فهرس الفصل العاشر

 

الصفحة الرئيسية

 

الاكتفاء الذاتي والتنسيق الإداري

إن دعوة الإمام الشيرازي إلى عدم التبذير، بل إلى التقشف حين تكون له ضرورة اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية أو روحية، تشمل كل ما يتعامل به الإنسان وما من شأنه المحافظة على البيئة في حالة صحية مناسبة، والحرص على الموادّ الأولية من التبديد والتبذير. ففي حديث سماحته: (لا للإسراف) يقرر أنه:

(يلزم أن يتجنّب الزوجان (الزوج وزوجته في الحديث عن العائلة) بصورة خاصة الإسراف والتبذير.

ولعلّ الفرق بينهما أن الأول الزيادة فيه والإكثار منه مذموم، مع مطلوبية أصله، والثاني صرف ما لا ينبغي أصلاً وفصلاً.

وفي القرآن الحكيم إشارة إلى التشديد في الثاني أكثر، حيث قال: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)(1) ولم يقل في الإسراف مثل ذلك وبهذه الشدة. وفي الحديث (أنّ صبّ فضل الماء، وإلقاء النواة من الإسراف)(2) وقد ألمعنا إلى بعض الأحكام المرتبطة بهما في كتاب (الأطعمة والأشربة) من الفقه)(3).

فالإشارة الواردة في الحديث النبوي إلى الماء تتأكد أهميتها في هذا العصر فالماء أصبح من أهمّ المواد الأولية التي يجب ترشيد استخدامها لأنها ذات علاقة مباشرة وأساسية بالحياة اليومية للإنسان، كما يُعتبر الماء مورداً متجدداً ذا أهمية أساسية للحياة والأحياء جميعاً، سواء في الزراعة أم الصناعة أو غيرهما، فالصناعة الحديثة تستخدم كميات ضخمة من الماء، وبخاصة من أجل التبريد، وإنتاج البخار، والتنظيف، والنقل، وكمقوم أساسي للمنتجات المصنوعة.

وكان العالم إلى عهد قريب ينظر إلى الماء كمورد طبيعي لا ينفد في المناطق غير الجافة. غير أن هذه النظرة لم تعد واقعية، الآن. فالحاجات إلى الماء تزداد بانتظام، وكمية الماء الصالح للاستعمال تتناقص في مناطق عديدة من العالم. ونقاوة الماء المطلوب للاستعمالات الصناعية والمنزلية تثير مشكلة صعبة. ففي حين يوجد الماء المالح أو الأُجاج بوفرة توشك كثير من دول العالم أن تحرم من الماء العذب ذي النقاوة المقبولة.

ومع أن طرق إزالة الملوحة يمكن أن تؤدي إلى مواجهة الطلب ولكن الحاجة الكبيرة إلى الطاقة تعوق استعمالها على نطاق واسع.

هناك كثير من الباحثين يرون أن الحروب القادمة في القرن القادم ستكون حول المياه، وهذا نهر النيل يتلوث باستمرار ومثله بردى ودجلة والفرات والمسيسبي وغيرها، وقد أشار إلى هذه الحقائق المتكلمون في ندوة (الماء خطر القرن القادم) التي انعقدت في استكهولم في سنة 1997 وكان أبرز من أشار إلى هذه الحقيقة الخبراء الدوليون المشاركون فيها وليم بروس (4) (W. Pross) ودونالد ماك (5) (D. Mack) وغيرهما.

فالمياه ثروة إلهيّة مجانية ينبغي المحافظة عليها والعمل على تنميتها وتطوير مصادرها. وهي نعمة كبرى من نعم الله، يجب شكرها، وعدم الإسراف في استخدامها حتى يبارك الله عزّ وجلّ في مواردها ومصادرها. وإذا كان الإسراف مذموماً بوجه عامّ في الشريعة الإسلامية، فإنه مذموم بصفة أكبر في استعمال الماء. وقد نهى الرسول، عليه الصلاة والسلام، عن الإسراف في الماء حتى في الوضوء. إنّ تعاليم الإسلام الحنيف تحثّ على الاقتصاد في استخدام المياه. وهي بذلك تعبّر عن الأهمية القصوى لهذه الثروة الطبيعية وضرورة المحافظة عليها. لذلك فلابد من الاستغلال الأمثل للماء الذي له تأثير بالغ على استراتيجيات التنمية في مختلف دول العالم، ومن ثمّ تكتسب القضايا المتعلقة به بعداً أمنياً وسياسياً خطيراً سيؤدي إلى توتّرات دولية.

إن كل صور النهوض، وأشكال الحياة، والاكتفاء الذاتي، تعتمد على الماء اعتماداً مباشراً، وفي تراثنا العريق، نتمثل دائماً بقوله تعالى: (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ)(6).

ولذا فإن الإمام الشيرازي ينظر إلى مسألة المياه ومسألة الزراعة نظرة شمولية متكاملة.

وبمعايير علم الاقتصاد المعاصر، فإن عدم الإسراف في استخدام الماء الخطوة الأولى هي التي تجنب الاجتماع البشري المشكلات والمآسي التي تعاني منها اليوم، دول عديدة في مختلف قارات العالم، حين نسيت أن تبدأ بنيانها الحديث من الأساس الطبيعي الأول، وهو الدعوة إلى ترشيد استهلاك المياه، بجهد المستطاع، وبالتالي التنمية الزراعية.

وقد رأينا قبل قليل أن الإمام الشيرازي يقرر أنّ تنظيم المؤسسات الزراعية عامل في غاية الأهمية. مع ضرورة توفير شروط النمو الزراعي المستمر، وكذا النمو التجاري، والنمو في تربية الحيوانات ذات المردود الاقتصادي.

إن النمو الزراعي من وجهة نظر الإمام الشيرازي يفرض عدداً من المتطلبات والاشتراطات الجوهرية ومنها: توفير حوافز للفلاحين والملاكين، وتأمين الأجور العادلة والطمأنينة للمزارعين، وتقديم التسهيلات للفلاحين والمزارعين وتوفير ما أمكن من ظروف العيش والتعليم والرعاية الصحية، ومنحهم الحرية كي يشعروا بقوتهم ويزدادوا ثقة بأنفسهم وأهمية عملهم، ومن ثم المحافظة على الأرض وحمايتها بالحد من استخدام الأراضي الزراعية لأغراض غير زراعية، ثم يأتي تشجيع رأس المال الإسلامي على الدخول في ميادين الزراعة وتربية الحيوانات ذات المردود الاقتصادي، وتشجيع استعمال تقنيات وطرائق تتيح توفيراً على مستوى أكبر. فالري والسيطرة على أعداء المزروعات مثلاً تحقق أفضل النتائج الاقتصادية ذات المردود الاجتماعي الإيجابي. ومن المهم جداً أن يستخدم المزارع موارد عوامل الإنتاج الزراعي استخداماً أكثر ملاءمة وعقلانية وأن يكون له جهد كبير في نجاح عمله الزراعي.

إضافة إلى هذا فإن الإمام الشيرازي يعلن أنّ طبيعة الاستثمارات الزراعية هي في حدّ ذاتها مسألة معقدة على الصعيد الاجتماعي والتقني، ففي حين تكون القطاعات الصناعية والخدمات في ازدياد، يقل الإقبال على المهن الزراعية والصيد، وبخاصة في المناطق التي تتعرض لظروف مناخية قاسية. ولذا لابد من تشجيع المشاريع الإروائية والزراعية، والتشجيع المتواصل على ممارسة تلك الأعمال الشريفة.

ويربط الفكر الاقتصادي ـ الاجتماعي للإمام الشيرازي بين جهد المزارعين واحتياجات المستهلكين، فيرسم طريقاً يحقق للمزارعين الفائدة التي يتطلعون إليها من وراء عملهم، وكذلك يحقق للمستهلكين وفرة الغذاء الذي يحتاجون إليه. فيعالج أسلوب التوزيع، لأن التوزيع عامل تنظيمي آخر، له نتائج مهمة على الزراعة ويمكن أن تكون التحسينات في هذا المجال مفيدة إضافة إلى العمل الزراعي نفسه. وقطاع التوزيع غير الفعال من الناحية المادية قد يسبب خسائر جسيمة مردها إلى نقص وسائط النقل والتبريد والتخزين.

إن عدم فعالية التوزيع تتمخض، من الناحية الاقتصادية، عن ارتفاع الأسعار والإضرار بالمزارع والبائع والمستهلك، على حدّ سواء. فلابد من العدالة ومبادئ الاقتصاد الحر، والتعاون البناء المثمر بين النشاط العام والنشاط الخاص، بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للناس. ومما يساعد على الوصول إلى هذه الأهداف توسيع رقعة الأرض الصالحة للزراعة، لا كما تفعل بعض الحكومات اليوم فتدمر الأرض الزراعية كي يبقى الشعب بحاجة إلى الدول الاستعمارية، لهذا فإن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة تشكل تحدياً حقيقياً. ومن الواضح أن إيجاد أراض جديدة صالحة للزراعة سيتيح زيادة الإنتاج الغذائي.

واستصلاح الأراضي لابد له من أسس مثل التخطيط الزراعي السليم وزيادة الوعي بأهمية الإنتاج الزراعي، وإحياء أراض جديدة، والمحافظة على الثروة المائية الحالية وتوفير مصادر جديدة للمياه، وتشجيع تطوير الآلات الزراعية وتوفيرها للمزارعين، والقيام بخدمات الأبحاث الزراعية والمائية وأبحاث تربية المواشي وأبحاث التربة، ومن أجل رفع مستوى المزارع وربطه بأرضه، إضافة إلى الأبحاث في وقاية المزارع والحيوانات من الأمراض والآفات التي قد تصيبها، والهدف هو: تحقيق الأمن الغذائي بمفهومه الشامل، وتحقيق الأمن الغذائي، بالاعتماد على الذات، حسب مقولة سماحة الإمام الشيرازي (الطائر بجناح غيره طائر على جناح السقوط)(7).

وتنفيذ هذه المسائل لا يقع على عاتق الجهات الرسمية فحسب، بل هو مما يقع على عاتق كل مسلم، فنجاح الزراعة واجب عام، ولمصلحة جميع أبناء الاجتماع، على أن يكون ذلك متكاملاً مع تطوير كل المؤسسات التي لها علاقة بالزراعة، فلابد من تطوير متصاعد لنظام تسويق المنتجات الزراعية، وغيره من نظم تتعلق بتطوير القطاع الزراعي، وإخضاعه لاحتياجات البلاد، لأن ذلك سيكون عاملاً مشجعاً للمزارعين.

لقد كانت الزراعة في كل العصور عماد النشاط الاقتصادي لغالبية الشعوب الإسلامية مما أكسبها خبرة عريقة في هذا المجال فيجب الاعتزاز بها والعمل على تطويرها وانتقالها للأبناء، مع التأكيد على الاعتماد على النفس في التخطيط والتنفيذ.

فالإمام الشيرازي في حثه على الزراعة باعتبارها عماد النشاط الاقتصادي لغالبية الشعب المسلم إنما يعوّل، في ذلك، على تراكم الخبرة التاريخية لدى أبناء هذا الجيل، في ميدان الزراعة وسائر المهن المتعلقة بها.

ولابد أن تقوم المؤسسات الإسلامية بتوفير أساس قوي للبدء في تنمية زراعية متكاملة تولي تركيزاً خاصاً لتطوير المحاصيل الزراعية التقليدية وانتقاء الجيد منها للتوسع فيه وزيادة إنتاجيته، مع الاهتمام بالمحاصيل الجديدة وتنويعها ضمن تركيب محصولي يقوم على أسس الجدوى الاقتصادية، إضافة إلى ما يجب اتخاذه من خطوات مدروسة لإحياء وتطوير المراعي الطبيعية، وتنظيم استخدامات الأراضي بما يمنع استخدام مناطق الرعي والأراضي القابلة للزراعة في أغراض تحدّ من إمكانيات التوسع الزراعي في الحاضر أو في المستقبل.

وانه لمن المهم دائماً أن يواكب هذه الجهود عمل مستمر ليس فقط لاكتشاف وتطوير مصادر وموارد المياه وإنما للمحافظة عليها باعتبارها نعمة إلهيّة، والاقتصاد في استخدامها، واتباع نظم الري الحديثة، وتوفير الوعي والتسهيلات المالية في هذا المجال لما لكل ذلك من أثر كبير في تأمين احتياجات الحياة من المياه سواء للزراعة أو لغيرها من المجالات.

فالواجب الشرعي الاهتمام بالتنمية الزراعية الشاملة، بما فيها تطوير المحاصيل التقليدية، بمراعاة الجدوى الاقتصادية، وإحياء المراعي، واستصلاح الأراضي لهذا الغرض، بدلاً من أن يبدد جانب من الإنتاج الزراعي كعلف للحيوانات، كما يجب أن تظل الأرض الزراعية، زراعيةً، سواء بمواصلة تغذيتها أم باستصلاح ما يجاورها، لئلا يزحف التصحر إليها. ومنع استخدامها لأغراض غير زراعية، واعتبار المياه ثروة ثمينة للغاية لا يجوز تبديدها، ولا تبذيرها.

ولتحقيق هذه الغاية يدعو الخبراء إلى تنمية المناطق والوحدات الجديدة بحيث تجتذب سكاناً جدداً وتقدم لهم بديلاً عن سكنى المدن. وزيادة الإنتاج الغذائي وتطوير وسائل التخزين والنقل والتوزيع، على أن يتمّ ذلك بالصبر والتأنّي، ويجب أن يقترن بخطط أخرى على المدى الطويل، مع ملاحظة أنّ تحويل مناطق واسعة إلى مناطق زراعية قد يسبب تغيرات مناخية كبيرة يصعب تحديد نتائجها المحتملة، ولذا فإن ذلك التحويل يتم بتؤدة وتأنّ وعلى وفق الأنظمة والقوانين التي تُشرَّع بموجب سلامة البيئة والمحافظة عليها.

كما أنّ الملوحة، والائتكال، وتصلب التربة، والزراعة الكثيفة، والإكثار من شقّ الطرق أو إقامة المعامل بالقرب من الأراضي الزراعية، هي عوامل متلازمة تقلل المساحات الجاهزة في الأرض الصالحة للزراعة. والأضرار الناجمة عن ذلك جسيمة، لأن تجديد سطح التربة بحسب الدورة الجيولوجية الطبيعية بطيء جداً. فعلى الاجتماع أن يلتزم بأن تكون البنية الأساسية للتجارة والصناعة كالطرق والجسور والمعامل وغيرها، بعيدة عن التأثير على رقعة الأرض الزراعية.

ومن الأهمية، بمكان، المحافظة على التربة، وهي ترتبط بصورة أساسية باستعمال الموارد استعمالاً واعياً، بالتوافق مع الظروف البيئية، ويمكن ضمان حماية التربة باستخدام طرق مناسبة كالإخصاب، والري، واستعمال الآلة، وخطط وقف التصحّر، والزراعة بالمناوبة بين الأراضي والمنتجات الزراعية.. إلخ...

ثم تطوير نظام التسويق لما فيه مصلحة المزارع والمستهلك، وهو ما سبقت الإشارة إليه، فنظام التسويق من الوسائل الأساس التي يأخذها الإمام الشيرازي في تقويمه للممارسات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي وكيفية أداء المؤسسات المعنية بالاقتصاد لواجباتها التي تحقق مصلحة المجتمع أولاً وأخيراً، ولتكون هذه الرؤية بمثابة الدعوة إلى ضرورة بذل مزيد من الجهود لتطوير هذا القطاع وفقاً لأساليب عملية وواقعية تأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالمحاصيل التقليدية وغيرها من المحاصيل التي تجود زراعتها في البلاد الإسلامية وتساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية، فضلاً عما يجب اتخاذه من خطوات للعمل على زيادة الرقعة الزراعية متى توفرت إمكانية لهذه الزيادة، وإعادة النظر في النظام الحالي للتسويق الزراعي بما يخدم المزارع والمستهلك، ودعم المزارع على زيادة الإنتاج وجودته، مع الحرص في كل الأحوال على الاستغلال الأمثل لموارد المياه والمحافظة عليها وترشيد استخداماتها.

كما أكد الإمام الشيرازي على قضية تطوير نظام تسويق المنتجات الزراعية، وإتاحة الحرية أمام المنتج والمستهلك، وضرورة الاهتمام المستمر بذلك النظام أسوة بتنمية موارد الثروة الزراعية والحيوانية، وتطوير الصناعات الأساسية.

ويجب أن تصبّ هذه الجهود في تنمية موارد الثروة الزراعية والحيوانية، وتطوير نظام تسويق المنتجات الزراعية إضافة إلى تطوير الصناعات الأساسية التي تتميز بأهميتها للسوق المحلية، فضلاً عن الاستمرار في تحقيق المعدلات المناسبة للنمو في مختلف القطاعات، وتحسين مستوى الخدمات، وتنمية جميع مناطق بلدان العالم الإسلامي.

وبتطبيق ذلك كله، ستزداد مساحة الأراضي المروية كثيراً. ومن جهة أخرى تزداد الحاجة إلى التقنيات الجديدة، كالسقاية نقطة فنقطة، وزيادة موارد المياه بتحلية مياه البحر.

ومن الضروري، للسبب نفسه، توسيع الزراعة الجافة في أراض ثانوية ذات تقلبات مناخية. أما في المناطق الجافة فيجب العناية بحيوانات تستخدم الماء استخداماً أكثر مردودية. وقد تبين اليوم، بعد التجارب البشرية، أنّ الطرق التي من هذا النوع مفيدة ويمكن تطبيقها على نطاق أوسع.

ويشكّل تلوث الماء مشكلة عالمية. فجميع البلدان تسعى إلى إعداد تقنيات تسمح بالمحافظة على الماء النظيف وبالقضاء على العوامل المرضية. وهذه المشكلة على جانب كبير من الأهمية لأن نوعية الماء في بلدان عديدة هي دون عتبة السلامة، مما يخلق أخطاراً وبائية.

وحسب رؤية الإمام الشيرازي لهذا الموضوع فإن الزراعة باحتياجاتها المختلفة من الماء والبذور وتجهيز التربة والأسمدة، ونظام التسويق، وغيرها، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطاقة التي من أبرز جوانبها الطاقة البشرية، والطاقة الآلية. فيجب وضع لكل صورة من صور الطاقة تلك، الأجواء المناسبة لاستثمارها، على أفضل الوجوه، لأن زيادة الإنتاج الزراعي هو الهدف الرئيس بحيث أصبح واضحاً أثر التجديد في مكننة الزراعة واستعمال المخصبات والأسمدة، واستعمال الأرض الجاهزة والطاقة الشمسية استعمالاً أكثر فعالية. وكذا فإن التوفير في الطاقة في القطاع الزراعي يمكن أن يزداد بطرق شتى، أبرزُها تطوير أنواع الإنتاج تطويراً مسيطراً عليه. إضافة إلى إمكانية تحقيق التوفير باستعمال اليد العاملة استعمالاً مناسباً.

وهذه المسائل جميعها تدخل في باب الاكتفاء الذاتي، هذا القانون الاقتصادي المزدوج مع الاجتماع ازدواجاً تاماً ومتداخلاً.

ففي معرض حديثه عن حكومة ألف مليون مسلم، ذهب الإمام الشيرازي إلى أن ذلك يتوقف على أسس هي التوعية والتنظيم وأصول الحركة العامّة والسلام. ويرى سماحته أن الركن الخامس من أركان إقامة تلك الحكومة، هو الاكتفاء الذاتي، ويعرفه بقوله:

(الاكتفاء الذاتي يعني أن يهتمّ المسلمون بأن تكون حوائجهم من عند أنفسهم، فلا يطلبون من الشرق والغرب حاجة، سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وذلك ممكن. فالبلد الإسلامي إذا صار يداً واحدة من غير فرق بين السودان وليبيا والمغرب ومصر والأردن وسوريا والعراق وإيران والخليج والباكستان وإندونيسيا وبنغلادش وأفغانستان وغيرها من الأجزاء المقطّعة من الجسم الإسلامي الواحد... إذا عدّت هذه البلاد بلداً واحداً أمكن أن يعطي كل بلد حوائج البلاد الأخرى.

وهكذا يقوم المسلمون الألف مليون بحوائج أنفسهم، فلا يستوردون من الشرق أو الغرب أي جهاز من الأجهزة، وهذا الشيء يبتدئ من الصفر بأن تقوم الحركة بنفسها بتطبيق هذا المبدأ على نفسها وأعضائها، أولاً، ثم تقوم بالدعايات الكافية وتوفير الشروط اللازمة لأجل الاستغناء، فقد قال علي أمير المؤمنين، (عليه السلام): (احتَجْ إلى من شئتَ تكن أسيره واستغنِ عمن شئت تكن نظيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره)(8).

فما دام المسلمون محتاجين في لباسهم وفي أدواتهم الكمالية وفي المأكل والمشرب والمركب وغير ذلك إلى أمريكا وإلى فرنسا وإلى بريطانيا وإلى روسيا وإلى الصين وإلى اليابان أو إلى غيرها، فهم أُسراء في أيديهم وبالفعل نحن أُسراء. ولذا لا استقلال لنا ولا حرية، ولا آراؤنا تُسمع، ولا لنا كلمة يُصغى لها)(9).

وبعد أن يضرب سماحته أمثلة من التاريخ، يصل إلى نتيجة علمية واقعية، تقول:

(ولما فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الأمور الأربعة، الاستقلال الاقتصادي والاستقلال الثقافي والاستقلال التسليحي والاستقلال عن الشهوات ومحاربة النفس الأمارة بالسوء، وإذا بمسلمي المدينة يقومون على أقدامهم ولم يعودوا يحتاجون لا إلى المشركين ولا إلى اليهود، ولم يعودوا منغمسين باللذات والملهيات والمفاسد والمغريات، وبذلك قاموا على أرجلهم وقابلوا اليهود وغير اليهود من المشركين حتى قامت قائمتهم ووصل الإسلام في حياة الرسول بنفسه خمس من الدول، حسب الاصطلاح الحديث، وهي: الكويت، وكانت تسكنها قبائل عربية كما في بعض التواريخ، والبحرين، واليمن الشمالي، واليمن الجنوبي، والحجاز.

فنحن المسلمين إذا أردنا الاستقلال عن الغرب والشرق والرجوع إلى الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية العالمية ذات الألف مليون مسلم نحتاج إلى الاكتفاء الذاتي، نكتفي ببضائعنا، نكتفي بمنتوجاتنا، نكتفي بصنائعنا، نكتفي بعلومنا، نكتفي بخيراتنا التي تظهر من الأرض من المعادن أو الثمار أو غير ذلك، فإذا استغنينا عن الغرب والشرق نكون نظير الغرب والشرق تلقائياً، أما إذا احتجنا في كل شيء إلى الغرب والشرق فلابد وأن يسود بلادنا الغرب مرة والشرق مرة، ووليدتهما الصهيونية مرة ثالثة)(10).

ثم يرسم سماحته طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي عبر:

1 ـ مقاطعة البضائع الأجنبية(11).

2 ـ المقاطعة الشاملة(12).

3 ـ تشجيع الاقتصاد الوطني(13).

4 ـ استغلال كل شيء من أجل الاكتفاء الذاتي(14).

ثم يقرر سماحته أن الاكتفاء الذاتي يجب أن يكون عامّاً شاملاً، ولا يصحّ أن يطبّق في ناحية دون ناحية أخرى، لذا يقرر تحت عنوان: الاكتفاء الذاتي في مختلف الأبعاد:

(لا نستطيع أن نحقق الاكتفاء الذاتي لو اقتصرنا على أبعاد محدودة وضيّقة.. بل لابد أن يكون جهاد (الاكتفاء الذاتي) شاملاً لكلّ الأبعاد، فعلى القائمين بالحركة الإسلامية العامة التي تنتهي إلى حكومة ألف مليون مسلم، إن شاء الله، أن يعمّموا الاكتفاء في مختلف أبعاد حياة الإنسان، من المأكل والمشرب، والملبس، والمسكن، والمركب، والزواج، والدواء، والثقافة، والزراعة والصناعة، وغير ذلك)(15).

ومن البديهي أن الاكتفاء الذاتي يستلزم التنمية في كل شيء أيضاً، ومنها التنمية الزراعية، حين يُراد الاكتفاء الذاتي من المنتوجات الزراعية، بحيث ان البلاد لا تأكل إلا ما تزرع، وهكذا فإن اختيار عبارة (تنمية زراعية) تصور تقديراً حاذقاً للضغوط البيئية وللمشاكل الاجتماعية والاقتصادية المعقدة الملازمة لأي عملية تغيير وتطوير، كإدخال تقنيات جديدة وخلق ظروف ملائمة لعمل تغييري يتصاعد باستمرار.

وتلافياً لتمخض هذه التقنيات الجديدة عن أي صورة من صور الإخفاق، وضع الفكر الاقتصادي ـ الاجتماعي الشيرازي ما لاحظناه من قواعد وضوابط ومرتكزات، وشرع أنظمة وقوانين وأجرى تغييرات في البنى تؤدي في حال تطبيقها بدقة إلى تغييرات عميقة في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي. كما أن توسيع أصناف النباتات الجديدة لا يمكن أن يتم على حساب المخزون الوراثي للمزروعات المحلية التي يجب بذل الجهد من أجل المواصلة للمحافظة عليها.

فالاقتصاد، في المنهج الشيرازي، ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو جزء من نظام متكامل، يراعي جميع جوانب الحياة، من غير إفراط ولا تفريط.

ولقد علمنا فيما سبق أن هذه الخطوات يقيمها الإمام الشيرازي على أنظمة (المؤسسات).

وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم رؤية الإمام الشيرازي للمشكلات التي تجابه التغيير حين الانتقال من مرحلة شتات وتفرّق، إلى مرحلة (مؤسّسيّة) حديثة، فقد ربط الإمام بين المرحلتين بالانطلاق منهما معاً، وذلك عن طريق تنفيذ المهمات الجسيمة التي أوكلها الإسلام لأتباعه.

فمن جهة، ارتكز الإمام الشيرازي على إرادة المجتمع الإسلامي وتقاليده الموروثة.

ومن جهة أخرى، على روح العصر ومتطلباته، ومنطق التاريخ المتطور، فيمكن تطوير البلدان الإسلامية على أسس علمية منطلقة من التراث والقيم التي آمن بها المسلمون على مر التاريخ.

ويقرّب سماحة الإمام هذه الفكرة إلى الواقع، بمثال يقول فيه:

(مثلاً: في إيران وحدها أكثر من ثلاثة آلاف من النباتات الدوائية، وفي مصر والباكستان وأفغانستان وسوريا، والعراق، وفي غيرها أدوية كثيرة ونحن نتمكن أن نستفيد منها، والطب الإسلامي الذي هو مزيج من الطب اليوناني والفارسي والهندي والصيني بإضافة المعلومات الإسلامية التي أضيفت إليها، طبّ غنيّ إلى أبعد الحدود. وليس معنى ذلك أن نترك تقدم العلم في الطب، بل معنى ذلك أنّا ما دمنا نعمل لإعادة استقلال بلادنا وإنقاذ ألف مليون مسلم يجب أن نكتفي بأقل قدر من كل شيء)(16). أي أن لا يكون اللجوء إلى ما ينتجه الغرب إلا عند الضرورة القصوى.

وبناء على ما يقرره مالكولم هايز (17) (M. HAYZ) وغيره من علماء الاجتماع المعاصرين يمكن أن نقرر أن لكل شعب ثقافته الخاصة وتكوناته الحضارية، وأن هذه الثقافة وتلك التكونات تساعد بوجه الإجمال على تكوين أرضية خصبة لنشر الوعي وتعميقه وتطوير الفرد وإدماجه بمجمل عملية التنمية والتغيير.

ويصبح هذا الأمر أكثر نجاحاً حين يرتكز العمل التغييري على الأخلاق والتعاليم الإسلامية. وتتجلى عبقرية أي فكر اجتماعي حين يستطيع الاستفادة من الثقافة الموروثة وأن يحوّلها، بكل إيجابياتها وسلبياتها باتجاه المستقبل، وهذا يعتمد كثيراً على إعادة بناء مفهوم الوعي التغييري من جديد.

وبلا ريب فإن نجاح أي منهج فكري، في أي مكان في العالم بنقل الفرد من مرحلة التشتت والضياع إلى مرحلة الوعي بضرورة الإسلام ومن ثم ضرورة العمل التغييري يعتبر أبرز الدلائل على حيوية ذلك المنهج الفكري.

فكيف استطاع الإمام الشيرازي أن يحقق هذا الانتقال؟ وما الوسائل والأساليب التي اتخذها لمواصلة السير في هذا الاتجاه وصولاً إلى الغاية المرجوّة؟

لقد استطاع سماحته تحقيق ذلك الانتقال بما رسمه من منهج للحكم الإسلامي، وهو منهج يجمع الإدارة (وهي ظاهرة اجتماعية) وحل مشاكل الحكم (وأغلبها ذات طابع اقتصادي سياسي) وتزاوجها مع الحرية، التي هي أساس كل تغير وتطور.

ولنترك سماحته يحدثنا عن منهج الحكم الإسلامي باقتراحاته التسعة التي تمثل صورة الانتقال من مرحلة الشتات إلى مرحلة الانتماء الإسلامي والعمل التغييري، مجملاً في تلك النقاط خلاصة رؤيته في هذا الباب:

1 ـ استيعاب الكل.

2 ـ العفو عما سلف.

3 ـ الأدلة على عفو الإسلام عما سلف.

4 ـ ملاحظة الكفاءات.

5 ـ منهج الحكم في أبعاده المختلفة.

6 ـ حل مشكلات الحكم.

7 ـ ملء الفراغ ولو بغير المثالي.

8 ـ الحكم النموذجي.

9 ـ حرية العلم والحكم والمال.

فعن النقطة الأولى يقول:

(يجب أن يجعل المنهج للحكم منهجاً استيعابياً وأن يكون جذاباً إلى أبعد حد، حتى يفكّر كل فرد في أنه يستطيع أن يعيش في ظل هذا الحكم في رفاه وسعة وحرية وكرامة واطمئنان، فإذا كان الحكم هكذا، وطبقت الحركة التي هي مقدمة للحكم هذا المنهج على نفسها لا بد وأن يلتف الناس حول الحكم التفافاً يمكن بواسطته إنقاذهم من براثن الجهل والاستغلال والاستبدادية والدكتاتورية والاستعمار وما أشبه.

أما إذا كان الحكم بخلاف ذلك، والحركة على غير هذا المنهج، فمثل هذه الحركة لا تنجح ولا تصل إلى الحكم ولو فرض أنها وصلت إلى الحكم في بقعة صغيرة من الأرض، فلا يمر زمان على هذا الحكم إلا وينهدم، فإن أي حكم لا تحمله القلوب لابد له أن يتهاوى بسرعة.

والمنهج الذي نريد، بإذن الله تعالى، إقامته هو منهج يتمكن من أن يستوعب كل المسلمين في كل بلادهم، ثم يستهوي غير المسلمين حتى يدخلوا تحت ظل هذا الحكم وهذا النظام)(18).

وعن النقطة الثانية والتي من شأنها أن تنقل الفرد إلى إطار الإسلام والعمل التغييري، وهي العفو عما سلف، يقول سماحته:

(من الضروري أن يتّخذ الحكم سياسة (العفو عما سلف) منهجاً للحكم فيعفو عمن كانوا يوالون الحكومات السابقة إذا أصبحوا حياديين غير مربوطين بالأعداء، فإن ذلك مما يسبّب التفاف الناس حول الحكم الجديد، وتأييدهم له، وهذا الأمر لا يقتصر على ما بعد الحكم فقط، بل انه يشمل ما قبل الوصول إليه.

فيجب على الحركة أن تكون رحبة الصدر بالنسبة إلى المناوئين وبالنسبة إلى الحياديين، فإن هذا أسلوب عقلي، فإن الإنسان لا يصل إلى هدفه إذا فكر في مناوأة المناوئين، وقد قال أمير المؤمنين، (عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر)(19). فسعة الصدر كناية عن سعة النفس في العفو، في الإغماض، في البذل، في الكرم، في التحمل، في الحلم، في التحلّم، في المكاره والمصائب وغير ذلك.

فإذا عرف الناس أن شعار الحركة هو (عفا الله عما سلف) وأنها لو وصلت إلى الحكم لا تتخذ من أسلوب الانتقام والتشفي منهجاً لها، فإنهم يلتفون حول هذه الحركة من ناحية، ومن ناحية ثانية، لا يخاف الذين في الحكم السابق على أنفسهم حتى يضعوا العصيّ في عجلة الحركة حتى لا تتقدم، وإنما يفكرون في أن الحركة إذا انتصرت لا تنهب أموالهم ولا تصادر أراضيهم وثرواتهم ولا تزجّهم في السجن والتعذيب ولا تقابلهم بالإساءة ولا تعدم من يستحق الإعدام منهم، ولذا فهم يتحولون تدريجياً إلى أنصار للحركة وأنصار للحكم الإسلامي)(20).

إن فكرة (العفو عما سلف) تقود إلى السلام والاطمئنان، مما يجعل الناس كلهم يقفون بحزم في وجه كل من تسول له نفسه الإساءة إلى الاجتماع الفردي والعام، وضد كل محاولة لجر الناس إلى صراعات هم في غنى عنها. وبذلك يتحقق الولاء للإسلام، وللحركة التغييرية، ثم للدولة الإسلامية نفسها. وذلك الولاء سيكون أساساً مكيناً لوحدة البلاد والمجتمع والسير إلى الأمام نحو المستقبل الأفضل.

فإذا كانت القاعدة الإسلامية تقول: (خير الناس أنفعهم للناس) وإذا كان الإسلام قد أشاد كثيراً بالعمل الصالح والتضحية والإخلاص والنزاهة، فإن قاعدة (العفو عما سلف) ستتيح المجال واسعاً لتعميق المفاهيم الإنسانية الحضارية لدى كل فرد من أفراد المجتمع. وإيصال كل فرد إلى مستوى الوعي بضرورة بذل الجهد بكل إخلاص وصدق ونزاهة من أجل المجموع.

ويتكامل هذا المنهج مع القاعدة التي يرسيها الإمام الشيرازي، تحت عنوان (ملاحظة الكفاءات) وأثر ذلك في تحويل الشتات والتمزق والضياع إلى اجتماع يتمتع بالوعي والعمل والانتماء للإسلام، قال:

(لا تطهير في الحكومة الإسلامية بالمعنى المتعارف في الحكومات الشيوعية والحكومات الانقلابية، على الأغلب، حيث إنهم إذا أتوا إلى الحكم يُخرجون جماعة من الموظفين تحت شعار التطهير وأحياناً يكررون هذا العمل في كل عامين مرة كما صنعته روسيا الشيوعية والصين الشيوعية أيضاً، التطهير بهذا المعنى ليس موجوداً في الحكومة الإسلامية المترقبة لألف مليون مسلم.

فعلى القائمين بالحركة وبالحكومة أن يجعلوا من منهج الحكومة ومنهجهم عدم تطبيق هذا القسم من التطهير إطلاقاً وأن يتحالفوا على ذلك قبل الوصول إلى الحكم وأن يطبقوه عملياً أي أن لا يطهروا بهذا المعنى أحداً بعد الوصول إلى الحكم، إنما هو من الحكومات الحاقدة أي الحكومات الدكتاتورية التي لا تتوفر فيها الأحزاب والحريات، أو الحكومات التي تريد بالتطهير أن تدخل أصدقاءها في الوظائف وبذلك تُخرج السابقين عن الوظائف.

والإسلام ليس كذلك، انه دين عفو ورحمة وصفح واستقطاب وكفاءة، بالمعنى الإسلامي للكفاءة لا بالمعنى الذي اتبعته الحكومات، والإسلام يلاحظ الكفاءة أينما وجدت سواء في الموظف الذي كان في الحكم سابقاً أو في الإنسان الذي يريد الحكم الجديد إدخاله في الوظيفة، هذه هي الملاحظة التي يلاحظها الإسلام فإنه دين الكفاءات ولا فرق بين السابق واللاحق... وعلى هذا فإذا كانت هنالك في الموظفين السابقين كفاءات إيمانية تلتزم بالدين في المستقبل، لأنه يعفو عما سلف، ويستطيع القيام بالمهمة الموكلة إليه، فهؤلاء يقرّون في مراكزهم.

أما إذا كان بعض الأفراد معدومي الكفاءة فهم أيضاً يقبلون إنهم لا كفاءة لهم، ولا يتوقعون البقاء حتى في الحكومة غير الإسلامية فكيف بالحكومة الإسلامية الجديدة؟

ثم إن الذي يُخرج من الوظيفة يجب أن يشغلّه الحكم في شغل مناسب له، وإذا لم يتمكن من العمل فالدولة تساعده)(21).

ويستمر الإمام الشيرازي، في توضيح الخطوط العامة لذلك النهج الإسلامي المتجدد فيوضح أن البلاد الإسلامية وهي ستستوعب جميع الكفاءات الإسلامية ولابد لهم من المشاركة في عملية التغيير وتقديم الخدمة اللازمة لبلدهم ومجتمعهم.

إن في تأكيد الإمام الشيرازي، على ضرورة المشاركة العامة من شأنه أن يطور الفرد والمجتمع معاً، وخاصة إذا تزامن ذلك مع منهج سليم للإدارة والحكم، وهو المنهج الذي يرسم له الإمام الشيرازي الأبعاد التالية:

(أولاً: أن يكون الحكم استشارياً، فليس الحكم في الإسلام ديكتاتورياً واستبدادياً، وإنما يجب أن يستشير المسلمون بعضهم بعضاً ويدلوا بآرائهم حول مختلف شؤون هذا الحكم، وينتخبوا الحاكم الذي اجتمعت فيه الشرائط التي قررها الله تعالى.

الثاني: أن تكون السلطة العليا في مثل هذا الحكم في يد الفقهاء العدول، فالفقهاء العدول هم الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعينهم الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) لأجل الحكم. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال: (اللهم ارحم خلفائي، قيل يا رسول الله ومن هم خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنّتي)(22) فإذا كان مثلاً في الباكستان عالم، وفي إيران عالم، وفي العراق عالم، وفي مصر عالم، وهكذا.. هؤلاء بعد انتخاب الأمة لمن هو صالح منهم، يشكّلون المجلس الأعلى لإدارة البلاد الإسلامية بأكثرية الآراء بينهم.

وليس المقصود بالصلاحية فهم الأحكام الشرعية فقط، فإن الأحكام الشرعية واضحة وإنما في تطبيق الأحكام الإسلامية على القضايا الخارجية الزمنية أيضاً، وتحت قيادة هؤلاء العلماء الاستشاريين تتكون الأحزاب الحرة الإسلامية، يعني هناك أحزاب إسلامية حرة تعمل في الإطار الإسلامي مائة في المائة وإن كانت مختلفة من حيث الاجتهادات في الأمور التطبيقية، مثلاً: يرى هذا الحزب أنّ الأفضل الحرب، ويرى هذا الحزب أن الأفضل السلم، مع جار معتد، أو يرى هذا الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الزراعي، ويرى ذلك الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الصناعي، وهكذا الاختلاف في الاجتهادات المؤطرة بالإطار الإسلامي)(23).

هذا النهج يقدم لنا رؤية جديدة لطبيعة المجتمعات واختلافاتها في العالم وعلى مختلف الأدوار التاريخية، فهناك مجتمعات مختلفة في بنائها وفي مكوّناتها. وهذا الاختلاف مازال ملحوظاً بين مجتمعات العالم المعاصر. وقد عُني كثير من الكتاب المعاصرين بدراسة بعض هذه المجتمعات، بموجب وجهات نظر تحليلية معينة، حيث وصل مجموعة كبيرة من علماء الغرب المهتمين بالاجتماع مثل ايلين أشتور (E. Ashtor) وسيريل بلشو (B. Cyril) وتسارلز بوكسر (C. Boxer) وغيرهم إلى قناعة تامّة بأن كل المجتمعات البشرية قد عرفت، في صورة من الصور، مجموعات من الأشكال التنظيمية للحياة، وأن الحكم على تلك الأشكال لا يُتوصّل إليه إلا بدراسة النتائج المتولّدة عنها، أي انهم أخذوا القاعدة المعروفة: الأمور بنتائجها.

ومن المعلوم أن المجتمع الإسلامي، وعبر التاريخ قد حفل بكثير من التنظيمات، وصحيح أن تلك التنظيمات كانت تلتقي في أوقات الشدة دفاعاً عن بلاد الإسلام كلها لا عن أرض معيّنة، كما حدث في الفتوحات وفي الحروب الصليبية وغيرها، إلا أن ذلك الالتقاء لم يكن صفة متواصلة للأسف، فكثيراً ما يحدثنا التاريخ عن معارك وصراعات قبلية وطائفية وقومية تختلف في شدتها وعنفها بحسب عوامل مختلفة ومتعددة.

ومن أجل القضاء على هذه النزعة واكتساب الناس إلى صفّ الإسلام والدولة الإسلامية، يرى الإمام الشيرازي أن الشيء الثالث الذي يجب أن يتوفّر في هذا المضمار، بعد الاستشارية وحكم الفقهاء العدول، هو تحديد وظائف الحكومة، وهي، عند سماحته:

(عبارة عن أن الحكومة لها وظائف:

الوظيفة الأولى: حفظ العدالة الاجتماعية كي لا يتعدّى أحد على أحد.

الوظيفة الثانية: حفظ البلاد من الأعداء.

الوظيفة الثالثة: التقدم بالأمة إلى الأمام في جميع مرافق الحياة من حيث النظام والنظافة والعمل والصناعة والزراعة والثقافة والاقتصاد والنفوس الرفيعة والفضيلة والتقوى والإيمان وغير ذلك).

وبناء على هذه الرؤية، فإن الإمام الشيرازي، ومن أجل الوصول إلى تحقيق الانتماء للإسلام واختراق شرنقة العزلة الفردية والعائلية والقبلية والمناطقية والقومية، اتخذ إلى ذلك طريق التوعية الفكرية النظرية عندما أعلن أن جميع المسلمين متساوون، بغض النظر عن بلدانهم الحالية ومناطق سكناهم وقومياتهم وأجناسهم، وهذا منسجم مع الإسلام في أسسه ومكوناته وأهدافه.

ولاشك في أن كل من آمن بهذه المنطلقات قد أدرك أن من أبرز حقوقه أن يدافع عن كل مجتمعه وبلاده الإسلامية، والتضحية من أجلها. ان الإسلام لا يحتاج إلى أتباع متباعدين منفصلين، بل يحتاج إلى مؤمنين متضامنين متمازجين في طريق التغيير والتقدم والرقي.

ويثبّت الإمام الشيرازي هذه الحقائق، في جميع ما كتبه سماحته. ولا نجد نصاً واحداً في الفكر الشيرازي على جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أيّ خطاب يختص بعض المسلمين دون بعض، أو يوجّه إلى سكّان هذه البلاد مع إهمال تلك.

وهذا من أجل ترسيخ مفهوم الانتماء للإسلام والإشادة بالمسلم الذي يقدم خدماته لبلده وشعبه.

ولقد استطاع الإمام الشيرازي، أن يوظّف جميع السلبيات المعاصرة التي تمر على البلاد الإسلامية، وبخاصّة بوجود فئات ضالّة في الحكم وخارجه تمارس عمليات الدكتاتورية والإرهاب، فقد نبّه على هذه الأخطار ودعا إلى تحويلها إلى قوة دافعة نحو مزيد من التلاحم الاجتماعي والتسامي بالاندماج في العمل التغييري إلى حدوده القصوى بالتركيز على قيم البذل والتضحية والعطاء والفداء، والقضاء على الدكتاتورية والاستبداد.

لقد دعا الإمام الشيرازي كل فرد إلى أن يبتعد تماماً عن الوقوع في إسار الأجنبي، والتخلص من ذلك عن طريق الاكتفاء الذاتي المذكور سابقاً وعن طريق رعاية الكفاءات الإسلامية وغيرها من أساليب سبق أن ذكرناها، بحيث لا يقع الناس في قبضة الظلم والدكتاتورية والإرهاب. كما أنّ على كل فرد أن يبتعد عن كل ما من شأنه انقسام المجتمع إلى (شيع وأحزاب) متناحرة ففي هذا الانقسام تمزيق للوحدة الإسلامية. بالإضافة إلى أن الإسلام نفسه يرفض ذلك الانقسام. كما يجب على كل واحد أن يعمّق علاقاته الاجتماعية مع أرحامه وذوي قرباه كما يعمل على تقوية علاقاته بجميع أبناء مجتمعه. وعلى كل واحد من أبناء الاجتماع أن يكون على وعي كافٍ بضلال شعارات المستعمرين وعملائهم، وهي شعارات ساذجة لا تنطلي إلا على فاقدي الوعي وعديمي التفكير.

ومن البديهي أن هذا الطريق طويل وعسير، ويجب على التغييريين أن يملكوا النَفَس الطويل والصبر الجميل على الصعوبات والقضاء عليها، ذلك لأن الصراع بين الخير والشر صراع أزلي متواصل، ولكن النصر في النهاية من نصيب الخير دائماً: فعلى كل مسلم أن يثق بالله سبحانه وتعالى وأن يكون متفائلاً دائماً بانتصاره القريب على أعمال المستعمرين وعملائهم في البلاد الإسلامية.

إن كل نص من نصوص البحوث الشيرازية يدلّ دلالة واضحة على الأسس التي يبني عليها الإمام الشيرازي مبادئه وغاياته، ويوضح رؤيته الدقيقة للمكونات التي يجب توفّرها لدى كل فرد من أفراد المجتمع كي يعمل على إدخال الآخرين في الإسلام بشعورهم بالحرية وتمتعهم بحقوقهم وروح الأمان والاطمئنان التي تسيطر عليهم.

ومن كل هذا نلاحظ أن الإمام الشيرازي يرى أن أهم الميزات التي يجب أن تتوفر لدى كل فرد من أفراد المجتمع، هي تمتعه بحقوقه الشرعية التي حددها له الباري، عز وجل، إنجاحاً لعملية التغيير وتقدّم البلاد. ومن أجل الوصول إلى ذلك الهدف النبيل يجب على المرء المسلم ألا يكتفي بالافتخار بالماضي والوقوف عند منجزات الأقدمين، وألا يكون خاملاً خائر العزيمة؛ فالمسلم، وعبر تاريخه كله أثبت أنه أبعد ما يكون عن الخمول والكسل، بل عليه أن يكون، دائماً، ذا ذهن متوقّد وفكر متجدّد، وروح وثّابة تستشرف الآفاق، ولا يعمل إلا من أجل الانتصار على العقبات والعراقيل وتحدي الصعاب وصولاً إلى الغد المشرق السعيد على أسس العمل التغييري، منطلقاً من منطلقات الأقدمين أنفسهم، وأن يصل في بنيانه الحضاري إلى نفس مستواهم أو أعلى، وبذلك فإن واجبه أن يستلهم، في بنائه لحاضر بلاده ومستقبلها، العطاء الإنساني الذي قدمه الأجداد، مع تلاؤم مع العصر ومتطلباته، وحاجات الناس المتجددة، وهذا يشجع المرء المسلم على اقتحام العصر، وهي ذات الدعوة الاقتحامية التي لحظناها سابقاً عند دراستنا لتوجيهات سماحة الإمام لأبناء الإسلام المقيمين في الدول الأجنبية. وهذه دعوة لجميع المسلمين بضرورة الأخذ بالنافع المفيد من الفكر والعلم والعمل الشريف المثمر.

وكل هذه الخطط التي انتهجها الإمام الشيرازي تهدف إلى تطوير الفرد وذلك بتعزيز قدرته على خدمة دينه، عبر مجموعة من الخطط التغييرية، وأبرزها نشر التعليم والثقافة وتصعيد الوعي، ومواصلة الأعمال التغييرية، في مختلف جوانب الحياة التي يعيش في ظلالها الاجتماع.

فإذا ما ازدوج ذلك مع الأمن والاستقرار نمت البلاد الإسلامية بنموّ أبنائها وحاجتهم إلى الشعور بإنسانيتهم وحقوقهم، وبغير الأمن والاستقرار تفقد الإنسانية معناها، ويعود المجتمع، كما هو اليوم، مجرّد أفراد متناثرين، وحينذاك يزداد تراجع البلاد القهقرى وتخسر دورها الحضاري.

ويمكن أن نصل من كل ما مرّ إلى أن الأمن والاستقرار نعمة جُلّى من نعم الله، تبارك وتعالى، على الدول والشعوب، ففي ظلهما يمكن للأمة أن تتفرغ للبناء والتطوير في مختلف مجالات الحياة، وأن توجّه كل طاقاتها المعنوية والمادية نحو توفير أسباب الرفاه والرخاء والتقدم للمجتمع. كما أن مواهب الفرد وقدراته الإبداعية الفكرية والعلمية والأدبية والفنية لا تنطلق ولا تنمو ولا تزدهر إلا في ظل شعوره بالأمن وباستقرار حياته وحياة أسرته وذويه ومجتمعه. لذلك كان من أهم واجبات الدولة قديماً وحديثاً كفالة الأمن وضمان الاستقرار حتى يتفرّغ المجتمع بكل فئاته، وفي طمأنينة وهدوء بال للعمل والإنتاج والإنشاء والتعمير. أما إذا اضطرب حبل الأمن واهتزت أركان الاستقرار، فإن نتيجة ذلك سوف تكون الفوضى والخراب والدمار.

وفي هذا تأكيد جديد على ما سبق أن تبيّنّاه من الروح الإنسانية لمنهج الإمام الشيرازي في دعوته الدائمة إلى الوفاء والتسامح والألفة والمحبة، والوعي الدقيق بالأفكار الدخيلة التي تتستر تحت شعارات براقة.

ومن أجل أن ينهض المجتمع الإسلامي من كبوته الحضارية وأن يشارك في صياغة الحضارة الإنسانية من جديد، يطلب الإمام الشيرازي من الجميع: معالجة هذا الوضع، بمواكبة العصر بفكر إسلامي متجدد متطور قائم على اجتهاد عصري ملتزم بمبادئ الدين، قادر على أن يقدّم الحل الصحيح المناسب لمشاكل العصر التي تؤرِّق المجتمعات الإسلامية، وأن يُظهر للعالم أجمع حقيقة الإسلام، وجوهر شريعته الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان.

ويبني الإمام الشيرازي هذه الرؤية وهذا التحليل، على أساس روح الإسلام السمحة ومبادئه الإنسانية، ولما لهذا من أثر في إشاعة الطمأنينة والسلام وهما المهدان اللذان تنمو فيهما قدرات الأفراد وتطورهم وصولاً إلى تكوين مجتمع حقيقي متمثل في مسلمين همّهم العمل والتضحية من أجل التطور والخير والسعادة للجميع.

وإضافة إلى هذا فإنّ الرؤى العملية التي يقدّمها الإمام الشيرازي، وخاصة في الاقتصاد الاجتماعي، تجعل الأرض ممهدة لإدخال الناس في الإسلام والسير بالجميع في عمل تغييري من أجل إقامة دولة الإسلام الواحدة.

إذ ان في داخل كل إنسان دافع للنمو، وانه حين يُعطى الفرصة للتعبير فإنه ينجز أسمى صفات التفكير والإبداع وينشئ الحضارة الحقيقية من جديد.

وكل هذه المتبنّيات تنطلق من القيم الإسلامية التي يرتكز عليها الإمام الشيرازي، في جميع رؤاه ومناهجه.

وتكتسب تلك الرؤى والمناهج واقعيتها وإمكانيتها العملية من خلال متابعة الإمام الشيرازي لقضية المؤسسات ودورها في اكتساب الناس إلى صفّ الإسلام، وإنقاذ الأفراد من أنانيتهم وتشرذمهم وضياع مجتمعاتهم، على ما سبقت الإشارة إليه في أول هذا الفصل.

فسماحته يواصل تقنينه لنجاح المؤسسات (التي سبق أن رأينا منها الزراعة واستثمار الثروات الحيوانية والتجارة) فيتحدث عن مؤسسات الأوقاف وكيفية تطويرها وترصين عملها والإفادة منها باعتبارها مورداً مالياً ممتازاً للعمل التغييري، فيربط في هذه النظرة، أيضاً، بين الاجتماع والاقتصاد ضمن منهجه (الاقتصاد الاجتماعي) فيقول:

(تتعطل الكثير من المؤسسات الإسلامية عن العمل ولا تستمر في نشاطها لعدم وجود التمويل الذي يدعمها، فلابد من وجود دعم أساسي ومستمر للمؤسسات وقد تكون الأوقاف عاملاً هاماً وجذرياً لديمومة المؤسسات واستمراريتها.

والأوقاف يمكن أن تُستثمر أو تؤجّر ويستفاد من ريعها في الأنشطة الإسلامية، وبعبارة أخرى: إذا كان لكل مدرسة أو مسجد أو حسينية أو مستوصف خيري أو مستشفى أو مكتبة أو محل تجاري أو مخزن أو فندق أو شركة تجارية تمولها، أمكن لهذه المؤسسات أن تستمر في عملها ولا تتوقف نتيجة لعدم توفّر التمويل الكافي بالإضافة إلى توفير الدعم الجيد للعاملين في المؤسسات للاستمرار في عملهم والوصول إلى أهدافهم، ولكن نجد أن مسألة الأوقاف قد واجهتها في معظم البلاد الإسلامية مشكلة كبيرة وهي تعامل الحكومات الاستبدادية معها، حيث تقوم الحكومات بالسيطرة على الأوقاف وتتصرف فيها بتصرفين على خلاف ما أوقفت عليه:

أولاً: تتصرف في ريعها وتنفقه في شؤون نفسها الاستبدادية.

ثانياً: تقوم بانتزاع الوقف من أيدي المتولّين بذرائع غير مقبولة عقلاً وشرعاً وعرفاً، ومن ثم إعطائه لمتولّين منحرفين، مما يجعل أضرار الموقوفات أكثر من نفعها، إن بقي لها نفع.

ومشكلة الاستبداد مشكلة سارية في جميع المجالات، فما وضعت الدولة المستبدة يدها على شيء إلا وقد أفسدته)(24).

وعلى نفس هذا المنوال، وفي نفس المورد، يتناول سماحته مسألة الصناديق الخيرية، كمؤسسة لها تأثيرها في رفد المؤسسات الأخرى، وتساعدها على القيام بأعمالها، فيقول:

(من المشاريع الإنمائية الهامة التي تؤدي إلى استمرارية المؤسسات ودعم النشاط الإسلامي وخدمة المجتمع وقضاء حوائج الناس هو تكوين الصناديق الخيرية.

وهذا يعدّ من المشاريع الناجحة، وقد جربناها في العراق والكويت والعديد من الدول الأخرى فأنتجت ثماراً هائلة غير متوقّعة. (فعلى سبيل المثال كانت تدار مجلة تصدر طوال أشهر السنة الاثني عشر بأموال هذه الصناديق، وكانت توزع مجاناً).

فإذا روّجت ثقافة الصناديق في العالمين الإسلامي وغير الإسلامي، ووضعت الصناديق في الأماكن العامّة كالمحلات التجارية وما أشبه ذلك، وعرف الناس إخلاص ونزاهة القائمين بهذا المشروع، فسوف يوفّر الدعم اللازم للكثير من النشاطات الدينية والخيرية، عبر أموال الصدقات المستحبة والتبرعات والنذور التي توضع في الصناديق.

وإذا تزامنت مع توزيع الصناديق الخيرية حملة دعائية للتعريف بأهميتها وأهمية استمرار العمل الديني والخيري في المجتمع، ووضعت لافتات تحمل معاني ثقافية عميقة بشأن أعمال الخير وفلسفتها الاجتماعية، مثل (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم)(25) و(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم)(26) و(الصدقة تدفع البلاء المبرم)(27) فإن هذه الآيات والأحاديث سوف تثير الدوافع الدينية والخيرية للناس ليقوموا بأعمال الخير)(28).

فهذا التحليل يضعنا أمام جملة حقائق تجمع ما بين المنطلقات النظرية والتنفيذ العملي لرؤى الإمام الشيرازي:

وجوب أن يستمد المسلمون ثقتهم وقوتهم من إنجازاتهم نفسها. بمعنى أن الإيمان بالله، تعالى، عند الإمام الشيرازي لا يعني التراجع عن الأهداف والتكاسل عن تحقيقها، بل يعني التوكّل والعمل. ولا تصحّ الإغفاءة على ما تمّ الوصول إليه من قبل الآباء والأجداد، بل لا مفرّ من استمرار العمل وتصاعده، وتقوية العزائم التي تستشرف آفاق المستقبل. لأن العمل التغييري يعني مواصلة التغيير لا التقوقع والجمود والانكفاء. ان كل يوم من عمر الإنسان يجب أن يكون بدء مرحلة جديدة متصاعدة من مراحل التغيير الإيجابي، فيجب الاعتماد على الذات في جميع الخطط والمشاريع المستقبلية. ومصطلح الاعتماد على الذات يعني أموراً عديدة، منها:

أ ـ وضع المشاريع بما ينفع الناس وبما ينطلق من حاجاتهم.

ب ـ التصرف الحسن بالموارد الاقتصادية في المشاريع النافعة.

ج ـ التفهم العميق لحاجات البلاد الإسلامية، وضرورة أن يضع كلُّ مسلم نفسَه موضع المسؤولية المباشرة عن تنفيذ جزء من مخطط التغيير الذي يشمل جميع المسلمين، ويستلزم من كل واحد منهم أن يقوم بدوره ويبذل جهده من غير تطلّع إلى (آخرين) ينوبون منابه ويقومون مقامه.

د ـ يجب أن يتم الاهتمام بالاقتصاد، لما للاقتصاد من دور خطير في الرقي والتقدم، بما فيهما تحقيق أمن المسلم والسلام الاجتماعي.

هـ ـ يجب تنويع الأنشطة الاقتصادية لتحقيق جملة أهداف آنية واستراتيجية منها:

1 ـ توفير فرص عمل متنوعة تتلاءم مع إمكانات المسلمين ورغباتهم، نظراً لتعدد الأنشطة الاقتصادية وتنوعها، مما يفسح مجالاً أوسع لألوان عديدة من الأنشطة الاقتصادية.

2 ـ إيجاد بدائل اقتصادية تحدّ من الاعتماد الكلي على النفط وسائر الثروات المعدنية لأن هذه الثروات ستنضب يوماً، فيجب أن يُستفاد منها حالياً لإقامة البنية الاقتصادية التي تؤهِّل البلاد مستقبلاً لأن تستغني عن الثروات الناضبة حين يحلّ أوان نضوبها.

3 ـ تقليل الاعتماد على النفط، وإقامة بنية صناعية أو اقتصادية متكاملة، سيوفّر فرصاً عديدة للناس كي يندمجوا أكثر فأكثر في مسيرة التغيير، لما للعمل من تأثير كبير على تطويرهم وإغناء تجاربهم الحيوية.

4 ـ يجب أن تكون تلك المشاريع المقترحة، بعيدة عن التخبّط واللاهدفية. إذ ينبغي أن تكون مشاريع نافعة مفيدة.

5 ـ فإن الهدف من وراء كل هذا تقوية الدعائم الأساسية والأمن والاستقرار. وهو هدف رئيسي من أهداف الإمام الشيرازي من وراء كتاباته المتعددة والتي تريد لهذا الإنسان أن يحقق رسالة الله، سبحانه وتعالى.

وهكذا نرى أن الإمام الشيرازي قد عالج، وفي الموضع نفسه، عدداً من القضايا التي قد يراها البعض متباعدة، كالزراعة والري والمؤسسات، والحرية والاستشارية، وغيرها من أمور تبدو للمتعجّلين أنها متباعدة ولا علاقة بينها، بينما هي في حقيقة الحال، مترابطة ترابطاً أكيداً، يشدّ بعضها بعضاً، ويؤثر بعضها في بعض.

فالزراعة، مثلاً ليست هواية يقوم بها أحد المتبطّلين، بل هي عمل إنتاجي ضخم يوفر الغذاء ونباتات الأدوية ونباتات تصنع منها الملابس كالقطن، وأشياء كثيرة أخرى، فهي إذن تحتاج إلى مؤسسة أو مؤسسات، تتناول تنظيمها بما ينفع الناس، وتهيئة كل الوسائل والسبل التي تساعد على إنجاحها، كتوفير الأسمدة والآلات وغيرها، وكل واحدة من هذه أيضاً تحتاج إلى مؤسسات قائمة بذاتها. أما حفر عيون الماء، والتنقيب عنه وتوفيره، فهي تقترب في أهميتها من الاكتشافات الطاقوية المدفونة في داخل التربة، بل هي أكثر أهمية. فالعالم يستطيع أن يعيش بلا نفط أو غاز كما عاش ملايين السنين، لكنه لا يستطيع أن يستغني عن الماء ولو لأيام معدودة. لذا فإن إيجاد مؤسسات للماء والري أكثر من مهمة.

وبتلاقي جميع هذه المؤسسات وتضامنها والتنسيق بين أعمالها يزداد اقتراب الأمة من وحدتها، وهي الوحدة التي يراها سماحة الإمام الشيرازي مسألة مقدسة، منها تنطلق وإليها تعود رؤى سماحته في قضية المؤسسات والاقتصاد الاجتماعي.

1 ـ سورة الإسراء، الآية: 27 .

2 ـ فروع الكافي: ج 6 ص 460 .

3 ـ العائلة 89 .

4 ـ W., Pross, Political Status, New York, 1988, P. 234 .

5 ـ D. Mack, Economy of Growth, London, 1978, p. 66 .

6 ـ سورة الأنبياء، الآية: 30 .

7 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 274 .

8 ـ غرر الحكم 76 ـ 79 .

9 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 177 ـ 178 .

10 ـ ن.م 179 ـ 180 .

11 ـ ن.م 180 ـ 185 .

12 ـ ن.م 185 ـ 188 .

13 ـ ن.م 188 ـ 191 .

14 ـ ن.م 191 ـ 194 .

15 ـ ن.م 194 .

16 ـ ن.م 195 .

17 ـ M. HAYS, Social Change, New York, 1988, P. 292 .

18 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 207 ـ 208 .

19 ـ كنز العمال: ج 3 ص 168.

20 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 201 .

21 ـ ن.م 216 ـ 217 .

22 ـ الفقيه: ج 4 ص 302 .

23 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 221 .

24 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 31 ـ 35 .

25 ـ سورة البقرة، الآية: 273 .

26 ـ سورة الإسراء، الآية: 7 .

27 ـ بحار الأنوار: ج 59 ص 261 .

28 ـ استمرارية المؤسسات الإسلامية 41 ـ 43 .