فهرس الفصل الثالث عشر

 

الصفحة الرئيسية

 

الطاقة في البلاد الإسلامية

تبينّا فيما سبق الأثر السيئ الذي يتركه التبذير والإسراف على اقتصاديات الاجتماع، والأضرار السلبية التي يسببها للدولة، بحيث يسهل الطريق أمام نجاح ضغوط الدول الاستعمارية.

ولما كان تبذير الطاقة من أكبر المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد في أي دولة من دول العالم، فإن الإمام الشيرازي قد عُني بهذه المسألة عناية فائقة ذلك لأن الطاقة ضرورية لمعظم الفعاليات البشرية، فالإنتاج وتوزيع البضائع والخدمات الجاهزة إنما يتم بوجه خاص تبعاً لجاهزية الطاقة ولاستخدامها.

ومن المسلّم به كحقيقة علمية أساسية أنّ الطاقة تحفظ في نظام مغلق، أي أن العملية التنموية لا تستطيع خلق الطاقة وليس من شأنها إلا أن تحولها، وان تستفيد من ذلك التحويل، فالنفط المخزون في باطن الأرض يمكن أن يتحول إلى صور من الطاقة، بعد استخراجه واستخدامه الاستخدام الأمثل، ولكنه لا يمكن أن يعاد إلى صورة النفط التي كان عليها، أو ان ذلك يحتمل أن يتم إذا تطور العلم أكثر فأكثر، أما في المعطيات الحالية فأمر تكوين الطاقة يدخل في عداد غير الممكن.

وعندما نتحدث عن إنتاج الطاقة او عن استهلاكها ينصرف الذهن إلى التغيرات التي تطرأ على نوعية الطاقة نتيجة الاستهلاك، ولكن المعايير العملية والهامة اقتصادياً يفرضها مستعملو الطاقة. ولذا فإن على مستهلكي الطاقة من السكان أن يتفهموا تلك الحقيقة. فمصادر الطاقة دائماً معرضة للنضوب والنفاد فعلى الجميع أن يستفيدوا منها الاستفادة المثلى. وهكذا فإن عبارة كعبارة (استهلاكية الطاقة) تعني تحول نوعية كمية معينة من الطاقة من شكل ذي قيمة من الناحية الاقتصادية إلى شكل لا قيمة له، وكلمة (مردود) تدل على جزء الطاقة الكلية الممكن استخدامه في هدف منشود.

ومصادر الطاقة الأولية المستعملة حالياً فإن أكثر من 59% من الطاقة العالمية تزودنا به في الوقت الحاضر المحروقات، في حين أن الطاقات الكهربائية، والمائية، والنووية، والحرارية الجوفية تقوم بأدوار ضئيلة.

إن البلاد الإسلامية والتي تقع في آسيا وأفريقيا يمكنها أن تتعرف على صور عديدة من الطاقة كالطاقة المتولدة ذاتياً من الطبيعة، مثل الشمس، والتربة، وأخشاب النخيل والأشجار. وبالرغم من وفرة تلك الأنواع من الطاقة فليس هناك خطط للاستفادة المثلى من هذه المصادر المهمة للطاقة، نظراً لتراجع الزراعة، وإهمال التربة، والتصحر عبر عقود طويلة من الزمن، والكسل الذي يسيطر على كثير من الناس نتيجة فقدان مشاركتهم في الحكم.

ونظراً لهذا فإن الإمام الشيرازي قد دعا إلى توفير مصادر طاقوية تشارك في رسم ملامح مستقبل البلاد، كتوفير الطاقة الكهربائية التي أصبح لها دور لا ينكر في استخدامات متعددة منزلياً وصناعياً وطبياً، كما لابد من الحفر في أعماق التربة بحثاً عن المعادن التي أصبحت تشكل أساس مصادر الطاقة في العصر الحديث ومن المهم جداً على صعيد الاقتصاد الغوص إلى أعماق البحار بحثاً عن الثروات البحرية.

وعلى هذه الدرجة من العناية المركزة والاهتمام المتزايد، التفت الإمام الشيرازي إلى الثروات المعدنية، باعتبارها مصادر طاقوية إضافة إلى طبيعتها الاقتصادية.

إنّ عوامل عديدة متلازمة تحتم الازدياد المستمر في استخدام الطاقة، هي: ازدياد السكان، وازدياد استهلاك الطاقة المطلوبة لكل شخص لتحسين مستوى عيش السكان، وحاجات الزراعة المتزايدة إلى الماء العذب والمخصبات، وتكاثر تدابير تقوية الطاقة من أجل حماية البيئة وإصلاحها.

وقد ازداد الطلب على الطاقة في ربع القرن الأخير بمعدلات سنوية متصاعدة بفعل احتياجات السكان، والمراكز الصناعية والتجارية.

واستناداً إلى هذه العوامل فإنه يجب أن ندرك أن من الصعب جداً تقليص ازدياد الطلب على الطاقة وبخاصة في منظور التطورات الحالية الاقتصادية والاجتماعية. وهذه مشكلة تعقّدت كثيراً في أرجاء العالم المختلفة، غير أن الإمام الشيرازي تصدّى لها عبر قيامه بالتوعية الاجتماعية الضرورية بترشيد الاستهلاك، وإدخال أساليب جديدة للاستفادة من مصادر الطاقة الحالية والعمل على تنويعها مستقبلاً.

ويقدم لنا الواقع الذي تعيش فيه بعض الدول التي لم تأخذ ذلك في حسبانها درساً بليغاً يؤكد انه بدون إدخال أساليب جديدة للتزود بالطاقة وتنويعها وتعدد أشكالها، بمعدل الازدياد المتوقع في الاستهلاك، فإن ثمة نقصاً خطراً في جميع مصادر الطاقة يمكن أن يؤثر بهذا القدر أو ذاك على هذه الدولة أو تلك. ولذا فإن الإمام الشيرازي أعلن بشكل قاطع أن مصادر الطاقة الناضبة لا يجب الاعتماد عليها كلياً، بل يجب أن توظف لصالح إيجاد مصادر طاقة بديلة من ناحية، ولبناء ركائز الاقتصاد الوطني القابلة للنمو والتطور، من ناحية أخرى. كوضع خطط علمية وعملية متتابعة بحسب الحاجات الاجتماعية، وهي خطط ذات مديات، قريبة ومتوسطة وبعيدة لتطوير قطاعات الزراعة والأسماك والثروة الحيوانية بهدف تنويع مصادر الدخل، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل أمام الكفاءات الإسلامية.

وهذه المشكلة لا يمكن أن تحل بدون مشاركة الناس بشكل فعال، ووعيهم بأهمية الطاقة، وضرورة المحافظة عليها، والتزامهم بتوجيه القيادة الإسلامية للبلاد، والمراد بها شورى الفقهاء، فلكي نستفيد من الوقت الذي سنظل نملكه قبل أن تقع الفاقة لابد لنا من بذل جهد كثيف في جوانب متعددة.

* جانب توفير الحرية للناس ومشاركتهم في إدارة الدولة، لقيام هذه الأخيرة على القاعدة الشوروية.

* جانب التوعية بمضار الإسراف والتبذير في الطاقة.

* جانب الإيمان بأن هذه المصادر الطاقوية ليست ملكاً لهذا الجيل ولا لجزء منه، بل هي ملك للأجيال جميعاً، فيجب أن يوضع في خدمتها كلها.

* وجانب اللجوء إلى تقنيات تتيح الاقتصاد في الطاقة الموجودة واستغلال مصادر أخرى للطاقة.

* وجانب الاستعاضة التدريجية عن المصادر العادية للطاقة بمصادر جديدة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والفحم وغيرها.

* وجانب الاعتماد على الموارد الرخيصة الثمن مما سيؤخر زمن نفادها النهائي ويحفظ الموارد من أجل استعمالات أعظم شأناً.

* الاعتزاز بتقاليد الآباء والأجداد في تقديس العمل، وبذلك الجهد والعرق لاستغلال الموارد الطبيعية في البلاد.

* لابد من تنمية واسعة للثروات الزراعية والسمكية والحيوانية.

* يجب بذل المزيد من الجهد ومراعاة الاعتبارات الخاصة بحماية البيئة عند تخطيط وتنفيذ المشاريع الإنمائية، والمضي قدماً في توعية كل فرد بواجبه لما لذلك من أهمية كبيرة لحماية الموارد الطبيعية والصحة العامة من أية تأثيرات ضارة وللمحافظة على الطبيعة الجميلة والمتميزة التي وهبها الله للبلدان الإسلامية المتنوعة الجغرافية والمتعددة الأجناس والألوان والأعراق والبيئات.

* تسخير وسائل العلم والتكنولوجيا الحديثة لحاجات الاجتماع.

* إقامة الاقتصاد على أسس قوية وسليمة، أما في داخل البلاد فضرورة تمتع أبناء الشعب بكامل الحرية في تسيير شؤون حياتهم.

* لابد من حفز القوى البشرية للإقدام على العمل في مجالات الزراعة وصيد الأسماك وغيرها من الحرف والمهن التقليدية التي توارثتها الأجيال عبر الزمن ولن تفقد جدواها أبداً طالما استمرت الحياة على هذه الأرض.

إن هذا الاهتمام على المهن والحرف التقليدية الموروثة، من جهة، والإفادة من العلم والعالم المعاصر، من جهة أخرى، نهج ثابت لدى الإمام الشيرازي، ولكن مع اشتراط أن يكون مبنياً على أسس حضارية حقيقية ومتلائمة مع الأخلاق والعقائد الإسلامية.

والمسيرة يجب أن تبدأ من الإسلام، والأخذ بيد الناس للسير في طريق العزة والكرامة وفي نفس الوقت أن يتحمل الشعب ذاته مسؤولية تخلصه من التمزق والضياع وإحياء حضارته واستعادة أمجاده وربطه ربطاً وثيقاً بالقيم الإسلامية ليشعر بعمق الإيمان وأهمية العمل المنتج.

وبتحليل هذا الموقف وغيره من مواقف الإمام الشيرازي، في مسألة الإنتاج والاستهلاك، وقضايا الطاقة، وإخضاعها للأخلاق نرى أن سماحته قد وضع الاشتراطات الأساس التي من شأنها توفير المهاد المناسب للوصول إلى وضع اقتصادي سليم يجمع بين توليد واستهلاك الطاقة بصورة راشدة، والمحافظة على نقاء البيئة والصحة العامة.

وهذه المعالجة لموضوع الطاقة في توليدها واستهلاكها، تضع على عاتق كل فرد في المجتمع الإسلامي مسؤولية التوفير في استهلاك الطاقة عند الحدود الضرورية، وبخاصة إذا كانت من ذلك النوع الذي له تأثيرات غير مستحبّة على البيئة، إضافة إلى استحالة توليدها بناء على المعطيات العلمية الموجودة حالياً.

وقد قدم الإمام الشيرازي للعالم كله خلاصة رؤيته المبنية على اعتماد العدالة في توزيع الثروات المعدنية والطاقوية كالنفط والمعادن الأخرى، وضرورة فهم جميع دول العالم أن النفط وبقية المعادن والمحروقات يجب أن يخضع استهلاكها إلى تقنين دقيق، وينظر إليها على أساس أنها مصدر للطاقة ومورد اقتصادي هام للإنسانية جمعاء، وللأجيال القادمة أيضاً. لذلك يقع على عاتق الدول الإسلامية اتباع سياسة بترولية تصون ولا تفرط، انطلاقاً من موقف إسلامي موحد ووعي مبني على أساس المعايير الإسلامية، يقدر القيمة الحقيقية لهذه الثروات ويحسن استخدامها، ويحرص على أن تؤدي هذه الثروة دورها كمصدر للطاقة وكمورد اقتصادي هام، إسهاماً في حل مشاكل الاجتماع وصنع رفاهيته، لا أن يتركها لقمة سائغة للدول الاستعمارية، ولتبذير الحكام الديكتاتوريين لتلك الثروة على الأسلحة وغيرها من مشروعات تضرّ ولا تنفع.

إن الحرص على الطاقة وعدم تبذيرها أو تبذير عوائدها المادية، أمر ممكن. وبعد كل هذا فإن الحياة ليست أمراً لا يطاق في حال المحافظة على الطاقة وتقليل استخدامها ما أمكن. غير أنه لا ينبغي أن نقلل من قدر المبدأ النفسي الذي بمقتضاه يغدو كل ترف يصل إليه الإنسان حاجة ملحة، وكل هبوط في مستوى العيش يولد شعوراً قد يكون أليماً، ما لم يترافق ذلك مع الوعي والإفادة من التوعية الأخلاقية التي تحث على عدم التبذير. علماً بأنّ الفرد الذي يقتصد في الطاقة لا يتأذى من ذلك، وهذا يعني أن مستوى الاستخدام يمكن أن يحد من ضياع إنتاج غير مفيد أو لا طائل تحته من الناحية الاجتماعية.

وسيكون المجتمع، بالنتيجة، مضطراً إلى أن ينظر جدياً إلى هذه المشاكل وأن يقوم بأعمال مناسبة تهدف إلى المحافظة على الطاقة وإلى المساواة في التضحيات بين أفراد المجتمع.

وللوعي، كما قلنا، دور كبير يقوم به في تخفيف الطلب على الطاقة، ويمكن له أن يسهل استعمال الطاقة استعمالاً أفضل، وهناك مجال لتحسين تصميم الآلات وتحسين الأساليب في جميع القطاعات.

وقد دعا الإمام الشيرازي جميع أبناء الاجتماع إلى وجوب مراعاة هذه الاعتبارات، وأن يعملوا جهدهم في هذا الصدد، عن طريق التقشف وترشيد الإنفاق، الذي يتضمن ترشيد الاستهلاك بما فيه استهلاك الطاقة.

ويعطي الإمام الشيرازي هذا الاهتمام المتزايد لأبناء الاجتماع، ويضع على عواتقهم جزءً كبيراً من المسؤولية في ترشيد استخدام الطاقة، لا لأنهم هم الذين يستهلكون الطاقة فقط، بل لسبب آخر أكثر أهمية، وهو كون المواد الطاقوية ملك للأفراد أيضاً، وفق تحديدات معينة، فلنقرأ قول سماحته، في هذا الصدد:

(الإنسان المستحوذ على المواد الأولية له تلك المواد وله أن يأخذ المال في قبالها، وإن كان عمله الجسدي أو الفكري الذي استحوذ بواسطته على تلك المواد لا تعادل جزءً من ألف جزء من تلك المواد. مثلاً: عمل يوماً فأخرج ألماساً يعادل قيمته ألف يوم عمل من هذا العامل، وذلك لأن المواد الطبيعية خلقها الله سبحانه للإنسان، فلكل إنسان أن يستولي على ما شاء منها، ولكن يشترط ألا يضر جيله، ولا يضر الأجيال الآتية، ولا يفسد بسبب ذلك المال، ولا يفسد الآخرين)(1).

وقد اعترف كبار خبراء الاقتصاد المعاصرين أن التبذير في الطاقة له مردودات سلبية على الاقتصاد، وبخاصّة أنّ سوق الطاقة ذاته معرّض للاهتزاز والاضطراب بين فترة وأخرى.

وبناء على هذا يترتب على الدولة الإسلامية تقديم كل تشجيع وإسناد للتحسينات التقنية التي من شأنها التقليل من استهلاك الطاقة في الدور السكنية والمحلات التجارية، حرصاً على تصاعد وتائر النمو الاقتصادي للحاضر والمستقبل.

ومما تقدم نتبين أن ما يجري حالياً من إهدار الطاقة وتبديد أثمانها في التخريب والإفساد، أمر محرّم يمنعه سماحة الإمام بكل قوة، حيث يقول:

(وبما تقدم ظهر أنه لو استولى جيل على كل موارد الطبيعة مما لا يترك للأجيال الآتية المجال، كان ذلك حراماً، وكان عملهم غصباً، وهذا ما تفعله الدول الحاضرة الآن، حيث إن أمريكا وروسيا، وسائر البلاد المستعمرة أخذوا في ثلاث تخريبات:

الأول: استنفاد موارد الطبيعة، فلا يبقى للأجيال الآتية كثير من المواد.

الثاني: صرف كل الموارد لبعض هذا الجيل الحاضر، فبطون تتخم وبطون تُحرم.

الثالث: صرف موارد الطبيعة في صنع وسائل الهدم، وبهذا النحو من سوء الإدارة العالمية، وقع كل العالم في المشكلة الكبرى التي لا منجى لها إلا بالرجوع إلى الله سبحانه، واتباع أوامره.

كما أنه تبيّن مما تقدم أنه لا يحق لإنسان أو دولة أن تمنع استفادة الإنسان من موارده الطبيعية إذا لم يرد الإضرار والإفساد)(2).

وفوق ذلك كله فإن تلك الثروات المعدنية ثروات ناضبة، وهي عرضة لتذبذب الأسعار، مع صعوبة التحكم في أسواقها، ولذا لا يمكن التعويل عليها وحدها لإقامة اقتصاد سليم. لذلك فإن الجهود الخيّرة يجب أن توجه قبل كل شيء إلى تقوية الاقتصاد وتنويع المشاريع الاقتصادية للتقليل من الاعتماد على المصدر المعدني الواحد.

كما يجب السعي المتواصل من قبل الخبراء وجميع أبناء المجتمع المسلم إلى تنويع مصادر الدخل القومي، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الإسلامي، وذلك بالاتجاه نحو استغلال الموارد الطبيعية المتوفرة في البلاد الإسلامية، كما يجب تكثيف الجهود لكي تحقق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الرئيسية والحيوية، فلابد من تشجيع ودعم الصناعات المحلية والمشاريع الهادفة إلى استثمار كافة الموارد، مع تركيز الاهتمام على تأهيل وتدريب القوى البشرية للاستفادة منها إلى أقصى حد، وذلك كله في إطار خطط علمية وعملية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بهدف زيادة الدخل وإيجاد فرص العمل للجميع، وإشراكهم في المشاريع الإنتاجية التي تخدم قطاعات كبيرة في المجتمع.

ومن المفهوم في علم الاقتصاد أن تنويع مصادر الاقتصاد، يمثل شعاراً طموحاً، يهدف في النهاية إلى استغلال جميع مصادر الطاقة، ما عُرف منها واستخدم، أو الذي ما زال قيد الدرس والبحث والتنقيب.

وهذه الدعوة إلى تنويع مصادر الاقتصاد تقودنا مرة أخرى إلى ضرورة الاستفادة من آخر ما يصل إليه العلم من تقنيات ونتائج بحث، إضافة إلى المشاركة الفعالة من قبل الباحثين والعلماء الإسلاميين في تلك الميادين.

فعلى سبيل المثال، تحظى البلدان الإسلامية، الآن بأرض واسعة تحتوي على أنواع من المعادن التي اكتشف بعضها، وبعضها مازال ينتظر الكشف ودراسة الجدوى الاقتصادية.

كما أن ثمة مصادر أخرى للطاقة كالطاقة الشمسية، والرياح، ومياه البحر، ومازال العلماء في الدول المتقدمة يبذلون جهودهم الكبيرة في هذا الصدد، وبخاصة أن هذه الصور من الطاقة أقل أضراراً بالبيئة، غير أن مجال الاستفادة منها اقتصادياً مازال بعيداً نوعاً ما، بسبب التكلفة الباهضة التي تحتاجها الدراسات والبحوث. ولكن هذه العقبة لن تقف حائلاً بين العلماء والوصول إلى النتائج المرجوة بفعل الاحتياج البشري والتزايد السكاني الذي يفرض حتمية البحث عن إيجاد حلول أخرى للحاجات البشرية، وبخاصة بعد تصاعد التكهنات بنضوب حقول النفط والغاز نتيجة الاستخراج المتزايد.

وتتخذ بعض الدول حالياً خطوات مهمة على طريق الاستفادة من الطاقة الشمسية والرياح لتوليد الطاقة، كما يحدث في ألمانيا واليابان حالياً.

وقد دعا كثير من علماء الاقتصاد دول العالم إلى تشجيع استعمال الطاقة الشمسية إمّا بمنح إعانات مباشرة وإمّا بضمانات لتطوير في هذه الصناعة الجديدة المقدرة لها أن تكون ذات شأن عظيم.

إنّ تطبيقات الطاقة الشمسية في المنشآت البسيطة والاقتصادية قد تتيح مواجهة الحاجات الكثيرة إلى الطاقة الأساسية في الوحدات السكنية والتجارية والقرى، كتسخين الماء والأفران الشمسية، ومزيلات ملوحة الماء، وهذه الطاقة تبدو ملائمة لنوع الطلب في المناطق الريفية، حالياً، أكثر مما تلائمها المصادر الأخرى التي تتطلب تكنولوجيا معقدة وباهضة الكلفة.

كما أن الأرض الإسلامية تحظى بطاقة حرارية جوفية عالية، وهي مورد طبيعي وفير رخيص الثمن في المناطق التي تتمركز فيها الآن.

ولقد صارت هذه المصادر البديلة للطاقة تثير اهتماماً متزايداً لدى العلماء، والواقع أن هذه الصور من الطاقة ستوفر كثيراً من قوى الاقتصاد المحلي.

ومن المهم جداً، لمواجهة قضية الحفاظ على الثروة الطبيعية كالأشجار والنخيل والغابات تنفيذ برامج غرس الأشجار والنخيل على نطاق واسع وتشجيع استهلاك الوقود البديل الذي توفره النفايات الطبيعية، رغم ان حملات غرس الأشجار تعرقلها، أحياناً، ظروف اقتصادية وصعوبات تنظيمية ناتجة عن ضرورة المراقبة مكانياً لبضع سنوات، ولهذا فإن هذه البرامج بحاجة ماسّة إلى وعي اجتماعي بأهمية هذه المغروسات وبوجوب قيام الناس أنفسهم بالغرس وبالمحافظة على ما يتم غرسه.

ومن الناحية الفنية، دعا الإمام الشيرازي إلى توسيع الدراسات المتعلقة بالأشجار والنخيل ذات المردود الجيد على صعيد الاقتصاد والبيئة. وبطبيعة الحال يجب أن يتم غرس الأشجار في أراض تستصلح لغرض الاستزراع من غير تجاوز على الأرض الزراعية أصلاً. وهذه الحدائق والأشجار، إضافة إلى نفعها الاقتصادي، تساعد على نقاء البيئة، وتعدّ بمثابة رئة يتنفّس منها السكان.

وإضافة إلى هذا فإن الإمام الشيرازي يشير في أكثر من مناسبة إلى موقع العالم الإسلامي جغرافياً وظروفه المناخية. ولا ننسى أن الموقع الجغرافي لبعض الدول الإسلامية يتيح لها أن تتمتع بهبوب رياح مختلفة الاتجاهات والسرعة، ويمكن الاستفادة منها في هذا الوجه أو ذاك من وجوه توليد الطاقة، حيث إن كمية الطاقة المتوفرة في الرياح تمثل مصدراً طاقوياً مفيداً في المناطق التي تهب فيها رياح معتدلة في جزء كبير من السنة. والأماكن الواقعة على طول السواحل. وقد استخدم القدماء طاقة الرياح في ضخ الماء من الآبار وفي طحن الحبوب وغيرها من المنتجات التي لا تتطلب طاقة مستمرة، وقد كانت إحدى وسائل الإنتاج في مراحل عدة من التاريخ، بحيث إن العلماء اليوم يرون أنه من الممكن تطوير تلك الاستعمالات والاستفادة من طاقة الرياح في توليد أنواع أخرى من الطاقة التي يستعان بها، إلى حدّ ما على عدم التبذير في مصادر الطاقة الموجودة حالياً والمعرّضة للنضوب. لذا فإنّ ثمة جهوداً لاستعمال طاقة الرياح، سواء وفقاً للطرق التقليدية أم بتطوير تلك الطرق، وقد كتب كثير من العلماء المعاصرين في هذا الموضوع، فقد ذكر آرثر بنتلي (A. Bentley) أكثر من خمسة عشر نصاً لعلماء مشهورين يدعون إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومياه البحر والطاقة المتولدة من الشلالات ومن ظاهرتي المد والجزر، لتكوين صور أخرى من الطاقة(3).

وبذلك فإن الاستفادة الاقتصادية ممكنة من تلك الظواهر وتوفير الطاقة لبعض النشاطات الاقتصادية.

فالمدّ والجزر، مثلاً، يعتبران مصدراً للطاقة، وبخاصة في المناطق التي يكونان فيها شديدين عادة. وقد ثبتت إمكانية بناء محطات تتحرك بقوة المد والجزر في أرجاء متعددة من العالم.

ومثل المد والجزر يمكن الاستفادة من أمواج البحر والتي يعتبرها علماء الاقتصاد مصدراً ضخماً للطاقة. غير أن هذا المصدر قلما يستغل في الوقت الحاضر من قبل دول العالم إلا بواسطة العوامات التي تنتج طاقتها الكهربائية الخاصة بها. غير أنها تظل مصدراً مأمولاً من مصادر الطاقة التي تحقق تنويع مصادر الدخل، والمحافظة على مواد الطاقة غير المتجددة.

ولذا فإن تنوع الطاقة في البلاد الإسلامية، وتعدد مصادرها، ووفرة البدائل الطاقوية، يشجع على إرساء أسس التطور المستقبلي، والأخذ بمنهج تنويع مصادر الطاقة، من جهة، ومنع التبذير في استخدامها، من جهة أخرى.

وهكذا يثبت فكر الإمام الشيرازي الحيوية الفائقة التي يتمتع بها والاستفادة حتى من السلبيات التي قد تظهر على أسواق المواد الأولية للطاقة، فلا تقع الدولة الإسلامية تحت ضغوط فساد إدارة الاقتصاد العالمي والدول الاستعمارية، وذلك بعد تحقيق الحرية والاستشارية في إدارة الناس لأمورهم.

وكنتيجة لهذه الحيوية فإن الدارس لفكر الإمام الشيرازي يتوصل، بكل سهولة، إلى القول بأن الحالة الإسلامية تشكل حالة خاصة، ومن المؤكد أن مشكلة الطاقة لن تسبب أي نوع من أنواع الانكفاء والتقهقر أو الشحّة، لوجود وفرة في البدائل ولأن البلاد، بموجب تلك الرؤى لن تكتفي بالتحديث بل تنتقل إلى عمل تغييري حقيقي ببث الوعي بين الناس وتطوير أوضاعهم الفردية والاجتماعية والاقتصادية، فإن هناك أساسين لابد من توفّرهما لبناء الدولة بناءً سليماً، هما: اقتصاد سليم قابل للنمو، وشعور كل فرد بكامل المسؤولية. وبالنسبة للعامل الأول: فبفضل النعم الوفيرة التي جعلها الله، سبحانه، في البلدان الإسلامية، فإن تلك البلدان تتمتع بموارد طبيعية جمة، إذا استثمرت استثماراً كاملاً وفّرت خيراً عميماً وقوة اقتصادية عظيمة.

يكفي أن نعرف أن هذه البلدان غنية بالنفط والغاز واليورانيوم والذهب والنحاس والفحم، ومناجم الألماس التي تم اكتشافها، إضافة إلى الثروة السمكية والأرض الخصبة والمياه الوفيرة، وغير ذلك، فإذا أضفنا إليها الصناعات الخفيفة والمصالح التجارية الأخرى علمنا أي دور بارز يمكن أن تلعبه الدولة الإسلامية على صعيد العالم وتوفير الظروف المعاشية الأفضل لجميع السكان.

أمّا العامل الثاني وهو عامل مهم كل الأهمية في ازدهار أي بلد ونموه. وهذا العامل هو شعور كل مواطن بالمسؤولية، فالمشاعر لوحدها لا تكفي والإخلاص ليس شعاراً فقط، بل يجب أن يتخذ شكل العمل الدائب المستمر الذي يجب على الجميع القيام به.

كما يجب أن يربى الأطفال منذ الصغر على القيم الأخلاقية النبيلة والتوعية اللازمة، على ما سبقت الإشارة إليه.

وقد أثبت التاريخ أنه بدون روح الوفاء والإخلاص والتفاني فإن البلاد ـ أي بلاد ـ كلما زادت مصادرها الطبيعية وفرة، كان ذلك مدعاة لطمع الطامعين وعرضة لمحاولات السيطرة الأجنبية.

واليوم، والعالم يدرك أن مصادر الطاقة المستعملة حالياً ستنفد، فإن الدول الاستعمارية ستركّز سيطرتها على دول العالم الإسلامي أكثر فأكثر، تحت شعار العولمة وغيره من شعارات، تمهيداً لاستغلال مصادر الطاقة تلك. فيجب الوقوف بحزم أمام تلك السيطرة، وإذا كنا قد خسرنا البترول وتبذرت أمواله على الحروب وغيرها، فيلزم أن نتعلم من ذلك الدرس القاسي، وأن يأخذ المسلمون أمورهم بأيديهم لا بأيدي أعدائهم الاستعماريين في الخارج والديكتاتوريين في الداخل.

وعلى أي حال، فرغم أنّ أزمة الطاقة لها الآن وستكون لها نتائج عالمية سياسية واقتصادية متزايدة الضخامة، فإن البدائل الاقتصادية الإسلامية متوفرة، بفضل الله، وفي الإمكان استثمارها بالعمل الجاد والتخطيط الواعي مما يعمل على تحقيق مستقبل أفضل ترفرف عليه رايات العزة والكرامة والحرية.

ولما كانت المسائل الاقتصادية هلامية وزئبقية، بمعنى أن السيطرة عليها صعبة وشائكة، ولا يمكن التكهن الدقيق بملامحها المستقبلية، رأينا أن الإمام الشيرازي يؤكد على ضرورة تلاحم جهود جميع أبناء المجتمع، والتعاون الوثيق فيما بينهم، للحدّ من صور تبديد الطاقة وهدر إمكاناتها الاقتصادية.

إن الاقتصاد في الطاقة ضروري لجميع المجتمعات، وهناك حاجة ماسّة للاستفادة من الطاقة في عمليات التنمية والتحديث في الدول السائرة في طريق النمو على وجه الخصوص، كي تعجل في عملية التنمية وتسد الفجوة الاقتصادية والاجتماعية التي تفصلها عن البلدان الصناعية. فمن المناسب إذن تنمية قدرتها على التزود بالطاقة، والبحث عن مصادر بديلة، وتوظيفها لصالح عملية التنمية كي تسد حاجاتها الاقتصادية، أو أكبر قدر منها، على الأقل.

إن تحقيق هذا الهدف تابع للوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي وبخاصة من حيث تأهل رأس المال الإسلامي بقدر ما هو تابع لإمكانيات البلاد العلمية من أجل موازنة تنميتها الاقتصادية، من غير أن تقع في مطب تقليد الدول الأخرى، فإن التجارب الإنسانية قد أكدت ولا تزال تؤكد في كل زمان ومكان ان أسلوب التقليد المجرد أسلوب عقيم وان القفز فوق الواقع العملي والظروف الموضوعية لأي مجتمع يؤدي دائماً إلى مخاطر جسيمة، لهذا يجب رفض تقليد الآخرين، وبناء الشخصية الإسلامية القوية المتماسكة، فإذا تم التخلص من روح التقليد المجرد والمغريات الخداعة التي تبثها الدول الاستعمارية، ظهرت الحاجة إلى التوجه نحو التنمية البشرية، كعامل مساعد في توفير الطاقة ذاتها، والبحث المتأني عن البدائل الطاقوية، بحسب احتياجات البلاد، إذ ان التنمية البشرية من شأنها أن تمنح المواطن وعياً وإدراكاً لاحتياجات البلاد.

وهو حل يناسب حاجة البلاد إلى تأسيس صناعات تتطلب استخداماً واسعاً لليد العاملة، وهذا الحل يبدو أفضل حل يتلاءم مع وضعها الاجتماعي والاقتصادي، وبخاصة إذا أخذنا بالحسبان أهمية مناطقها الريفية، فالأوضاع المحلية في كل بلد هي التي تحدد اتجاه المسيرة العامة للبلد، لا تقليد البلدان الأخرى، الذي ينظر إليه الإمام الشيرازي على أنه شيء عقيم، ومنهج لا يؤدي إلا إلى تكريس التخلف وضياع الجهود.

إن التحليل السابق لرؤى الإمام الشيرازي لمختلف مصادر الطاقة ذات الصلة بالمشكلات التي ناقشناها آنفاً يقودنا إلى هذه النتائج:

1 ـ الإمام الشيرازي ينظر إلى النفط والغاز الطبيعي باعتبارهما مادتين مهمتين، ولكنهما ثروتان ناضبتان حتماً في يوم ما، ويجب مراعاة حقوق الأجيال القادمة فيهما.

2 ـ إن الاستفادة من المحروقات الأخرى التي كان يتعامل بها القدماء، كالخشب والفحم وغيرهما، يقدّم أضخم المدخرات، وعلى هذا فهو جدير باهتمام خاص. واستعمال الفحم استعمالاً ضخماً بالنسبة للأمم السائرة إلى النمو، جميعاً، مرتبط ارتباطاً أساسياً بالإمكانات المحلية.

3 ـ إنّ استخدام مصادر الطاقة هذه يحتاج إلى وقت، وأنها، أيضاً، من الثروات الناضبة، شأنها شأن النفط والغاز، ولذا يجب أن توضع في خدمة الجيل الحالي والأجيال القادمة، ببناء الركائز الاقتصادية والعلمية وغيرها.

4 ـ إن استغلال المصادر غير التقليدية للطاقة كالرمال التي تحتوي على بعض المكونات الرسوبية قابل للاستثمار المستقبلي اقتصادياً، حين يصل العلم إلى تحقيق ذلك بطرق أكثر يسراً وأقلّ تكلفة.

5 ـ يمكن الاستفادة من النباتات وبقايا الأشجار باعتبارها مصادر لطاقة بديلة، ولو على الأمد البعيد.

6 ـ إن الكامن من الطاقة الكهرومائية، يمكن أن يقوم بدور ذي شأن رئيسي في تنويع مصادر الطاقة وبالتالي تنويع مصادر الاقتصاد.

7 ـ إن قوة طاقة الحرارة الجوفية هامة جداً بالنسبة للمصادر المألوفة من بخار ومن ماء ساخن. ويمكن أن نتوقع على المدى الطويل إمكانية استغلال الحرارة المخزونة في الصخور الحارة، ومن ثم استغلال حرارة الأرض.

8 ـ وتقدم الطاقة الشمسية إمكانيات مغرية على المدى المتوسط والطويل، ولكن استغلالها على نطاق واسع يواجه مشكلات فنية كثيرة. ومع ذلك فإنها تمثل اليوم، بالنسبة لتطبيقات محلية محدودة كالزراعة، وتوليد الحرارة، حلاً قابلاً للاستمرار والتوسع في استعمالها.

9 ـ والمصادر الصغرى غير التقليدية كالمد والجزر، والأمواج، والرياح، وتيارات البحر، لا تقدم إمكانيات مغرية على المدى المتوسط والقصير. وبالرغم من ذلك فإن استعمالها، في بعض الحالات الخاصة كحالة الرياح، قد يقدم نفعاً محسوساً، مع ما في البحار من ثروات أخرى.

ويفصّل سماحة الإمام الشيرازي، الرابطة التي تربط الإنسان بنعم الله، سبحانه، مما ذكرناه، ومما لم نذكره، لأن إحصاء نعم الله، سبحانه، على البشر، لا يمكن عدّها وحصرها، ويكفي أن الله، تعالى، يقول: (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها)(4). فقال سماحته:

(الرابطة بين الإنسان وبين نعم الله، سبحانه، التي خلقها في الكون، كالأرض والسماء والشمس والماء وغيرها، رابطة حقيقية عمومية، وسيلية لكل الأجيال، ولا يصح أن تُجعل وسيلة لاستثمار الإنسان للإنسان، مرحلية، فهذه أمور خمسة.

أما أنها حقيقية، فلأن الله سبحانه، جعل ربطاً بين الإنسان وبين نعمه، بأن خلقها للإنسان، فليس هذا الربط أمراً اعتبارياً، مثل اعتبار الملوك للنقد مالاً حتى يكون بيد من بيده الاعتبار يمكن أن يجعله، ويمكن أن يسقطه، بل هو من قبيل الأمور الانتزاعية التي لها حقيقة خارجية، وإن لم تكن مثل سائر الأمور العينية..

وأما انها عمومية فلأن الله سبحانه جعل النعم لعموم أفراد الجيل المعاصر وحتى من لا يعتقد بالله، بل وينكر وجود الله، فالكل له حق الانتفاع بما خلقه الله سبحانه، وفي القرآن الكريم: (كلا نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)(5) وفي قصة الوليد (وجعلت له مالاً ممدوداً)(6)...

أما ما ورد من حرمة الانتفاع بالأرض ونحوها للكفار أو المخالفين، فالمراد به العقاب على النعمة ومخالفة المنعم، ولذا كان لكل كبد حرّى أجر....

وأما كونها وسيلية، فلأنها جُعلت لاستفادة الإنسان، ولذا لا يحق للإنسان أن يخرجها من حالة الوسيلية، كأن تُجعل كنزاً في الجملة، أو تُحبس أو تعطّل أي هي وسيلة للتطور والنمو، لا غاية في حد ذاتها...

وأما أنها لكل الأجيال، فلوضوح أن الله سبحانه خلق ما في الكون وسخره للإنسان بما هو إنسان، ولذا قال: (خلق لكم)(7). إلى غيرها من الآيات والروايات، ولذا لا يجوز لجيل أو أجيال خاصة أن يستنفد ما في الكون من معادن، ويترك الأجيال الصاعدة بلا ضروريات...)(8).

وهذه العلاقات الخمس بين الإنسان وبين نعم الله سبحانه وتعالى تتطلب ولاشك جهوداً كبيرة، من قبل الإنسان للتعرف على تلك النعم وفوائدها، وهذا يتطلب عناية ودراسة مستفيضة ويحتاج إلى نظرة علمية ودقيقة لاستغلال هذه الموارد الطبيعية، لأن الثروات الطبيعية، يمكن أن تنضب إذا لم تتم المحافظة عليها، وان لم يعرف الاجتماع كيف يستعملها، فالحيوان إذا لم يتوالد معناه أنه لن يتكاثر.

ومن الطبيعي أن ليس من شأن الإمام الشيرازي أن يستعرض جميع مصادر الطاقة، والطاقة البديلة، ولا جميع الثروات التي يزخر بها البر والبحر، ولكن الإشارة إلى ذلك تفتح الأبواب أمام المفكّرين الاقتصاديين وخبراء الاقتصاد، والمعنيين بشؤون التنمية والتطوير لمزيد من العمل على تيسير الإفادة من مصادر الطاقة البديلة التي انتهى العلم من تأكيد جدواها الاقتصادية وعدم تلويثها للبيئة.

ومن الطبيعي، أيضاً، أن كل برنامج لتطوير مصادر جديدة للطاقة مما دعا إليه الإمام الشيرازي يجب أن تتأكد فاعليته بأن يأخذ المختصون من العلماء والباحثين والمعنيين بقضايا الطاقة، بحسبانهم جملة أمور، أبرزها:

1 ـ إن البحث عن مصادر طاقة بديلة كثيراً ما يكون معقداً جداً، ونجاحه يتوقف على الجهد الذي يبذل في كل حالة على حدة.

2 ـ إن انتشار التقنيات الجديدة انتشاراً واسعاً لا يمكن أن يتم إلا ببطء، بعيداً عن منهج الطفرة وإغراءات تقليد الآخرين تقليداً أعمى. فلابد إذن من تقدير آجال ملائمة للوصول إلى ذلك، لأن المشاريع القصيرة الأجل لا تلجئ إلى طاقة بديلة، بملاحظة توفر الطاقة حالياً والاستفادة منها بموجب مخططات علمية وعملية.

3 ـ والحلول الطويلة الأجل التي يمكن ان يأتي بها العلم والتقنية لمشكلة الطاقة بتطوير مصادر جديدة وتدابير توفير يمكن الاستفادة منها بمزيد من الانفتاح العلمي. مع وجوب الأخذ بالتوجيهات الإسلامية والمثابرة على الجد والتضحية كي يتحقق الإبداع وإغناء الاجتماع ومسيرته ببدائل طاقوية جديدة ونافعة، حين يكون ذلك ضرورياً؛ بسبب الدور الحيوي الذي تقوم به الطاقة في المجتمع الحديث، فلا مفر من تعميق الدراسات الجامعية والبحثية بهذا الاتجاه.

وقد رأينا فيما سبق تأكيد سماحة الإمام الشيرازي على ضرورة تغيير مناهج التعليم لما فيه خدمة المجتمع والمشاركة الفعالة في إيجاد الحلول العملية لمشاكله الاجتماعية والاقتصادية.

1 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 234 .

2 ـ ن.م: ج 1 ص 235 .

3 ـ Bantley Arther, The Process of Government, Oxford, 1968, P. 302 .

4 ـ سورة إبراهيم، الآية: 34؛ سورة النحل، الآية: 18 .

5 ـ سورة الإسراء، الآية: 20 .

6 ـ سورة المدثر، الآية: 12 .

7 ـ سورة النساء، الآية: 75 .

8 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 132 ـ 133 .