّ لي الطعام والمنام كما أني أقوم الصبح ممتلئاً حيوية ونشاطاً وقوة فأذهب إلى العمل، لكني لما كنت غير متزوج وقعت في البغاء وأخذت أصرف مالي في البغاء، وحيث إن الحرام بعضه مرتبط ببعض فارتبطت بالخمر أيضاً، وبعد ذلك ارتبطت بالأولاد في انحراف جنسي، وهكذا كنت أسهر الليالي إلى نصف الليل ولا أتمكن من القيام صباحاً. وحيث إن الفساد يحتاج إلى المال، اضطررت إلى ارتكاب السرقة فأخذت أسرق من هنا وهناك من المحلات الرفيعة، واشتركت مع الشرطة الذين هم يرتشون حتى لا يلقوا القبض علي. وهكذا صرفت عمري بين خمر وبغاء وانحراف جنسي وسينمات داعرة وسهر إلى الصباح أحياناً، لكن الغريب أني لا أجد الآن طعماً لشيء إطلاقاً، فبالرغم من أني آكل ألذّ الأطعمة وألبس أحسن الملابس وأمارس الجنس شذوذاً وغير شذوذ مع أحسن الفتيات والفتيان، كل ذلك في مذاقي تافه لا أجد للحياة طعماً، ولا للراحة معنى، وهذه الحالة هي التي ضغطت عليّ وأجبرتني أن آتي إلى كربلاء لأتوب فهل من توبة)(24). ثم يواصل الإمام حكاية ذلك الشابّ وكيف تاب إلى الله توبة نصوحاً وعاد إلى أمه وأخته، بعد أن علّمه سماحة الإمام كيفية التوبة بالخروج عما كان يسرقه وإعادة الأموال إلى أصحابها إن كان يعرفهم، وإلى باب (رد المظالم) إن لم يكن يعرفهم. ثم إن ذلك الشابّ عاد بعد سنة إلى الإمام ليقول له: (رحمك الله أيها السيد فلقد هديتني إلى الطريق المستقيم فإني كمما قلت، بعد أن اغتسلت وغيّرت ملابسي (كان السيد قد نصحه بأخذ ملابس من صاحبه) وذهبت إلى الروضة الحسينية تبت عند الضريح المقدس، ثم ذهبت إلى بغداد ورجعت بعد مدة إلى شغلي السابق (النجارة) والآن أجد راحة غريبة كما كنت أجدها قبل أن أقع في مشكلة السرقة والفساد، وإني أعمل من الصباح إلى الليل حتى أحصل على أجرة زهيدة أصرفها في الطعام واللباس وقد رجعت إلى دار أمي وأختي فرحّبتا بي أكبر ترحيب بعد أن عاشتا التشرد والضياع والفقر مدة وقوعي في السرقة والفساد، وأحمد الله سبحانه وتعالى على أن هداني لهذا حيث أجد طعم الطعام وأجد نعومة اللباس وأجد راحة المنام وأجد في نفسي قوة وحيوية ونشاطاً ورجعت صحتي كما كانت، وإن كنت أعاني بعض آثار تلك الويلات في جسدي ونفسي فإنها حفرت في فكري اشمئزازاً كبيراً)(25). والحقيقة أن هذه الحادثة الاجتماعية التي ليست فريدة في بابها والتي تقع باستمرار في جميع بلداننا حالياً، وبشكل قاس يمسخ الإنسان ويحيله إلى حيوان، لها دلالاتها ومعانيها الكثيرة، ومن تلك المعاني قلة الأجر الذي كان يتقاضاه الفتى بحيث لم يستطع الزواج، ثم انحداره إلى الإسراف على نفسه، وسقوطه في الحرام. ولذا نشاهد الإمام الشيرازي يحثّ على الزواج، وعلى التكافل الاجتماعي، وعلى عدم الإسراف في أي شيء من أشياء الحياة. وعلى صعيد العلم، أي الاقتصاد الاجتماعي يستثير الإمام الشيرازي كوامن كل فرد وتفجيرها في عمل نافع متواصل، على أساس أنّ العمل في حد ذاته واجب شرعي، مهما كان الأجر، فالحلال وإن قلّ خير من الحرام وإن كثر. إن هذه الواقعة وأمثالها تدعو إلى تمجيد العمل كقيمة نبيلة تعطي للحياة مضموناً إيجابياً نافعاً وكواجب مقدس يحتّمه الإيمان بالله على جميع عباده، وتحض عليه تعاليم شريعتنا الإسلامية الغراء. ومن هنا نرى الإمام الشيرازي يضع (التجارة) في مصاف المؤسسات التي على الأمة أن تأخذ بها وأن تنشّطها حتى في هذه الأيام، أي من قبل قيام الدولة الإسلامية الموعودة، وأن يوظّف جانب من أرباحها لإسناد العمل التغييري نفسه، يقول سماحته: (تشكّل التجارة عموداً اقتصادياً هاماً في المجتمع... فبالتجارة تتحرك عجلة المجتمع وتستمر المؤسسات في نشاطها، لذلك فمن الضروري أن تهتم المؤسسات الإسلامية للاستفادة من التجارة، لتمويل نشاطاتها الإسلامية والخدماتية عبر فتح الشركات والمصانع والمحالّ التجارية، فقد ورد (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)(26). فالحركة التجارية، الأعم من الصناعة، لها الكثير من الفوائد والأرباح التي تفيد المجتمع في أساسه، بالإضافة إلى أنها توفّر مجالات عمل جيّد للعاطلين عن العمل، وتؤدي إلى التخلص من التبعية والوصول إلى حالة الاكتفاء الذاتي، وبالتالي الاستقلال الاقتصادي والسياسي للبلد. إن الحركة الاقتصادية والتجارية التي تقوم بها الجهات الإسلامية تؤدي إلى التفاف الناس حولهم وتبوئهم المكانة الاجتماعية التي توصلهم لأهدافهم: إعلاء كلمة الدين، فإنّ الكرامة الاقتصادية توجب الكرامة الاجتماعية، حيث توجب الخدمات الاجتماعية التي يقوم العاملون بإنجازها المحبة والوثوق بهم والإيمان بحركتهم. ويجب ـ يحدد الإمام الشيرازي ـ أن لا تقتصر عملية التجارة والاستثمار الاقتصادي على جهة معينة بل لابد أن تشمل كلّ المؤسسات العاملة في المجتمع، مثل المؤسسات الدينية والحزبية والهيئات والجمعيات ودور النشر والمؤسسات الإعلامية والمراكز الإسلامية وما أشبه ذلك. ومن اللازم أن تخضع الحركة التجارية التي تقوم بها المؤسسات لدراسة علمية وتخطيط دقيق عبر الاستفادة من الكفاءات المتخصصة في هذا المجال. فمثلاً: لابد أن تتعدد الاستثمارات التجارية في عدد من الأمكنة والمجالات، وأن لا تقتصر على مكان واحد كما يفعله التجار الناجحون كضمانة لعدم الخسارة الكاملة، فإذا فشل الاستثمار في هذا المجال المعين فإن هناك مجالاً آخر قد استثمر فيه. فإنّ التخطيط الجيد والتوزيع الدقيق للنشاط التجاري سيحافظ على استمرارية التمويل، ومن الأفضل أن تكون عملية التجارة والاستثمار بشكل جماعي بين التجار حتى يتحقّق النجاح في هذه العملية وتضمن المؤسسات نجاح عملها)(27). ويلاحظ السيد الإمام الشيرازي أن هذه الأمور الثلاثة (الزراعة واستثمار الثروات الحيوانية والتجارة) تشكّل أعمدة أساسية للمجتمع وللاقتصاد معاً، ولذا فهي تنطوي تحت مصطلح الاقتصاد الاجتماعي. ومن هنا يكون لها ارتباط كبير بقوانين السوق نفسها، من حيث الأسعار، ومن حيث العرض والطلب، قلة وكثرة. وبنفس هذا النهج، يهتم الإمام الشيرازي بالمعاني الضمنية لمحدودية الموارد، كالأرض الزراعية والمواد الخام الطبيعية فدعا إلى ضرورة الانتقال المتواصل إلى المستوى الأنسب، مع التأكيد على القيود المادية للنمو. ورغم أن علماء الاقتصاد لا يجدون ان من الممكن إبداء تكهنات إيجابية حول المصائر النهائية للموارد الطبيعية المحدودة في المستقبل، ولإمكانيات بقاء الإنسان، فهنالك صلة أقل غموضاً بين ندرة مادة ما والنمو الاقتصادي. وغالباً ما تكون تلك الندرة نتيجة للاستهلاك أكثر من كونها نتيجة للإنتاج. وبهذا المعنى، يصبح من الضروري أن يضع المواطن تقييداً على إمكانياته الاستهلاكية النهائية، أي أن يأخذ طريق عدم الإسراف. ولو فرضنا أن بالإمكان، وعن طريق التقدم التقني، توسيع فدان الأرض الواحد المستخدم لتوفير الغذاء ضعفين أو عشرة أضعاف أو ألف ضعف، فإن المغزى الاقتصادي لذلك التوسيع، والمردود الحقيقي له سيزول أو يتضاءل إذا تعرض الإنتاج للتبذير والتبديد. ومغزى هذا أنّ الندرة يسببها بُعد اقتصادي اجتماعي أساسي، هو الاستهلاك. وهذا النوع من الاستهلاك التبديدي جانب من الجوانب التي عالجها الإمام الشيرازي بصورة أساسية، وذلك بالتوعية والاستناد إلى القيم الإسلامية، إضافة إلى تشجيع عوامل الإنتاج والحث عليه. وذلك مرتبط بمدى تأثير القيم الاجتماعية، كالقناعة والبساطة والتواضع والحرص على عدم التبديد والتبذير. بمعنى أن الزيادة في توفير هذه السلع أو التسهيلات، إن تمت، يجب أن ترتبط بدراسة واعية لحركة السوق والحاجة الفعلية للناس. |
|
1 ـ O' Connor, J., The Fiscal Crisis of the State, New York, 1977, p. 243 . 2 ـ Ricardo David, Principles of Political Economy, New York, 1969, P. 171 . 3 ـ الاجتماع: ج 2 ص 66 . 4 ـ ن.م: ج 2 ص 67 . 5 ـ ن.م: ج 2 ص 68 . 6 ـ ن.م: ج 2 ص 69 . 7 ـ ن.م: ج 2 ص 71 . 8 ـ ن.م: ج 2 ص 77 . 9 ـ L., Richard, The Gulf, Durham, 1986, P. 185 . 10 ـ E., Allard, Mass Politics, New York, 1979, P. 95 . 11 ـ الاجتماع: ج 2 ص 77 . 12 ـ ن.م: ج 2 ص 78 . 13 ـ E., Allard, P. 96 . 14 ـ الاجتماع: ج 2 ص 79 ـ 80 . 15 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 7 ـ 8 . 16 ـ ن.م 9 ـ 10 . 17 ـ فروع الكافي 5 / 2 . 18 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 13 ـ 15 . 19 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 309 . 20 ـ ن.م: ج 1 ص 310 . 21 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 19 ـ 21 . 22 ـ المحاضرات (المحاضرة الأولى) 24 . 23 ـ المحاضرات (المحاضرة الثانية) 1 ـ 25 . 24 ـ ممارسة التغيير 366 . 25 ـ ن.م 366 ـ 367 . 26 ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص 313. التهذيب: ج 7 ص 195 . 27 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 25 ـ 28 . |