الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

الاقتصاد ودوره في التغيير

على نفس المنهجية التي لاحظناها في البناء الفكري والفلسفي للإمام الشيرازي، يقيم سماحته معالجته للقضية الاقتصادية التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد للغاية في بناء الدولة، فلا دولة بلا اجتماع واقتصاد، ولا تقدم بلا اقتصاد مزدهر قائم على الروح الإنسانية كالتكافل الاجتماعي والتضامن أمام النكبات والمآسي والمشاركة الفعالة في تطوير البلاد والعباد.

ذلك ما شهد به علماء متخصصون في الاجتماع والاقتصاد قدماء ومعاصرين بعد رحلة إنسانية شاقة وكثيرة المآسي، أثبتت بما لا يقبل جدلاً أن الاقتصاد يلعب دوراً مهماً جداً في نشأة الحضارات ونموها واكتمالها، كما أن انهياره، يعد المرحلة الأولى لانهيار الأمم والشعوب وحضاراتها.

وهذه الحقيقة العلمية، ملحوظة في كتابات الإمام الشيرازي، والدعوة إلى توظيف الاقتصاد القوي المتماسك نفسه لخدمة الإنسان وتطور البلاد الإسلامية ككل، في جميع جوانبها، مع المحافظة على القيم الأخلاقية السامية، كي يكتسب الاقتصاد موقعه الملائم له في مسيرة التغيير وخطوات الحاضر باتجاه المستقبل.

يبدأ سماحة الإمام ببحث الاقتصاد من البداية المنهجية الأولى، وهي المعنى اللغوي لكلمة الاقتصاد، لأن سماحته يريد من وراء ذلك أن يؤكد أن الاقتصاد له بعده الأخلاقي البعيد عن الشح والإسراف والتبذير، فكل شح وإسراف وتبذير ليس من الاقتصاد في شيء، قال سماحته:

(الاقتصاد، افتعال من القصد، وهو بمعنى التوسط، فقد يكون توسطاً في الطريق، كما إذا كان هناك امتدادات بعضها إلى الهدف، وبعضها إلى اليمين، وبعضها إلى اليسار، وبعضها الواصل إلى الهدف أقصر، وبعضها أوسط، وبعضها أطول، فإن الموصل وسط (وقصد) كما أن أوسطها أيضاً (قصد) فهو القصد من القصد، هذا باعتبار الكم.

وباعتبار الكيف، قد يسرع الإنسان في الطريق، وقد يبطئ، وقد يتوسّط، والأخير القصد)(1).

ومن هذا المعنى اللغوي ينطلق سماحته إلى المعنى الاصطلاحي الذي أتى به العصر الحديث، فيقول:

(ثم استعمل الاقتصاد في الأمور المالية، من باب استعمال العام في الخاص، مجازاً، أو من باب الاصطلاح فيكون حقيقة)(2). بمعنى أن لفظ (الاقتصاد) عام لجميع سلوكيات الإنسان، ففلان مقتصد في مشيته، وفلان مقتصد في عواطفه فلا يكشفها في كل الأوقات، وهكذا.. فإذا استعملت هذه الدلالة على موضوع محدد كموضوع الاقتصاد المعروف اليوم اصطلاحاً، فإن ذلك جار على المجاز، فالمعنى ثابت ولكنه منقول من السلوك العام، إلى السلوك الخاص بموضوع الأموال وما يتعلّق بها، وفي هذا المعنى تبقى (الوسطية) المحمودة جارية، بمعنى أن لا شحّ ولا إسراف ولا تبذير.

ويحتمل سماحته أن اللفظ قد نقل تماماً إلى معنى اصطلاحي جديد، وهو هذا (الاقتصاد) المعروف اليوم والذي يعتبر ترجمة للمصطلح الأجنبي (Economic). وهو ما يصرح به سماحته قائلاً:

(وهذا الاستعمال قد يكون بمعنى الأمور المالية مطلقاً في مقابل الأمور الاجتماعية، والأمور السياسية، وغيرها، فلا يلاحظ في (الاقتصاد) التوسط، فيقال: اقتصاديات البلد الفلاني موفورة أو مقترة أو متوسطة، وقد يكون بمعنى التوسط في الأمور المالية في مقابل الإسراف والإقتار، فيقال فلان مقتصد، وفلان مسرف، وفلان مقتّر)(3).

ولما كان المصطلح الحديث قد استقر على ربط كلمة (الاقتصاد) بالأموال وما يتعلق بها، فإن سماحته يرسم منهجاً لبحث مسائل الاقتصاد، وذلك المنهج ينطلق من البؤرة الشرعية التي لاحظناها في مكونات فكر سماحته، لتنطلق منها أشعة للاجتماع والسياسة وأيضاً للاقتصاد.

ومسبقاً يخبرنا سماحة الإمام الشيرازي أن منهجه لدراسة موضوع الاقتصاد لا يفصل بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد، وأن المذهب الاقتصادي هو جزء من علم الاقتصاد. وهذه مسألة جديدة حتى في تاريخ الدراسات الشرعية لموضوع الاقتصاد، فقد نظر فقهاء آخرون ومتخصصون في الاقتصاد إلى أن الاقتصاد ليس علماً، ولذلك لا يتّسع لشيء اسمه المذهب الاقتصادي.

ويبني الإمام الشيرازي هذا البناء على أساس تحليل دقيق للعلاقات الخارجية والأحكام وما يسبقهما من فلسفة ويعقبهما من موضوعات، على أساس التقديم والتأخير في الرتبة، مستدلاً على ذلك بطبيعة الشريعة ذاتها وموقفها من الأحكام وما يسبقها وما يأتي بعدها، ومسائل الاقتصاد هي في حيّز تلك الأحكام:

(العلاقات الخارجية لها أحكام يتبعها، تكون تلك العلاقات موضوعات لتلك الأحكام، وفلسفة يتقدمها، تكون تلك الفلسفة مقدمة على الأحكام رتبة، وبهذا تتكون لكل علاقة خارجية فلسفة تتقدم على حكمها، وحكم يتأخر عنها، والعلاقات في الأنظمة السماوية، والأنظمة الأرضية، على حد سواء، محدودة بحدود ومقيدة بقيود، يباح أو يجب ما دخل في الحد، ويحرم ما خرج عن الحد، ويكون كل من يسلك إحدى تلك الأنظمة يستدل لصحة مشيه بدليل)(4).

ونظراً إلى أن هذه المسألة تدخل في فلسفة الأحكام، فإن سماحته يقرّبها إلى القراء والباحثين المعنيين بالأمثلة المأخوذة مما هو شائع في هذا الميدان، فيقول:

(مثلاً العلاقة بين الرجل والمرأة لها حد النكاح، مما يكون الخارج منه محرماً داخلاً في السفاح فيقال في الأنظمة الإسلامية: العلاقة بين الزوجين، محدودة بأن لا تزيد على الأربع، ولا تكون ذات محرم.. و.. ثم يقال: فلسفة اتخاذ الأربع دون الأكثر كذا، وحكم اتخاذ الأربع كذا.

إذن، فالعلاقة الخارجية موضوع، وأن حكمها كذا.. وأنها لماذا هكذا؟ بيان للفلسفة..

ومعرفة مجموع هذه الأمور علم، منتهى الأمر، يكون العلم بالأول علماً بالخارج والعلم بالثاني علماً بالحكم والعلم بالثالث علماً بفلسفة الحكم)(5).

وعلى أساس هذه الرؤية المنطلقة من البؤرة الشرعية ترتسم الأشعة الاقتصادية، ليتكون لدينا:

1 ـ خارج معاش، هو الموضوع.

2 ـ حكم هو المتعلق بالموضوع حرمة وحلّيّة ووجوباً. والحلية مع تساوي الطرفين: المباح أو مع ترجيح الفعل: المستحب. أو مع ترجيح الترك: المكروه.

3 ـ فلسفة، هي حرمة أو حلية هذا القسم دون ذاك.

وهنا يفصّل سماحته الكلام على ما سبق أن أجملناه في العلاقة بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد، فيقول:

(أما المذهب الاقتصادي فهو التخطيط العام لمبعثرات الأحكام، فهو تنظيم للحكم بذكر خصوصياته: مطلقه ومقيّده وعامّه وخاصّه ومجمَله ومبيّنه)(6).

(وعلى هذا فالمذهب الاقتصادي هو جزء من علم الاقتصاد، كما ان فلسفة الاقتصاد هي جزء من علمه أيضاً، فجعلُ بعضٍ المذهب الاقتصادي في قبال علم الاقتصاد لم يظهر له وجه)(7).

وفي كتاب الاقتصاد الذي نعرض لمقدمته هنا، يذكر سماحة الإمام الشيرازي، أنه سيدرس فيه:

1 ـ الخارج.

2 ـ الحكم بشقيه: أصولاً ومذهباً.

3 ـ والفلسفة الاقتصادية.

معتمداً في ذلك على:

أ ـ أدلة التشريع الأربعة: القرآن والسنة والإجماع والعقل.

ب ـ ما وصل إليه علم الاقتصاد المعاصر.

وبذلك فإن موضوعات التنمية والسياسة الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي، فليست من مهمات ذلك الكتاب، ولكنه سيتطرق إليه فيه، كما تطرق إليه في مواضع عديدة من مؤلفاته مما ذكرنا بعضه فيما مضى وسنستجليه فيما يأتي، إن شاء الله.

ولاشك أن الاقتصاد مرتبط بالمجتمع، وقد رأينا في تعرضنا لمنهج الاقتصاد الاجتماعي لدى سماحة الإمام أنه جعل الاقتصاد نشاطاً إنسانياً هادفاً إلى التعاون والتكافل والتسابق في الخيرات لا من أجل المنعة الشخصية فحسب، بل مع منفعة المجتمع كله.

وقد ذهب بعض الاقتصاديين الأخلاقيين الغربيين أنفسهم من أمثال ماكيون (Mcheon) في كتاباته عن العدالة وما يتّصل بها من قواعد وشروط، وخاصة في بحثين انتشرا بين الدارسين بسبب منحاهما الإنساني وابتعادهما عن الذاتية الضيقة للأموال، وهما معاني العدالة (8) (The Meanings of Justice) وبحثه الآخر (9) (Justice Equality) حيث أوضح رؤية إنسانية للتنظيم المتنامي للمجتمع، عبر تقريره عن العلاقة بين النمو الاقتصادي والبناء الاجتماعي قائلاً: (لتحليل العلاقات بين النمو الاقتصادي والبناء الاجتماعي، يمكن فصل العمليات المتشابكة التي تميز التقنية الاقتصادية والبيئة الطبيعية، إلى:

1 ـ في مجال التقنية، التحول من الفنون التقليدية البسيطة إلى تطبيق المعرفة العلمية.

2 ـ وفي الزراعة: الارتقاء من زراعة الاكتفاء إلى إنتاج البضائع الزراعية على مستوى صالح للتجارة. وهذا يعني التخصص في محاصيل البيع، ودخول السوق في عملية البيع والشراء للمحاصيل الزراعية.

3 ـ وفي الصناعة: الانتقال من استخدام القدرة البشرية والحيوانية إلى استخدام الآلات والتقنية، أي إلى التصنيع بمعناه العامّ.

4 ـ وفي تنظيمات البيئة والطبيعة: التنقل ما بين المزرعة والقرية، من جهة، والمراكز المدنية، من جهة أخرى، وهذه العمليات المتعددة تحدث غالباً، لكن ليس من الضروري أن تحدث معاً).

ونلاحظ أن هذه المستويات (من 1 إلى 4) هي من بديهيات المتبنيات العلمية للإمام الشيرازي، مع ضرورة الاعتراف أن رؤى الإمام قد تجاوزت علم الاقتصاد الحديث في تناول سماحته لإنسانية الاقتصاد، وإعادته الاعتبار إلى معنى الاقتصاد الأصيل، الذي يعني عدم الشح والإسراف، وكذلك اعتباره الإيمان أساس الاقتصاد كما هو أساس السياسة وأساس الاجتماع، لأن البؤرة الشرعية التي تمثل جوهر فكر الإمام الشيرازي تدعو إلى إقامة جميع الأنشطة الحيوية على أساس الإيمان بالله، وبهذا الإيمان يتخلص البشر من سلبيات الاقتصاد المعاصر والأطماع التي تحدو بقافلة الإنسانية إلى الضياع والخراب. يقول سماحته:

(لاشك في أنّ طغيان المادية سواء في الشرق الملحد أو الغرب الكافر، جرف بالروحيات التي أولها الإيمان بالله واليوم الآخر، وفي إثر ذلك وقع الإنسان في المباهات والإسراف والتخريب والفقر، وكل ذلك يتطلب المال، فالإنسان في الزمن السابق كان يلبس ويأكل ويسكن ويسافر.. كل ذلك لسد الحاجة ورفع العوز.

أما الإنسان في الزمن الحاضر، حيث خلا من الإيمان، يفعل كل ذلك مع عنصر المباهات والمفاخرة، فاللباس الذي يكفي الإنسان الفارغ عن المباهات لا يكفي الإنسان إذا أراد المباهات، وهكذا بالنسبة إلى سائر حاجاته، ومن المعلوم أن الشيء اللائق للمباهات أكثر ثمناً وأبهض كلفة من الحاجات الطبيعية)(10)

وإذا كان هناك مجموعة من الباحثين المتأثرين كثيراً أو قليلاً بالنظريات الماركسية كلياً أو جزئياً في إعطاء الدور الأول والأخير للاقتصاد، باعتباره (البنية التحتية) التي تنمو عليها القيم والثقافة والعلاقات الاجتماعية، فإن الإمام الشيرازي قد رفض تلك المقولة التي سببت انهيار النظريات ذات البعد الواحد.

فالإمام الشيرازي قد آمن بدور الاقتصاد في التغيّر نحو الأفضل، بل عده أساسً لابد منه لتحقيقه، إلا انه لم يعدّه العامل الوحيد، بل هو عامل مهم من مجموعة عوامل مهمة هي أيضاً بدورها.

وبدلاً من ذلك، يؤكد الإمام الشيرازي أولاً على أن عملية التطور غير قابلة للارتداد، إذا كانت تسير على وفق مفهوم علمي للواقع ولمشاعر المسلمين وأحاسيسهم، وإذا كانت تلبي رغباتهم وتطلعاتهم المادية والروحية. وبغير هذا فإن عملية التطور قابلة للانتكاس من أول هبّة ريح تزعزعها من أركانها؛ على ما سطره تاريخ البشرية قديماً وحديثاً؛ وليس الفشل الذريع الذي أحاط بالتجربة الماركسية في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق وممارسة جشع رأس المال في الدول الغربية ببعيد عن الذاكرة؛ لأن تلك الأنظمة عانت من عيوب قاتلة، أبرزها إيمانها بالنمو ذي البعد الواحد، وهو النمو الاقتصادي، حتى الرياضة البدنية أصبحت مجالاً للتجارة غير المشروعة والرهانات. زد على ذلك عدم توظيف النمو الاقتصادي لما يلبي طموح الناس وتطلعاتهم، إضافة إلى كبت الحريات، وممارسة سياسة خاطئة داخلياً وخارجياً، مع عوامل أخرى، ليس هنا مجال البحث فيها.

الإمام الشيرازي، إذن، رفض نظرية البعد الواحد، وأقام بنيانه الفكري، نظرياً وعملياً، على ما تقتضيه طبيعة الإنسان ذاته، تلك الطبيعة القائمة على ركنين: الروح والجسد، أو الروح والمادة، وبتطمين رغبات هذين الجانبين معاً، والربط بينهما برباط الإيمان غير القابل للانفصال والانقطاع، والانطلاق من مكوناته الإسلامية، وطبيعة الاجتماع، استطاع أن يوحّد بين الفرد المسلم وعملية التغيير اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وأن يعمل على نشر السعادة والرخاء بين الجميع، وعلى كل المستويات، من التعليم والصحة والاقتصاد والحرية والعدالة وغيرها من أمور.

ووصولاً إلى هذه الغاية السامية، حلّل الإمام الشيرازي المشكلة الاقتصادية إلى عناصرها الأولى، المادية والروحية، والتي نستطيع أن نجملها في:

1 ـ الثروات البشرية.

2 ـ الزراعة والري ومصادر المياه.

3 ـ التصنيع.

4 ـ التجارة والمهن التقليدية.

5 ـ الثروات الطبيعية، كالمعادن وغيرها.

6 ـ الأخلاق، وقيم العملية التغييرية التي تنتج تطور حالة البلاد من مرحلة إلى أخرى.

إضافة إلى أهم عامل على الإطلاق وهو عامل الإيمان على ما ذكرنا قبل قليل.

وبحسب رؤى الإمام الشيرازي، فإن الإيمان الحقيقي يقوم بتوظيف كل العناصر السابقة لتحقيق التغيّر نحو الأفضل.

ويتبيّن لنا أن الإمام الشيرازي لم يعالج تلك المسائل بشكل منفصل عن بعضها البعض؛ بمعنى أنه لم يطلب تغيير جانب ما حتى إذا تمّ تغييره.. ثمّ ومن بعد ذلك يبدأ تغيير جانب آخر من جوانب الحياة.. وهكذا. فهذه النظرة التجزيئية لا تلائم النظرة الشمولية للإمام الشيرازي لجميع أنشطة الحياة، وهي النظرة المستنبطة من البؤرة المركزية لفكر الإمام الشيرازي، وهي الشريعة الإسلامية وما ينطلق منها من أشعة متوازية تبني مجد العالم.

لذا فإن كل الأمور، يعالجها الإمام الشيرازي معالجة حكيمة وهي تستند إلى العلم، وعليه ترتكز.

* فلابد من تطوير الزراعة وتحديث أساليبها كالآلات الزراعية بمختلف أنواعها والبذور والأسمدة وغيرها.

* ولابد من القضاء على شحة المياه بحفر الآبار وإحياء قنوات الري وتطهير الأنهار مما لحقها من أضرار نتيجة الإهمال. على أن يتم إنجاز كل ذلك على أسس علمية من حيث استكشاف الثروة المائية للبلاد الإسلامية ومن حيث كيفية الاستفادة منها على أفضل وجه وتجنب الهدر في هذه النعمة الإلهية التي هي ركيزة الحياة الأساس. بل ان سماحته يعتبر الإسراف في الماء محرّماً، قال:

(من الإسراف المحرّم فتح أنبوب الماء، أكثر من الحاجة، ولو لم يكن ذلك موجباً لمزيد من الثمن)(11).

وكدليل على تلك الرؤية التوحيدية الشاملة للاقتصاد باعتباره كلاً متكاملاً من الزراعة والصناعة والمهن التقليدية والتجارة وغيرها والمواد الطاقوية، فإن سماحته قد ألحق بمسألة تحريم الإسراف في الماء، تحريم الإسراف في صور الطاقة الأخرى، فقال عقب النص السابق:

(وكذلك حال الغاز والكهرباء وما أشبه، ومن الواضح أن معيار الإسراف نفسه لا ملاحظة الثمن... وفي هذه الأمور لا فرق بين الكم كفتح ساعة عوض نصف ساعة... والكيف كفتح الأكبر في صورة رفع الاحتياج بالأصغر... والمعيار في صدق الإسراف العُرف)(12).

كما أن سماحته قد تطرّق إلى الإسراف والتبذير في المعادن الموجودة داخل الأرض في البلدان الإسلامية، والتي يسرقها اليوم المستعمرون، فأشار، أولاً إلى ضرورة الاقتصاد باستعمالها، والمحافظة على حصة الأجيال الآتية فيها، ثم أشار، ثانياً: إلى ضرورة الاستفادة منها كوسيلة للنمو الاقتصادي، فالنفط مثلاً يجب أن يكون في خدمة الإنسان لا وسيلة لاستعباده فكما أن العالم بحاجة إليه كوقود وطاقة، فإن البلاد الإسلامية، وهي تضم حوالي 90% من مخزون النفط العالمي، بحاجة إليه على مستويين، مستوى كونه مصدراً من مصادر الدخل الذي يوضع في خدمة التنمية وتطوير الاجتماع في سعيه الحثيث نحو التغيّر نحو الأفضل؛ وجانب الاستفادة منه داخلياً باعتباره مصدراً من مصادر الطاقة، وقد أكّد الإمام الشيرازي على أن المجتمع بحاجة لتصنيع النفط محلياً، إذ ان التطور الاجتماعي على جبهة التحديث العمران سيقتضي تطويراً أشمل للطاقة ومصادرها.

ومن هذه النقطة بالذات، يضع الإمام الشيرازي، أهمية خاصة بضرورة اتباع سياسة اقتصادية تصون ولا تفرّط.

ثم يخرج الإمام الشيرازي من هذه الرؤية التحليلية لدور الطاقة في صياغة مستقبل المجتمع والآثار التي يتركها في البلدان الأخرى، إلى تقرير طبيعة النزعة الإنسانية للإسلام، وللإنسان المسلم الملتزم، على أساس التعاون العالمي في ميدان الطاقة كما في كل الميادين، بالمحافظة على مصالح العالم الإسلامي، وعدم التفريط في الثروات الطبيعية ومنها النفط.

ولما كانت الناحية الاقتصادية في كل أمة عصب حياتها ومصدر قوتها وسند سيادتها واستقرارها، صار من الضروري تركيز الجهود على إيجاد الوسائل والسبل والمشاريع لرفع مستوى الاقتصاد الإسلامي، وتوفير العمل والعيش الكريم لكل مسلم.

كما أصبح الاتصال بالعالم مسألة ضرورية وملحة تجارياً وبشرياً، لذا يجب أن يتواصل الاهتمام في إنشاء الموانئ وطرق المواصلات وتطويرها.

ويجب على الدولة أن تقدم المساعدات لجميع أبناء الاجتماع ليعملوا في مختلف القطاعات الإنتاجية، من أجل الاكتفاء الذاتي وانخفاض الأسعار.

وحقيقة إنها مأساة كبيرة تتمثل في هدر الموارد والطاقات هباءً منثوراً، فالعالم الإسلامي الآن يسيطر على عدة محيطات وبحار ولدى دوله موانئ على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج وبحر العرب، والمحيط الهندي الممتد إلى أندونيسيا والصين، إضافة إلى عشرات الأنهار التي تجري بمياهها العذبة وثرواتها السمكية وغيرها، ورغم ذلك فإن معظم الدول الإسلامية تستورد الأسماك المجمدة من دول الغرب الاستعماري، وصارت حكومات عديدة تعطي إجازات صيد لأساطيل الدول الاستعمارية، بينما الصيادون المسلمون أصبحوا عاطلين ولا عمل لهم، وهذا يزيد من الفقر وارتفاع الأسعار وسيطرة المستعمرين على مقدرات المسلمين، وبالتالي يزداد التفسخ الاجتماعي وتزداد الجريمة، كما هي ظاهرة واضحة في كثير من الدول، وذلك من وجهة نظر الإمام الشيرازي، لأن تلك الدول قد سلّمت مقاليدها للديكتاتوريين وأذناب الاستعمار، من غير أن تفكّر بمصالحها ومستقبلها ومستقبل أجيالها.

كما يدعو الإمام الشيرازي إلى تطوير الحركة الصناعية والحركة التجارية وتسهيل التعامل التجاري والصناعي وكل تعامل اجتماعي واقتصادي آخر مما يساعد على رفع مستوى التجارة والصناعة.

ونتيجة لهذه النظرة الصائبة، والتشخيص السليم لدور الاقتصاد في التنمية الاجتماعية، أصبح من الضروري أن يتمّ التلازم المكين بين القوى الاقتصادية والقوى البشرية لتحقيق التغيّر نحو الأفضل، فيجب أن يضع المسلمون نصب أعينهم ضرورة الارتكاز على العوامل التالية:

* الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

* الالتزام التام بتعاليم الإسلام وقيمه الإنسانية السامية.

* الحرية والاستشارية في جميع شؤون الحياة ومنها الاقتصاد.

* التكافل الاجتماعي.

* بناء الاقتصاد السليم القابل للنمو.

* شعور كل مسلم بكامل المسؤولية.

ويمكن تحقيق كل هذا في البلاد الإسلامية، بكل سهولة إذا صدقت النيات، بفضل النعم الوفيرة التي حبانا الله بها، وأولها نزول الإسلام ليتيح للبشر طريقاً نحو السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة، إضافة إلى أن البلاد الإسلامية تتمتع بموارد طبيعية جمّة، إذا استُثمرت استثماراً كاملاً أمدت العالم بخير عميم وقوة اقتصادية وأخلاقية عظيمة.

فهناك المعادن من النفط واليورانيوم والذهب والفحم وغيرها من المواد الطاقوية في باطن الأرض، إضافة إلى الأنهار العذبة الوفيرة والأرض الخصبة الواسعة على سطحها، والثروات البحرية الهائلة من الأسماك إلى اللؤلؤ، والصناعات التي يمكن أن تقام بواسطة العقول التي منحها الله تعالى لبني البشر كي يستثمروا ما في الطبيعة لصالحهم ومصالحهم، والتجارة التي فيها تسعة أعشار الرزق، ثم هناك المنهج الإسلامي الدقيق الذي يضع كل شيء في موضعه المناسب له من عجلة الحياة كي تسير بشكل متوازن، بعيد عن الأطماع والاستغلال والحروب والتدمير، فيستثمر المواد الطاقوية والثروات المتعددة ويسير في الزراعة والتصنيع والتجارة من أجل خير الإنسان وتحقيق الرسالة السماوية.

لقد تدمرت الآن كل هذه الثروات لضياع المنهج الذي ينظّمها والفكر الذي يسيّرها، وانعدام المسؤولية تحت شعارات براقة من الوطنية والقومية والاشتراكية وأخيراً الديمقراطية.

ولم يُغفل الإمام الشيرازي تنبيه المسلمين على حقيقة سياسية معروفة، وهي أن تزايد أهمية البلدان الإسلامية ومصادر ثروتها الطبيعية مدعاة لطمع الطامعين وعرضة لمحاولات السيطرة الأجنبية. فلابد من توفر الوفاء والعزم والإخلاص لإنقاذ البلاد الإسلامية من الاستعمار والخراب، ووضعها في طريق التنمية الشاملة، طريق التغيّر نحو الأفضل. وبذلك تتحقق النظرة التوحيدية الشمولية للإمام الشيرازي تجاه مسائل التنمية والتغيير. وتلك النظرة التوحيدية الشمولية لا تشمل هذا الجيل فقط، بل تنظر إلى مصلحة الأجيال القادمة أيضاً.

ففي موضوع النفط، مثلاً، يرى سماحته، أن النفط وبقية الثروات التي تشبهه من المعادن وغيرها ملك لهذا الجيل وللأجيال القادمة، كما أنه يجب أن يكون في خدمة البشرية جمعاء، وأن يباع بالأسعار الحقيقية العالية، لا أن يعطى بأسعار زهيدة إلى الدول الاستعمارية، يقول سماحته:

(إن النفط أخذ يضخ بكميات هائلة من المخازن التي أودعها الله سبحانه في الطبيعة، وأخذت البلاد التي ظهرت فيها هذه المادة تخرجها بكثرة لتبيعها إلى البلدان الغربية بأثمان رخيصة جداً، ثم تصرف تلك البلاد النفطية الأثمان في غير المصارف المقررة اقتصاداً وشرعاً، أي أن كلاً من الموازين الاقتصادية والموازين الإسلامية تخالف الضخ بهذه الكمية الكبيرة، ثم تخالف هذا النوع من البيع ثم تخالف هذا النوع من الصرف)(13).

ثم يوضح سماحته هذه النظرة المختصرة، بتفصيل الكلام على جهتي البيع والاستفادة من أموال النفط، فالأموال تهدر فيما لا فائدة له، بدل أن تُبنى بها البلدان وتُحقق بها العدالة.

فعن الضخ الكثير الذي صارت الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، تأخذه وتخزّنه في أرضها لحين نفاده من الدول الحالية فتبيعه بأغلى الأسعار يقول سماحته:

(كون الضخ بهذه الكمية، غير جائز شرعاً، وذلك لأن كل ما في الكون حق لهذا الجيل وللأجيال الآتية)(14) ودليل سماحته في هذا الخصوص أن الله سبحانه وتعالى (خلق كل الكون لكل البشر ابتداءً من آدم (عليه السلام)، وانتهاء إلى آخر فرد من البشر، وقد دلت على ذلك الآيات والروايات، وكل ما في الكون من الخيرات الدورية كمياه البحر، وغير الدورية كالمعادن المقدرة بأقدار خاصة بحيث تنفد بعد أخذها، جُعل لمجموع البشر، فاللازم أن يصرفه البشر بدون تقتير ولا إسراف)(15).

وتتسع نظرة الإمام الشيرازي إلى هذه الموضوعات فيرى أن المعادن التي هي ملك لكل الأجيال، هي أيضاً ملك لجميع البشر في الجيل الواحد، فلا يحق لفئة من الجيل أن تستبد بالثروات الطبيعية دون أن تشرك بقية الجيل بها، يقول سماحته:

وعليه فلا يحق لجيل من البشر أن يصرف مقداراً أكثر من حقه، كما لا يحق للبشر أن يصرف بعضهم مقداراً أكثر من حقه، فمثلاً النفط جُعل لمائة جيل كل جيل يمنح منه مقدار مليون برميل، فلا يحق لجيل أن يأخذ منه مقدار مائة مليون وبرميل واحد أكثر، كما أن المائة لكل الجيل، فلا يحق أن يستبد به بعض الجيل)(16).

ثم يعرض سماحة الإمام هذه المسألة على بساط البحث والمناقشة، فيقرر:

(لا يقال: فهل نفط العراق يجب أن يُعطى لأهالي الصين مثلاً؟ لأنه يقال: يحسب كل الموارد الأرضية وتوزع على الجميع بالعدالة، أي ان العراق له النفط والصين له النحاس والهند له القصدير مثلاً، وهكذا فالكل يجب أن ينعموا بالكل حسب العدالة، فإذا كان هناك بلد لا وارد له حقّ له أن يأخذ من سائر الواردات، إذ الحدود الجغرافية لا اعتبار لها في العقل ولا في الشرع بل هي (أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم)(17). وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع)(18) وقال: (الناس سواسية كأسنان المشط)(19) إلى غير ذلك، فنفط العراق مثلاً ليس خاصاً بالعراق بحدودها الجغرافية التي هي صنع الرجل الاستعماري المعروف (لورنس) وكذلك نفط سائر البلاد، وهكذا كل معدن في أي بلد إلى آخر ما هنالك من ثروات زراعية أو بحرية أو غيرهما، بل كلها للكل بالعدل الأفقي في هذا الجيل والعمودي في سائر الأجيال الآتية، ويقدّر الخبراء أن كم من نفط كركوك، مثلاً، حصة هذا الجيل، سواء العائش منهم في الحدود الجغرافية المجعولة باسم حدود العراق، أو العائش منهم في مكان آخر، مما حُرم من الموارد الكافية لمعيشته، بسبب قحل مكانه من الموارد الكافية، وبذلك المقدار الذي يحدده الخبراء يخرج النفط ليوزع بالعدالة بين من تقدم، وهذا بالإضافة إلى أنه شرعي، عقلي أيضاً، إذ العقل يرى تساوي البشر بالنسبة إلى خيرات الأرض إلا الذي يفوق الآخر بالكفاءات وبالعمل وبما أشبه)(20).

ويواصل المحاججة بهذا الأسلوب ليثبت رؤيته الشمولية التوحيدية لكل الموارد الاقتصادية ولكل الأجيال.

ثم ينتقل إلى مسألة تسويق الثروات الطبيعية، فيرى أنها يجب أن تباع حسب قيمتها الحقيقية ولا تباع بأبخس الأثمان إلى البلاد الاستعمارية، فيقول: (يجب أن يباع المستخرج بالقيمة العادلة، بينما نرى أنه يباع الآن إلى البلاد الاستعمارية بقيمة تافهة جداً، ففي الحال الحاضر يباع البرميل بثلاثين دولاراً (كان هذا الرقم أيام تأليف الكتاب أي قبل ثلاثين عاماً، أما الآن فالسعر في حدود 10 إلى 15 دولاراً للبرميل الواحد، في أفضل الحالات (والحال ان البرميل يسوى بمائتي دولار، على ما حدده بعض الخبراء، آخذاً النسبة من التضخم الموجود في الحال الحاضر)(21).

ثم ينتقل سماحة الإمام إلى مسألة أخرى تكمل الدورة الاقتصادية للنفط، وهي مسألة صرف عائدات الثروة النفطية، فرغم أن تلك العائدات هزيلة ومخزية وتافهة، فإنها تصرف في أشياء لا تنفع البلاد والعباد، فلنستمع إلى سماحته يحدثنا عن أوجه ذلك الصرف اللامسؤول:

(إن ما تأخذه الدول النفطية من النقد تافه في قبال البرميل تصرف في مصارف محظورة شرعاً وعقلاً، فالضخ بهذه الكميات الهائلة خلاف المشروع، والبيع بهذه القيمة التافهة خلاف المشروع.. وصرف القيمة في الموارد التي تُصرف فيها خلاف المشروع)(22).

وبعد أن يذكر سماحته ما سبق أن نبّه إليه من أنه لا يحق لجزء من الجيل الحالي أن يملك كل تلك الثروة، يبين أن ما يجري على أرض الواقع يسير عكس تلك القاعدة في تثمين الأراضي والدور وغيرها من أجل إسكات الناس وإعطائهم أموالاً كان يجب صرفها في التطوير والتعليم وغيرها، ويعتبر سماحته تلك المسألة تمثل النقطة الأولى في أوجه تبديد الثروة النفطية(23).

ثم ينتقل إلى بيان وجوه أخرى من سوء إدارة قيمة تلك الثروات المعدنية، فيعدد النقاط الأخرى التالية:

(1 ـ يرجع قسم كبير منها إلى الغرب في صورة ودائع، ولو كان هذا القسم صرف في العلم والصنعة لكان تحول إلى أضعاف قدره الأول، ولو كان هذا القسم صرف في التجارة لتحول إلى ما لا يقل من واحد ونصف من قدره الأول، لكن الودائع في البنوك الأجنبية تجعله بحجمه الأول بإضافة الربا الذي يكون خمسة في المائة أو أقل، غالباً، فمثلاً يأخذ الغرب مائة مليون، ويجعله لنفسه ألف مليون، لأنه يحوله إلى العلم والصناعة، ثم يرجع إلى البلد النفطي مائة وخمسة ملايين فقط، إن أرجعه مائة وخمسة ملايين، وإلا أحياناً لا يرجعه كذلك، بل يرجعه بقدره أو أقل من قدره كما سيأتي وجهه (إشارة إلى انخفاض القيمة الفعلية للعملات الأجنبية كالدولار الذي تحول إليه تلك الودائع).

2 ـ يرجع الغرب قسماً من الأموال إلى نفس البلد النفطي بصورة بضائع ذات تضخم، بينما كلا الأمرين خطأ، إذ اللازم أن ينتج أهل البلاد، لا أن يستوردوا، لا أقل من أن ينتجوا قسماً من الحاجيات أولاً، ثم البضاعة ذات التضخم ضرر على البلاد، فمثلاً: قيمة السيارة بدون التضخم ألف دينار بينما تستورد البلاد السيارة بخمسة آلاف دينار، وهكذا في سائر المصنوعات، في موارد الأكل واللبس وغيرها، ثانياً.

3 ـ تعمر البلاد بقسم من الوارد في أشكال الدور والشوارع والفنادق، وما أشبه بتعميرات ذات تضخم، فبينما لا يكون تبليط الشارع يكلف في قيمته الواقعية مليون دينار يبلّط بما يكلّف عشرة ملايين دينار، ومعنى ذلك أن تسعة أعشار المال يذهب هدراً.

4 ـ يقرض قسم من المال إلى الدول الأخرى في شكل قروض، حدد مصارفها المستعمر حتى لا يعود القرض إلى تلك البلاد المقترضة بفائدة، فمثلاً: السودان إذا زرعت أعطت كثيراً من مواد الغذاء للبلاد الإسلامية، لكن القرض لا يمنح ذلك، وإنما يمنح القرض لأجل شراء الثلاجات والمبردات وما أشبه، وما ذكرناه إنما هو من باب المثال، وإلا فالمراجع إلى أوضاع البلاد المقترضة يرى العجب في ما يُصرف فيه تلك القروض.

5 ـ إن الودائع التي تودع في البنوك الغربية كثيراً ما لا تأتي حتى بأصل المال، بله الربا المقرر، فإن تنزل قيمة الدولار يذهب بشيء من أصل المال وكذلك تنزل سائر العملات، هذا مع الغض من أن البنك المركزي في تلك البلاد النفطية يشتري عند ظهور قرائن التنزيل كميات كبيرة من الدولار، أو العملة المقرر تنزلها، مما يوجب تلف شيء من المال في نفس البنك المركزي، كما رأينا ذلك بأنفسنا.

6 ـ يصرف قسم من المال في شراء السلاح، ولمن السلاح؟ وهل رأى أحدّ إحدى الدول النفطية حاربت عدواً حقيقياً؟ ان السلاح في الدول النفطية لحرب المسلمين حسب إشارة المستعمر، ثم السلاح يتطور في كل عدة سنوات مما تكون السلاح السابق بسبب ذلك قطعاً بلاد فائدة (سكراب) فليس إلا للذكر والمباهات.

7 ـ يصرف قسم من المال في الهدم فمن الذي لم ير كيف أن البلاد النفطية تسابقت في إشعال لبنان بأموال النفط حيث أراد المستعمر إشعالها لتكون إسرائيل في مأمن.

8 ـ يصرف قسم من المال في أشياء تافهة، كبناء الملعب وما إلى ذلك مما يُصرف لأجله المال ويُهدر من أجله العمر، فبينما يصنع المستعمر مراكب الفضاء، تصنع البلاد النفطية (الأستاد) والأحواض المختلطة وما إلى ذلك.

9 ـ ويذهب قسم من المال في السرقة العلنية للشركات الأجنبية، فبينما المشاريع الكثيرة الفائدة والتي تكون بالملايين تُسند إلى تلك الشركات، مما معناه إبعاد أهل البلاد عن العمل، وإعطاء الأرباح للأجانب، لا تقتنع الشركات بذلك، بل الشركة تأخذ القيمة لعملها أضعاف القيمة الواقعية، وقد كان أعطى أحد الوزراء برشوة ضئيلة للوزير مشروعاً لشركة أجنبية، مما يقارب مليوني دولار، وعرف بذلك أحد النواب، ولما اعترض النائب على الوزير وأراد فضحه في مجلس الأمة اضطرت الشركة أن تقبل العمل بما يشبه القيمة الواقعية لها، أي ثمانمائة وخمسين ألف دولار.

10 ـ كما أن الشركات تسرق الأموال بصورة أخرى، وهي بناء المشاريع الضخمة ثم إبدائها الأسف من أن المناسب كون المشروع في مكان آخر، مثلاً: بني مطار بعشرة ملايين في إحدى الدول النفطية، وعند قرب إتمام المشروع أظهروا أن المطار لا يصلح أن يكون هنا، وكان معنى ذلك هدر كل تلك الأموال.

11 ـ والسرقة الثالثة، بناء مشروع غير متقن، حتى يحتاج إلى الإعادة بين كل فترة، فمثلاً: يبني الشارع بصورة غير متقنة مما يوجب خرابه بسرعة أو وقوف المطر فيه أيام الشتاء، حتى يعطى للشركات الأجنبية بنائه من جديد، وكذلك الأمر في بناء المعامل ومد أسلاك الكهرباء والتلفونات وأنابيب الماء إلى غير ذلك، وقد قيل لأحد الحكام النفطيين لماذا تعمل هكذا؟ قال: إن الله وفّر لنا الخير فدع الآخرين يأكلوا الخبز. نعم الأجانب يأكلون والمسلمون محرومون.

12 ـ والمستشارون والخبراء الأجانب في كل الشؤون الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها برواتب ضخمة، أحياناً تصل إلى حد الخيال، وهو نوع آخر من أقسام نهب خيرات البلاد، وقد استدعى ذات مرة بلد نفطي ثلاثة خبراء لأجل أن يعملوا في البلد ستة أشهر بأجرة مليون دينار.

13 ـ إحراق الغاز بدون فائدة نوع آخر من أنواع تحطيم الثروة النفطية فبينما الغاز ثروة لا تثمّن تُحرق علناً بأعذار تافهة لا وزن لها حتى مقدار النقير.

14 ـ وتعطيل الشعب عن العمل نوع آخر من أنواع تجميد البلاد، ونهب ثرواتها، فبينما كان اللازم أن يضاعف الشعب الجهد لحفظ ثرواته وتبديلها إلى العلم والصناعة، ترى الشعب عاطل، مثاله مثال ولد التاجر الذي ادّخر له أبوه ملكاً عريضاً فيأكل الثروة بدون عمل إلى أن تنتهي الثروة ويصبح فقيراً يتكفّف الناس، وقد أحصى بعض المنظمات الدولية عمل الفرد في بلد نفطي، فكان كل عامل يعمل إحدى عشرة دقيقة في اليوم، ولذا ترى الشعب لا همّ له إلا السفر بمختلف الأسماء والمناسبات، والعطل كثيرة جداً.

15 ـ وإغراق الأمة بالتجملات، نوع آخر من أنواع السرقة وإهدار الأموال، سواء التجملات في الدار والأثاث أو السيارة أو الملابس أو غيرها فـ (المد) و (الديكور) و (الموضة) هي السائدة على الحياة.

16 ـ والإسراف في كل شيء من المأكول والملبوس والسيارة وغيرها الشعار العام، حتى ترى أحدهم يهدم داره وهي جديدة قد كلفت عشرات الألوف من الدنانير، ليبني الدار بطرز حديث، وكذلك يلقي بأمتعته الثمينة في الشارع، أو إلى الهرج، ليجدد المتاع بصورة تلائم ذوقه، فبينما ترى البلاد الصناعية تستفيد حتى من النفايات وتستدر منها أرباحاً طائلة فقد ذكرت إحدى الصحف ان نفايات أمريكا تحول إلى أربعين مليار دولار كل عام، ترى الأشياء الحسنة تلقى في الشارع في البلاد النفطية، لتذهب بها البلدية إلى المحرقة، أما البنايات إذا هدمت فالأنقاض تكون طعمة الأراضي المنخفضة أو ما أشبه ذلك.

17 ـ والطلاب يدرسون من صغرهم في البلاد الأجنبية، أو يرسلون إليها من الثانوية أو بعدها أو بعد الجامعة، بأجور رفيعة مما لو صرفت تلك الأجور في نفس البلاد لكان بالإمكان بناء مثل تلك المدارس والمعاهد بكل لوازمها في نفس البلاد، وكذلك يرسل المرضى إلى الخارج ليملأوا كيس المستعمر، وأحياناً تجد العائلة في بلد نفطي وطبيب العائلة في لندن أو نيويورك أو ما أشبه، أما الاصطياف في الخارج فهو شيء مألوف لا يستثنى منه إلا القلة.

18 ـ وبعد كل ذلك يأتي دور الهدايا والهبات والعطايا والصلات بالنسبة إلى الأجانب بما لا يصدق، إلى غير ذلك مما يجمعه الترف والسرف والهدر والتبذير، ونهب الأجنبي للخيرات بما لم يحدث التاريخ مثله، حتى أن ملاحظ هذه البلاد يجد فيها ما لا يجده حتى في قصص ألف ليلة وليلة، وقد صدق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: (ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع).

ففي عالم اليوم يعيش فيه ألف مليون جائع، ويموت فيه كل شهر أكثر من مليون طفل جوعاً وفقداً للدواء يكون حكام وأفراد يتصرفون بثروة الجيل والأجيال الآتية بأمثال هذه التصرفات، مما لو جمعت لكانت ضخمة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، لمن لم يشاهدها رؤية العين، وما ذكرناه إنما هو من المآسي الاقتصادية، حيث تصرف خيرات البلاد هدراً وإسرافاً، ويكون سبباً لتقوية المستعمرين وتضعيف المسلمين، وإتلاف حقوق الجيل المعاصر والأجيال الآتية، بل في ذلك أضرار كبيرة بنفس أهالي البلاد في المستقبل حيث يكون أولاد هؤلاء يرجعون إلى فقر أجدادهم الذين كانوا قبل النفط، وهو أمرّ الفقرين، حيث إن الفقر عن غنى أمرّ من الفقر العادي)(24).

لقد آثرنا نقل هذا النص، على طوله، لنضعه، من جديد، أمام كل المسلمين، وأما المصلحين جميعاً في شتى أرجاء العالم، ليعرفوا عمق المأساة الإنسانية التي تمارس في العصر الحديث ضد الأمم والشعوب، وضد الأجيال اللاحقة، بفعل هذا التبذير لثروات هذا الجيل والأجيال القادمة والتي لها حقها المعلوم في هذه الثروات جميعاً.

إن النص السابق يضم النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ويهدف إلى إعادة الأمور إلى نصابها، من أجل سيادة العدالة في كل شيء ومنها توزيع الثروة.

وعلى حسب هذه الرؤية الشيرازية المنطلقة من الأساس الشرعي الذي يشكل بؤرة فكر الإمام الشيرازي، يجب على الدول النفطية جميعاً أن تعلم أن التعويل على النفط في تمشية الأمور المالية للدولة، وهدره بهذه الطريقة الجشعة، سيسبب تحطيماً كاملاً لتلك الدول وشعوبها.

يجب أن يفهم الجميع أن من الضروري عدم الاعتماد التام على النفط في تمشية الأوضاع المالية للبلاد، ناهيك عن تبذيره وتقديمه للمستعمرين لقمة سائغة، سواء في بيعه لهم أم في التصرف السيئ بثمنه والذي سيعود إلى تلك الدول الاستعمارية، كما بيّن سماحته ذلك بكل جلاء ووضوح.

لأن النفط ثروة ناضبة يجب أن تُستخدم لبناء ركائز اقتصاد سليم منتج يُغني في المستقبل عن الاحتياج إلى الدول الأخرى. وهذه رؤية متقدّمة وواعية جداً، لما يجب أن تكون عليه الأمور؛ فإن الاعتماد المستمر المتواصل على الثروة الناضبة من شأنه أن يُلحق بالبلاد مستقبلاً ضرراً فادحاً.

لقد أثرت هذه الرؤية الشيرازية في كتابات بعض المصلحين والمفكرين المعاصرين، فظهر تأثيرها مثلاً في كتابات العالم المعروف ميسنر (25) (J. Messner) الذي قرر، بناء على رؤية الإمام الشيرازي، وشواهد الواقع المعاش، أن أشرس المخاطر التي تواجهها الدول (اعتمادها الكلي على ثروات ناضبة، من غير أن تستغلّ تلك الثروات لبناء أسس اقتصاد سليم في دولة سليمة)، أي في دولة استطاعت أن تنقل أفرادها المشتتين إلى منتجين واعين. وهي نفس النظرة التي صار يتبناها كثير من علماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة في عصرنا الحاضر، والتي تشهد للإمام الشيرازي بأعلميته الواضحة وصحة توجهاته في المسائل التي تهم المجتمع ومستقبله.

ومن أجل أن تنتقل هذه الرؤية إلى الواقع تطبيقاً وتحقيقاً، فقد حلل الإمام الشيرازي، في المورد ذاته، أسباب هذا التبذير والفساد والإصرار على تبديد ثروات الأمة، وما نتج عن ذلك من ويلات ومآس ومخاطر على المجتمعات الإنسانية، فيقول:

(وهناك في جملة من البلاد النفطية مشاكل اجتماعية أورثها الانحراف عن قوانين الله سبحانه، وذلك يرجع إلى سياسة المستعمر الذي أراد الانغلاق والتشتت في البلاد، ليكون كل الأمر بيد زمرة قليلة يتسنى له القبض بزمامهم، لينهب خيراتهم ويصرف بقية الخيرات عن الفعالية والخدمة في الحقل الصحيح، وقد صنع المستعمر ذلك عبر قوانين:

1 ـ عدم إشراك الأمة في تقرير مصيرها، بل كل شيء بيد الحكام، حتى أن بعض البلاد النفطية كانت تتمتع بنصف ديمقراطية يتمكن الشعب بها من شيء قليل من الاشتراك في تقرير المصير، لكن لم يرق ذلك للمستعمر فحطمها بدون أي مبرر، إلاّ استبداد الحاكم بكل الأمر.

2 ـ غلق البلاد في وجوه الناس حتى أن دخول إنسان إلى البلاد لا يكون إلا عبر مراسيم صعبة وملتوية، وذلك لئلا يشرك المستعمر في خيرات البلاد غيره، ولئلا تتسرب إلى البلاد الأفكار الصحيحة، مما ينتهي في وقت ما إلى طرد المستعمر والوقوف دون نهبه للخيرات.

3 ـ وإذا دخل البلد إنسان فلا يُسمح له البقاء إلا عبر رشوة كبيرة تصل أحياناً إلى ألوف الدنانير، ثم لا يُسمح له بالعمل إلا فرعاً لمن يسمى بأهل البلاد، مما يضطر أن يخصص قسماً من وارده للأصل الذي ارتبط به.

4 ـ تقسيم من يسمى بأهل البلاد إلى قسمين: درجة أولى، ودرجة ثانية، ولماذا؟ لأن (فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً)(26). وبذلك صار المجتمع طبقتين متحاربتين، هذا مع الغض عن تقسيمات أخر داخل هذين التقسيمين الكبيرين.

5 ـ إفقار أكثرية الأهالي عبر حرمانهم من أوليات الحياة فترى أكثرية الشباب والشابات لا يتمكنون حتى من الزواج، ولماذا؟ لأنهم لا يملكون المهر، ولأنهم لا يملكون المسكن، ولأنهم لا يملكون مستقبل معيشة أهلهم، إذ واردهم الوظيفي لا يكفي، والدولة غير مستعدة أن تعطيهم من مال الله الذي جعله لعباده، ولذا تجد الأكثرية يعيشون في حالة فقر على بحر من الثروة والغنى.

6 ـ استعباد الشعب بالقروض الطويلة الأمد، فإذا منحت الدولة داراً لإنسان قسطت ثمنها مع أرباح الثمن في مدة عشرين أو ثلاثين سنة، ومعنى ذلك انه صار رقاً وارتبط بالأرض لا هو بنفسه، بل وحتى ولده، وهل المال إلا مال الله؟ وهل هؤلاء إلا عباده؟ فلماذا يتزوج أحدهم كل أسبوع زوجة، ولا يملك عشرات الألوف من الشباب زوجة؟ ولماذا يتنعّم أحدهم بمئات الملايين، ولا يملك عشرات الألوف من الشباب حتى إجارة مسكن متواضع؟ انه مأساة الانحراف عن قوانين الإسلام واستبدالها بقوانين الأرض التي لم توضع إلا لزيادة مشاكل الإنسان)(27).

وفي هذه النقاط يوجه سماحته نقداً لممارسات جميع الحكومات في العالم الإسلامي، إذ لا تكاد الواحدة تختلف عن الأخرى إلا في جزئيات ضئيلة. وكل هذه النقاط هي نتيجة للنقطة الأولى المتمثلة في عدم إشراك الأمة في تقرير مصيرها، حسب تعبير سماحته.

وبمقتضى المنهج الذي يتبعه سماحة الإمام الشيرازي في بحوثه، فإنه لا يكتفي بعرض المشكلة وأسبابها، بل يعطينا طريقاً للحل، ففي الحالة التي نحن فيها، نراه يضع الطريق للخلاص على الشكل التالي:

(وهذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها لا تحل إلا بأن يكون الحكم شورى وتأتي الأمة بالحاكم الذي يرضاه الله وترضاه الأمة، وأن تكون القوانين قوانين الله سبحانه، وحيث كان الكلام حول النقد، لم نر بداً من ذكر النقود التي تهدر وتنهب من البلاد النفطية، وكيفية هدرها ونهبها، ثم استطردنا ذكر بعض المشاكل الاجتماعية لتلك البلاد، والله الغالب المستعان)(28). فالنقطة الأساسية هي (الحرية) حرية اختيار الناس للحاكم الذي يرضاه الله وترضاه الأمة.

أما النقطة الأخرى، فهي:

(فاللازم أن لا يضخ النفط إلا بقدر التفاوت بين المحتاج إليه من المال، وبين ما يربحه البلد من المال الحاصل من عمل العمال، وفكر المفكرين، وسائر الثروات الموجودة، كالثروة الحيوانية والزراعية، وما إلى ذلك)(29). وهذا يعني أن سماحته يدعو إلى عدم الاعتماد على النفط وسائر الثروات الناضبة، بل انه يجعل تلك الثروات المعدنية الناضبة عاملاً مساعداً في الاقتصاد، لبناء اقتصاد معافى وسليم، وتلبية لحاجات الناس.

وذلك تحقيقاً لمزيد من التغيّر نحو الأفضل للمجتمع المسلم في ظلال الأمن والطمأنينة، بتنفيذ البنية الأساسية للنمو الاقتصادي. وتحسين مستوى حياة كل أفراد الشعب باستمرار، ولتقوية الدعائم الأساسية والأمن والاستقرار، ورفض إقامة مشاريع مترفة لا معنى لها، كالملاعب التي تصرف عليها مئات الملايين والناس محتاجون إلى استصلاح الأراضي وإقامة المعامل والمدارس، لأن الإمام الشيرازي معنيّ ببناء الحاضر والمستقبل. وتلك المشاريع المترفة التي لا معنى لها تعارض مصلحة الأمة حالياً ومستقبلياً، كما أثبتت تجارب بلدان عديدة.

وهذه الرؤية تنبئ عن النظرة التوحيدية الشاملة التي يتمتّع بها فكر الإمام الشيرازي، الذي يدعو إلى تنفيذ مشاريع الطاقة الكهربائية، وتمديدات المياه، وإنشاء الطرق والمساكن والمرافق العامة، والخدمات الاجتماعية، والعلوم والثقافة، والهندسة والزراعة والطب، وغيرها من أمور تهمّ الناس وتأخذ بأيديهم نحو آفاق المستقبل الرحبة.. وفي نفس الوقت يتم الاهتمام والعناية بالمسائل الروحية والأخلاقية والواقعية، فلا يطغى جانب على آخر.

ويرى الإمام الشيرازي أن هذا المخطط سيؤدي إلى النجاح في اكتشاف مصادر أخرى للدخل، وسيساعد على استثمار الثروات الطبيعية الأخرى كالغاز والنحاس واكتشافات الفحم ونحوه، ويتقدم العمل على كل تلك الثروات، التي يجب أن تجري دراستها سوية على أساس العلاقة التكاملية فيما بينها بحيث لا يكون هناك إسراف ولا تبذير ويخلق في التالي مشاريع ترفيه ليس لها جدوى.

ولإنجاح هذا النهج يجب أن تتوفر الحرية والمدارس لتعليم الشباب وإعدادهم الإعداد الكافي ليصبحوا علماء واختصاصيين في الطب والهندسة والزراعة، وغير ذلك من فروع الاختصاص الأخرى التي يحتاج إليها الاجتماع.

فلذلك على المسؤولين في العالم الإسلامي:

1 ـ توفير الحرية والاستشارية.

2 ـ عدم تبديد الثروة.

3 ـ توظيف تلك الثروة لما ينفع البلاد والعباد.

4 ـ عدم السماح للمستعمرين بمصادرة الحريات أو الثروات.

5 ـ مواصلة السعي إلى تنويع مصادر الدخل وتوسيع قاعدة الاقتصاد.

6 ـ الاتجاه نحو تخفيف الاعتماد على الثروات المعدنية الزائلة وضمنها عائدات النفط.

7 ـ الاستمرار في استغلال الموارد الطبيعية المتوفرة في البلاد.

8 ـ يجب الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في المنتجات الرئيسية والحيوية للبلاد.

9 ـ يجب أن تتخذ قرارات لتشجيع الصناعات المحلية ودعمها أسوة بالمشاريع الهادفة إلى استثمار موارد البلاد.

10 ـ تركيز الاهتمام على تطوير الكفاءات المحلية والقوى البشرية وتدريبها، وتوظيفها في إطار الخطط الموضوعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

11 ـ إن تقدم الدول وتحقيق الرخاء لشعوبها يعتمدان إلى حدّ كبير على مدى ما تتمتع به هذه الدول من قوة اقتصادية.

12 ـ لابد من الحرص على انتهاج سياسة اقتصادية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مطّرد وملائم.

13 ـ يجب أن تكون الخطط الاقتصادية تتمتع بالمرونة التي تساعد على معالجة الظروف المستجدة وانعكاساتها، وألا يؤثر ذلك على خطط التنمية الأساسية والحيوية اللازمة لتقدم البلاد ورفاهية الأمة، بمراعاة الأولويات في إنجاز المشاريع، بالاعتماد على مدى فائدة المشروع المراد تنفيذه أو الخطة التي يُحتاج إلى تحقيقها، فيتمّ التركيز على تلبية حاجات الناس وتشجيع الزراعة والصناعة والاستثمارات في مجالات التجارة والأسماك والمعادن وغيرها، من أجل المحافظة على الثروة من التبديد والتبذير.

هذه الرؤى الاقتصادية للإمام الشيرازي والمترابطة مع نهجه الاجتماعي ورؤيته لأهمية الحرية والاستشارية والتي تحدد سبل توظيف الاقتصاد الناجح لمصلحة البلاد والعباد والسير معاً نحو صنع التغيّر نحو الأفضل، تصل بنا إلى كيفية تحديد أهداف العمليات التغييرية التي هي خدمة المسلم أولاً وأخيراً والوصول به إلى آفاق تتطور كل يوم.

وانه لمن الطبيعي أن تتم الاستفادة من الصناعة والزراعة والتنمية البشرية وأن توظّف بالطريق الصحيح. لذلك لابد من تحديد رؤية مستقبلية للعمل التنموي تكون واضحة ومحددة المعالم. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بإيلاء أهمية أكبر لتنمية الموارد البشرية وذلك من خلال تحسين التعليم العامّ، وتطوير التعليم الفني والتقني بما يؤدي إلى إكساب الإنسان القدرات والمهارات التي تمكّنه من إدارة دولاب العمل بكفاءة عالية في مختلف المجالات، فإن الإنسان، هو صانع التنمية وهو أداتها مثلما هو، في ذات الوقت، هدفها. وكل جهد يُبذل في مدّه بالعلم النافع والمهارة الفائقة، والخبرة المتنوعة، هو في حقيقة الأمر إسهام قويّ في تطوير المجتمع وبناء الدولة، ولذلك نرى بعض المسؤولين في العالم الإسلامي يسعى لسيادة الجهل والأمية وتزييف الوعي لكي يحافظ الحكام الديكتاتوريون على امتيازاتهم وبقاء سيطرة المستعمرين عليهم.

ويوضّح سماحته الأسباب التي من أجلها قدّم رؤيته السابقة الذكر، وذلك لأن الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية تفتقد إلى العدالة، في داخل البلد، وفي نفس الجيل، إضافة إلى افتقاد العدالة بالنسبة لجميع البلدان والأجيال القادمة التي لها حق في الثروات الموجودة حالياً:

(مثلاً إذا كان البلد ينتج من الثروات المذكورة (كالثروة الحيوانية والزراعية وما إلى ذلك، بعد جهد الكل) مليون دينار، وهو بحاجة إلى مليون ونصف، كان المقدار المعقول من الضخ هو ما يسد مقدار النصف مليون.

ففي بلد نفوسه أقل من نصف مليون مثلاً، القدر المحتاج إليه يومياً، على أحسن فرض خمسة آلاف برميل إذا بيع البرميل بمائتي دولار، ثم إذا ضخ أكثر فالأكثر حق سائر المعاصرين من الجيل، وإذا لم يُصرف في المعاصرين، فاللازم أن يُصرف في العلم والصناعة، وإن لم يُصرف في العلم والصناعة، فاللازم أن يضارب به ليبقى هو وأرباحه للأجيال الآتية)(30).

ولا نعرف أحداً تناول موضوع الثروات بشموليتها للجيل الحاضر والأجيال الآتية غير سماحة الإمام الشيرازي، وذلك انطلاقاً من البؤرة الشرعية التي تكوّن منطلق جميع الأشعة التي تتّصل ببناء الدولة المعاصرة والمستقبلية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وهذا مفهوم للعدالة جديد كل الجدة على الفكر المعاصر، وخاصة أن الفكر المعاصر يقوم في أغلبيته على المادة والمصلحة الأنانية الضيقة وإلغاء البعد الإنساني والاجتماعي عن الاقتصاد، الذي جعلوا هدفه الربح فقط مهما كانت الوسيلة المتبعة لتحقيق ذلك الربح وحشية وبعيدة عن العقل والمنطق.

1 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 7 .

2 ـ ن.م: ج 1 ص 9 .

3 ـ ن.م: ج 1 ص 9 .

4 ـ ن.م: ج 1 ص 11 .

5 ـ ن.م: ج 1 ص 11 .

6 ـ ن.م: ج 1 ص 12 .

7 ـ ن.م: ج1 ص12 .

8 ـ Mckeon R. P., The Meanings of Justice, London, 1978, P. 342 .

9 ـ Mckeon, Justice and Equality, New York 1985, P. 116 .

10 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 15 .

11 ـ المسائل المتجددة 121 .

12 ـ ن.م 121 .

13 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 189 .

14 ـ ن.م: ج 1 ص 189 .

15 ـ ن.م: ج2 ص 190 .

16 ـ ن.م: ج 2 ص 190 .

17 ـ سورة النجم، الآية: 23 .

18 ـ الوسائل: ج 8 ص 490 .

19 ـ البحار: ج 75 ص 251 .

20 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 190 ـ 191 .

21 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 190 ـ 191 .

22 ـ ن.م: ج 2 ص 191 .

23 ـ انظر الاقتصاد: ج 2 ص 192 .

24 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 192 ـ 197 .

25 ـ Messner, J., Social Ethics, New York, 1995. P. 186 .

26 ـ سورة القصص، الآية: 4 .

27 ـ الاقتصاد: ج2 ص 197 ـ 199 .

28 ـ ن.م: ج2: ص199 .

29 ـ ن.م: ج2 ص 199 .

30 ـ ن.م: ج2 ص 200 .