الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

العلم والتنمية البشرية

من المعلوم أن الدولة الإسلامية، حسب رؤية الإمام الشيرازي تستمد شرعيتها من رضا الله سبحانه وتعالى وتوافق الناس عليها ما دامت مرضية لديه، سبحانه، كما أنها تستمد أسس قيامها بواجباتها، وتحديد تلك الواجبات، من:

1 ـ القرآن الكريم.

2 ـ السنّة النبوية المطهرة.

3 ـ الإجماع.

4 ـ العقل.

على تفصيلات مذكورة في المصادر.

فبناء الدولة الإسلامية يجب أن يرتكز على تلك الأسس الأربعة إضافة إلى الاستفادة من التاريخ وأحداثه ووقائعه، ومن العصر الحديث ومنجزاته العلمية التي تعطينا أساساً للمعلومات العلمية هو في تطور مستمر، كل يوم.

ومن ظواهر هذه المعلومات المتنامية، أن الناس لابد أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولذلك جاء في القرآن الكريم (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)(1) فإن لفظة (منكم) لها دلالة تصفع جميع الطغاة والظالمين لأنهم ليسوا من المشمولين بذلك الوصف (منكم) وكيف يكون الظالم (مِنَ) المظلومين؟! ثم إن الطغاة على مرور التاريخ لا يردون الأمر إلى الله والرسول، بل حكموا بشهواتهم، في السابق، وبشهواتهم وأوامر أسيادهم المستعمرين في العصر الحديث.

ولاشك أن الاقتصاد هو عصب الدولة وأن العصر الحديث قد اهتم به كثيراً فهناك المئات من المؤلفات الضخمة في الموضوع إضافة إلى آلاف الدراسات والمقالات والبحوث المنشورة في الدوريات الاقتصادية، وهي في معظمها تريد أن تضع حلاً للمشاكل الاقتصادية العويصة التي تتخبط بها البشرية بفعل الأنانية والجشع التي غرسها اليهود في الاقتصاد العالمي.

ولما لم يلتفت أولئك الباحثون إلى جوهر المشاكل الاقتصادية فإنهم لم يستطيعوا أن يضعوا الحل النهائي. والحل النهائي، يكمن في تطبيق ما جاءت به الشريعة الإسلامية السمحاء، وأوضحه علماء الأمة الكبار على مرور العصور، مما نجده ماثلاً في كتابات الإمام الشيرازي.

ومنذ البدء يوضح سماحة الإمام أن الاقتصاد هو واحد من أكثر أُسس التطور الحضاري تأثيراً في عالم اليوم. وبهذا أصبح الاقتصاد من القوى الرئيسة التي تصوغ الدولة المسلمة التي يجب أن يتمتع بثمارها المجتمع المسلم، وخاصة حين يترافق ذلك مع التوجيه الاجتماعي والسياسي، ولولا ذلك التوجيه لما أمكن للاقتصاد المعاصر، وحده أن يحقق سعادة الناس، لأن التنمية الاقتصادية لوحدها، وحين تكون منفصلة عن القيم والأخلاق، لا تستطيع أن تصل إلى تحقيق أهداف الإنسانية، فالتقدم الحقيقي لا يحققه الجشع والمنفعة الشخصية إذا قامت على حساب الناس واضطهادهم، بل ان التقدم الحقيقي يكمن في التراث المسلم العريق وشرائع ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف.

(ولبيان الإشكال اقتصاداً وحكومة نقول: إنه ما من شك في أن الاقتصاد له الدور الرائد في إدارة البلاد، والسياسة تتبع الاقتصاد، والجيش يتبع السياسة، فإذا ثبت أن الاقتصاد حتى في الدول المحايدة بيد العالم، لا بيد الدولة المحايدة، كان معنى ذلك أن السياسة بيد العالم، وأن الجيش بيد العالم، وعليه فالحكم والاقتصاد بيد العالم، وليسا بيد الدولة التي تريد تطبيق الإسلام حكماً واقتصاداً حتى تطبق الإسلام حسب ما تريد)(2).

ولحل هذه المشكلة التي يفرزها النظام العالمي الجديد، والذي ذكره الإمام في هذا النص قبل ثلاثين عاماً من تاريخ بداية تفكير العولمة على صعيد الدول الغربية نفسها، فإن الإمام الشيرازي يدعو إلى الوقوف أمام هذا التيار الجارف بالاكتفاء الذاتي وتعميم التقشف حسب الضغوط التي تتعرض لها الدولة الإسلامية وفي مواجهة الاستهلاك ومن يريدون تحويل العالم الإسلامي إلى سوق لبضائعهم الكمالية في معظمها.

ومن أجل ألا يعتبر ذلك إهمالاً للجوانب المادية من التطور الحضاري فإن سماحة الإمام أكد مراراً على دور العلم والتقنية في إنجاح مسيرة الدولة بميادينها المتنوعة، ومنها الاقتصاد، وبحسب الصياغة السياسية الشيرازية لهذه القضية، جاء في المنهج الشيرازي التأكيد على أن العلم والعمل الجاد هما وسيلتان ناجحتان لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء دولة قوية ومزدهرة على أساس القيم الإسلامية والحضارية.

(العلم يخدم الاقتصاد إذا كان منهاج العلم وضع باستقامة واستقلال، وبالعكس يكون محطّماً للاقتصاد أو حياداً عن الاقتصاد، إذا وضع المنهاج بانحراف وتبعية)(3).

ومن المؤكد أن العلم والتقنية حين يوجهان توجيهاً حكيماً فإنهما يشاركان مشاركة واسعة في تحسين حال المجتمع في جملته وفي حل العديد من المشاكل في القضايا الاقتصادية، ويعملان على تطوير الواقع بزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته، وهو ما أشار إليه سماحة الإمام الشيرازي، بتقريره أن التطوير المستمر للاقتصاد نحو الأفضل يقتضي اهتمام الصناعيين والمزارعين والخبراء بإجراء البحوث والدراسات اللازمة في هذا الشأن، والعمل على إيجاد قاعدة علمية تدفع عجلة التصنيع قدماً إلى غايتها المنشودة.

ويوضح سماحة الإمام وجوه الخدمات التي يقدمها العلم والتقنية لحل المشكلة الاقتصادية، بعد تحرير الاقتصاد من سيطرة الاستعمار والجهلة والطارئين على الحكم من الديكتاتوريين والظالمين المستبدين، ويجعل تلك الخدمات في أمور يوضحها على هذا الشكل (هذه النقاط مأخوذة من كتاب الاقتصاد 2 / 147 ـ 157، وما وضعناه بين إشارتي  فهي تعقيب منا يقتضيه النص):

(الأول: ان الدكتور والمهندس وعلماء التربة وغيرهم، قادرون على تقديم الاقتصاد مباشرة أو غير مباشرة، فإذا كثر العلماء في المجتمع تقدم الاقتصاد، مثلاً: علماء التربة يعرفون الأرض الصالحة للزراعة من الأرض غير الصالحة، وعلماء الجغرافية يعرفون أقصر الطرق للمواصلات البرية والبحرية وأكثرها أمناً وسلامة. (وأيضاً فإن علماء التربة أو (الجيولوجيون) يعرفون المعادن وأماكن وجودها بفحص التربة ودراستها).

ومن المعلوم أن كلا قسمي العالم من هذا القبيل يساعدون الزارع والتاجر في سلوك أحسن الطرق للأمرين، مما يدرّ بفوائد كثيرة، والدكتور حيث يشفي المرضى، والصحيح أكثر إنتاجاً من المريض، يساهم في تحسين الاقتصاد (أي ان العناية الصحية بالناس لها مردود اقتصادي أيضاً، فما تصرفه المجتمعات على المستشفيات والمستوصفات والأطباء له نتائج إنسانية واقتصادية كثيرة، كما أن تطبيق قاعدة (الوقاية خير من العلاج) لها منافع اقتصادية من هذا الباب أيضاً، ولذا تأتي التعليمات الشرعية بضرورة المحافظة على الصحة العامّة بمنع ما يضرها من المسكرات والمخدرات والأشياء السيئة الأخرى، فلا ندري بعد هذا كيف يتجرأ بعض أدعياء العلم بالدعوة إلى إباحة ذلك باسم الحرية الشخصية!).

والمهندس يبني ويعبد الطرق ويمد الجسور مما يوجب التقدم الاقتصادي إلى غيرهم من العلماء، وكذلك شأن العالم الديني فإنه بتحريضه الناس على الزراعة والتجارة، وتعريفهم بالسبل السليمة للمعاملات، ونهيهم عن خلاف العهد ونقض المعاملة وغيرها (أي بث الوعي) يهيئ الناس نفسياً للإنتاج، كما يشيع فيهم الاطمئنان والثقة المتبادلة مما يوجب ازدهار سوق التجارة، ويقف دون الربا والاحتكار والغش، مما يكون سبباً لتحطم التقدم التجاري والعمراني، إلى غير ذلك.

الثاني: التجار والزرّاع وغيرهما ممن له خبرة اقتصادية من أهم عوامل تقديم الاقتصاد، لأنهم بخبرتهم يوجبون مزيد التجارة والزراعة نوعاً وكمّاً، ولا فرق في ذلك أن تكون الخبرة والمهارة قد حصلت من طريق العلوم المدرسية والتجربة ولذا نجد التاجر الذي يفهم السياسة أكثر قدرة على التقدم من التاجر الذي لا يفهمها.

فإن بسبب الحروب والثورات والاضطرابات ترتفع الأسواق وتنخفض والارتباط بين السياسة والاقتصاد لا يفهمه إلا العلماء أو ذوو الخبرات الطويلة المرتبطون بأخبار وسائل الإعلام. ومن المعلوم أن ليس القصد أن ذا الخبرة والعلم يفيد نفسه فقط، بل انه يفيد مجتمعه أيضاً. (بمعنى أن اعتبار معرفة علاقة السياسة بالاقتصاد مسألة إيجابية، لا يتم إلا على أساس وضع تلك المعرفة في خدمة المجتمع).

الثالث: ان ذا العلم والخبرة كما يوجب أن يقوم بنفسه بالخطط الاقتصادية السليمة النامية، كذلك يوجب تعريف الآخرين بالاقتصاد السليم النامي، مثلاً: انه يعرف كيف يحفظ الحنطة في خزائن راقية تمنعها عن التسوس، وبذلك يفعل ذلك لقمح نفسه، ويعطي معلوماته لأصدقائه ومعارفه من تجار القمح ليفعلوا مثل فعله، فهو يزيد من القدرة الاقتصادية السليمة للآخرين أيضاً. (ويتحقق هذا في حالة إعطاء الاقتصاد بعداً إنسانياً، أما الاقتصاد المبني على المنفعة الشخصية الأنانية الضيقة، فإن هذا البعد لا يتحقق أبداً، ولكن، لما كان الإمام الشيرازي ينطلق من الشريعة كأساس لمنهجه في نشاطات الحياة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فإنه يقنّن هذه المسألة على هذا الأساس).

الرابع: ان العالم حيث يعلم كمية إمكانية النمو الاقتصادي، وكمية النمو الإنساني، يتمكن أن يقي الإنسان عن كارثة القحط والغلاء وما أشبه، مثلاً إذا عرف أن العراق إلى عشر سنوات يزداد عدد سكانه بمقدار الربع، بينما لا يصعد زرعه إلا بمقدار السدس، فاللازم التخطيط من الآن لأجل سد العوز الذي هو التفاوت بين الربع والسدس، حتى لا يصيب الأهالي الغلاء أو القحط.

الخامس: ان العلم يحول غير القابل إلى القابل، والأقل قبولاً للاقتصاد إلى الأكثر قبولاً، وأحياناً يحول ضد الاقتصاد إلى الاقتصاد. مثلاً بالعلم يعرف الإنسان كيف يحول النفايات إلى بضائع مفيدة، ويعرف كيف يحول المضرات إلى أمور نافعة، مثلاً في بعض البلاد الصناعية، وضعوا على فوهات المداخن آلة تجمع الدخان وتحوله إلى الفحم، فقد سلم المحيط من تلوث البيئة، بينما تحول الدخان إلى مادة توجب المال والثروة، وكذلك بالعلم يعرف كيف يحول الإنسان مياه البحار الطاغية إلى أملاح وفوائد للزرع، بينما لولا العلم لجرفت السيول المدن أو بقيت في الأرض فشكلت المستنقعات العفنة التي تبعث على الأمراض والجراثيم والأوبئة.

السادس: ان العلم يعرّف الإنسان كيفية الصرف لموارده المحدودة في رفاهه واحتياجاته، مثلاً: يعرف الكاسب كيف يستخدم طاقاته في كسب أكبر قدر من المال ليتمكن من تعميم الرفاه لنفسه ولعائلته، وذلك بمعرفة كيفية الإنتاج والتوزيع، اللذين يتلخص فيهما أهم بنود علم الاقتصاد، فكثير من العوائل لجهلهم بكيفية الأمرين يقعون في عوز وحاجة ودَين، وحال الدول والأمم حال العوائل في ذلك.

السابع: يتمكن العالم من تطبيق نفسه على الظروف المتطورة التي أوجبت تحطم نوع من الاقتصاد، مثلاً: كان الرجل في السابق يعيش كاتباً بكد أصابعه في اكتسابه، فإذا صار عصر الطباعة تمكن بسرعة من استيعاب علم الطباعة، وأن يكتسب من الكتابة بالطباعة، أو انه كان يصنع المواقد الحطبية والفحمية، فإذا تطورت الأمور وجاء دور النفط تمكن أن يصنع المواقد النفطية بدل المواقد الحطبية، إلى غير ذلك من الأمثلة).

ويقرر سماحة الإمام ان ذلك له تأثيرات أكثر من هذه النقاط السبعة المذكورة في قضية النمو الاقتصادي.

ولا نكاد نجد كتاباً من كتب الإمام الشيرازي من غير تأكيد على دور العلم والتقنية في التطور الاقتصادي والاجتماعي.

فإذا رجعنا إلى كتابات سماحته، سنجد هذا التأكيد المتواصل والحث على طلب العلم، انطلاقاً من الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) واستجابة لمتطلبات العصر الحديث وتطوره العلمي والتقني. ذلك التطور الذي يوجب أن يوضَع العلم، في أي مكان من العالم، في خدمة الاقتصاد وحلّ أزماته الدورية، تلك الأزمات التي شغلت الخبراء الاقتصاديين، كافّة، والتي لا تحل إلا بتدخّل العلم، حتى يصفها هارود لاسويل (4) (H. Lasswell) بأنها أول أسباب المشكلة الاقتصادية العالمية، على أساس أن الأنظمة الاقتصادية في العالم تغير مسيرتها، وأن الاقتصاد الناجح هو الذي يقود إلى تطورات متواصلة، عبر تبني القيم الأخلاقية الأصيلة ومعطيات العلم والتقنية في العصر الحديث.

وقد دعا الإمام الشيرازي إلى أن تكون الممارسات الاقتصادية مبنيّة على معرفة أعمق بالإنسان، وبيئته، ومجتمعه وبتفاعلاته، وذلك من أجل استخدام كل ما ابتكرته الإنسانية ووصلت إليه حضارتها بمزيد من الصبر وأقصى درجات الاستفادة.

ومنذ بدء التاريخ، وفي جميع تفاصيل مسيرة الحضارات الإنسانية قديمها وحديثها، لم يتمكن الإنسان من تكوين حضارته إلا بعد أخذه بوسائل العلم المتاح في كل مرحلة من المراحل الحضارية تاريخياً.

ويريد الإمام الشيرازي من العلم أن يقوم بدور خيّر، وأن تطبيقاته يجب أن تقترن بالتقدم الذي يتلاءم مع معطيات الحياة الإنسانية بقيمها وأصالتها وطموحها إلى المستقبل، ولذلك يقول سماحته:

(ولا يخفى أن العلم قد يفيد نفس العالم، وقد يفيد حتى عائلته، وقد يفيد حتى مجتمعه، وقد يفيد حتى المجتمعات الأخرى، وقد يفيد أولاده والأجيال في المستقبل)(5).

وعلى هذا فإن التوقف عن مواصلة التطوير العلمي، لهذا السبب أو ذاك، مسألة ضد الإنسانية، لأن التاريخ لابد أن يسير، دائماً، إلى الأمام.

إن دور العلم والتقنية له أهميته الخاصة كعنصر في هذه المقاربة الكثيرة العناصر للتنمية والدولة. وقد قدم الإمام الشيرازي رؤى تتمتع بالتركيز على النتائج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبحث العلمي والتطور التكنولوجي، بما نراه واضحاً وساطعاً في النظريات الاقتصادية للإمام الشيرازي، بحيث إن علماء اقتصاد مرموقين لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى تلك الرؤى الشيرازية إضافات تذكر.

وهذه المنزلة التي يضعها الإمام الشيرازي للعلم لم تأت اعتباطاً، فللعلم دوره المشهود في إنجاح المخططات الاقتصادية في العصر الحديث، إذ لا يمكن أن يحدث تطور اقتصادي ما لم تكن هناك مستويات علمية، ودرجات من الخبرة. وكلما ازداد انتشار التعليم بين أفراد الاجتماع، سهل الارتقاء بالاقتصاد الوطني، وبخاصّة أن الاقتصاد في هذا العصر، قد أصبحت له أهمية قصوى.

وبالقدر الذي تؤدي الثقافة والخبرة عملها في الميادين كافة، ومنها الميدان الاقتصادي.. فإن الأداء الجيد من قبل المؤهلين من شأنه أن يجعلهم في وضع أفضل سواء على المستوى الشخصي أم على مستوى الدور الذي يضطلعون به في إطار الدولة ككل، وهذا هو لب مسألة مشاركة العلم والتربية في تكوين الكفاءات الإسلامية التي تحتل مكانها المهم جداً في المجتمع الإسلامي بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولنوعية الثقافة والخبرة المطلوبة في هذا الصدد بُعدان. فهناك بُعد مطلق، وفيه تضاف النوعية من قبل المتعلمين المتفتحين الخبراء البارعين والتسهيلات الممتازة التي تقدمها لهم الدولة، بشكل مباشر وغير مباشر. وهنالك بعد نسبي أيضاً، ويتألف من ذوي الخبرة التي يشاركهم فيها الآخرون، كخريجي الجامعات الجدد، على سبيل المثال.

فما هو ممكن بالنسبة لشخص ما ليس بالضروري أن يكون ممكناً بالنسبة لجميع الأفراد، ولن يكون ممكناً حتى ولو كانت لديهم جميعاً موهبة متساوية. فالأفراد، إن كانوا يلتمسون التقدم في ساحة السوق والعمل المنتج أو يكافحون من أجل التقدم الثقافي والعلمي عن طريق الرغبات الفردية أو احتياجات المجتمع، لا يرون الانقطاع بين الفرصة الفردية والفرصة الاجتماعية، بمعنى أنهم يعرفون أن الفرص المتاحة لكل شخص بمفرده متاحة للجميع. وينتج عن ذلك ان الاستجابة إلى الرغبات الفردية من هذا النوع، في عمليات السوق أو في التثقيف العام، تختلف ما بين فرد وآخر، حتى لو توفرت لهما ذات الظروف والمعلومات وميادين اكتساب الخبرة، وبذلك سوف يتفاوت دور هذا عن ذاك في عملية إدارة الدولة وحتى في سلم التوظيف الرسمي.

ولعل من أبرز ظواهر ذلك أن النظريات التي تشكل برامج الأمم المتحدة ومؤسساتها، فيما يتعلق بالمسألة الاقتصادية على الصعيد العالمي، اقتنعت بأن العلم والتقنية، من شأنهما أن يقدما خدمة جلّى للنمو الاقتصادي، ويشاركان بفعالية في وقف التبذير الذي يمثل، لدى الخبراء الاقتصاديين، تلخيصاً لكل المشكلات الحالية في مجالات الزراعة والمواد الأولية والطاقة. ولذا، كما يرى خبراء الاقتصاد، فإن مستقبل العالم يحمل في طياته حقيقة مهمة جداً وهي أنه، إذا عرف المجتمع كيف ينظم نفسه، فإنه سيكون عليه أن يهتم بالاستخدام الأمثل للموارد الفيزيائية والإحيائية، وبالطاقة، وبالموارد المائية، وفوق هذا كله بالموارد البشرية.

إن مراجعة سريعة لكتابات الإمام الشيرازي تثبت بما لا يقبل جدلاً السبق الشيرازي في مضمار التنبيه على منزلة العلم والتقنية في التطور الاقتصادي، حين يكون العلم نفسه مبنياً على الصالح العام. ومن أمثله ذلك تشخيص سماحته للنوع الآخر من العلم، وهو العلم الذي يحطّم الاقتصاد، بل يحطم الإنسانية كلها، وهو ذلك المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد الإسلامية، يقول سماحته:

(العلم الذي يوجب تحطّم الاقتصاد، أو هو حياد عن الاقتصاد، وهذا هو المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد التي استعمروها سواء في داخل مدارسها، أو سائر وسائل إعلامها، أو في المدارس التي تستقبل شباب البلاد المستعمرة)(6).

ونجد لدى المنظّرين الاستعماريين مصداقاً لهذه الالتفاتة الدقيقة، فقد كتب اليهودي ديفيد روزنتال (R. David) يقول: (لكي نضمن سيطرتنا على العالم يجب أن نسيطر على شؤون الاقتصاد، وأن نطبق إشاعة البغاء والتحلل الأخلاقي، ونضع سدوداً بين أبناء الآخرين وبين العلم الحقيقي، فإذا منعوا من فرصة التعلم في بلادهم، يأتون إلى بلادنا حيث نضع لهم المناهج التي ستخرب بلدانهم في الاقتصاد والاجتماع حين يعودون إلى بلدانهم ويطبقونها باعتبارها إنجازات حضارية حديثة، ومن كان نابهاً منهم يجب أن نبقيه في بلادنا للاستفادة منه)(7).

هذا القانون اليهودي مطبّق الآن بحذافيره، وقد أدى إلى نتائج وخيمة على البلدان الإسلامية وغيرها من البلدان التي هي تحت تأثير المستعمرين.

ويعرض سماحة الإمام الشيرازي صوراً من الواقع الحالي في دول العالم الخاضع لتوجيهات الاستعماريين، ويفضح سماحته عمليات التخريب ضد الاقتصاد والاجتماع، والخطط التي ينفذها الأعداء بكل همة ونشاط، بينما يواجهها كثير من الناس باللامبالاة وعدم الاهتمام غير ملتفتين إلى الأخطار الجسيمة التي تحملها تلك المخططات لهم ولأولادهم وأحفادهم وأبناء مجتمعاتهم، يقول سماحته:

(1 ـ إنهم بواسطة عملائهم سواء كان العملاء في السلطة أم لا، كالأحزاب السرية والعلنية المرتبطة، يروجون الاهتمام باللغة الأجنبية، فترى عملاء أمريكا وبريطانيا ينشرون فوائد اللغة الإنكليزية، كما في العراق والخليج وغيرهما، أما عملاء فرنسا فيروجون أهمية اللغة الفرنسية كما في لبنان، وعملاء روسيا يروجون فوائد لغتهم، كما كان كذلك في مصر ناصر، إلى غير ذلك، فبينما ترى الشاب لا يهتم بلغته الأصلية، يهتم باللغة الأجنبية، بدعاية أنها لغة العلم والمعرفة، والذي يفضح هؤلاء أن لغة العلم عدة لغات فلماذا الاهتمام بإحداها؟

2 ـ الاهتمام بالدراسة في الخارج بترويج أنهم أحسن علماً، حتى يتدفق القادرون على الخارج، كما يفعلون نفس ذلك الشيء بالنسبة إلى الطبابة في الخارج، والسياحة في الخارج، والتصدير للمواد الخام إلى الخارج، والاستيراد من الخارج، والزواج من البنات الأجنبيات، واستيراد المستشارين من الخارج، إلى آخر القائمة، فعملاء بريطانيا يروجون هذا الشيء بالنسبة إلى بريطانيا وعملاء روسيا بالنسبة إلى روسيا وهكذا.

3 ـ إفراغ الدروس في داخل البلاد من المحتوى المثمر، فالدروس صورة لا تأتي بالنتيجة المطلوبة.

وحيث إن الدروس فارغة عن المحتوى، لا يرغب حتى نفس الطلاب في استيعابها، وإنما كل همهم أن يحصلوا على ورقة الشهادة التي تؤهلهم للوظيفة، أو لاستدرار المال من المرضى والذين يريدون تخطيط عمارة وما أشبه، ولذا لا يمضي زمان، إلا وينسى المتخرج الدرس الذي تلقاه في المدرسة.

4 ـ التقليل من فرص الدراسة الجامعية في الداخل.

5 ـ الاهتمام في البلاد الأجنبية لعدم استفادة الطلاب هناك فائدة تخدم وطنهم، وذلك بعد عدة أمور، نذكر من جملتها إصرار المدرسة على أن يتخصص الطالب في أمر لا يجد أسبابه ووسائله في وطنه، وأن يكتب رسالته التي يمنح لأجلها الشهادة الرفيعة، في ذلك الموضوع، مثلاً ليس في العراق مصنع الطائرات، لكن لابد للطالب العراقي أن يكتب رسالته في تطوير أجنحة طائرات الميراج، ان البلد الأجنبي يستفيد من هذه الخبرة ويقدمها إلى شركات صنع الطائرات، لكن العراق لا يستفيد من هذه الخبرة ولو بقدر قلامة ظفر، وهكذا فعمر الطالب ودماغه وتعلّمه كلها تُصرف في مزيد خبرات الأجانب.

6 ـ الاهتمام لإبقاء الطلاب المتفوقين في الخارج وعدم عودتهم إلى وطنهم، فهم يستفيدون من نبوغ البلاد المتخلفة بينما البلد المتخلف يزيد تخلفاً على تخلّفه.

7 ـ الذي يرجع من طلاب الخارج إلى بلادهم يدخله المستعمر في استثماراته في الداخل، فالمستعمر يستفيد منهم استثمارياً وإعلامياً، وحيث إن هؤلاء لا يرتبطون ببلادهم فكرياً وعملياً يكونون من عوامل بقاء المستعمر في البلاد أكثر فأكثر، لأنهم يعرفون أن بانقطاع استثمار المستعمر داخل بلادهم يتحطم رزقهم وشخصيتهم في وقت واحد.

8 ـ أما كيف أن طلابنا لا يرتبطون ببلادهم فلأنهم لم يربّوا تربية عملية ليتمكنوا من العمل. ان مدارس الغرب والشرق ترتبط بالمعامل والمصانع والمختبرات والبنوك وغيرها، فإن طالب الثانوية والجامعة وغيرهما من المعاهد يستوعب العلم في المدرسة، ثم يطبق ما عمله في المؤسسات العملية، حتى إذا تخرج الطالب كان ذا علم وتجربة، ولو أولية على الأقل، في حقول الحياة، مما يؤهله أن يرتبط بالعمل مباشرة، بينما طلابنا بالعكس انهم غير مربوطين بالحياة إطلاقاً، فلا يتمكنون من خدمة البلاد بعد تخرجهم ولذا ينتظر أغلبهم الوظائف، حيث إن الإمضاء سهل، وأقلهم الذي يدخل ميدان العمل لا يعرف شيئاً، فيكون ضرّه أقرب من نفعه في كثير من الأحيان، ثم حتى إذا كان مؤهلاً للعمل لا تفسح السلطات المرتبطة بالشرق والغرب له المجال أن يعمل، لأن كل شيء قد أتى به من الأجانب جاهزاً، فأي حاجة إلى الإبداع والاختراع والعمل؟ هذا ومن ناحية ثالثة إن فراغ محتوى الدروس عن الواقعيات يجعل الطالب لا يعرف العلم إضافةً إلى العمل، ولذا ترى خريجي كلية الاقتصاد، مثلاً، لا يعرفون كيفية تنظيم الاقتصاد لا توليداً ولا تصريفاً ولا ترشيداً، وكثيراً ما يكون الموظّف عالة على المجتمع لأنه فارغ إلا عن ورقة شهادة، وورقة الشهادة لا تنفع في المعرفة والخبرة والتوليد.

9 ـ وحيث إن المؤسسات سواء الأهلية أو الحكومية لا تجد الكفاءة في طلاب البلاد أنفسهم، تضطر إلى استخدام المستشارين الأجانب مما يكون فيه مزيد من تحطيم البلاد اقتصادياً وسياسياً.

(وهذا النقد الذي وجهه سماحته، قبل ربع قرن، لكيفية التعليم في بلداننا، التفت إليه مؤخراً بعض المفكرين والكتّاب، ولكن من غير أن يضعوا حلاً ينفصل عن هذه المسيرة المشبوهة لنظم التعليم، أما سماحته فقد رسم في كتبه العديدة منهجاً متكاملاً لتحويل التعليم من شكله الحالي الفارغ من المحتوى إلى شكل علمي نافع، وذلك عبر المنهج التالي):

(وعلى هذا، فإذا أردنا تقديم اقتصاد بلاد الإسلام وفكّه عن الارتباط بالأجانب، يجب:

أ ـ مزج العلم بالإيمان، حيث إن الإيمان أكبر محفز على عمارة الدنيا والإتقان في العمل والأمانة، وغيرها من مقومات الاقتصاد الرشيد السليم.

ب ـ درس الاقتصاد من أواخر صفوف الابتدائية، كما يدرس فيها الحساب والجغرافيا وغيرهما، وقد قال الإسلام: (من لا معاش له لا معاد له).

ج ـ ربط المدارس بالمؤسسات والشركات والمختبرات والمعامل وغيرها.

د ـ تربية الطلاب محبين للعمل، بل وعاملين في وقت الفراغ، كعطلة نصف السنة ونحوها، بمساعدة آبائهم وذويهم، والخدمة في البيت، وتفهيمهم ان العمل شريف مهما كان وضيعاً في نظر الاجتماع، مثل عمل الحمال والكنّاس.

هـ ـ فتح أكبر عدد من المدارس لاستيعاب كل الطلاب الذين يريدون الدراسة لئلا يروا الطريق أمامهم مسدوداً فينحو نحو الخارج.

و ـ المنع البات عن فتح الأجانب مدارس في بلادنا.

ز ـ تفهيم الطلاب أن العمل الاقتصادي كيف يساعده في إدارة عائلته في الحال، وفي إدارة أهله في المستقبل، حتى لا يكون كل همّه في الوظيفة، بل يكون همه في العمل بنفسه، لأن ثمرة العمل أكثر من مقدار الراتب الذي يحصّله الموظّف، وذلك بأن يشعر الطالب ان المدرسة إنما هي واسطة للترقي والتعالي العلمي والخبروي فقط، لا أنه سلم إلى الكرسي الذي يحصل من ورائه على الراتب.

ح ـ وأخيراً أن يستوعب تماماً كيف تخلفت بلاده حيث لم تستغل فيها موارد المال والثروة لأجل التقدم، وموارد المال هي الأرض وخيراتها، ورأس المال، والمديرية، وطاقة العمل. وإنها إذا استغلت استغلالاً حسناً، لم يبق فقير ولا حاجة معطّلة ولم تستشكل الحياة، حتى أن ازدحام الطرق الذي يسبب صعوبة المرور وإضاعة الوقت الكثير، يمكن رفعه بالاقتصاد المتقدم بإيجاد الطرق الجديدة ومد الجسور وحفر الأنفاق إلى غير ذلك)(8).

ويعتبر سماحته هذا النهج الإصلاحي للتعليم عاماً للطلاب والطالبات، مقرراً قاعدة اقتصادية لا نجدها موضحة عند غير سماحته، حيث يقول: (إن نصف الاقتصاد في البلاد يدور على أكتاف النساء)(9).

ومن الواضح أن هذه الرؤية لدور العلم في الشأن الاقتصادي تنظر إلى الآفاق المستقبلية للبشرية وضرورة بناء ذلك على أساس من العلم والتنظيم والتخلي عن التبذير والترهل، وهناك عامل كبير جداً يساعد على هذا أنه يجب ألا يقام أي مشروع إلا بعد الدراسة العلمية وبعد التقييم السليم من قبل الخبراء وبعد تقدير الجدوى من إقامة أي مشروع أو أي عمل، فلا تكون الأمور عفوية أو ارتجالية.

وإذا كنا قد ألمحنا سابقاً إلى تأثر خبراء غربيين بالمنهج الشيرازي في النظر إلى مسائل الاقتصاد، كما في السياسة والاجتماع، فإن هناك جانب آخر لتأثّر أولئك الخبراء بالمنحى الشيرازي في فهم دور العلم والتقنية في المسألة الاقتصادية، وذلك في تقريرهم أن إدارة الاقتصاد العالمي إدارة سيئة ليست خطراً فحسب على الأجيال المقبلة، بل ان التبذير الحالي الملحوظ لدى بعض دول العالم في الموارد البشرية الناشئ عن قلة الوعي، والاستخدام الناقص أو المغلوط للتقنية، والمرض، وسوء التغذية، والعمل الآلي حين لا يجلب للفرد أي ارتياح، أصبح مأساوياً وقد يزداد فجيعة مع تراجع الاقتصاد العالمي. باعتراف (10) (R. M. Hare) وهو أحد كبار خبراء الاقتصاد في العالم.

إن الخطوط العريضة لهذه الرؤية مستَلهَمة من النهج الذي رسّخه الإمام الشيرازي منذ بداية الستينيات وإلى اليوم.

فمن المعلوم أن الإدارة الجيدة للبلاد ومنها الاقتصاد يجب أن يكون بهدف المصلحة العامة لذا فإن أي عمل لا يُقصد به المصلحة العامّة ولا يقوم أساساً على خطة مدروسة هو عمل معرّض للفشل وضياع الوقت والجهود، ومن هنا يجب أن يكون التركيز على وضع الخطط والقيام بالتجارب في شتى ميادين العمل، ولابد من تبيّن معالم السبيل وتدبّر مواقع الخطوات بحكمة وحذر حتى تكون المسيرة راسخة ومتقدمة إلى الأمام.

وعن ضرورة الاهتمام بتوجيه الموارد الاقتصادية لما فيه مصلحة الاجتماع بعيداً عن الهدر والتبذير، ينص الإمام الشيرازي على وجوب التأكد من أن موارد البلاد تُستخدم لفائدة الشعوب، وذلك عن طريق النظام الاستشاري والحرية في المساءلة والمحاسبة.

وعن التكامل في الاقتصاد العالمي المبني على المعطيات العلمية وإيقاف الهدر والتبذير في الموارد، يرى سماحته ضرورة الاستفادة من التقدم التقني الكبير الذي حققته الدول المتقدمة ووجوب أن يُضمّ مع المصادر المادية العالمية لتبية حاجات الإنسانية.

ومن هنا يتبيّن لنا الأثر الكبير الذي تركه هذا النهج المستنير على مجمل الدراسات الاقتصادية والتقارير التي أنجزها المهتمون بالدول الإسلامية من كتاب الغرب.

كما أن الإمام الشيرازي دائم التقويم والملاحظة لتأثير العلم والتطور التقني على جوانب الأداء في مؤسسات المجتمع، وسير عمل هيئاته وإداراته، حكومية كانت أم من نشاطات القطاع الخاص، ومدى النفع الذي يقدمه كل ذلك لتنمية رأس المال اللازم لمواصلة التقدم والتطور في العقود المقبلة من السنين، كما يستعرض حاجة السكان للعلم والتعلم من أجل الاستفادة المثلى من الإنجازات العلمية المعاصرة، مؤكداً على ضرورة أن يشمل التطور التقني والعلمي جميع أبناء الاجتماع حسب قدرتهم وحاجتهم بالاعتماد على الذات، والاندماج في خطط العمل والإنتاج.

وهذا يعني أن العمل التغييري، حتى على مستوى الاقتصاد، من الضروري تعزيزه، حسب الظروف الاقتصادية المتغيرة. مع ضرورة تعيين مراحل النمو الاقتصادي التي يجدر القيام بها والأهداف التي يجب أن ترمي إليها كل مرحلة وبسبب مباشر من هذه الرؤية الحاذقة لمتطلبات التطور الاقتصادي وتأثره بالتغيرات العالمية، على صعيد التقنية، وترابط قضايا الاقتصاد في العالم أجمع، طالب الإمام الشيرازي بوجوب تصحيح المسار الاقتصادي العالمي، فإن لم يمكن ذلك التصحيح صار لزاماً على المسلمين أن لا يقعوا تحت تأثير ذلك الاقتصاد الذي تؤثر عليه الدول الاستعمارية. ولا يتحقق هذا إلا بتوفّر العلم والكفاءة والخبرة.

(يمكن حل المشكلة السياسية في الدولة الإسلامية، بإخراج السياسة عن الشبكة العالمية حتى قبل حل المشكلة الاقتصادية، وذلك بأن يفصل القادة الدينيون السياسة عن الاقتصاد، ولو لمدة محدودة إلى حين وصول البلد إلى الاكتفاء الذاتي، فيخططون تخطيطاً دقيقاً لأن تكون السياسة (السلطتان التقنينية أي مجلس الشورى الذي يؤطر القوانين الإسلامية في الإطار الزمني اللائق، والتنفيذية) بيد أكفاء يتمكنون السير بها خارج دائرة الاقتصاد العالمي المؤثر في الاقتصاد المحلي.

ولنفرض أن الدولة تحتاج إلى ألف دينار للموظفين في كل شهر، والمفروض أن الاقتصاد العالمي تمكن أن يجعل من (ألف دينار) بقيمة خمسمائة دينار، لأن العالم رفع أسعار البضاعة إلى الضعف، فإن الدولة الإسلامية قادرة، على تقليل الموظّفين كمّاً، وعلى تعميم حالة التقشّف فيهم كيفاً، مما لا يؤثر التلاعب العالمي بمقدرات الدولة الإسلامية)(11).

إن الأوضاع العالمية التي تؤثر على الاقتصاد المحلي تفرض على أبناء المجتمع جميعاً النهوض بواجباتهم باتجاه الوعي بتلك الأعباء واستيعاب تأثيراتها. وذلك أن الجهد المحلي بإمكانه أن يحدّ من تأثيرات سوء الأوضاع الاقتصادية العالمية على الاقتصاد.

فإن العالم، خاصة الآن، يعيش مرحلة التحديات الكبيرة التي تواجه المجتمع الدولي بأسره نتيجة لعدم استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية وضغوطها المستمرة على مختلف الدول، وان ذلك ليتطلب من أبناء الاجتماع جميعاً وفي كل الأوقات أقصى درجات الوعي بطبيعة هذه التحديات وضرورة التعامل معها بمرونة لتحدّ من تأثيراتها السلبية وتوفر قوة الدفع اللازمة لإنقاذ الاقتصاد المحلي من تلك التأثيرات السلبية. ويجب ألا تكون تلك التأثيرات السلبية عاملاً مثبّطاً للهمم، بل يجب أن يتواصل العمل التغييري الآن، وأن تضع الدولة الإسلامية الموعودة الخطط الكفيلة بتقوية الاقتصاد بفعل مجموعة متآزرة من العوامل، وفي مقدمتها التوعية المستمرة التي يمارسها الإمام الشيرازي وغيره من الفقهاء المصلحين تجاه الاجتماع بجميع ألوانه وأطيافه.

ومن هنا تتنامى جهود الجميع وتحظى بنجاح واسع لاندماجهم الطوعي في العملية التغييرية وفي النمو الاقتصادي، ومن أجل ما يضفيه العمل من روعة على الهيبة الشخصية وبخاصة حين يتم تطبيقه وتوظيفه في مواجهة حاجات المجتمع الحقيقية وفي حل المشكلات الناجمة عن فترة طويلة من الركود، وهي الفترة التي تعيشها دول العالم الإسلامي منذ قرون كثيرة وإلى الآن.

ويجب أن يكون واضحاً أن الإمام الشيرازي لا يضع مسؤولية التطور الاقتصادي على عاتق العلم والتقنية فقط، بل هناك أشياء أخرى سنتبينها بعد قليل.

وإذا كان هناك مفكرون وعلماء اقتصاد يوكلون مسألة التطور الاقتصادي، كلية، إلى العلم والتقنية، فإن الإمام الشيرازي لا يكتفي بذلك بل يتجاوزه إلى الاعتماد على التنمية البشرية بتطوير المواطنين وتعليمهم وتأهيلهم ومن ثم دعوتهم للعمل الجاد.

ويعترف خبراء الاقتصاد بأن النهج الشيرازي الذي يجعل الاقتصاد ثَريّاً بالقيم الاجتماعية هو النهج الصائب الذي من شأنه معالجة أي مشكلة اقتصادية تطرأ على مسيرة البلاد. وبغير ذلك، فإن أولئك الخبراء يؤكدون تعذر حل المشكلات الاقتصادية، بل هم يؤكدون عدم إمكانية التصدي لها، لأن التقدم التقني والعلمي لوحده لا يكفي لصياغة نهضة إنسانية حقيقية، بل لابدّ أن يترافق ذلك مع تنمية بشرية تأخذ على عاتقها جعل النشاط الاقتصادي ذاته إنسانياً. ويمثلون على ذلك ببعض دول العالم التي قد تناست مسألة على غاية من الأهمية والخطورة، وهي المشاعر الذاتية لكل فرد في المجتمع وكذا القيم الاجتماعية، فلم تستطع أن تواصل مسيرتها، لأن الإنسان (الذي كرمه الله تبارك وتعالى) لم يرتفع مستواه في تلك الدول، إلى مستوى مناسب مكتفياً بمظاهر التحديث من غير جهد حقيقي لاستيعابها والإيفاء بمتطلباتها. وقد التفت علماء الاجتماع والاقتصاد إلى تلك الناحية، ولكن، متأخرين شيئاً ما، فسارعوا إلى تأكيد أن البحث المتعلق بأزمات البشرية الكثيرة ليس بحاجة إلى توجيه جديد، فحسب، بل ان يخصّص جزء كبير منه لتقصي مناطق الظلال التي يشكلها نمو الكائن البشري كفرد. فالواعون من الرجال والنساء هم وحدهم يستطيعون صنع مجتمع أفضل قادر على استيعاب مقادير إضافية من التقنية المتطورة والسيطرة عليها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على البيئة في حالة نقيّة مناسبة.

ويستحيل، في الفكر الاقتصادي السليم، الوصول إلى حلول مُرتضاة إذا نحن اعتمدنا بصورة أساسية على الطرق الآلية فقط، وذلك لأن الاقتصاد لدى المسلمين هو جزء من منهج متكامل يتناول مختلف جوانب الحياة. ويخطئ من يتصور أن الآلة لوحدها، أو قوى السوق لوحدها بإمكانها تطوير الأوضاع الاقتصادية وتحقيق التنمية والتطور. ولقد اعترف بذلك، أخيراً، كثير من المنظرين والخبراء الاقتصاديين، لأن هذا يمثل كسلاً غير مثمر.

والإمام الشيرازي يرفض التواني والكسل، فلا يترك الصعوبات تحل نفسها بنفسها، لأن من غير الممكن أن يحصل ذلك، إذ لابد من التصدي لتلك الصعوبات، ووضع الحلول المناسبة لها، فعملية البناء شاقة وتتطلب الكثير من الجهد والتضحيات للتغلب على المصاعب والعقبات، ويجب أن يحمل الجميع هذا العبء بصبر ويسيرون في العمل بجد وحزم.

(إن الخروج عن التخلف ليس شيئاً هيّناً فإن الخروج بحاجة إلى:

1 ـ طرد الاستعمار، فما دامت البلاد تحت الاستعمار، يستحيل التقدم في أي ميدان ومن تلك الميادين الميدان الاقتصادي.

2 ـ وضع خطة اقتصادية متفقة مع قيم الأمة ومبادئها، وقد سبق في بعض المسائل السابقة أن الخطة الاقتصادية إذا لم تكن متفقة مع مبادئ الأمة وقيمها، يستحيل لها النجاح.

3 ـ أن تصاغ الأمة مع إمكانية البلاد ومواردها الطبيعية.

4 ـ أن تهيأ الأمة ثقافياً وحضارياً وعملياً لأجل التقدم، فإذا لم تكن المدارس تساهم في تهيئة الطلاب، ولم تكن المعامل إلى جنب المدارس، ولم يكن الاجتماع والمحيط يسوق نحو التصنيع والعمل والجد، بسبب أدوات الإعلام وغيرها لا تقع الأمة في مسير الرشد الاقتصادي)(12).

إن هذه الرؤية التي يفصح عنها سماحة الإمام، ونعني بها الدعوة للعمل، والتصدي للصعوبات من شأنها إنجاح خطط التنمية البشرية من أجل أن تحقق الآمال والأحلام المبنية على أساس التقدم وزيادة الإنتاج.

إضافة إلى هذه الرؤية الحاذقة أكّد سماحته على جعل التطور إنساني المحتوى والأهداف، باعتماده على الإنسان، أولاً، وبصورة أساسية، مع الاستفادة القصوى من العلم والتقنية. لذلك طالب الإمام الشيرازي بنقل الدراسات والخطط إلى الواقع العملي. وفي الوقت نفسه دعا إلى توطيد العزم للاعتماد على الذات لا من أجل مواجهة تلك الأوضاع فحسب، بل، أيضاً، من أجل تذليل الصعوبات مهما كانت التضحيات، أو ما قد يتخيله بعضهم انه تضحيات بشيء من الرفاه.

بمعنى أن الاقتصاد العالمي له تأثيراته على اقتصاد كل دولة على حدة، كما أن الاقتصاد المحلي لابد أن يؤثر في قضايا الاقتصاد على صعيد دول العالم ككل. ولذا جاء التأكيد على ضرورة الاعتماد على الذات، والقبول بمستوى من التضحيات الآنية، أو التقشّف، وصولاً إلى تذليل الصعوبات وتحقيق أهداف الدولة في بناء مجتمع يعمه الخير والرخاء.

إن مصطلح (الاعتماد على الذات) يستبطن جملة أمور متمازجة فيما بينها تمازجاً تاماً، تبدأ من التعلم وتمر بالعمل والإنتاج وتصل إلى ضرورة إقامة الدولة الإسلامية وإنجاح مقاصدها، بما في ذلك تنويع مصادر الدخل للبلاد وتنميتها إلى أقصى حد ممكن بما يعطي التركيز الأكبر للقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية مع توجيه طاقات المجتمع للعمل الجاد والتنافس الشريف، واعتماد الأداء الأفضل معياراً للتمتع بخيراته استرشاداً بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (العبادة سبعون جزءً أفضلها طلب الحلال)(13).

ولابد أن يتواكب ذلك مع توفير الخدمات الأساسية والضرورية للناس على الرغم من كل الظروف والمتغيرات الاقتصادية، وبالاستفادة مما يقدمه العلم من اختراعات واكتشافات.

العناية بالإنسان:

وفي نفس الوقت، فإن التعامل مع البشر يختلف عن التعامل مع الآلات. ومن قبيل الاحتمال البعيد إمكانية الوصول إلى الاستفادة التامة من الجهد البشري، لأن البشر، كما قلنا، ليسوا آلات كما أن ذلك الجهد قد يقف في وجهه صفّ من الحواجز غير المادية بطبيعتها العملية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية. وبعبارة أخرى، الحواجز المعوّقة لكفاءة الإنسان التي يجب أن تكون مؤهلة لإدارة عملية التصنيع الواسعة والمعقدة عن طريق العلم وتطوراته.

غير أن الإمام الشيرازي يعتبر تلك الحواجز والمعوقات من العوامل التي يجب اتخاذها وسيلة لتجميع الطاقات أكثر فأكثر للتغلب على أي عقبة تقف في طريق التنمية وإقامة الدولة الإسلامية.

وارتكازاً على هذه الرؤية، تصبح العقبات والتحديات حافزاً باتجاه العمل والإنتاج وتقبل الأعمال التي توكل إليهم، لأن العمل، في حد ذاته قيمة سامية، كما نقلنا ذلك قبل قليل.

وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن الإمام الشيرازي قد دعا إلى العمل النافع وضرورة إقبال الجميع عليه مهما كانت طبيعة ذلك العمل، ما دام عملاً شريفاً.

بل ان سماحته يفصل الكلام على ما يستحبّ من الأعمال وطلب الرزق، كمظهر من مظاهر تأكيده على العمل النافع المنتج، حيث يرى:

1 ـ استحباب طلب الرزق أكثر من قدر الحاجة.

2 ـ استحباب أن يكون السعي لطلب الرزق بطريق الإجمال واللائق دون مهانة ودون منافاة للأخلاق والآداب وإن لم يكن حراماً.

3 ـ يستحب لطالب الرزق أن ينفق من بعض ماله على إطعام الناس ليدعون له بالبركة.

4 ـ يستحب السعي من أجل الرزق الزائد، أي فوق الحد الواجب الذي يكلّف به الإنسان. ويستحب أن يستعمل الإنسان كل الوسائل المتاحة بيده لكسب الرزق مثل حمل البضاعة والسير في الشوارع وإبرام العقود، والسفر، والاصطياد واستخراج المعادن من باطن الأرض وغيره.

5 ـ يستحب العمل بكل الجوارح والأعضاء ولو بالعين كالمراقب لأوضاع البلد ليلاً والمحتسب نهاراً، وكذلك استخدام اليد في الزراعة والصناعة والحفر واستخدام الرِجل في كبس بعض الثمار، كالتمر مثلاً.

6 ـ يستحب الكسب في الأرض الزراعية.

7 ـ يستحب الاقتصاد في طلب المعيشة، ومعنى ذلك عدم الإفراط وعدم التفريط في مختلف أبعاد المعيشة، أما إذا كان الإفراط والتفريط بحدّ الحرام فهو محرّم.

8 ـ يستحب شراء العقار من الأرض والعمارة والماء، كما يكره بيع العقار إلا بشراء بدله بثمنه أو أزيد.

9 ـ يستحب للإنسان إذا ذهب إلى السوق أو نحوه للكسب أو التجارة أن يرجع من طريق آخر غير الطريق الذي ذهب منه، إذا كان هناك طريقان. وعلة ذلك هو زيادة فرص الرزق، فلعلّ الإنسان سيجد في الطريق الآخر فرصة جديدة للرزق أو أنه سيجد بضاعة أرخص فيشتريها ليبيعها بالسعر العادي، فيربح ربحاً جيداً.

10 ـ تستحب القناعة في كل الأمور، وبالأخص الرزق، وعليه فإذا أعطى الكاسب ربحا قليلاً قبل ولا يؤخر المعاملة، لئلا يتحسّر على عدم بيعه، ولأن الربح القليل سيكون سبيلاً للربح الكبير فلا يبطر الإنسان، ولا يستهين بعمله أو برزقه، بأنه غير مربح أو أن ربحه قليل. لأن الاستهانة بالرزق تؤدي إلى البطالة، وان البطالة تؤدي إلى الفقر. بينما القناعة تؤدي إلى المزيد من العمل، وإلى المزيد من الكسب وبالتالي فهي تؤدي إلى الغنى.

11 ـ تستحب المماكسة المتعارفة في المعاملات التجارية لأنها ترفع شبهة الغبن عن المعاملة.

12 ـ يستحب بيع ما هو جيد، أو ما هو أجود من البضائع، ويكره اختيار الرديء والأردأ وبيعه، وكذلك في سائر المعاملات كالإجارة وغيرها.

13 ـ يستحب للتاجر والزارع وصاحب المصنع وكل صاحب حرفة ومهنة إجراء التجارب في عمله في أمور الصنع والزراعة أو في أمور البيع والشراء والإجارة. ذلك لأن التجربة توجب النجاح في العمل وتعطي للمجرّب حسن الاختيار، وبالتالي التخلص من حالات الغبن والتحايل والتنازع.

14 ـ يستحب للإنسان أن يختار الأعمال المضمونة الفوائد، لأنها أكثر أمنا وأبعد ضرراً من الأعمال الأخرى.

15 ـ يستحب المغامرة المعقولة، لأن قدراً من المغامرة مطلوبة في الأعمال، لأن بدون المغامرة يصبح العمل روتينياً. والتجارة الناجحة هي القائمة على المغامرة، وكل مغامر يحتمل الضرر كما وانه يحتمل الربح أيضاً.

16 ـ يستحب كيل الطعام حتى داخل المنزل حتى يمكن تحديد الوضع المعيشي للعائلة. فقد ورد في الحديث الشريف: (إن البركة في الكيل) ويتبع هذا الأمر الاستحباب في تقدير المعيشة وتقدير حجم الإنفاق داخل البيت حتى يتم التخطيط بين المدخول والإنفاق.

17 ـ يستحب ادخار قوت السنة من الرز والحبوب وما شابه.

18 ـ يستحب التغرّب في طلب الرزق لمن لا يتيسر له الرزق، أو السعة فيه في البلد.

19 ـ يستحب تعلم الكتابة والحساب وما من شأنه الضبط، فيشمل الوسائل الحديثة)(14).

وهكذا نرى الإمام الشيرازي يحث على العمل ويفصّل الكلام عليه من أجل تشجيع جميع أبناء الاجتماع على العمل المفيد، تحقيقاً لرسالة الإسلام في بناء الإنسان الفاضل والاجتماع الفاضل. وقد رأينا في هذه النقاط أيضاً حثاً على طلب العلم وتعلم ما تحتاجه كل صنعة من الصناعات.

وهذه التوعية المستمرة باتجاه تنمية الفرد وتأهيله تؤكد صواب ارتكاز الإمام الشيرازي على مبدأ أساسي مفاده أن عناصر الاقتصاد تتجاوز الإطار المادي الصرف، وترتبط، بشعور المواطن نفسه، وأحاسيسه، ومدى وعيه. اعتماداً على ان المقاربة في هذه الموضوعات بصورة جوهرية وقد أصبحت موضع اختبار كوسيلة ممكنة لتعزيز الأساليب التقليدية وتحسينها في خلق التنمية، على الأقل في ما يتعلق بالقضايا الكبرى ومنها القضاء على التخلف، عبر اتخاذ مجموعة من الخطوات التي من شأنها تحقيق سعادة البشر في الدنيا والآخرة.

ومن أجل تحقيق تنمية بشرية أفضل تعمّق الإمام الشيرازي إلى صميم نظام القيم في المجتمع، وسعى إلى وضع سلسلة من أهداف مشتركة للمسلمين جميعاً، من شأنها ان تأخذ بأيديهم نحو نمو أكبر في وعيهم، وتعميق الإخلاص للمبادئ الأخلاقية التي يقام عليها أساس العمل الاقتصادي، من وجهة نظر سماحة الإمام الشيرازي. وأداء مزيد من التعاون وتظافر الجهود للتقدم نحو تحقيق مستوى الحياة الأفضل للناس.

ومن المفارقات التي تدعو للرثاء أن دول العالم الإسلامي، ورغم وجود هذا الفكر بين ظهرانيها، لم تنهج هذا النهج المتميّز بالفرادة، فأضاعت فرص تطورها وتحسين ظروف معيشة السكان، مع أنها تملك كل المقومات المادية اللازمة للنمو والتطور، كالأرض الخصبة، والمياه الوفيرة، والمعادن ومصادر الطاقة والمواد الأولية، ولكنها (أي تلك البلدان) افتقدت الرؤية الاقتصادية الواقعية المبنية على قاعدة التنمية البشرية التي هي جوهر التطور الحضاري، ولم تنهج نهجاً اقتصادياً علمياً ومدروساً، فكان ان وصلت إلى وضعيتها المأساوية، بغياب الحرية وسيطرة الاستعمار والديكتاتورية.

وهذا لا يمكن أن يحدث في الدولة المنبثقة من الفكر الإسلامي والخاضعة لمنهجه الاقتصادي السديد الذي يشكل جزءً من منظومة فكرية شاملة، تضم بين جناحيها طريقاً متكاملاً للحياة على مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي الطليعة منها الاهتمام بالإنسان وترقيته مادياً ومعنوياً، على أن يأخذ كل فرد نفسه بتلك التوجيهات وينطلق من ذات الأسس وأن يعمل ويبذل جهده بلا توانٍ ولا كسل. ولذلك فإن هذا الفكر الاقتصادي، يبني الركائز القوية والأسس الراسخة التي يشيد عليها المستقبل بما لا يسمح بظهور الأعراض السلبية الجانبية التي رافقت مسيرة البلدان المشار إليها.

إن فكر الإمام الشيرازي واضح جداً في تحديد هدف الدولة انه يتمثل في تحقيق سعادة الإنسانية، فالإنسان هو ذخيرة الدولة ومبرر وجودها.

ولذلك فإن الإمام الشيرازي يحارب العوز والفاقة والحرمان بكل السبل والوسائل، وبمختلف الأساليب الاقتصادية والاجتماعية، بدءً بالدعوة إلى التصنيع والتشجيع على العمل النافع، ومروراً باستغلال الثروة الزراعية والمعدنية والحيوانية، وتشجيع الصيد والتجارة، وليس انتهاء بإذكاء روح التكافل والتراحم بين أبناء المجتمع. بل أنه يضع على عاتق الدولة كفالة المواطن وأسرته، وتقديم المعونة في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة. حتى انه لينصّ صراحة على ذلك بتقريره الآتي:

(يجب على بيت المال إدارة أمور العمّال العاطلين الذين لا يجدون قوتاً. لأن بيت المال وضع للفقراء والمساكين ومن أشبه، ويصحّ للدولة جعل التأمين لكن برضا المؤمّن، كما يجوز للشركة ونحوها ذلك، لأنها معاملة عقلائية، ولم يردع الشارع عنها)(15).

ولا يكتفي باعتبار ذلك من واجبات الدولة، حتى أنه ليجعل من الأعمال الواجبة حيناً والمستحبّة حيناً آخر، المساهمة في ذلك، فينصّ على أنه:

(يستحب للإنسان أن يساهم في إنقاذ المرضى والزمنى والعجزة والمنكوبين والمشوّهين والساقطين وأصحاب المشاكل، بأي شكل كانت المساهمة، من تشكيل جمعيات أو الارتباط بالرابطات المعنية بهذه الشؤون أو ما أشبه ذلك، سواء بالمساعدة المادية أم العملية أم الإعلامية أم نحوها، هذا فيما إذا لم تكن محرّمة أو جهة موجبة، وإلا كان الإنقاذ واجباً أو محرّماً حسب اقتضاء الجهة الثانوية)(16).

ومما له علاقة بهذا الموضوع، مسألة التكاثر السكاني وتأثيرها على الاجتماع والاقتصاد، وعلاقة العلم بها، وقد بحث سماحة الإمام هذه المسألة في كتابه (الاجتماع) ونعى على الدول الاستعمارية أنها لا تريد حل هذه المشكلة، فإن القضية لا تتعلق بالمواليد الجدد بمقدار ما تتعلق بسوء توزيع الثروة بل تبديدها أيضاً، يقول سماحته:

(وما دام العلم والحكم والثروة لم تحرّر، ترتطم البشرية في مشاكل جمّة، لا بالنسبة إلى الضيوف الجدد من المواليد، بل بالنسبة إلى الجيل المعاصر أيضاً.

وكيف كان فاللازم أن تتصاعد تلبية الحاجيات تصاعداً هندسياً، أما أن تتصاعد تلبية الحاجيات تصاعداً عددياً فتلك هي الكارثة)(17). أما إذا لم تتصاعد نهائياً فتلك هي المأساة المروّعة. والفرق بين التصاعد الهندسي والتصاعد العددي، يمكن أن نمثل له بالمثال التالي:

التصاعد الهندسي للعدد 2 مثلاً هو 2 / 4 / 16 / 256.. وهكذا أي ان كل عدد هو ضعف العدد الذي سبقه.

وأما التصاعد العددي فهو زيادة نفس العدد، مثلاً: 2 / 4 / 6 / 8 / 10 / 12 / 14.. وهكذا.

وبتطبيق هذا التوضيح على الموضوع يتبين لنا أن الإمام يدعو إلى مضاعفة تلبية الحاجات، لا مجرد زيادة ضئيلة فيها، وذلك من أجل أن يحصل المواليد الجدد على حقهم أسوة بآبائهم والجيل الذي سبقهم والذي يجب له أن يحظى بمتابعة احتياجاته وتوفيرها بطريق التصاعد الهندسي أيضاً.

ويرى سماحة الإمام الشيرازي أن الوصول إلى تلبية تلك الحاجيات لا تتم إلا وفق المخطط التالي:

(أ ـ إعطاء الأمور بيد الناس بدل أن تكون بأيدي الحكومات، فإن الناس أعرف بسدّ حاجاتهم.

ب ـ توسيع المدن بما يكفي لمدة خمسين سنة مثلاً.

ج ـ تهيئة وسائل التعليم والتربية.

د ـ تهيئة وسائل الصحة.

ه ـ المواصلات الكافية.

و ـ توسعة أجهزة الدولة، كالأمن والقضاة والنجدة وما أشبه.

ز ـ تهيئة لوازم الحياة الأولية كالمأكل والمشرب والملبس، والثانوية كالكماليات والحدائق، وغير ذلك)(18).

حيث إن ذلك الازدياد يجب أن يخضع لجملة عوامل، صحية واجتماعية واقتصادية. فكل طفل يولد يجب أن يجد أمامه أفضل الفرص الممكنة للعلاج الصحي. وأفضل مستوى ممكن من التعليم، وأكثر وقت ممكن للآباء والأمهات يبذلونه للعناية به.

وذلك إدراكاً للبعد الاجتماعي في النمو الاقتصادي، ولذا فلا مفر من وضع الخطط للمحافظة على صحة الأم ووليدها، والمحافظة على معدل مقبول للولادات.

وبعكس ما هو مفترض، فإننا نلاحظ، ان البلدان الأشد فقراً والأكثر حاجة إلى الغذاء والتي تشحذ المساعدات الدولية، هي البلدان الأكثر سكاناً، لا بسبب زيادة السكان، بشكل مباشر، ولكن بسبب عدم الاستفادة منهم في العمل والإنتاج، أو انعدام فرص العمل والإنتاج، نهائياً، لأسباب عديدة، فتغدو الزيادة السكانية عبئاً على المجتمع، وعلى أوضاعه الاقتصادية. أما في حالة توظيف العنصر البشري كعامل رئيس في التنمية والعمل المنتج فسيكون بإمكان المجتمع استيعاب الأعداد الجديدة من المواليد الجدد، وسيصبح في وسعه توفير شروط حياة كريمة ورعاية صحية وتعليمية ملائمة.

وتزداد الأمور تعقيداً حين يندمج الانفجار السكاني مع ضعف المستوى العلمي، وانتشار الأمية، وفقدان الوعي بحاجات الحاضر والمستقبل.

لذا فإن الإمام الشيرازي حريص على رفع الوعي العام، وتوجيه النساء بحيث يستطعن أداء وظائف الأمومة على أحسن وجه. إضافة إلى التوعية المستمرة، صحياً وثقافياً، مع العناية المثلى بالطفل، باعتباره مستقبل البلاد وغدها الموعود، والتخطيط لمستقبله بما يتناسب مع حاجة البلاد.

وقد رسم الإمام الشيرازي قاعدة عريضة تقرر أنّ وعي المرء بدوره الاجتماعي وموقعه من العملية التنموية سيمكن المجتمع، ككلّ، من الوصول إلى مستوى طيّب من العيش. وسيكون بمقدور كل واحد من أبناء المجتمع القيام بدوره المتلائم مع قدراته بحيث يوفر له ولأبنائه ذلك المستوى.

وإضافة إلى هذا يحدّد الإمام الشيرازي رؤيته للعلاقة بين تزايد أعداد المواليد الجدد وما يجب على كل مواطن القيام به في تلك الحالة، إذ كلما زاد عدد المواليد الجدد، زادت واجبات المرء ومسؤولياته تجاه أبناء شعبه، بشكل عام، كي يعود ذلك على المواليد الجدد ومنهم أبناؤه هو، على شكل خدمات بيئية وصحية وتعليمية.

ويتناول سماحته معالجة هذا الموضوع فيثبت أن جميع ما يقوله الغربيون في هذا الخصوص مجرد تبريرات لمناهجهم الاستعمارية و (ان الذي حال دون كفاية البشر هي الأنظمة الرأسمالية والشيوعية، حيث الاستغلال الفاحش، وصرف كثير من خيرات البشر في وسائل التدمير، والحيلولة دون نمو الكفاءات بسبب كبت الحريات، لا بالنسبة إلى العالم الثالث فحسب، بل بالنسبة إلى نفس العالمين الشرقي والغربي أيضاً)(19).

ثم يفند سماحته أبرز اعتراضات القوم على زيادة النسل، فإنهم قد احتجوا بأن الأرض لن تكفي للبشر إذا استمر التوالد على وتيرته الحالية، وهذه كذبة كبيرة، فهم الآن في بلادهم يشجعون على الولادات بعد أن تنبّه علماؤهم إلى أن مجتمعاتهم أخذت تشيخ وقلّت المواليد إلى الحد الأدنى مما سيؤثر على تطور تلك البلدان، ولكنهم في نفس الوقت ما زالوا يصدّرون تلك المعزوفة إلى الدول الخاضعة لاستعمارهم تمهيداً لإفناء أهلها بتقليل المواليد والتأخر والتخلّف بل انهم ينشرون الأمراض بين البشر والحيوانات كي تهلك، ويسممون المياه والتربة والجو، كما يفعله اليهود في الأراضي الفلسطينية، حتى ان اليهود وضعوا في المياه أدوية تمنع النساء الفلسطينيات من الحمل، تمهيداً للقضاء على الأجيال الفلسطينية، وهكذا يفعلون في جميع البلدان التي تخضع لمشيئتهم.

وعن زعمهم بضيق الأرض عن استيعاب المواليد الجدد يقول سماحة الإمام:

(والأرض قابلة للسكنى والزراعة، فمجموع مساحة اليابسة زهاء خمسة عشر مليون هكتار، والقدر المزروع في الوقت الحاضر، زهاء سبعة في المائة، والمعلوم أن الاستفادة الكيفية من تلك السبعة أيضاً ليست بالمستوى المطلوب.. فإذا فرض زراعة الكل وبالمستوى المطلوب، لكفى مقدار عشرين ضعف البشر الحالي، هذا مع الغض عن إمكان زراعة البحر، والوسائل الصناعية موجودة وبالإمكان تكثيرها، مما يسبب سهولة الزراعة، ومن الواضح ان الزراعة لا تعطي حاجيات الأكل، بل وكثيراً من الحاجيات، أمثال الخشب للبناء، والقطن ونحوه للباس، إلى غير ذلك. أما المسكن فالشركات الأهلية غير الاستعمارية ولا الاستغلالية بإمكانها أن تهيئ للكل في مدة قصيرة)(20).

وعن ادعائهم بأن المعادن غير الدورية أخذت بالنفاد، يقول الإمام:

(نعم، المعادن غير الدورية أخذت في النفاد، إلا أنّ من الممكن وضع برنامج صحيح لها لتكفي لما لا يقل من ألف سنة، ثم نواة الأرض كلها معادن بالإضافة إلى إمكان الاستفادة بعد ذلك من سائر الكواكب)(21).

هذا مع العلم بأن تبديد هذه الثروات والإسراف فيها استخراجاً واستهلاكاً غير مسؤول، قد أدى إلى تناقص حصص الأجيال اللاحقة منها، فالمسؤولية تقع أولاً وأخيراً على عاتق الاستعماريين الجشعين وعملائهم الديكتاتوريين، فالذنب ذنبهم، لا ذنب الأجيال التي يريدون منعها من المجيء إلى الأرض.

ويواصل سماحته تفنيد دعواهم عن عدم سعة الأرض للسكن، بقوله:

(وأما سعة سطح الأرض لاستيعاب الضيوف القادمين، ولو كانوا عشرات المرات أكثر من الجيل المعاصر، فنعلم من أن كثيراً من الأراضي القابلة للسكنى بائرة في الحال الحاضر بالإضافة إلى إمكانية التجمع)(22).

وعلى هذا فإن العلم من شأنه أن يستقبل هؤلاء الضيوف الجدد ويربيهم ويجعلهم أعضاء نافعين عاملين منتجين، فيشاركون في صنع مستقبل زاهر للإنسانية كلها، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة، ويقدمون لهم ولغيرهم مزيداً من الغذاء والاكتشافات والاختراعات، لو أحسن تدريبهم وتربيتهم حسب الأخلاق والتكافل الاجتماعي والروح الإنسانية.

1 ـ سورة النساء، الآية: 59 .

2 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 29 .

3 ـ ن.م: ج 2 ص 147 .

4 ـ Lasswell, H., The Analys of politic, London, 1984, P. 51 .

5 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 151 .

6 ـ ن.م: ج 2 ص 151 .

7 ـ R. David, The Empires, London, 1957, P. 165 .

8 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 155 ـ 156 .

9 ـ ن.م: ج 2 ص 157 .

10 ـ Hare, R. M., The Language of Morals, Oxford, 1991 P. 119 .

11 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 35 ـ 36 .

12 ـ ن.م: ج 2 ص 316 ـ 317 .

13 ـ الوسائل: ج 12 ص 11 .

14 ـ الاقتصاد بين المشاكل والحلول 211 وما بعدها .

15 ـ المسائل المتجددة: 45 .

16 ـ ن.م: ص270 .

17 ـ الاجتماع: ج 1 ص 289 .

18 ـ ن.م: ج 1 ص 289 ـ 290 .

19 ـ الاجتماع: ج 1 ص 286 .

20 ـ ن.م: ج 1 ص 291 .

21 ـ ن.م: ج1 ص 291 .

22 ـ ن.م: ج 1 ص 291 .